مراجعات تاريخية: الإسلام السياسي الشيعي…مناقشة حول المسألة الإيرانية

 تكوين

-1-

منذ استيلاء الفقهاء على السلطة في إيران سنة 1979 ظهر نموذجٌ سياسي جديد لدولة تجمع بين سذاجة الأصولية، ومكر الكهنوت کما شرحه نيتشه، مع نزعة قومية فارسية مُضمرة، وذلك كُله في إطار صوري دستوري حديث. فرضت إيران حضورها لتكون طرفًا فاعلًا في الأزمة المزمنة في الشرق الأوسط، أعني لتكون مثيرًا إضافيًا للتوتر في هذه المنطقة المسكونة بهواجس الدين السياسي والتنوع الإثني.

رغم الشعارات الحداثية المرفوعة، نحن في الواقع حيال جماعة دينية أصولية تتحول إلى دولة، وتتوفر فجأة على إمكانات اقتصادية وعسكرية واسعة موروثة من نظام ملكي قوي، وإلى ذلك، تحظى بنوع من القبول السياسي الجزئي من القوى العالمية، وعلى مستوى الشارع العام في المنطقة، المتأثر عند نهاية السبعينيات بحالة المد المتفاقم للإسلام السياسي، ونغمة اليسار المعادية للغرب و”الإمبريالية” الأمريكية. لكن الدولةَ الناشئة ظلت تتعامل بمنطق الجماعة الأصولية، وتفرض خطابها الأيديولوجي المتطرف الذي يروج “لدولة ثيوقراطية” خالصة، غريبة على رُوح العصر.

داخليًّا، وعقب سلسلة من الصدامات الدموية، استطاعت الجماعةُ الفقهية بقيادة الخميني تصفية القوى الوطنية واليسارية التي شاركت في إسقاط الشاه، وفرضت نموذجًا جديدًا لدولة دينية يحكمها الفقهاء فرضًا مباشرًا نيابة عن الإمام المهدي الغائب، ورغم بِنيته الثيوقراطية الفجة، حُشر هذا النموذجُ داخل إطار دستوري حدیث: رئيس منتخب، برلمان، وانتخابات دورية، لكن السيادةَ الفعلية ظلت بِيد الجماعة الفقهية الممثلة في المرشد الأعلى أو الولي الفقيه، بدت الظروفُ الإقليمية والدولية مواتيةً، واستطاع النظامُ الكهنوتي تثبيت نفسه داخليًّا بقبضة شمولية هائلة، عن طريق إعادة بناء الجيش والبيروقراطية الحكومية، وخلق قوًى عسكريةً موازية لقوة الجيش ممثلة في الحرس الثوري والباسيج، بالإضافة إلى المؤسسات التعليمية والإعلامية الجديدة التي اشتغلت على إعادة الشحن وفرض الهيمنة الثقافية.

وخارجيًّا، تبنت الجماعة الحاكمة في إيران خطابًا صداميًّا زاعقًا، موجهاً إلى دول الجوار، وإلى إسرائيل والغرب، خصوصًا أمريكا التي وُصِفت بالشيطان الأكبر. منذ البداية جرى الإعلانُ صراحة عن شعار “تصدير الثورة”، وعمليًّا تُرجم الشعارُ إلى ممارسات سياسية مباشرة من شأنها تصعيد وتيرة التوتر وتوسيع دائرة العنف:

1- تشجيع تيارات الإسلام السياسي السني داخل دول الجوار العربية (التحالف مع جماعة الإخوان وفروعها في المنطقة خصوصًا حماس، إلى جانب الدعم الموجه إلى التنظيمات الجهادية المنتشرة في مناطق النزاع من أفغانستان إلى سورية والعراق).

2- تحفيز الأقليات الشيعية التي صارت تتحول إلى بؤر صدام ثقافي وسياسي داخل المحيط العربي، أو مراكز للمعارضة في مواجهة الأنظمة (في دول الخليج من البحرين إلى السعودية واليمن، وفي العراق ولبنان وسورية).

3- إنشاء تنظيماتٍ عسكريةً مُنظمةً من الأقليات الشيعية، تعمل أفرعًا متقدمةً للحرس الثوري داخل البلاد العربية، ويجري توظيفها في تصدير العنف إلى الأنظمة، وتعطيل آليات الدولة الطبيعة، أو استخدامها أدواتِ ضغطٍ تفاوضية مع الغرب، الذي سيتدخل بغرض حماية إسرائيل، لتحجيم الطموحات العسكرية والنووية الإيرانية (الحشد الشعبي في العراق، والتنظيم الحوثي في اليمن، لكن الذراعَ الإيرانية الأخطر تتمثل في “حزب الله” اللبناني، الذي يقع على نقطة تماس مباشرة مع إسرائيل، ويُمثل تهديدًا جديًّا لأمنها العسكري، فضلاً عن تهديده للاستقرار الداخلي في لبنان، بعد أنْ تحولَ إلى “دويلة مسلحة” داخل دولة صغيرة، تعاني أصلاً من أعراض التسيب السياسي والتشرذم الطائفي).

-2-

عمليًّا، اشتغل النظامُ الفقهي الإيراني على فكرة تصدير الثورة إلى الجوار السني لتكون أولويةً سياسية تسبق المواجهة مع الخصم الخارجي الممثل في إسرائيل والغرب. لم ينقطع التدخل الإيراني داخل المساحة العربية المشتعلة من العراق إلى سورية ولبنان واليمن، وفي دول الخليج المستقرة نسبيًّا. وعند البعض بدت المواجهةُ الإسرائيلية محض شعارٍ خطابي مؤجل، يستخدم في تسخين المحيط العربي، والمزايدة على الأنظمة الحاكمة التي كانت بصدد الدخول في عملية السلام والتحول إلى سياسات التنمية والتطوير الاقتصادي.

لكن التطوراتِ السياسيةَ اللاحقةَ صارت تؤدي إلى تصعيد فرص الصدام مع إسرائيل: فمع تفاقم لغة الخطاب “الديني” العدائية، راكمت إيران مخزونًا عسكريًّا واسعًا، واشتغلت على إنتاج السلاح النووي، باستخدام ذراعها العسكرية المتقدمة في لبنان صارت على تماسٍ مباشرٍ مع إسرائيل واشتبكت معها في صدام فعلي.

في ظل التوازنات الإقليمية والدولية أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، ظل هذا الصدام جزئيًّا وقابلاً للاحتواء، فقد اشتغل النظامُ الإيراني على فكرة المواجهة المحسوبة عبر “وكلائه” في المنطقة. خصوصًا “حزب الله”، وناور في الوقت نفسه لتطويل أمد التفاوض مع الغرب بخصوص قدراته النووية، لكن التداعياتِ العسكريةَ والسياسيةَ صارت تُقلص فرصَ الاحتواء، وتدفع بخط المواجهة إلى داخل إيران:

بخصوص إسرائيل لم يَعُدْ النظامُ الإيراني يُمثل تهديدًا لتوسيع عملية السلام فحسب، ولكنْ يُمَثِّلُ خطرًا وجوديًّا داهمًا بسلاحه النووي المُحتمل، وحضوره العسكري المتزايد في لبنان وسورية، فضلاً عن جموحه الأيديولوجي الديني المتفاقم. بحسابات اليمين الإسرائيلي الحاكم بدت الظروفُ مواتيةً لحسم المواجهة في اللحظة الراهنة، في ظل التفوق العسكري والتِقْني الواضح، المدعم من أمريكا على المستويين الميداني والسياسي. وبخصوص أمريكا، مثَّل الجموح النووي الإيراني “المؤدلج” دينيًّا خطرًا حقيقيًّا لا على إسرائيل والجوار العربي فحسب، ولكنْ على الغرب. لقد صار النظام الإيراني يُمثل “العائقَ الأخير”، أمام التصور الأمريكي لإعادة هندسة المنطقة سياسيًّا على فكرة السلام والتنمية الاقتصادية، وباتت الحربُ ضروريةً لقطع الطريق على المشروع النووي الإيراني، ولتكريس الدخول في مشروع السلام “الغربي” الذي ترى أمريكا الترامبية أن المنطقةَ مُهيأةٌ لاستقباله.

-3-

موضوع هذه المقالة هو “الحالةُ الإيرانية” الراهنة، بوصفها تجليًّا للإسلام السياسي الشيعي، الذي دخل مؤخرًا إلى حلبة الصراع المزمن في المنطقة، ليُسهم مع مثيله “السني” في توسيع دائرة العنف، وتخريب المسار المتعثر أصلاً للدولة المدنية الحديثة.

في أوائل القرن الماضي، كانت جاذبية الحداثة قد بلغت ذروتها، وفرضت “الدولةُ الوطنية” نفسها لتكون نموذجًا نهائيًا للدولة الحديثة عبر العالم. وبوجه عام، بدا وكأن الدينَ يتراجع بوصفه مثيرًا سياسيًا مقابل الأيديولوجيا العلمانية بشقيها: الليبرالي والاشتراكي. في الشرق الأوسط، ورغم الخلفية الدينية للصراع في فلسطين، أمكن إخفاء عنوانه اللاهوتي من طرفيه، وظهرت عناوينُ سياسيةٌ بديلة: الطرف الصهيوني تكلم عن “الشعب اليهودي”، بوصفه مصطلحًا سياسيًا خالصًا يُشير إلى مفهوم “قومي” و”حقوق قانونية”، تُقر بها الحداثة بعد تفاقم المسألة اليهودية في أوروبا. وتكلم الطرف العربي أيضًا عن “الشعب الفلسطيني” بوصفه مصطلحًا سياسيًا خالصًا يُشير إلى مجتمع وطني يُمارس حق الدفاع عن أرضه. وجرى الترويجُ لهذا الحق تحت راية القومية العربية التي تفاقم ظهورها في الحقبة الناصرية.

لكن العنوانَ الديني عاد ليفرض نفسه على لغة الصراع بعد ظهور الأصولية الإسلامية السنية، الممثلة في جماعة الإخوان ومشتقاتها الجهادية اللاحقة. تدريجيًّا، ومع تصاعد الإسلام السياسي سيجري “تديين” الصراع العربي الإسرائيلي ليكشف عن وجهه اللاهوتي التاريخي الخبيء.

ومع ذلك، ظلت الأصوليةُ السنية معنيةً في المقام الأول بفكرة الشريعة والمواجهة مع الأنظمة الحاكمة، ولم تدخل في صدام عسكري مباشر مع إسرائيل، والمعنى هو أن تعيينَ الصراع معها لم يبلغ ذروتَه إلا مع ظهور الأصولية الشيعية التي تحولت إلى دولة في إيران، وأطلقت خطابَها الأيديولوجي الزاعق ضد الدولة اليهودية تحت راية الإسلام.

عودة العنوانُ الديني تعكس حجمَ التفاقم الأصولي، وتثير النقاش من جديد بشأن مدى التحول الحداثي مقارنة بالمكونات التراثية داخل الوعي العام ووعي الدولة. رغم الحضورِ المُتزايد للثقافة الحداثية، لا يزال الوعيُ السياسيُ السائد في المنطقة محكومًا بثقافة اللاهوت التاريخي الموروثة من العصور القديمة بطابعها الأحادي الحصري العنيف، أعني لا يزال محنطًا على مشاغل وقضايا التفكير البدائي المنحدرة من قاموس التوراة وتاريخ الفقه. فالعنوان الأصلي للنزاع الرئيس يدور حول “أرض الميعاد” التي وعد بها الربُ شعبًا بعينه على حساب الشعوب المجاورة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام. وفي الخطاب المتأخر لليمين الإسرائيلي تُستدعى نصوص الإبادة الكاملة لشعوب كنعان التي وردت في سفر التثنية وسفر يشوع. وفي المقابل تُستدعى النصوصُ الإسلامية، كي تَحُضَّ على قتال أحفاد القردة والخنازير في حرب مقدسة سوف يشارك فيها الشجر ليدل المسلمين على مواقع اليهود. الأرض المُتنازع عليها ليست فقط مساحة جغرافية تقبل التفاوض، أو تتسع نظريًّا للجميع تحت قانون مدني لدولة حديثة، وإنما فكرةٌ دينية غائمة يجب القتال عليها بتكليف إلهي. أما الأصولية الشيعية فلا تزال -إلى جانب ذلك- تُنظِرُ لمشروعية ومعقولية القتال ثأرًا “لإمامٍ” قُتل في صراع على السلطة منذ ألف وأربعمائة عام، تمهيدًا لظهور “إمام” آخر غاب في سرداب منذ ألف ومائتي عام، وسيعود ليملأ الأرض عدلاً بعدما مُلئت جورًا.

المفارقة هي أن هذه الثقافةَ التي تعمل ظاهريًا في وعي المنطقة، لا تزال حاضرةً بصور ضمنية في خطاب الدولة العلمانية المعاصرة، بما في ذلك الخطاب الأمريكي الذي يُقَدِّمُ نفسَه تقديمَ نموذجٍ متطورٍ لليبرالية المدنية والدستور العلماني، الأمرُ الذي يستدعي الوقوفَ قليلاً عند نظرية کارل شميت، التي أطلقها في أوائل القرن الماضي، عن “اللاهوت السياسي” والدولة الحديثة: بحسب شميت “كل المفاهيم الأساسية في نظرية الدولة الحديثة هي مفاهيم لاهوتية معلمنة”، لم تؤدِ العلمنةُ إلى إلغاء البِنية اللاهوتية، بل حولتها إلى مفاهيم مُقننة دستوريًّا.

لقد احتفظ الفكر السياسي الحديث بأفكار اللاهوت الرئيسة، لكنه استبدل لغة التعبير عنها، ولذلك -وفقًا لشميت- لا يُمكن بسهولة تحقيق هدف الحداثة السياسية في فصل الدين عن السيادة، لأن مفهومَ السيادةِ ذاتِه له أصلٌ لاهوتيٌ.

سأتفق بالطبع مع المقدمة الأولية لنظرية شميت، وهي “الثقافة اللاهوتية حاضرةٌ حضورًا مُضمرًا في وعي الدولة الحديثة”، ولكن هذه المقدمةَ تحتاج إلى تفسير أبعد مما قدمه المفكر الألماني، الذي كان مشغولاً في وقته بالترويج لفكرة السيادة النازية المطلقة:

استعارت الدولة الحديثة عند شميت مفاهيمها الأساسية، وأولها مفهوم “السيادة” من اللاهوت (سلطة الإله الكلية المطلقة). ومعنى ذلك أن هذا المفهومَ هو بالأساس مفهومٌ ديني قبل أن يكون أصلاً سياسيًّا من أصول الدولة، وأن الدولةَ الحديثة بالذات هي محض نسخةٍ معدلة من الدولة الدينية الكلاسيكية.

هذا التحليلُ غيرُ دقيقٍ من الزاوية التاريخية:

  • 1- بحسب الأنثروبولوجيا الموضعية المعاصرة، ظهرت المفاهيمُ اللاهوتية المبكرة انعكاسًا لصورة الدولة البدائية، الأفكار الأولية عن سلطة الإله وقدراته المطلقة تبلورت قياسًا على سلطة الملك وصلاحياته الواسعة. والمعنى هو أن السلطةَ الملكية أسبقُ من اللاهوت التفصيلي المقنن. عمليًّا، استعار اللاهوتُ مبادئَه من الدولة، ثم استقل بها وديَّنها، قبل أن يعود عبر مدى زمني طويل ليفرضها على الوعي العام ووعي الدولة.
  • 2- الدولة الحديثة بالذات لم تنشأ على فكرة الاستعارة من اللاهوت، بل نشأت -على العكس من ذلك- لتكون نقيضًا موضوعيًا مباشرًا للدولة الدينية التي سادت في العصور الوسطى. تاريخيًّا، تكوَّنت الدولةُ الحديثة في أوروبا على وقع الصدام العنيف مع الثقافة اللاهوتية التي تُمثلها الكنيسة، وتكونت خصائصها النافية للأوتوقراطية والثيوقراطية “معًا”، اعتراضًا على فكرة “السيادة المطلقة”، وبخصوص الفكر التنويري المبكر كانت الثيوقراطيةُ هي النموذجُ الأشدُ خطرًا من نماذج الأوتوقرطية، والمعنى هو أن الفكرَ السياسي الحديث لم يُستعرْ طوعًا من اللاهوت السياسي، وبوجه خاص لم يأخذ منه مفاهيمه الأساسية في مبدأ السيادة، لكنه يظل قابلاً للاحتفاظ ببقايا تراثية بحكم قوانين الجدل الاجتماعي البطيئة التي تحكم حركة التطور.

إسقاط نظرية شميت على الخطاب الإسرائيلي يبدو أكثر تعقيدًا: التأسيس النظري للدولة ينطلق من نقطة لاهوتية تاريخية، لكنه في الوقت نفسه يتبنى نموذجَ الدولة العلمانية الحديثة. هذه الازدواجية لا تفسر بعودة اللاهوت السياسي (دولة مدنية حديثة تستعير مفاهيم اللاهوت القديم)، بل نجد تفسيرها في بِنية التدين اليهودي التاريخي ذاته: في هذه البِنية لا يُمكن فصل اللاهوت عن السيادة، ولا عزل الديني عن السياسي. عبر التاريخ اليهودي، يبدو الدينُ ذاته علمانيًّا بمعنى ما، وفي نصوص العهد القديم يصعب العثور على لاهوت خالص وبريء من المعنى السياسي، إذ يطغى الهدفُ الصراعي على المعنى الرُوحي الفردي أو الخلاصي، ويبدو الرب مشغولاً لا بهداية الإنسان، بل بغرض أساسي هو حمايةُ الشعب العبري من خطر الشعوب المجاورة، وتمكينه من الأرض، كي يحكمها بعقد الشريعة. وفي هذا السياق تظهر فكرةُ السيادة، ومشروعية العنف الموجه إلى الأغيار. لم يكنْ هدفُ العنف إدخالَ الشعوب في الديانة لتحقيق الخلاص، أو لرفع كلمة الله، بل تحصين الشعب العبري وإنجاز حقوقه الإلهية، وهو ما كرَّس فكرةَ التماهي بين الديانة والقومية التي صارت تُقَدِّمُ الآن بوصفها مفهومًا مدنيًا خالصًا داخل النسق العلماني الحديث.

ليس ثمة إخفاءٌ للاهوتي داخل السياسي بمنطق شميت، فكلاهما شيء واحد، لكنْ يجري التعبير عنه بلغة الحداثة العلمانية التي يتكلم بها الغرب، لا بلغة التراث الديني الخشنة التي يتحدث بها الإسلاميون.

-4-

في التكييف الواقعي للحالة الإيرانية نحن حيال دولة بعقلية تنظيم أصولي متطرف. فتنطلق الدولة من أيديولوجيا دينية ذات طابع ثأري مؤجل يقوم على فكرة التمهيد لظهور المهدي الذي سيأتي في آخر الزمان ليدخل في حرب نهائية تُعيد الحقوق المسلوبة لآل البيت وتقضي على قوى الشر.
تاريخيًّا، وبحكم التكوين المبكر الذي تكوّن في ظل سياق قمعي طويل بامتداد العصرين الأموي والعباسي، أنتج الفقه الشيعي المبكر مبدأ “الانتظار والتقية” حتى يخرج القائم من آل البيت على الدولة “السنية” المتغلبة، وهو المبدأُ الذي سيتطور لاحقًا مع تواصل القمع إلى فكرة الغيبة، فلم يَعُدْ الإمامُ -الذي صار ينتمي حصرًا إلى أبناء الحسين بن علي- حاضرًا في العالم، بل اختفى لفترة مؤقتة، سيشار إليها لاحقًا بالغيبة الصغرى، قبل أنْ يُعلن عن غيبته النهائية أو الكبرى التي سوف تستمر إلى آخر الزمان.

بحسب الفقه الإمامي التقليدي، لا يجب الخروج على الحكومة الغالبة، أو إنشاء الدولة إلا تحت راية الإمام المعصوم، لكن هذا الفقهَ سيتغير في أوائل القرن الماضي على يد الخميني، الذي طوَّر نظريةَ ولاية الفقيه، لتكون حلًا سياسيًا عمليًا لمشكل الغيبة، إذ يقوم الفقهاء نيابة عن الإمام بمهمة إنشاء الدولة، وممارسة الحكم، ومواجهة قوى الشر الإقليمية والعالمية. وهي حربٌ ضرورية تسبق وتمهد لظهور المهدي بحسب الروايات الشيعية الموروثة.

مع نظرية ولاية الفقيه دخلت فكرةُ “المهدي” في صلبِ اللاهوت السياسي المعاصر: فهي تؤسس الشرعية الدولة بوصفها تمهيدًا لظهوره. ويُستخدم خطابُ التمهيد في حشد وتعبئة التنظيمات المسلحة التابعة للولي الفقيه مثل حزب الله. وفي هذا السياق صار الصراعُ السياسي الدائر في المنطقة جزءًا من سردية الرواية الإسلامية عن آخر الزمان، وهي السرديةُ التي يقابلها على المستوى المسيحي سيناريو الملك الألفي الذي يرجع إلى سفر الرؤيا في العهد الجديد (سيعود المسيح بعد معركة هرمجدون ليحكم العالم لألف عام).

-5-

تاريخيًّا، تكوَّنت الحركةُ الشيعية من موقع المعارضة، وتطورت في سياق سياسي قمعي، وهو ما جعلها تبدو دائمًا جماعةً أصولية تَهْدِفُ إلى تقويض الدولة القائمة، وتؤسس نفسها على تأويلات نصية مناقضة للخطاب السائد “السني”. مع فكرة الغيبة والعمل تحت ضغط الدولة اكتسب الفقهاء سلطة عملية أوسع لتعويض صلاحيات الإمام المفقودة. وتطورت هذه السلطةُ إلى “مؤسسة” عضوية مستقلة، ذات بناء شبه تراتبي، ومدعم بأموال الخمس المخصصة أصلاً للإمام. وذلك خلافًا للطبقة الفقهية السنية، التي تكونت في كنف الدولة الحاكمة، أي من موقع السلطة، وظلت تنظِّر لسياساتها في مواجهة الفرق المعارضة.

في السياق السني المعاصر، ظهرت التنظيماتُ الأصولية لتكون حركاتٍ مناقضةً للحداثة، تعارض الدولةَ المدنية القائمة، وتُزايد في الوقت نفسِه على أداء الطبقة الفقهية بتوجهها المدرسي الأشعري التابع للدولة، لم تُنشئْ الطبقة الفقهية قط تنظيمًا أصوليًّا، ولم تُسهم إسهامًا ملموسًا في تكوين الجماعات الأصولية.

لكن الأصوليةَ الشيعية تظهر الآن، كما كانت دائمًا، على يد الطبقة الفقهية ذاتها. ورغم استيلائها على السلطة وانتقالها إلى وضعية الدولة، لا تزال تتكلم بلسان جماعة دينية متطرفة. والسبب واضح، وهو أن الدولةَ هنا ليست حالةً نهائية لها شرعيتها الذاتية، بل حالةٌ مؤقتة تستمد شرعيتها من فكرة النيابة عن الإمام المهدي. وتعمل حلقةً تمهيديةً لتعجيل ظهوره، فهو وَحْده صاحبُ الحقِ في إنشاء الدولة “الأخيرة”، وهي الدولةُ التي سينتهي بها التاريخ.

هذا الطرحُ الميثولوجى لا يزال قابلاً للحضور في السياسة، وقادرًا على شحن الناس للقتال وسفك الدماء. ومع ذلك يجري تجميله من قبل الكهنوت الإيراني، بمحسنات خطابية معاصرة، تستدعي لغة المقاومة ومفردات النضال ضد الإمبريالية، الموروثة من قاموس الیسار في الستينيات، وهي لغةٌ جرى تجاوزها عمليًّا على مستوى الوعي العام، الذي يتفاقم نزوعه للاندماج في أهداف التنمية وثقافة الحياة.

يتبع

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete