الإسلام السياسي في ضوء المادية التاريخية المُعدَّلة: سمير أمين نموذجاً

 تكوين

الأسس النظرية للدراسة المادية التاريخية للدين الجزء الثالث

1) أهمية سمير أمين:

انشغلنا حتى الآن في الكشف عن النظرية الحاكمة لتحليلات ماركس للدين، وهي نظرية غابت عن الكثير من الماركسيين أنفسهم، من جراء تقيدهم بنزعة تجريبية ومادية فجة، هذه النظرية التي تنظر إلى الدين على أنه ظاهرة موازية للتشكيلة الاجتماعية قد لمسها ألتوسير، واستفدنا منه كثيراً في فهم المتضمنات النظرية والمنهجية لنقد ماركس للدين.

لكن كل ما وجهه ماركس للدين من تحليلات كان منصباً على المسيحية، التي نظر إليها على أنها تمثل الدين النموذجي، وهذه في حد ذاتها مركزية أوروبية، سوف يتخلص منها سمير أمين وينظر إلى المسيحية على أنها كانت الاستثناء لا القاعدة، وأن القاعدة هي اليهودية والإسلام، أي الديانتان النموذجيتان الشاملتان صاحبتا الشريعة. وفي مقابل غياب الإسلام التام في تحليلات ماركس للدين، فإن الأنسب والأصح لمعرفة موقف ماركسي حقيقي من الفكر الإسلامي هو التعرف على أعمال سمير أمين، خاصة تلك المتعلقة بنظريته في الثقافة وتحليلاته للإسلام السياسي. فسمير أمين لديه خبرة مباشرة وحياتية بالعالم الإسلامي وبالتراث الإسلامي، كما أنه من أهم المجددين والمراجعين للفكر الماركسي في القرن العشرين، إذ أن النظرية التي دشنها أمين والتي تمثل أكبر مراجعة للماركسية ظهرت حتى الآن وهي “نظرية التطور اللامتكافئ”، تحتوي على تفسير مادي تاريخي أصيل وجديد لظهور الإسلام وللدور الحالي للإسلام السياسي. هذه النظرية لا تحصر التطور في النموذج الأوروبي، بل تنظر إليه نظرة تاريخية شاملة تضم آسيا، وتضعه في سياق نمط الإنتاج الأول والأساسي الذي تطور عنه وهو نمط الإنتاج الخراجي. وقد كانت الحالة الإقطاعية الأوروبية هي الاستثناء لا القاعدة في هذا النمط الخراجي، ومثلت أوروبا الحلقة الأضعف في هذا النمط، وحسب نظرية أمين التي ورثها من لينين فإن النظام يُكسر عند الحلقة الأضعف فيه، ولذلك فإن هامشية وتبعية الإقطاع الأوروبي لنمط الإنتاج الخراجي السائد في الشرق[1] جعلته الحلقة الأضعف التي كُسر عندها النمط وسمح ذلك بظهور الرأسمالية التي كانت الاستثناء في خط سير التطور، لا قاعدته[2]. وتلك المركزية القديمة للشرق في نمط الإنتاج الخراجي هي التي جعلت الأيديولوجيا الدينية التي حكمت هذا النمط وهي الإسلام الأصعب في الكسر وفي التغيير، فالإسلام في نظر سمير أمين هو من أكثر الأديان استعصاء على العلمنة أو حتى العقلنة، التي حاولها فلاسفة الإسلام وعلى رأسهم ابن رشد وفشلوا.

في دراسة عن الأسس النظرية للدراسة المادية التاريخية للدين، لا يمكن إغفال أطروحة سمير أمين، أولاً لأنها تمثل مراجعة شاملة للماركسيات الغربية، وثانياً لأنها أشمل منها في دراسة الدين بوجه عام، والإسلام بوجه خاص، وثالثاً لأنها تظل مادية تاريخية بعد مراجعة الأصول الماركسية، ورابعاً لأنها تقدم نظرية تمثل فيها الماركسية حالة خاصة، أي أنها تستوعب أطروحة ماركس حول الدين وتربطها بوضع المسيحية في عصر ماركس، عاملة بذلك على موضعة الماركسية وموقفها من الدين. وخامساً لأنها تتجاوز الطابع المجتزأ والمتشظي والعابر لملاحظات ماركس حول الدين، وتركز على الدين في ذاته، وتركز على الإسلام بالذات، في حين ركزت الماركسيات الغربية على المسيحية. وسادساً لأن أطروحة سمير أمين حول الدين متأخرة، وهذه هي ميزتها، إذ قدمها في أواخر الثمانينيات وطورها بعد سنة 2000، أي بعد تبلور ظاهرة الإسلام السياسي واستفحال خطرها، ولا يمكن فهم واستيعاب الإسلام المعاصر بدون الإسلام السياسي. وسابعاً وأخيراً فإن أي أسس نظرية لدراسة الدين دراسة مادية تاريخية يجب أن نأخذها من ماركس ومن سمير أمين معاً، مع العلم بأن كل هذه الأسس مجرد “أسس” نظرية، أي جهاز تفسيري مجرد مدعم ببعض التحليلات التي تثبت جدارته، وهو في حاجة إلى المزيد من التحقيق التجريبي.

ولأن أفكار ماركس وإنجلز وكاوتسكي ركزت على المسيحية، فمن الضروري التعرف على تطوير سمير أمين لهذه الأفكار في دراسة الإسلام السياسي.

2) الموجهات النظرية لأمين في دراسة الإسلام السياسي:

ينطلق سمير أمين من معالجته للإسلام السياسي من بعض الموجهات النظرية، وهي:

  • 1) أن التحرر الفكري لا يقل أهمية عن التحرر الاقتصادي بالنسبة للعالم الإسلامي[3]؛ فلا يمكن انتظار حدوث تغييرات اقتصادية عميقة في بنية العالم الإسلامي كي تتغير الذهنيات الدينية السائدة أو يحدث إصلاح أو تنوير أو نهضة. لقد استندت نظرية سمير أمين على مفهوم التطور اللامتكافئ، وهي مناسبة تماماً لدراسة الفرق الهائل بين الإنتلجنسيا العلمانية في العالم الإسلامي والقاعدة الجماهيرية السلفية.
  • 2) يواجه أمين النزعة الثقافوية culturalism التي تعتقد في خصوصية ثقافية لكل شعب، وفي أن الثقافة هي التي تحدد البناء الاجتماعي ومن ثم البناء الاقتصادي السائد لدى هذا الشعب[4]. أمين في هذا السياق يرفض أطروحة ماكس فيبر حول أثر البروتستانتية في ظهور الرأسمالية، وهو في ذلك مخلص لمقولة ماركس إن وعي الناس ليس هو الذي يحدد وجودهم، بل إن حياتهم المادية هي التي تحدد وعيهم. ويذهب أمين إلى أن التأويلات الجديدة التي أدخلتها البروتستانتية في المسيحية لم تكن أبداً سبباً في إحداث تغييرات اقتصادية، بل على العكس كانت هذه التأويلات تكييفات للدين حسب الأوضاع المادية الجديدة.
  • 3)  هناك تكييفات إيجابية وتكييفات سلبية يمارسها كل دين على نفسه استجابة للمستجدات المادية التي تواجهه positive/ negative adjustments. كانت البروتستانتية تكييفاً إيجابياً، والسلفية الإسلامية المعاصرة تكييف سلبي، ودائماً ما يكون رد فعل الوعي الديني على المستجدات المادية هو التكييف، لأنه في الأساس تابع، إذ هو أحد عناصر البنية الفوقية.
  • 4) يعيد أمين تأويل المادية التاريخية على أساس نظريته في التعين الأدنى under-determination، أي أن “كل مستوى من الواقع (الاقتصادي، السياسي، الأيديولوجي) لديه منطقه الداخلي الخاص، وبسبب ذلك فإن الطبيعة المتكاملة لتطور هذه المستويات، والتي تضمن الانسجام الكلي لنسق اجتماعي ما، لا يمكن أن تحدد مسبقاً اتجاهاً محدداً لتطور معين”[5]. هذه هي نظريته في التطور اللامتكافئ مطبقة على المجال الأيديولوجي، إذ يمكن أن يكون تغير هذا المجال غير متكافئ مع التغيرات الاقتصادية والسياسية؛ فالسلفية ظهرت بعد الأيديولوجيات القومية والاشتراكية وحركات التحرر الوطني الأرقى منها أيديولوجياً والأكثر منها وعياً بواقعها. كما يمكن أن يصاب المجال الأيديولوجي بالارتكاس أو البطء lag أو الردة، أو التشكل الكاذب. الملاحظ هنا أن أمين يضع مصطلح under-determination وهو المقابل لمصطلح over-determination الذي وظفه ألتوسير[6]، لكنه متفق تماماً مع نظرية ألتوسير في التعين في اللحظة الأخيرة. إن مراجعة أمين للمادية التاريخية متفقة تماماً مع موقف ألتوسير من الاستقلال النسبي للمجال الأيديولوجي.
  • 5) تشهد الأديان في نشأتها ظاهرة يسميها أمين بالتكيف التبادلي بين القاعدة الاجتماعية والمؤسسة الدينية[7] mutual adaptation[8].

3) الفكر الإسلامي هو الأيديولوجيا النموذجية لنمط الإنتاج الخراجي:

الدين العالمي ونمط الإنتاج الخراجي:

شهد العالم منذ سنة 500 ق.م. ثورة في نمط الإنتاج السائد. تمثلت هذه الثورة (بالمعنى القديم لا الحديث) في التحول من النظم العشائرية والقبلية الصغيرة إلى النمط الخراجي الذي تشرف عليه وتتولي إعادة إنتاجه إمبراطوريات كبيرة[9]. لكن الملاحظ أن أمين غير دقيق في هذا التشخيص التاريخي، لأن الإمبراطوريات كانت قد ظهرت قبل 500 ق.م.: الإمبراطوريات المصرية والبابلية والآشورية وكذلك الصينية والهندية. الذي حدث ابتداءً من 500 ق. م. هو سيادة النمط الخراجي نفسه وسيادة نموذجه السياسي وهو الإمبراطورية العالمية وزيادة الطابع العالمي للنموذج الإمبراطوري على يد الفرس أولاً ثم الإسكندر وخلفاؤه بعد ذلك، ثم الرومان والبيزنطيين مع الفرس، وأخيراً العرب. إن الذي حدث إذن بعد 500 ق.م. هو ثورة سياسية مستندة على ثورة اجتماعية اقتصادية مسبقة ظهرت في مصر وبلاد الرافدين والهند والصين، والجديد هو تسييد نمط الإمبراطورية العالمية الذي هو الشكل السياسي الأنسب لنمط الإنتاج الخراجي. هذه الثورة السياسية الجديدة التي أنتجت الشكل السياسي المناسب لها، هي أيضاً التي أنتجت الشكل الأيديولوجي المناسب للشكل السياسي الجديد ولنمط الإنتاج نفسه في نظر أمين، وهو الدين العالمي في صورة المسيحية أولاً ثم الإسلام ثانياً. كانت الديانة المصرية القديمة والزرادشتية والكونفوشية توفر جميعاً البناء الأيديولوجي المناسب لنمط الإنتاج الخراجي وشكله السياسي الإمبراطوري، لكن كان هذا البناء الأيديولوجي محلياً للغاية ومرتبطاً بشدة بالخصوصيات الثقافية للحضارات التي أنتجته، والإنجاز الذي قامت به الأديان العالمية مثل المسيحية والإسلام هو أنها استعارت العناصر الأساسية من هذه الأديان الأولى وجعلتها عالمية[10]. إن سبب نجاح الإسلام وسرعة انتشاره الصاروخية في العالم القديم يكمن في أنه كان مناسباً تماماً لنمط الإنتاج الخراجي السائد وكذلك لدولته الإمبراطورية. وهذه ليست أوتوقراطية ولا ثيوقراطية، لأن هذه المصطلحات تصف واقعاً حديثاً، فلا يمكنك الحديث عن أوتوقراطية إلا في مواجهة نقيضها وهو الديموقراطية التي لم تكن قد ظهرت بعد في شكلها المعاصر؛ فلا يمكن فهم السائد في هذه الإمبراطوريات على أنه أوتوقراطية وثيوقراطية بالمعاني الحديثة.

وقد مثلت مصر فاتحة جديدة في الشكل الأيديولوجي لنمط الإنتاج الخراجي، ذلك لأن العقائد الأساسية الداعمة لهذا النمط أيديولوجياً قد نشأت في مصر لأول مرة: عقيدة خلود النفس، أخلاق المسؤولية أو الضمير، عقيدة الحساب الأخروي، التوحيد، مأسسة الدين مع الدولة، وذلك لأن مصر مثلت النمط الخراجي المكتمل في العالم القديم، وأنتجت أول نمط خراجي مترافقاً مع أيديولوجيته المكتملة. ومن هذه العناصر الأيديولوجية تم بناء الهلينية ثم اليهودية والمسيحية والإسلام.

تمفصل الدين والسياسة في النمط الخراجي:

كان الفكر الديني في العصور الوسطى محل إذعان وقبول وتقليد، دون تفكير أو نقد، لأنه كان جزءاً من نسق الهيمنة ونسق تبرير شرعية العلاقات السلطوية؛ إن الإذعان والسمع والطاعة هي الأشياء التي تطلبها السلطة أساساً، وطلبها الفكر الديني نظراً للوظائف السلطوية التي كان يؤديها، ولذلك كانت السلطة تدافع عن الفكر الديني دائماً لأنه جزء من شرعيتها، وأحد خيوط النسيج الاجتماعي، وأي محاولة لنقده تهدد المجتمع كله بالفوضى، ولذلك فالكفر الديني هو في حقيقته كفر سياسي وهو الخطر الأكبر. لم تكن الهرطقة الدينية خطرة دينياً وحسب، بل كانت خطرة سياسياً في الأساس[11].

والدليل على أن الفكر الإسلامي كان هو اكتمال الشكل الأيديولوجي المعبر عن نمط الإنتاج الخراجي الشرقي، المتطور هو نفسه، أن الإسلام كعقيدة هو أكثر بساطة وأكثر نقاء من المسيحية، لكنه الأكثر تعقيداً من حيث الشريعة والفقه، حيث كان الإسلام فيهما أيضاً أكثر تقدماً من القوانين البربرية المعاصرة له. لا يجب مقارنة الفقه الإسلامي بالقانون الحديث، بل يجب مقارنته بالقوانين المعاصرة له في أوروبا المسيحية وبذلك سيظهر على أنه أكثر تطوراً ونضجاً منها. يقول أمين: “إن الإقطاع الأوروبي باعتباره الشكل الطرفي للنمط الخراجي، أنتج صيغة طرفية”، أي هامشية غير مكتملة النضج وبدائية، “من الأيديولوجيا الخراجية؛ أما الميتافيزيقا الإسلامية التي كانت وريثة الهلينية والمسيحية الشرقية فقد شكلت التعبير الأكثر اكتمالاً ونضجاً من الأيديولوجيا [الخراجية]”[12]. وأمين لا يقصد بالميتافيزيقا الإسلامية الفلسفة الإسلامية بل يقصد العقيدة الإسلامية وربما علم الكلام الإسلامي، على الرغم من أن فكرته تستوعب الفلسفة الإسلامية.

لقد كان الإسلام جزءاً من التغيرات التاريخية التي مرت بها المنطقة، ولم يكن فاعلها أو قائدها[13]، مثله مثل المسيحية والهندوسية والكونفوشية، ذلك لأنه لم يكن يحمل برنامجاً اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً مختلفاً عما كان سائداً في عصره كما يقول أمين[14]. أي أن الإسلام كان يتغير بتغير مجمل مكونات عصره، ولم يكن الإسلام المحمدي الأول صاحب الدور الفاعل في التغيرات التي حدثت للإسلام التالي. الإسلام المحمدي حسب أمين مر بمرحلتين مكية ومدنية، وفي كل مرحلة كان مشروطاً بالأوضاع الاجتماعية والسياسية لمحيطه وللبيئة الحاضنة له.

يقول أمين إن ظهور البعد المركزي الأوروبي من الأيديولوجيا الحديثة كان أسبق من تبلور الأشكال والأبعاد الأخرى المميزة للرأسمالية[15]؛ أي أن الأيديولوجيا الأوروبية كانت سابقة في الظهور على أوروبا نفسها كمركز اقتصادي وسياسي عالمي، وحدث الاستقطاب والتمركز في مجال الأيديولوجيا أولاً قبل أن يتبلور اقتصادياً وسياسياً. هذه الحقيقة هي تحقيق لنظريته في إمكان أن يسبق مجال ما من التشكيلة الاجتماعية المجالات الأخرى ويقودها. وفي نفس هذا السياق، فإن النزعة العقلانية والإنسانية للفلسفة الأوروبية كانت سابقة على عصرها الذي عانى الصراعات المذهبية والسياسية والحروب الإقليمية الأوروبية، ومذهب الدين الطبيعي أيضاً كان سابقاً على عصره، وربما تكون الماركسية ذاتها أسبق من عصرها. يبدو أن الفكر أكثر حرية من كل عناصر البناء الاجتماعي، وبالتالي يمكن أن يتطور أسرع وبدرجة أعلى ويسبق التطور المادي، بل يمكن أن يقوده في بعض الأحيان.

صحيح أن المسيحية والإسلام والكونفوشية كانت أيديولوجيات للنمط الخراجي أو الإقطاعي حسب أمين، إلا أنها تلعب الآن دور التبرير الأيديولوجي للرأسمالية أيضاً، كما يظهر هذا في تحليل أمين للإسلام السياسي المعاصر، وذلك بخاصة المسيحية التي أعادت تأويل ذاتها كي تناسب هذا الدور الأيديولوجي الجديد، وخاصة في البروتستانتية والسوسينية ومذهب الدين الطبيعي، وهي الاتجاهات التي سعت نحو مزيد من التوحيد والبعد عن التثليث، كي تصل المسيحية إلى نقاء الإله الواحد، المعادل اللاهوتي لرأس المال. والإسلام السياسي في نظر أمين لم يُعِد تأويل ذاته كي يناسب الرأسمالية، بل كي يناسب العالم الإسلامي باعتباره هامش النظام الرأسمالي العالمي ويناسب علاقات الهيمنة والاستغلال السائدة فيه. هذه هي المرونة في المجال الأيديولوجي والاستقلال النسبي  الذي يسمح للفكر الديني بأن يكون طيِّعاً على تأويلات متعددة بل ومتباينة. إنه ليس ثابتاً ثقافياً عابراً للتاريخ ومتجاوزاً  للزمن، بل هو على العكس متغير جداً، وربما السبب في طول تاريخه وانتشاره الواسع بين مجتمعات متباينة هو قدرته على التكيف مع كل عصر ومع كل مجتمع، إذ ليس هو الذي يتكيف بل البشر هم الذين يجعلونه كذلك.

تفسير بقاء الفكر الإسلامي دون إصلاح:

أوروبا قطعت مع نمط الإنتاج الخراجي ولذلك استطاعت الخروج من أيديولوجيته، فما حدث لم يكن تطوراً ولا تقدماً ولا ثورة، بل ما حدث هو كسر لنمط الإنتاج عند حلقته الأضعف[16]. لكن لاتزال بقايا نمط الإنتاج الخراجي سائدة في العالم الإسلامي، ولذلك يظل الفكر الإسلامي السلفي جزءاً أصيلاً مكوناً لبنية المجتمعات الإسلامية. نمط الإنتاج الخراجي انتهى تاريخياً، لكن العالم الإسلامي يحتفظ بعلاقات اقتصادية واجتماعية شبه خراجية: التبعية للغرب، وسحب القيمة منه لصالح المراكز الرأسمالية تجعله مصدراً للخراج الرأسمالي العالمي، الريع الاحتكاري Monopoly Rent، مصادر الدخل الريعية: البترول، السياحة، قناة السويس وباقي الخدمات الملاحية، خدمة القواعد العسكرية الأمريكية، تحويلات العاملين بالخارج، الامتيازات الممنوحة لرأس المال الأجنبي في كل المشروعات؛ وهذا كله دخل خراجي أو ريعي من بيع حقوق الانتفاع. كل ذلك يعبر عنه أمين بقوله: “إنني أضع تشوهات رأسمالية الأطراف التي هي تعبير عن التوسع المعولم للرأسمالية، باعتبارها سبب الإعاقة التي تعاني منها الثورة الأيديولوجية”[17] في العالم الإسلامي. والملاحظ أن الطبقات الحاكمة ومنها رجال الدين هي التي تشكل القوة المضادة لهذه الثورة الأيديولوجية.

ومن الفروق الهامة بين المجتمعات الخراجية والمجتمعات الرأسمالية: الاغتراب في الأولى ديني وفي الثانية اقتصادي. لكن لا يزال الاغتراب الديني سائداً في ظل الرأسمالية، وخاصة في أطرافها الإسلامية. فرق آخر بينهما ليس في درجة التطور الاقتصادي بل في درجة اكتمال نمو الشكل السياسي المناسب للنمط الخراجي وهو الدولة الإمبراطورية والشكل الأيديولوجي وهو الدين العالمي. وبالتالي فإن العالم الإسلامي كان يمثل النمط الخراجي الأكثر تطوراً من النمط الإقطاعي الأوروبي، أولاً لأن تشكله السياسي كان مكتملاً في شكل إمبراطورية واسعة مستقرة، في حين تفتتت أوروبا على عدد كبير من الإمارات والممالك الصغيرة، ثانياً الفكر الإسلامي الذي يمثل على المستوى العقائدي تطوراً عن الفكر المسيحية[18].

فرق آخر بين الرأسمالية ونمط الإنتاج الخراجي: النمط الأخير علاقات الاستغلال فيه واضحة ومباشرة وعينية، ولذلك احتاجت إلى نمط أيديولوجي وميتافيزيقي أكثر اكتمالاً وتعقيداً من الأديان الأسبق، وهو ما وفره الدين التوحيدي. أما الرأسمالية فعلاقات الاستغلال فيها غير واضحة وغير مباشرة، ولذلك لا يلعب فيها الدين نفس الدور السابق، وبدلاً من الدين، هناك الاقتصاد وقوانين السوق. لكن في الحالتين يتم تقديم علاقات الاستغلال والهيمنة على أنها جزء ضروري وحتمي من نظام كوني لا يتغير، سواء كان إرادة الله أو قوانين الطبيعة[19].

4) أزمة الإسلام السياسي مع الديمقراطية والحداثة:

إن أزمة الإسلام السياسي مع الديمقراطية هي أزمة مفهومه عن السلطة والسيادة، إذ هما في الإسلام السياسي على النقيض تماماً من الحداثة. السلطة العليا في الإسلام السياسي ليست لأي دولة أو نظام سياسي أو لشعب، بل هي للإله وحده لا شريك له، ذلك لأن صاحب السيادة في الإسلام السياسي كما يعترف سمير أمين هو الإله، وهو وحده الذي يمنح القانون، وبالتالي فما على السلطة البشرية سوى تطبيق هذا القانون، أو الشريعة. هذا التصور لا يسمح بأن ينشأ أي تصور ديمقراطي عن المجتمع وعن السلطة والسياسة، ذلك لأن الديمقراطية تُقِر بالسيادة الشعبية وبقدرة الناس على وضع قوانينهم بأنفسهم، وبغياب هذه المفاهيم الحداثية عن الإسلام السياسي فهو يشكل قوة مضادة للديمقراطية وللحداثة كلها. هذه الفكرة (وهي أن السيادة لله والقانون من وضعه وحده)، هي أصل الثيوقراطية في الإسلام السياسي؛ فليس شرطاً في النظام الثيوقراطي أن يكون قائماً على سلطة رجال الدين أو على كهنوت، فمن الممكن أن يكون النظام ثيوقراطياً دون أن ينبع من سلطة دينية أو مؤسسة دينية، يكفي أن يكون النظام معترفاً بسيادة الإله وبأنه مصدر القانون حتى يكون هذا النظام ثيوقراطياً[20]. فكلمة ثيوقراطية تعني سلطة الله أو بمعنى أدق حاكمية الله وكونه المصدر الأول للقانون، وكل نظام يتبنى هذه الفكرة هو نظام ثيوقراطي بصرف النظر عما إذا كان القائمون عليه رجال دين أم لا. كذلك يتفق الوعي المتدين الشائع مع تحليلنا هذا، فإذا سألت أي شخص “مسلم” في الشارع هل نحن دولة إسلامية أم لا، سيقول لك نحن دولة إسلامية. هكذا يتفق الوعي اليومي الشائع لرجل الشارع البسيط مع أيديولوجيا الإسلام السياسي.

وفي نظر سمير أمين فإن الأوتوقراطية والثيوقراطية تدعمان بعضهما البعض، ذلك لأن الحاكم الفرد أو النظام الأوتوقراطي يحتاج لشرعيته أن يكون ممثلاً لقانون الله ومتحدثاً باسمه، آخذاً شرعيته من الدين، نظراً لأنه يفتقد الشرعية الشعبية الديمقراطية؛ وبذلك يُخضع الحاكم الأوتوقراطي الشعب نفسه للدين، بدلاً من أن يكون هو نفسه خاضعاً للشعب. وعلى الجانب الآخر يحتاج أي نظام ثيوقراطي لأن يكون مدعماً من حكم أوتوقراطي. ولما كان الإسلام السياسي مضاداً للحداثة وللديموقراطية ولا يعترف بالسيادة الشعبية ويقر بالحاكمية دائماً، فهو الدعامة الأساسية للأوتوقراطية[21].

ويميز أمين بين الثيوقراطية المرنة والثيوقراطية الصلبة. كل الدول في العالم الإسلامي دول دينية، إسلامية، لأنها تعترف بأن الله هو مصدر القوانين وبأن على الحكام مجرد تطبيقها، وبأن على المحكومين الطاعة. هذا هو أساس الثيوقراطية المرنة، وكل الفرق بينها وبين الثيوقراطية الصلبة التي يدعو إليها الإسلام السياسي، هو أن الأخير يهدف تركيز السلطة الدينية في يد القلة، سواء كانت هذه القلة هي نظام الملالي في إيران، أو جماعات الإخوان والسلفيين في مصر، هذه القلة التي سوف تحتكر الكلام باسم الدين، وسوف تحتكر مهمة تطبيق الشريعة، ومطهرة لكل المجتمع من الممارسات التي تنظر إليها على أنها لا تتفق مع “الإسلام”[22].

إن محاولة التوفيق بين العقل والإيمان مشروطة تاريخياً، إذ هي لا تظهر إلا عندما يبدأ تطور تاريخي يتجاوز الدين القائم. فمحاولة إصلاح الدين من داخله ومن داخل أفق تاريخي واجتماعي يهيمن عليه الدين، هي محاولة قبل حداثية بالضرورة. كانت هذه هي محاولة ابن رشد التي فشلت وانتصر الغزالي وابن تيمية عليه. أما الحداثة فلا توفق بين العقل والإيمان، بل هي تُخضع الدين لمتطلبات العقل التحرري، وهذا هو أصل لاهوت التحرير، وربما كان مذهب الدين الطبيعي هو النموذج الأول لذلك.

نجحت اليهودية والمسيحية في تحليل أمين في التكيف مع الحداثة، ويقول أمين إننا في انتظار الفكر الإسلامي كي يفعل المثل[23]

ويذهب أمين إلى أن الفكر الإسلامي لم يُحدِث أي تغيير في البناء الاجتماعي أو السلطوي للعرب[24]. وهذا التحليل هو في اتفاق مع أطروحات خليل عبد الكريم وعبد الجواد ياسين، ومع نظرية ماركس في أن البناء الفوقي لا يغير البنية التحتية. لكن لاحظ أنه إذا كان البناء التحتي العالمي أكثر تطوراً من البناء الفوقي الأيديولوجي الإسلامي، فيجب تغيير هذا البناء الفوقي، والاشتغال عليه، لكن البناء الاقتصادي للعالم الإسلامي تابع ومتخلف ويعيد إنتاج هيمنة المركز الرأسمالي على الأطراف التابعة.

وكان عصر النهضة العربية حسب أمين تشوهاً وتشكلاً كاذباً، لأنه لم يقطع مع التراث، ونظر إلى النهضة على أنها عودة للأصول الإسلامية وللنقاء الإسلامي الأول المفترض، وبذلك كان من تشوهات التشكلات الأيديولوجية للعالم الإسلامي التابع[25]؛ “لم تكن النهضة لحظة ميلاد الحداثة في العالم العربي، بل بالأحرى كانت لحظة فشلها”[26]، في اتفاق مع نصر أبو زيد وغالي شكري.

خاتمة

على الرغم من أن معظم نقد ماركس للدين موجه للمسيحية، إلا أن تحليله لها كشف عن الكثير من العناصر التي تشترك فيها مع كل الأديان، مثل: 1) الإحسان والتعاطف مع الفقراء يعترف بالبناء الطبقي للمجتمع الذي يسيطر فيه الأغنياء؛ إنه لا يدع إلى تغيير هذا الوضع القائم أو الثورة عليه، بل يعترف به ويدعمه، وكل ما يطلبه من الأغنياء أن يحسنوا للفقراء، لا أن يثور الفقراء على مستغليهم. 2) الفكر الديني يحول كل المشكلات إلى مشكلات دينية ويقذفها إلى السماء: الجنة الموعودة والحساب الأخروي للمستغلين في الدنيا. 3) كل الفكر الديني يربي الناس على الإذعان والطاعة.[27] (سوف يطور نيتشة هذه الفكرة بعد ماركس).

أما سمير أمين فقد انتهى فيما يخص الإسلام السياسي إلى عدد من النتائج، أهمها، أنه مثلما أن هناك طبقات سائدة وطبقات مقهورة، فهناك أيضاً أيديولوجيات سائدة وأيديولوجيات مهيمن عليها. والإسلام السياسي أيديولوجيا مهيمن عليها رأسمالياً، ذلك لأنه لا يوضح للمسلمين الأسباب الحقيقية لشقائهم، ويصرفهم عن الأهداف التحررية ويسهل إخضاعهم باسم الدين لأنساق الهيمنة القائمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع

Al Azmeh, Aziz, The Emergence of Islam in Late Antiquity: Allah and His People. (Cambridge University Press, 2014).

Althusser, et. Al., Reading Capital (The Complete Edition). Translated by Ben Brewster and David Fernbach. (London and New York: Verso 2016)

Althusser, For Marx. Translated by Ben Brewster. (London and New York: Verso, 2005, 1st ed. 1969)

———-: “Theory, Theoretical Practice, and Theoretical Formation, Ideology and Ideological Struggle”, in Philosophy and the Spontaneous Philosophy of the Scientists. (London & New York: Verso, 1990)

Amin, Samir, Eurocentrism,  Modernity, Religion and Democracy. A Critique of Eurocentrism and Culturation. Translated by Russell Moore and James Membrez. (New York: Monthly Review Press, 2nd ed. 2009)

——–, Ending the Crisis of Capitalism or Ending Capitalism? Translated by Victoria Bawtree. (Cape Town, Dakar, Nairobi and Oxford: Pambazuka Press, 2011)

———, “Political Islam in the Service of Imperialism”, Monthly Review, December 2007.

——–, Specters of Capitalism: A Critique of Current Intellectual Fashions. Translated by Shane Henry Mage. (New York: Monthly Review Press, 1998)

——–, Unequal Development: An Essay on the Social Formations of Peripheral Capitalism. (New York: The Monthly Review Press, 1976)

Aslan ,Reza, Zealot: The Life and Times of Jesus of Nazareth, Random House, 2013

Brandon, S. G. F.  Jesus and the Zealots.  New York:  Scribner, 1967

David, Maclellan, Marxism and Religion. A Description and Assessment of the Marxist Critique of Christianity. (London: Macmillan, 1987)

Dobbs-Weinstein, Idit, Spinoza’s Critique of Religion and Its Heirs: Marx, Benjamin, Adorno. (Cambridge University Press, 2015)

Engels, Anti-Duhring, in Marx and Engels, Collected Works, vol. 25

——–: “Dialectics of Nature”, in Marx and Engels, Collected Works, vol. 25

——–: “On the History of Early Christianity (1895)”, in John Rains, ed., Marx on Religion. (Philadelphia: Temple University Press, 2002)

Feuerbach, Ludwig, The Essence of Christianity. Translated by Marian Evans. London: Trübner & Co, 1881.

Horsley, Richard A., Jesus and the Spiral of Violence: Popular Jewish Resistance in Roman Palestine. San Francisco: Harper & Row, 1973

——–, Jesus and Empire: The Kingdom of God and the New World Disorder. Minneapolis: Fortress, 2002.

Kautsky,Karl, Foundations of Christianity (1908). Translated by Henry F. Mins. (Russell and Russell, 1953).

Lichtheim, George, Marxism: An Historical and Critical Study. (Praeger, 1965)

Marx ,Karl, “The Decay of Religious Authority,” in Reader in Marxist Philosophy, ed. by Howard Selsam and Harry Martel (New York: International Publishers, 1963)

Marx and Engels, The German Ideology. (New York: Prometheus Books, 1998)

——–: “The Communist Manifesto”, In Marx, Selected Writings, edited by David Mclellan. (Oxford University Press, 2000)

Marx, A Contribution to the Critique of Political Economy. Translated by N.I. Stone. (Chicago: Charles H. Kerr & Co.: 1904)

——–, Capital Vol. 3. Translated by David Fernbach. (London: Penguin Books, 1981)

——–, Capital, volume I. Translated by Ben Fowkes. (London: Penguin Books, 1976)

——–, Critique of Hegel’s Philosophy of Right. Translated by Annette Jolin and Joseph O’Malley. (Cambridge: Cambridge University Press, 1970)

——–, Early Writings, Translated by Rodney Livingstone and Gregory Benton. (London: Penguin Books, 1975).

——–, Zur Kritik der Politischen Ökonomie. (Stuttgart, 1903)

——–: “Difference Between the Democritean and Epicurean Philosophy of Nature”, in Marx and Engels, Collected Works, vol. I. (New York: Lawrence and Wishart, 2010)

——–, “Letters from Deutsch-Französische Jahrbücher”(1844), in Marx and Engels, Collected Works, vol.3

——–: “On The Jewish Question”, in Marx, Early Writings

Negri, Antonio, The Savage Anomaly: The Power of Spinoza’s Metaphysics and Politics. Translated by Michael Hardt. (Minneapolis, Oxford: University of Minnesota Press, 1991)

Tibi, Bassam, Islam between Culture and Politics. Palgrave Macmillan, 2005

——–, The Challenge of Fundamentalism: Political Islam and the New World Disorder. Berkeley: University of California Press, 1998

Toynbee, Arnold, “Islam’s Place in History”, in, A Study of History, vol. XII, Reconsiderations. (London: Oxford University Press, 1964).

[1]) والذي جعل الشرق مهيمناً بنمط إنتاجه هو الأسبقية الزمانية، وتحكمه في طرق المواصلات والتجارة، والظروف البيئية التي جعلت نموذج الإنتاج الخراجي فيه يتخذ شكله الأكثر نموذجية، أي سهولة ظهور الدولة المركزية في البيئات النهرية، النيلية والرافدية في البداية، ثم ظهور الإمبراطوريات الممتدة بفضل العوامل الجيوسياسية.

[2]) Amin, Samir, Unequal Development: An Essay on the Social Formations of Peripheral Capitalism. (New York: The Monthly Review Press, 1976), pp. 13 ff, 33 ff.

[3]) Amin, Samir, Eurocentrism, p. 23.

[4]) Ibid: p. 27.

[5]) Ibid: p. 29.

[6]) Amin, Samir, Specters of Capitalism: A Critique of Current Intellectual Fashions. Translated by Shane Henry Mage. (New York: Monthly Review Press, 1998), pp. 49 ff; Ending the Crisis of Capitalism or Ending Capitalism? Translated by Victoria Bawtree. (Cape Town, Dakar, Nairobi and Oxford: Pambazuka Press, 2011), pp. 150, 152.

[7]) Amin, Eurocentrism, p. 32.

[8] ) الملاحظ أن adaptation غير adjustment. الأولى تعني أن هناك نسقاً دينياً مكتملاً يتم تكييفه بالتأويل وفق المستجدات التاريخية واستجابة للتغيرات الاجتماعية، أما الثانية فتعني تهيئة مؤسسية وتنظيمية للدين من جذوره ليناسب قاعدة اجتماعية معطاة. بمعنى أن الأديان الكبرى ظهرت بعد زوال التنظيمات القَبَلية وفي عصر الدول الكبرى؛ فما حدث أن الأديان تكيفت مع الدول العالمية وصارت أدياناً عالمية، وما وفر لها الشرط المسبق لذلك هو الدولة العالمية ذاتها (وهذه هي أطروحة توينبي بعينها). ذلك لأن الدولة العالمية سوف تكيف نفسها  أيضاً مع الدين العالمي كما حدث في الإمبراطورية الرومانية، وربما كانت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية هي الشكل الجديد الذي استمرت فيه الإمبراطورية الرومانية في الحياة تحت غطاء ديني. هذا التكيف التبادلي لا يحدث إلا في مرحلة النشوء، أما بعد ذلك فيحدث ما أسماه أمين بالتكييف الإيجابي أو السلبي، أو ما يسميه adaptation. وفي ذلك يقول أمين حول الدين وعلاقته بالمجتمع: “إن الأديان هي تعبيرات كبرى عن الواقع الاجتماعي. فالميتافيزيقا والوظائف الاجتماعية تختلط معاً وتعين بعضها البعض في جدل تاريخي متصل” (المرجع السابق ص 35)؛ وأمين في هذه الفكرة هو في اتفاق مع ألتوسير، على الرغم من أن أمين لا يعترف بذلك.

[9]) Ibid: p. 62.

[10] ) يتفق هذا التحليل مع ما توصل إليه أرنولد توينبي، ومؤخراً عزيز العظمة: Al Azmeh, Aziz, The Emergence of Islam in Late Antiquity: Allah and His People. (Cambridge University Press, 2014).

[11]) Ibid: p. 119.

[12]) Ibid: p. 139.

[13] ) هذه الفكرة تتفق مع تحليلات أرنولد توينبي لظهور الإسلام: Toynbee, Arnold, “Islam’s Place in History”, in, A Study of History, vol. XII, Reconsiderations. (London: Oxford University Press, 1964).

[14]) Amin, Eurocentrism, p. 60.

[15]) Ibid: p. 154.

[16]) Ibid: p. 65.

[17]) Ibid: p. 66.

[18]) Ibid: p. 101.

[19]) Ibid: p. 111.

[20]) Ibid: p. 38.

[21] ) ليس المقصود هنا هو التوظيف السياسي البراجماتي للدين من قِبَل سلطة قائمة، بل المقصود هو التأسيس الأول للسلطة ذاتها، أي لنمط سيادتها الذي يتأسس على الدين.

[22]) Ibid: p. 40.

[23]) Ibid: p. 55.

[24]) Ibid: p. 59.

[25]) Ibid: p. 67.

[26]) Ibid: p. 68.

[27]) Marx: “The Communism of the Rheinischer Beobachter (1847), in Marx and Engels, Collected Works, vol. 6. (Moscow: Progress Publishers, 1976), p. 231.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete