الإسلام السّياسي ومأزق الاعتدال المزْعوم: هل خيرية الأمّة فعْلٌ أخلاقي أمْ امتيازٌ هويّاتي؟

 تكوين
  • هل يصمُد اختبارُ الوسطية؟

كُلّما أمْعنَّا النظر في البِنيات المؤسِّسة للعنف لدى الحركات الإسلامية، أو الإسلام الأصولي بشكل عام إلا ووجدْنا أنّ كل هذه الاتّجاهات السياسية والسُّلطوية في الإسلام ترفع شعاراً ظلّ لأزيد من مائة سنة حاضراً في جميع أدبياتها. هذا الشّعار ينطلق من كوْن أنّ الإسلام حسب رؤيتهم له هو دينٌ شاملٌ، وعالمي ووسطي، ومعتدل[1]. وما يهمُّنا في هذا السياق النّقدي لهذه الأصوليات السياسية في فكرِها، والسلطوية في تطبيقاتها، هو أنه بالرّغم من أنّها على مستوى الخصائص الإسلامية التي تعترف بها، أو تدعو إليها تقِرُّ بأن الإسلام دينٌ وسطي ومعتدل، إلا أنّ تطبيقاتها العملية دوماً تخونُها، لعدة اعتبارات، لعلّ أهمّها هو صلابة هذا الواقع، وقدامة الأطروحة الأصولية وعدم قدرتها على التأقلُم مع مستجدات الواقع المعاصر. وبالتالي فكلّما تحدّث الأصولي عن الوسطية، إلا وزاد تطرُّفا، وكلَّما رفع شعار الاعتدال، إلا وازداد عنفا.

من اللحظة التي أَعلَن فيها حسن البنّا ميلاد الجماعة الأكبر[2]، كان الهم الكبير لهذا الرجل والداعية الإسلامي، هو إثبات ما يسمّى في الأدبيات الحركية بالوسطية والاعتدال، حيث ظلّ لسنوات شعارا حاضراً في صميم الخطاب التأسيسي، كما حاضرا في التوجّهات الكبرى للجماعة، سواء في عصر التأسيس، أو بَعده إلى حدود اللحظة الآنية[3]. فالبنّا وغيره لم يُقدّم مشروعه باعتباره حركةً ثورية راديكالية، كما هو شأن باقي الحركات الثورية التي ظهرَت مطلع القرْن العشرين، خاصة تلك المرتبطة بالمدّ الماركسي الشيوعي. بل كانت دعوته على النقيض من مثيلاتها تحمل بريقًا خاصاً، وهي أنها تحاول أن تجمع بين المتناقضات الحدية، كالأصالة والاعتدال، والتسلف والتجديد، والعالمية والخصوصية الإسلامية، ناهيك عن ثنائية السلم والحرب في الخطاب الإخواني. ومع كل هذا التمييز الذي حظيَتْ به الجماعة الأم باعتبارها ممثّلة للإسلامي الوسطي المعتدِل، غير أن الواقع كان له كلمة أخرى، حيث تولَّدتْ منْ رحِمِها فكرياً تيارات سياسية وأصولية صارت فيما بعد من أشدّ التيارات تطرفاً في التاريخ الإسلامي المعاصر، حينما التبسَتْ المفاهيم، وخضعتْ الشعارات لصلابة الواقع، ما يجعل مساءلة مفهوم الوسطية أمراً لا مناص منه، لأن الخلل ليس أمراً واردا من الخارج، وبفعل سياقات تحضُر فيها المؤامرة، بقدْر ما هو كامنٌ في البِنى التأسيسية، والأصول الفكرية، والممارسات الواقعية.

إنّها الحقيقة

لا يكاد يخلو خطاب إسلامي سياسي معاصر، أو خطاب أصولي حركي سلفي من استحضار مفهوم “الوسطية” باعتباره أحد الخصائص الجوهرية في بِنية الدين الإسلامي، حتى غداَ هذا المفهوم لمدة تزيد عن مائة عام، شعاراً عابرا للحدود أكثر منه منهجاً، وواجهةً أكثر منه مرجعية. وقد بلغ هذا الانتشار إلى الحد الذي صار سلاحًا بأيدي هذه الحركات الأصولية، والتوجُّهات السياسية، تُصارِع به من أجل كسْب الشرعية، والنفوذ الاجتماعي، والحق في الحديث باسم الجماهير الإسلامية في مختلف ربوع الوطن العربي والإسلامي. وحين يصير المفهوم مِلكاً للجميع على هذا النحو، فإنه يفقِد قدرته التحليلية ويتحول إلى أداة خطابية لا أكثر. هذا ما يشهد عليه الواقع اليوم، حيث يبدو أن التيارات الإسلامية السياسية الأصولية بمختلف تشكيلاتها، ترفَع راية الاعتدال والوسطية في كلّ حين، لكن عند نقطة الاختبار يسقُطُ كل البِناء العقائدي والفكري، خاصّةً أمام مواقف وتحالُفات وممارسات تتعارض صراحةً مع ما أعلنَتْه، أو في بعض الأحيان في مواجهة التحدّيات التي تفرِضها ضرورات السياسة، والاجتماع البشري.

ولعلّ أهمّ ما يقف حاجزاً ومانعا أمام هذه التيارات، وصِدْق شعارها الخالد، هو ممارسة الحرية في الفضاء العام، ففي الوقت الذي ترفع فيه هذه الحركات شعار الاعتدال والوسطية والتدرُّج في الأحكام، ومسايرة الواقع، تبدو كل أحكامِها متشدِّدة ومتطرفة مع قضايا الواقع المعاصر، كحقوق المرأة أو حرية الرأي أو الموقف من الآخر المختلف دينيا. فحركة تؤكِّد رفْض العنف في تصريحاتها الرسمية، وبياناتها السياسية، ثم لا تجد حرجاً في التحالف مع من يمارِسه حين تقتضي المصلحة، أو في بعض الأحيان تجد نفسَها مُحرَجة في التنديد بالعنف والإرهاب المتستِّر بمُسوح الدين. وعالِمٌ يصف نفسه بالاعتدال، لكنْ خطابُه الداخلي لجمهوره يحمِل من الإقصاء والتصنيف ما يناقض ذلك الوصف جملةً وتفصيلاً. كلّ ذلك يوحي بأنّ هناك أزمة خطاب، وأزمة نص، وأزمة بِنية عنوانها التناقض.

إنّنا هناك بإزّاء واقع يُسائلنا جميعا، ويضع أمامنا مجموعة من التحديات الفكرية والثقافية والسياسية، ولعلّ أهمّها هو الوقوف أمام سؤال فكري موضوعي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا لا تَصمُد الوسطية المُعلَنة حين تُختبر؟ ولماذا يتكرَّر هذا النمط عبْر سياقات جغرافية وتاريخية متباينة، من المشرق إلى المغرب، ومن عقود الصّحوة إلى اليوم؟، هنا يمكننا أن نقدِّم إجابة افتراضية سنحاول من خلال هذا المقال أن نبحَث بعضا من جوانب صِدقها، وهي أنّ هذا النوع من التناقض الفكري والسياسي، لا يكمُن في أفراد بعينهم أو في ظروف طارئة، بل في بِنية الخطاب الوسطي ذاته، حين نختبر هذه الأصول، والبنيات، والأفكار والعقائد. وذلك لأن طبيعة الخطاب الذي نتحدّث عنه، أو نحاول الاقتراب من بعض إشكالاته المعرفية، تُعوِزه الشجاعة على مراجعة نقدية صريحة وشجاعة، للموروث الفقهي والسياسي المرتبط بزمان ومكان معينين، وبظروف نشأة لها سياقاتها المعروفة، ولم يُبنَ يوما على تعريف محكَمٍ لحدود الوسطية ومعاييرها القابلة للقياس والمساءلة. كما أن هذا النّوع من التفكير الحركي السياسي يقوم على التأصيل الفكري السياسي بشكل انتقائي، ثم يبحث لهذا التأصيل عمّا يعزِّزه من النصوص والمواقف والمرويات، مع الإبقاء على بنية أيديولوجية تحمِل في طيّاتها بذور ما تدّعي رفضَه. وهكذا تصير الوسطية قناعاً وظيفياً لا منهجاً راسخاً، تُلبَس حين تستدعيها المصلحة، وتُخلع أو تُعلَّق حين تعترض عليها الأيديولوجيا.

من هنا تنشأ فكرة البحث، والكتابة حول هذا الموضوع الإشكالي في امتداداته، والمتعدّد الأوجه في فرضياته وأطروحاته، لأنه يلامِس أوّلا جانبًا من جوانب الضعف البشري في استعمال الظاهرة الدينية لأغراض تعبوية سياسية، كما أنّه يضيء على فجوة كبيرة بين الخطاب والواقع، وهي فجوة لا يمكن تجاوُزها عبر الاعتذار، أو الاختفاء، أو محاولة التبرير كما يفضِّل الأصوليون الحركيون، بل في اعتقادنا هذا القصور ناتجٌ عن قصور بنيوي في أسُس هذا الخطاب وآليات نقده الذاتي. فحين يغيب هذا الأخير، لا يعني ذلك أن التناقضات قد أزيحت، أو أنّ الخلل قد زال، بل كل في ما في الأمر هو أن الهوة تزداد بين المُعلَن والمُمارَس، لتصير مصدرَ إرباك دائم للمصداقية. والأخطر من ذلك أن هذه الازدواجية حين تتراكم وتتجذّر عبْر الزمن لا تُضعف الوسطية فحسب، بل تُمهّد الأرض لنقيضها. فكثير من التيارات المتطرفة التي يشهدُها عالمنا اليوم لم تأتِ من خارج هذا الفضاء الوسطي، بل نبتَت في قلبه، متغذيةً على تناقضاته التي لم تُعالَج، ومستثمِرةً الإحباط الناجم عن وعود الاعتدال التي لم تتحول إلى واقع. وهذا ما يجعل النقد الموجّه للخطاب الوسطي ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة عملية لمن يريد فعلاً الحدّ من التطرف لا الاكتفاء بإدانته.

من هنا تنطلق هذه الدراسة: لا لتُدين خطاباً بعينه، ولا لتُبرّئ آخر، ولا لتُصادر على المطلوب بتبنّي أحكام جاهزة. بل للوقوف بصبر أمام مفهوم الوسطية ذاته لمساءلة بنيته، وكشف تناقضاته، وفهم الشروط التي يمكن في ظلِّها أن يكون منهجاً حقيقياً لا مجرد شعار.

  • الإسلام السّياسي ومُعضلة النّقد الذاتي: متى يعودُ الإسلاميون إلى رُشدهم؟

علال الفاسي والنقد الذاتي: صرخة في واد

لا يُمكن أنْ نؤسِّس لحركة فكرية وثقافية تستلهم التجارب الناجحة في تاريخنا الممتد، وتتجاوز الأطروحات الحركية السياسية الضيّقة إلا من خلال تفعيل حركة النقد، بوصفها المدخل الأساسي لفهم الذات واستيعاب عناصرها، ثمّ بعد ذلك محاولة تجاوُزها عبْر التشخيص الدقيق، والبحث عن إمكانات القفز على مراحل الإخفاق والفشل. ولعلّ هذا ما يسمى في الأدبيات الحركية نفسها بالنقد الذاتي، الذي كتَب عنه الكثيرون، ممَّن ساقتهم الأقدار إلى خوض تجارب كثيرة في فهْم وتفسير الظواهر الحركية السياسية الإسلامية في عالمنا العربي. ولعلّ أهم الأسماء التي خاضت وكتبَتْ وأعلنتْ النقد الذاتي على ماضيها وحاضرها، نجد علال الفاسي من خلال كتابه الشهير ” النقد الذاتي “.

وبغض النظر عما ضمه هذا الكتاب من فقرات، وأفكار، وإشارات، غير أن عنوانه بالتحديد يستحق منا أن ننقله من التجربة المغربية في سياقات حركات التحرير التي عرفها العالم العربي والإسلامي في منتصف القرن العشرين، إلى آفاق أوسع تسمح لنا برؤية العالم الإسلامي من منظور نقدي، على أساس أن كتاب “النقد الذاتي[4]” لعلال الفاسي هو تجربةٌ صادقة في سياق إقليمي موتور بالاحتلال الفرنسي، ومشحونٌ بحركات وطنية كانت تبحَث عن طريقه نحو الحرية والاستقلال وبناء الدّولة الحديثة. ولعلّ النظرة الأولى التي يمكِن أن يستخلصها القارئ لمحتويات الكتاب، أنّ النّقد هنا لا يُقصَد به نقدُ الآخرين فقط، في محاولة يائسة لإلباس الآخَر كل مآسينا ومآزقنا الفكرية والثقافية، بل هو دعوة صريحة ليبدأ الإنسان والمجتمع والحركة الوطنية بنقد أنفسهم أولا، لأن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أنْ يتحقق من دون وعيٍ بالأخطاء ومراجعة للذات.

وحينما نتحدَّث هنا عن النقد الذاتي بمقاييس علال الفاسي نفسه، وأيضا من خلال اختبار ما كتبه في محتويات كتابه، فإنّ ذلك يمنحُنا إمكانية الحديث عن الفرد نفسه وسلوكه وأفكاره، وأنْ يعترف المجتمع بنقط ضعفه حتى يستطيع تجاوزها. فالنقد هنا ليس كما تجذَّر في المخيال الجمعي لدولنا بوصفه أداة للهدم والتشاؤم، بل هو وسيلة للإصلاح والتقدُّم. فالإنسان الذي لا يعترف بأخطائه يبقى أسيرها، والمجتمع الذي لا يراجع نفسه يفقد البوصلة والسيطرة على المصير. لذلك دعا علال الفاسي إلى نقدِ العادات السلبية، والجمود الفكري، والتقليد الأعمى، وكل ما يمنع المجتمعات من النهوض.

إننا بإزاء واقع يريد أنْ يتجاوز الفكرة القائلة بأنّ كل مآسينا هي نتاج هذا الآخر الذي يتآمر علينا، وأن مآزقنا الفكرية، والاندحار القيمي والأخلاقي الذي وصلنا إليها هو نتيجة طبيعية لمخلَّفات الاحتلال الأجنبي لبلداننا الذي جاء ليعبث بمقدَّراتنا الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. أي أن النقد الذأتي ليس فكرة فقط، بل هو حتميةٌ طبيعيةٌ على مستوى التفكير الإنساني لمن أراد أنْ يقرأ مصيره بعُمق ووعي. كأن علال الفاسي يرى أن التحرر السياسي يجب أن يرافِقه تحرُّرٌ فكري واجتماعي واقتصادي. فلا فائدة من الاستقلال إذا بقي المجتمع يعاني من الجهل والفقر والظلم وضعف الوعي. ولهذا ركّز الكاتب على أهمية التعليم، ونشْر الثقافة، وترسيخ الأخلاق، وبناء مواطن قادر على خدمة وطنه.

  • سيوران: العدمي الذي أسّس للنقد الذاتي

وإذا رجعنا إلى الوراء قليلا، نجد إرهاصات مقولة النّقد الذاتي عند الفيلسوف سيوران مبثوثةً من خلال شذراته الفلسفية، ونحن نعلم بأنّ سيوران وإنْ انتمى عند الكثيرين إلى معسكر التشاؤم، إلى أنّ حديثه عن النقد الذاتي بالتحديد يحمِل في طياته بذرة وعي نقدي حقيقي. فحين نستحضر سيوران، ينصرف الذهن فوراً إلى تلك الروح المتألمة التي جاهرَت برفض الوجود وعبثيته، غير أنّ في ثنايا هذا التشاؤم إشارات فلسفية بالغة الأثر، لعل أبرزها قوله إن النقد “تفسير خاطئ ومعكوس”[5]، وإن الغاية الحقيقية من القراءة ليست استجلاء الآخر بل استجلاء الذات. وفي زمننا هذا، حيث تتضاعف الأصوات وتتشابك الأحكام في فوضى رقمية متسارعة، تبدو هذه الفكرة أكثر إلحاحاً مما كانت عليه يوم قيلت.

لكن لفهم ما يرمي إليه سيوران فهماً وافياً فقد قمنا بالحديث بشكل واف عن مقولة النقد لدى سيوران في بحثٍ لنا على منصة مؤسسة تكوين الفكر العربي[6]، أكّدنا فيه أن فلسفة سيوران لم تأت من فراغ، إذ تشكّل وعيه في حضرة أعلام الفكر الأوروبي الحديث: استقى من كيركغارد شجاعة مواجهة العدم، ومن هيدغر عمق السؤال الوجودي، ومن شوبنهاور إحساسه المرير بعجز الإرادة، فضلاً عن تغذيه على برغسون وسبنغلر. كل هذه الروافد صبّت في مجرى واحد ليخرج منها فيلسوف لا يكتفي بالتأمل، بل يجعل من الكتابة صرخةً وجودية، كاشفاً عن هشاشة الوجود الإنساني وانكشافه أمام الألم والموت والوعي المُعذِّب لصاحبه.

وإذا كان سيوران يرى أن النقد تفسير خاطئ ومعكوس، فلأن ما يُسمى نقداً في أغلب الأحيان ليس سوى إسقاط: إسقاط الذات بكل حمولاتها على النص أو الظاهرة أو الإنسان الآخر. نحن نقرأ لكي نُثبت ما نؤمن به مسبقاً، لا لكي نتساءل أو نتحول. ولهذا تغيب الحقيقة وراء طبقات من الأيديولوجيا والتوقعات والخيبات المتراكِمة، فيتحوّل النص من فضاء مفتوح إلى ساحة لتصفية الحسابات الرمزية. والنتيجة ليست معرفة الآخر، بل مزيد من الانغلاق على الذات. وهذا بالضبط ما نبّهت إليه الفينومينولوجيا منذ هوسرل[7]، حين أعلنَتْ أن الإنسان لا يدرك الأشياء كما هي في ذاتها، بل كما تظهر له مصفّاةً عبر وعيه المسكون بالأحكام السابقة. ومن ثمة فإن أي فعلٍ معرفي لا يبدأ بتعليق هذه الأحكام وتنحيتها مؤقتاً، إنما يظل رهين تلك القيود الخفية التي تُشكّل تفكيرنا دون أن ندرك. الفينومينولوجيا ليست تياراً أكاديمياً جافاً، بل هي دعوة إلى النزول من عروش اليقين وإعادة الاتصال بالتجربة في نقائها قبل أن يلوّنها التأويل. من هذا المنظور الجامع بين سيوران والفينومينولوجيا، تتضح معالم القراءة الحقيقية: أن تقرأ لا لتُدين بل لتفهم، لا لتُثبت بل لتتساءل، لا لتكرّس ذاتك بل لتواجهها. النصوص الكبرى، أياً كان حقلها، هي مرايا لا نوافذ فحسب، وحين تُغلق عين القارئ على ما تعكسه هذه المرايا من صورته هو، فإنه يُضيّع أثمن ما في القراءة. وهذا ما تعانيه ثقافتنا حين تتعامل مع النقد بوصفه أداةً للتمييز والإدانة لا للمحاسبة والنمو.

  • هل نجح خالص جلبي في النقد الذاتي؟

في حوارٍ أجريتُه مع خالص جلبي حول التأسيس للفكر النقدي داخل مجتمعاتنا، استحضرْنا كتابه الشهير النقد الذاتي، قياساً على ما كتبه سابقه علال الفاسي، فكان حديثه عن أزمة العالم العربي والإسلامي ينبثق من تشخيص صارمٍ يرفُض المجاملة والمراوغة. وأول ما يضعه على الطاولة هو غياب المنهج النقدي عند العقل المسلم، ذلك الغياب الذي يراه مفتاحاً لفهم سؤال: لماذا ظلّت محاولات التجديد الديني منذ أمين الخولي ومحمد إقبال تدور في حلقة مفرغة، تعيد إنتاج نفسها دون أن تُنتج شيئاً جديداً حقاً. فحين يخطُب خالص جلبي في مسجد بجيسن الألمانية ويسأل الحاضرين بصراحة مزلزلة: أين الإسلام، أفي هذه البلاد التي تعلّم جاهلكم وتطعم جائعكم، أم في بلادكم التي فررتُم منها ولا يشتهي أحدكم العودة إليها؟ — فهو لا يستفز فحسب، بل يضع الإصبع على جرحٍ عميق: أن المسلم الهارب إلى الغرب يحمل خطاباً دينياً بلغة العصر العباسي، بينما يعيش واقعاً ألمانياً صارخاً.

وهذا التناقض ليس طارئاً بل هو بنيوي عند جلبي. فالخلل ليس في النصوص الدينية ذاتها، بل في مفهوم العلم المشوّه الذي ترسّخ في الوعي الإسلامي، حيث يُختزل العلم في الفقه والحديث وفتاوى ابن تيمية، بينما تُستثنى الفيزياء والأنثروبولوجيا وعلوم الفضاء، كأنها شأن خارجي لا علاقة له بالإسلام. وهذا الانفصام بين الإسلام والعلم الحديث هو الذي يجعل المواطن العربي يحمل في يده هاتفاً ذكياً وفي رأسه عقلاً من القرن العاشر، دون أن يشعر بالتناقض. غير أنّ جلبي لا يكتفي بنقد الخطاب الديني، بل يمتد تشخيصه ليشمل البنية الحضارية برمّتها، فيستعير من المؤرخ توينبي فكرة أن النهضة لا تأتي قفزاً بل تمر عبْر مخاضات مؤلمة، ويرى أن العالم العربي يقف اليوم على عتبة العصور المظلمة التي عاشتها أوروبا قبل تنويرها. والسؤال الذي يطرحه بلا هوادة: كم سيطول هذا المخاض؟ وهنا يكشف جلبي عن واقعية قاسية — فقد يمتد خمسة قرون أخرى إن أمسكنا بالريح، وقد يُختصر في جيل أو جيلين إن أمسكنا بقانون التغيير.

والصورة التي يرسُمها للمجتمع العربي الراهن لا ترحم: مواطن فهيم بمفرده لكنه يدخل في الهذيان حين يتواصل مع أبناء جلدته، لأن المنظومة حوله مبنية على الرشوة والصمت والخوف الموروث من عهد المماليك والأمويين. وقد أتقن هذا المواطن فن النفاق السياسي وفنّ الصمت أمام السلطة، فأصبح الوطن في عينيه “مصحة أمراض عقلية” لا يخرج منها سليماً. أما الزعماء فيُقارنهم بشيوخ الطرق الصوفية الذين يسلّم لهم المريدون عقولهم ورقابهم إلى الأبد، وهو ما يعكس في جوهره كيف تحوّل الحاكم العربي منذ انهيار التجربة الراشدية إلى كيان فوق المساءلة.

لكن ما يُميّز جلبي عن كثير من ناقدي الحضارة العربية هو أنه لا يقف عند الجلد والتأسف، بل يصوغ مثلث الخلاص بوضوح طبيب يكتب وصفته: أولاً تمليح المجتمع بالأفكار الصحية، وثانياً بناء مؤسسات حيادية مستقلة تُنتج التفكير النقدي بعيداً عن أجندات السلطة، وثالثاً إنتاج الكتلة الحرجة من الكفاءات البشرية القادرة على حمل مشروع النهضة. وفي الوقت ذاته يحذّر من وهم الحل السياسي السريع، فالانقلابات العسكرية عنده كمن يجبر مريضاً في العناية المركزة على الوقوف والمشي بقوة السلاح.[8]

  • خيريّة الأمة: بين الخطاب الديني وإشكاليات التأسيس المفهومي

من المآزق الكبرى التي يعتمدها الخطاب الحركي، أو الخطاب الأصولي الإسلامي مفهوم الخيرية، أي الفضل والسبق على الأمم والناس والبشرية جمعاء، وهو مفهومٌ متجذِّر في العقل الحركي، ومنه يتحرّك في اتجاه التعامل مع الآخَر ومع كل الأشياء. وبالرّغم من أنّ المنطلقات والمرجعيات التي يعتمدها العقل الأصولي السياسي تحتجُّ بالأصول المعرفية الإسلامية خاصة القرآن والسنة النبوية، إلا أنّ فكرة خيرية الأمم الأصولية تُشبِه إلى حد كبير الفكرة اليهودية القائلة بشعب الله المختار، أو في الأدبيات السنية بالطائفة المنصورة، أو الفرقة الناجية كما سنرى. وهذا سيحيلنا بالضرورة على هذا الأصل المعرفي الذي تعتمده الأصوليات الحركية بوعي أو دونه، حين تتّخذ من فكرة الخيرية اليهودية نبراساً لها في فهْمِ العالم، والتقيُّد بنرجسية فوقيةٍ ومتعالية في التعامل مع الآخر.

لا شك أن حديثنا عن خيرية الأمة الإسلامية كما يفهمها الأصولي تحيلنا إلى ما كتبه مِيتشيسوافا سيكريتسكا   [9]MIECZYSŁAWA SEKRECKA  في مقال له بعنوان: “L ’IDÉE DU PEUPLE ÉLU DANS L ’OEUVRE DE LOUIS-CLAUDE DE SAINT-MARTIN LE PHILOSOPHE INCONNU ” والذي يمكن ترجمته ب ” فكرة الشعب المختار في أعمال لويس-كلود دو سان-مارتان الفيلسوف المجهول ”

يؤكد الكاتب في معرِض حديثه عن فكرة الشّعب المختار، بأنّها تندرج ضمن الأساطير المؤسسة للعقل اليهودي، باعتبارها الأساس والأصل الأول، الذي شكّل «جذعًا» انبثقت منه كل الأساطير الأخرى: المصرية، والصينية، واليونانية، والمحمدية. وإلى جانب قِدمها، تحتلّ أسفار العبرانيين مكانة متميزة بين الكتب التقليدية لسبب آخر، هو أنها تحتوي على «أعمق الحقائق»، سواء في المجال العقلي أو الروحي. وبفضل هذا الميراث الثمين، تمتع اليهود، في بداية تاريخهم، بمعارف لم يمتلكها أي جيل آخر منذ السقوط. ومع الأنوار، ورثوا أيضًا قوى لم يكن أعداؤهم يشكّون حتى في وجودها. ويقدّم تاريخهم شواهد كثيرة على ذلك، وأبرزها عبورهم البحر الأحمر، حيث أطاعت العناصر أمر قائدهم. كما أن العبرانيين هم أيضًا الوحيدون «بين جميع شعوب الأرض» الذين نالوا نعمة سماع «الكلمة المقدسة» لله مباشرة. فقد كلّم قدس الأقداس الشعب كلّه بحضور مشرّعهم، ليعلّمهم ألا يسيروا إلا وفق شريعته.

وبامتلاكهم هيكلًا كان معدًّا ليكون «الرمز الهيروغليفي الكوني»، كان الكهنة اليهود أيضًا أمناء على العبادة التي أسّسها الله نفسه. ولذلك، فإن عبادتهم، بحسب سان-مارتان، كانت تحمل كل علامات العبادة الحقة. فقد كانت «مصدر كل القوى»، وكانت تنقل، بواسطة اللاويين، «عطايا وفضائل المبدأ العظيم إلى أدنى مخلوقاته». وكان الشعب، وهو يقدّم الإجلال لله، يرفع أمام مذبحه، عبر وسيط هو رئيس الكهنة، نذوره، ويتلقى بالطريق نفسه المعونات الضرورية، حتى إن إيمانه كان يظل دائمًا حيًا، تُنعشه نفحة إلهية. وقد عُرض تاريخ اليهود، أو على نحو أدق المقاطع المختارة من هذا التاريخ، خصوصًا من زاوية دينية، في «اللوحة الطبيعية» لهدف مزدوج: إثبات أن اليهود كانوا فعلًا شعبًا مختارًا، ودحض هجمات الفلاسفة على فكرة اختيارهم. وتدلّ على ذلك الإشارات الشفافة غالبًا، والنبرات الجدلية الكثيرة. ومع ذلك، وبالنظر إلى مكانة أعداء فكرة اليهود بوصفهم شعبًا مختارًا، لم تكن المهمة سهلة.

فمنذ سنة 1670، رفض سبينوزا، وهو فيلسوف متحرر من كل تقليد يهودي، أن تكون رسالة النبوّة اليهودية وحيًا فوق طبيعي. فالكتاب المقدس، بحسب صاحب «الرسالة اللاهوتية السياسية»، لم يكن يحمل إلا قانونًا أخلاقيًا صادرًا عن ضمائر بشرية، ومكيّفًا مع شعب بدائي. أما سبينوزا… كذلك رفض المعجزات التي كانت، في رأيه، بما أنها تناقض قوانين الطبيعة، مجرد تعبير شعري عن الروح الشرقية، وتنحصر كلّها في وقائع طبيعية كان جهل الشعب يعدّها أمورًا خارقة للطبيعة. وهكذا انهار كل شيء أمام النقد الجريء الذي وجّهه سبينوزا: الإلهام الإلهي للكتاب المقدس، والمعجزات، وفكرة اليهود بوصفهم شعبًا مختارًا. أما الذين عدّوا أنفسهم خلفاء له فقد ذهبوا أبعد من ذلك بكثير في هذا الطريق. فالكتاب المقدس، الذي رأى فيه سبينوزا وثيقة ثمينة للروح الإنسانية، ديس بالأقدام. والشعب اليهودي، الذي لم يكن عند سبينوزا شعبًا مختارًا، لكنه كان موضع احترام بسبب توحيده والرسالة التي حملها عبر العالم، رسالة العدل والمحبة، أصبح في كتابات ن. فريريه ودومارسيه جماعة آسيوية متعصبة ومتوحشة.

وقد أتمّ فولتير العمل الهدّام الذي بدأه منتقدو اليهود. فبإصرار وسخرية، وهي سلاح كان يتقنه إلى أقصى حد، شكّك في صدق معظم الوقائع التي يوردها الكتاب المقدس. كما أنكر قِدم الثقافة اليهودية وأصالتها. وبمنحه حقّ الأسبقية للثقافتين المصرية والفارسية، اللتين كان اليهود على اتصال بهما، اتهمهم بسرقة أدبية فاضحة. وكان اليهود، في نظره، يعيشون حياة بدوية، وهم جماعة من اللصوص، مصابون بالجذام، وهذا هو سبب نفيهم من كل البلدان التي أرادوا الاستقرار فيها. وعلى مثال سبينوزا، الذي كان فولتير يقدّر فلسفته تقديرًا كبيرًا، رفض أن يكون موسى مؤلف الأسفار الخمسة. وتعامل بالطريقة نفسها مع بقية أسفار الكتاب المقدس. أما فيما يخص اختيار الشعب اليهودي، فقد سخر من هذه الفكرة وعدّها أكثر الأفكار جنونًا مما تصوّره العقل البشري. وكان يرى أن من سوء الحكم على الحكمة الإلهية أن ننسب إليها اختيارًا مهينًا كهذا. فهل كان شعب بربري، جاهل، حقير، يلطّخ الإنسانية بالحروب، قادرًا على حمل رسالة الله عبر العالم؟ ذلك هو السؤال الاستفزازي الذي كان بطريرك فرنيه يوجّهه إلى كل من دافع عن فكرة اختيار الشعب اليهودي.

هذه نبذة موجزة عن تاريخ فكرة الاختيار اليهودي، وأهم الانتقادات الموَجّهة إليها من طرف فلاسفة كبار في مقدمتهم سبينوزا وفولتير. أما في السياق الإسلامي فقد أخذَتْ الفكرة منحًى آخر، خاصة مع انتشار المد الأصولي السياسي الإسلامي، الذي حرَّف كل شيء، واعتبر بأن الخيرية المذكورة في الآية يعني إخضاع الآخر، وإذلاله، والهيمنة عليه. لهذا يمكننا الجزم بأنه لا يكاد يخلو خطاب إسلامي حركي أو وعظي من الاستشهاد بالآية الكريمة: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110) في معرض إثبات الذات، أو إشباع الأنا الأعلى، حتى غدَتْ هذه الآية ركيزةً أيديولوجيةً أولى في بناء مفهوم “خيرية الأمة الإسلامية”، ومنطلقاً لتصوّرات الهوية والتفوّق والرسالة الحضارية عند كثير من الحركات الإسلامية المعاصرة. غير أن القراءة المتأنية لهذا النص، وإخضاعه لأدوات التحليل الدلالي والتاريخي والنقدي، تكشف عن هوّة واسعة بين ما تقوله الآية وما يُحمَّل عليها من دلالات أيديولوجية، بل تفضح توظيفاً انتقائياً للنصوص يُعيد إنتاج الخطاب السلفي-الحركي على حساب الصرامة التأويلية والأمانة العلمية.

أولاً: المفهوم وحدوده النصية

حين يقرأ المرء هذه الآية في سياقها النصي المباشر، يجد أن الخيريّة المذكورة فيها ليست وصفاً جوهرانياً يُلصَق بهوية جماعة بعينها بمعزل عن شروطه، بل هي خيريّة مشروطة ومعلّقة على ثلاثة أفعال دينامية: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله. وهذه الأفعال الثلاثة لا تُقرأ في التراث الإسلامي إلا بوصفها ممارسات متجددة لا صفات مقيمة، مما يجعل الخيريّة نتيجةً وظيفية لا امتيازاً وجودياً. بل إن المفسرين الكلاسيكيين من أمثال الطبري وابن كثير كانت تفسيراتهم تنحو نحو حصر هذه الخيرية في زمان وأشخاص معينين، فهذا الطبري مثلا يقول:

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ” كنتم خير أمة أخرجت للناس “.
فقال بعضهم: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وخاصة، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
*ذكر من قال ذلك:
7606-حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال في: ” كنتم خير أمة أخرجت للناس “، قال: هم الذين خرجوا معه من مكة.
7607- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ” كنتم خير أمة أخرجت للناس “، قال: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.
7608- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ” كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر “، قال عمر بن الخطاب: لو شاء الله لقال: ” أنتم “، فكنا كلنا، ولكن قال: ” كنتم ” في خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صنع مثل صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. [10]

ومن خلال هذا الحصر، أو محاولة إخضاع النصّ وتوظيفه لكي يناسِب فئة من الناس، أو فترة زمنية معينة يتأكّد لنا بالملموس أن التفسير الإسلامي لم يكن محايدا في قراءته للنصوص، بل في الكثير من الأحيان كانت النصوص مجرد شواهد تخدُم هذا الغرض أو ذاك.  لهذا تباينَتْ قراءات المفسّرين في تحديد مرجع ضمير “كنتم”: فهل هي أمة محمد بأسرها في كل الأزمنة؟ أم جيل الصحابة تحديداً؟ أم أهل الفضل منهم دون سواهم؟ وهذا الجدل التفسيري وحده كافٍ للتشكيك في التوظيف الحركي الذي يُعمّم الخيرية على المسلمين جميعاً في كل زمان ومكان دون تمييز.

لم يكن هذا الواقع الذي ينطلق منه المفسرين، ومن تبِعهم من الحركات الأصولية السياسية واقعا منبثقا من فراغ. فحين يذهب بعض المفسرين إلى تخصيص آية “خير أمة” بجيل الصحابة تحديداً، إنما يستندون ضمنياً إلى منظومة من المرويات الحديثية التي أسَّست لمفهوم “العدالة الكلية للصحابة”، أي القول بأن كل من صحب النبي أو رآه مؤمناً فهو عدلٌ ثقة بصرف النظر عن سيرته اللاحقة، مثل قول  النبيﷺ: ” خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم… “، وأيضا ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال:” لا تسبّوا أصحابي، لا تسبّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه “. وهذه المنظومة، التي تبلورتْ في علم مصطلح الحديث وأُدرجت في أصول الرواية، هي في حقيقتها بناءٌ تاريخي نشأ في سياق صراعات سياسية وعقدية ما بعد الفتنة الكبرى، لا معطىً قرآنياً صريحاً.

والمفارقة أن القرآن نفسه، حين يتحدث عن جيل الصحابة، يقدّم صورةً أشد تعقيداً وأمانةً مما يوهم به خطاب التقديس. ففي سورة التوبة، يُعاتب القرآن من تخلّفوا عن غزوة تبوك من المؤمنين ويصف حالهم بعبارات قاسية: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. وفي السورة ذاتها يُشير إلى وجود منافقين راسخين في المجتمع النبوي لا يعلمهم النبي بالضرورة: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ﴾. بل إن سورة الحجرات تُوبّخ من رفعوا أصواتهم فوق صوت النبي وتُهددهم بإحباط أعمالهم، وهم بالضرورة من سيُطلق عليهم لاحقاً لقب الصحابة. وسورة الأحزاب تحكي عن فريق منهم أراد الفرار من المعركة: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، وما نجا الموقف إلا بتثبيت الله لا بصلابة الرجال وحدها.

هذه الصورة القرآنية المركّبة هي صورة جماعة بشرية حقيقية تعيش لحظات الإيمان والتردد والخوف والطموح السياسي والخطأ والتوبة، وليست هالة من الكمال المحصّن. فكيف إذن أنتج الموروث الحديثي والسيري صورةً مغايرة جوهرياً تكاد تُضفي على الصحابة عصمةً جماعية غير مُعلنة؟ الجواب أن هذا الإنتاج كان جزئياً وظيفةً سياسية، إذ كان تقديس الجيل الأول يعني في الوقت ذاته تقديس الخلافة التي أسسوها وتقديس الروايات التي حملوها، مما يُغلق باب المراجعة والنقد بقفل ديني بدلاً من أن يتركه مفتوحاً أمام العقل التاريخي. والوقائع التاريخية لا تُغادر هذا الحكم. فقد شهِد جيل الصحابة أنفسهم أعنف الحروب الداخلية التي عرفها الإسلام في تاريخه المبكِّر: الجمل وصفِّين والنهروان، حيث اقتتل “خير الناس” بعضهم ببعض، وكفّر بعضهم بعضاً، وسفك بعضهم دم بعض. ومهما قيل من تأويلات لاهوتية في الاجتهاد والخطأ والمغفرة، يبقى أن هذه الوقائع تُفنّد كل ادعاء بخيريّة مطلقة لجيل بعينه، وتُثبت أن القرآن كان أكثر دقةً وأمانةً في وصف هؤلاء البشر مما أرادت له المرويات اللاحقة أن يكون.

ومن هنا يكتسب النقد بُعداً منهجياً أوسع، إذ يتبيّن أن تخصيص الآية بالصحابة لا يحلّ إشكالية الخيريّة المطلقة، بل يُعمّقها، لأنه يُضيف إلى إشكالية التعميم الزماني على كل المسلمين إشكاليةً موازية هي التعميم النوعي على كل أفراد جيل، مع ما يستلزمه ذلك من تجاهل الشواهد التاريخية وإسكات القرآن نفسه حين يُعقّد هذه الصورة ويُنصفها من النرجسية الجماعية.

ثانياً: التوظيف الحركي وإنتاج الأيديولوجيا

عندما نتحدث عن الخطاب الأصولي السياسي نستحضر دوما جانب التوظيف الإيديولوجي للإسلام لخدمة مشروع السلطة، أو البحث عن الشرعية السياسية. ولعلّ خيرية الأمة مثالٌ حي لهذا التوظيف المغرض، بوصفه إطاراً أيديولوجياً ناجزاً في المرحلة التي نشأتْ فيها الحركات الإسلامية الحديثة، لا سيما منذ أعمال حسن البنا وسيد قطب وأبي الأعلى المودودي في القرن العشرين. وقد تجسدتْ هذه الفكرة، أو اليوتوبيا المزعومة لدى الحركات الإسلامية في التوظيف للآية التي تحدثنا عنها سابقا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ آل عمران 110. وهي آية شكلت ولا تزال مادةً خاماً صالحة لبناء خطاب هوية قائم على الانتخاب والتمييز، في مواجهة خطاب الحداثة الغربية الذي كان يضع العالم الإسلامي في موقع التأخر والتبعية، كما أنها مواجهة أمام كلّ تحديث أو تجديد ديني يبتغي البحث عن المشترك الإنساني، والقيم العليا التي راكمتْها الإنسانية منذ لحظة الوعي الأولى. وقد أسهَم هذا التوظيف في تحويل الآية من نصّ تكليفي يُلزم المؤمنين بالقيام بأعمال بعينها، مرتبطة بالإيمان بالله، وعمل المتعارف عليه، وإنكار الأخلاق والقيم التي تستنكِرها الفطرة الإنساني، إلى نصٍّ هوياتي يمنَح المسلمين امتيازاً ذاتياً سابقاً لأي فعل. والنتيجة الحتمية لهذا الانزياح الدلالي هي أن المسلم في هذا الخطاب، يكون خيراً لا لأنه يفعل، بل لأنه يكون؛ أي أن الخيريّة انتقلت من مقولة الفعل إلى مقولة الجوهر، ومن أخلاقيات الفضيلة إلى أنثروبولوجيا الانتخاب.

وإذا أقررْنا بأن الخطاب الأصولي السياسي الإسلامي خطابٌ يعتمد في أساسه على وظائف الإيديولوجيا باعتبارها الإطار النظري الذي يتحرَّك من خلاله، فإن ذلك يمنحُنا قراءة هذا التوظيف الإيديولوجي للحركات الإسلامية من خلال ما حدده بخلر[11] من وظائف للإيديولوجيا. حيث اختزلها في خمس آليات متشابكة: التجمع (Ralliement)، والتبرير (Justification)، والإخفاء (Dissimulation)، والتعيين (Désignation)، وتجويز الإدراك (Autoriser la perception). وإذا كانت هذه الوظائف تحكُم كل خطاب أيديولوجي، فإنها تبلغ ذروتها في الخطاب الذي يُضفي على نفسه طابعاً مقدساً، إذ يُحوّل المطلق الديني إلى سلاح لتدمير الفضاء السياسي المشترَك وإحلال الطاعة مكان المواطنة.

وحتى نكون أكثر إنصافا فالإسلام السياسي لا ينتمي إلى الإسلام، إلا من حيث التوظيف، والشرعنة، والانتماء الإيديولوجي، وإلا فالدين لم يأتِ ولم يزعم أنّه أتى بنظام سياسي متكامل لا يجوز المراكمة عليه، أو تحديثه كلما شاءت الظروف ذلك. وبالتالي فالإسلام لا يُعدّ في جوهره العقدي أيديولوجيا سياسية، غير أن الحركات الإسلامية ذات المشروع الشمولي — من الإخوان المسلمين إلى التيارات السلفية الجهادية — تعمد إلى تحويله إلى نظام أيديولوجي مغلق يُعبّئ الجماهير، ويُشرعن السلطة، ويُقصي الخصوم. ولفهم هذه الآلية، نستعير من بخلر إطاره التحليلي لوظائف الإيديولوجيا، ونُسقطه على الخطاب الإسلاموي بوصفه نموذجاً صارخاً للأيديولوجيا الشاملة.

  • وظيفة التجمع: الأمة بديلاً عن المجتمع: تعمل الأيديولوجيا بحسب بخلر على جمع الأفراد ضمن كيان هوياتي موحَّد. وتؤدي الحركات الإسلامية هذه الوظيفة عبْر مفهوم “الأمة الإسلامية” المُعبَأ تعبئةً سياسية: فالمؤمن لا يُعرَّف بمواطنته ولا بانتمائه الطبقي أو القُطري، بل بانتسابه إلى الجماعة المُختارة. يُعيد هذا التجمع رسم حدود الهوية وفق ثنائية “نحن المسلمون” في مواجهة “الآخر الكافر أو المنافق”، ويُحوّل الاختلاف الداخلي — الطبقي والجنسي والفكري — إلى مسألة ثانوية أمام “وحدة الصف”. ومثال ذلك أن شعار “الإسلام هو الحل” يُلغي التعددية السياسية بجعل الهوية الدينية بديلاً عن البرنامج، فلا حاجة إلى تفاصيل الحوكمة أو الاقتصاد أو السياسة الخارجية ما دام الانتماء إلى الجماعة يكفي وحده لتحديد الموقف من كل شيء.
  • وظيفة التبرير: الشريعة غطاءً للسلطة: تُبرر الأيديولوجيا النظام القائم أو النظام المنشود بجعله ضرورةً حتمية. تُوظّف الحركات الإسلاموية “الحاكمية الإلهية” — مفهوم سيد قطب — لتبرير كل ضرْب من ضروب السلطة المطلقة: فالقيادة لا تُسأل لأنها تستمد شرعيتها من الله لا من الشعب، والقوانين الوضعية تبدو باطلة بالتعريف. هكذا تتحول السلطة إلى وصاية مقدسة، والمعارضة إلى ردة أو كفر، والشك إلى خيانة للجماعة. ويتجلى هذا التبرير بوضوح في التأطير الديني لقمْع المعارضة بوصفها “حرباً على الله ورسوله”، إذ يتحول الاختلاف السياسي المشروع إلى جريمة ميتافيزيقية لا تقبل النقاش.
  • وظيفة الإخفاء: طمس التناقضات الحقيقية: الإخفاء بمعنى بخلر هو إخفاء التناقضات البنيوية الحقيقية خلف وحدة وهمية. يُتقن الخطاب الإسلاموي هذه الوظيفة حين يُحوّل مشكلات بنيوية — الفقر، التهميش، الفساد، التبعية الاقتصادية — إلى مسائل أخلاقية وعقدية: فالتخلف ليس نتاج سياسات، بل عقوبة على البعد عن الله. وهكذا يُخفي الخطاب الأسباب الفعلية للأزمات ويُحوّل الوعي نحو حلول غيبية، مانعاً بذلك أي تحليل مادي للواقع. ويكشف ربط الهزائم العسكرية بـ”المعاصي” بدلاً من تحليل الإخفاقات السياسية والعسكرية عن عمق هذه الوظيفة وخطورتها، إذ تُعيد توجيه الوعي الجمعي بعيداً عن المحاسبة الفعلية.
  • وظيفة التعيين: تسمية العدو وصناعة الشيطان: تُعيّن الأيديولوجيا الفاعلين وتُصنّفهم ضمن جهاز مفاهيمي محدد. تُمارس الحركات الإسلامية هذه الوظيفة بتصنيف العالم إلى معسكر الإسلام ومعسكر “الجاهلية” الجديدة: اليهود، الغرب، العلمانيون، الليبراليون — كل هؤلاء يأخذون أسماء أيديولوجية تُسبق وجودهم الفعلي. التسمية هنا ليست وصفاً بل فعلاً تحريضياً: “الكافر” لا يُناقش بل يُمحى وجوده، و”المرتد” لا يُختلف معه بل يُستأصل. وتكشف قوائم التكفير والتخوين عن الأثر العميق لهذه الوظيفة، إذ تُلغي الكينونة السياسية للخصم قبل إلغاء وجوده الجسدي، فالتعيين الأيديولوجي هو الخطوة الأولى نحو الإلغاء الفعلي.
  • وظيفة تجويز الإدراك: ما يُرى وما لا يُرى: هذه هي الوظيفة الأعمق عند بخلر: الأيديولوجيا تُحدد ما يمكن إدراكه وما يظل خارج دائرة الرؤية. يُنجز الخطاب الإسلاموي هذه الوظيفة عبر تأطير كل الواقع بمنظار الحلال/الحرام، والمؤمن/الكافر. فلا يُرى الإنسان بوصفه مواطناً بل عبداً لله، ولا يُرى السياسي بوصفه فضاءً للتفاوض بل ساحةً للجهاد. هذا التأطير يُغلق أفق الممكن، حيث لا يبدو التغيير الديمقراطي ممكناً بل فتنة، ولا تبدو المرأة الحرة حقاً مكتسباً بل فساداً يجب ردعه. والدليل على أن هذا “الإدراك الشرعي” أداةٌ تكتيكية لا مبدأ هو تحريم المشاركة في الانتخابات لفترات ثم تجويزها، يعني أن ما يُرى ويُدرك تحكمه مصلحة الجماعة لا منطق المبادئ.

إن ما يجعل المشروع الإسلاموي الشمولي خطيراً بامتياز ليس وظيفةً واحدة بعينها، بل التشابك الوظيفي الكامل: التجمع يوفّر الكتلة البشرية، والتبرير يُعطيها غطاءً أخلاقياً، والإخفاء يمنعها من نقد ذاتها، والتعيين يُحدد لها عدوها، وتجويز الإدراك يُغلق عليها كل مخرج فكري نقدي. والنتيجة نظام خطابي مُحكم لا يُنتج مجرد أتباع، بل يُنتج ذواتاً مُخترَقة من الداخل، عاجزة عن تصوّر واقع مغاير. هذا ما يُميّز الأيديولوجيا الشمولية عن الأيديولوجيا السياسية العادية: إنها تدّعي احتكار الحقيقة المطلقة وتُلغي التفريق بين الديني والسياسي والقانوني والشخصي، فكل شيء يصير “حكماً شرعياً”، وكل مخالفة تصير ذنباً وجريمة في آنٍ واحد.

ثالثاً: النقد من داخل الموروث — حديث “خير القرون“

لا يختلف الأمر كثيراً حين ننتقل من الآية إلى الحديث النبوي المشهور الذي رواه البخاري ومسلم: “خيرُ الناسِ قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”. فقد صار هذا الحديث سنداً نصياً ثانياً لبناء خطاب التفضيل التاريخي، وإضفاء القدسية على النماذج الأولى للتجربة الإسلامية بوصفها الأفضل مطلقاً لا يُبارى. غير أن إشكاليات هذا الحديث جذرية من حيث الدلالة قبل المناقشة في درجة صحته وسنده. فإذا سلّمنا بصحته وحسن الاستدلال به، فإن دلالته تُفيد تفضيلاً تاريخياً متناقصاً: القرن الأول أفضل من الثاني، والثاني أفضل من الثالث. وهذا يعني منطقياً أن كل قرن لاحق هو أدنى من سابقه في درجة الخيرية، مما يُولّد تصوراً مأساوياً للتاريخ الإسلامي على هيئة انحدار أبدي لا يُوقفه شيء. وهذا التصوّر لا يُشجّع على بناء الحاضر بل يُمجّد الماضي، ويُحوّل المرجعية الدينية من دينامية تجديدية إلى سلطة أثرية تُشرّع الجمود باسم الاتباع.

فضلاً عن ذلك، فإن السياق التاريخي لكثير من روايات الحديث يُشير إلى أن “الخيريّة” فيه مرتبطة بملابسات شهادة الإيمان والتثبّت عليه في بيئة مبكرة معادية، لا بتفضيل بنيوي مطلق للقرون الأولى على ما بعدها. أي أن المفاضلة هنا ذات طابع سياقي-ظرفي لا قانوني-كوني، وهو فهم يختلف جذرياً عن التأويل الحركي الذي يُحوّله إلى نظرية في التاريخ والحضارة والتشريع. ولأن علماء الحديث اهتموا بصحة السند دون صحة المتن فقد تناسوا العديد من المآزق والإشكالات التي تطرحها هذه الرواية، ففي الوقت الذي تحاول  الرواية أن تؤسس لسلطة السلف وخيريتهم، فإنها تعبِّر عن تناقضات يصعُب حلُّها، وهو ما يواجه اليوم جميع التيارات المنتسبة للحركات الإسلامية المختلفة. حيث يربط الحديث الخيريةَ بالانتماء الزمني، أي بكون المرء من القرن الأول أو الثاني أو الثالث الهجري. وهذا الربط يصطدم بمفهوم قرآني صريح يجعل الخيرية مشروطةً بالفعل لا بالزمان. يقول تعالى: “كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر“ (آل عمران: 110). فالآية تُعلّق الخيرية على شرط فعلي مستمر هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا على مجرد الولادة في حقبة بعينها. بمعنى آخر: الإنسان خيرٌ بما يفعل لا بما ينتمي إليه زمنياً. والقول بأن قرناً بأسْره بكل ما فيه من تفاوت أخلاقي وتناقُض إنساني هو “خير” من كل من جاء بعده، هو ادِّعاء يفتقر إلى معيار موضوعي قابل للاختبار، ويُناقض المنطق الذي أرستْه الآية القرآنية ذاتها التي يدّعي هذا الخطاب الاستناد إليها.

كما أن الأشد إيلاماً في هذا الحديث أنه يُمجّد قروناً بعينها فيما التاريخ يُسجّل أن هذه القرون ذاتها شهِدَتْ من الاقتتال الداخلي والفتن ما لم تشهَدْه قرون لاحقة. فالقرن الأول الهجري — وهو قرن الصحابة أنفسهم — شهد موقعة الجمل التي سقط فيها الآلاف من الصحابة في مواجهة بعضهم البعض، وموقعة صفِّين التي راح ضحيتها عشرات الآلاف، ثم مجزرة كربلاء التي قُتل فيها آل بيت النبي على يد من يُعدّون من أبناء ذلك “القرن الخيّر”. ناهيك على أن الموروث الروائي الإسلامي نفسه يحمل في طياته أحاديث تقول إن القاتل والمقتول في هذه الفتن كلاهما في النار، وهو ما يُسقط إمكانية التعميم ويجعل وصف القرن كله بالخيرية ادعاءً لا يصمد أمام وقائع التاريخ. فكيف يكون القرن خير القرون وهو القرن الذي شهد أولى الفتن الكبرى التي مزّقت الجماعة الإسلامية وأورثتها شقاقاً لا يزال حياً حتى اليوم؟

إن ما يريد أن ينتجه لنا هذا الحديث وغيره، وتتمسك به اليوم الجماعات الأصولية المختلفة، هو إشكالية معرفية بالغة الخطورة، ترتبط بالتأسيس لسلطة السلف بوصفها مرجعاً معصوما، فكل تجديد أو اجتهاد يغدو مشبوهاً بحكم التعريف لأنه يخرج عن زمن “الخيرية”. وهذا بالضبط ما وظّفته الحركات السلفية والوهابية لإغلاق باب النقد وتجميد الاجتهاد، إذ يكفي أن تُقال عبارة “لم يفعله السلف” أو “لم يقل به أحد من القرون الثلاثة” لإسقاط أي فكرة مهما بلغَتْ رصانتها. هذا المنطق يُحوّل الماضي من مرجع يُستأنس به إلى سجن يُقيَّد به، ومن تجربة تُستلهم إلى سلطة تُفرض. وهو بذلك يُعطّل الوظيفة الأساسية للعقل الإنساني وهي الاجتهاد في ضوء المستجدات، ويُحيل كل حاضر إلى مجرد ظل باهت لماضٍ ذهبي لا يمكن بلوغه ولا تجاوزه.

وهذا ما رصده مصطفى حجازي في كتابه “الإنسان المهدور” [12] واعتبره ظاهرةً نفسية حضارية عميقة تتمثل في إدمان تمجيد الماضي بوصفه آليةً دفاعية تكشف في جوهرها عن إخفاق في الحاضر. فالجماعة التي تعيش على مجد أسلافها وتُحيل كل شيء إلى “ما كان عليه القوم” هي جماعة عاجزة عن إنتاج مجدها الخاص، لأن استحضار الماضي المُعظَّم يُغني — وهماً — عن مواجهة الحاضر المستعصي. وفي هذا السياق يغدو حديث “خير الناس قرني” أداةً — وإن لم يكن في نشأته كذلك — لإعادة إنتاج هذا الهدر الحضاري. فحين يُقنَع الإنسان بأن الأفضل قد مضى وأن كل قرن أدنى من الذي قبله، فإنه يُسلَّح بعدمية هادئة تجعله عاجزاً عن تصوّر أنه قادر على تجاوز أسلافه أو مساواتهم، فضلاً عن الاجتهاد فيما لم يجتهدوا فيه. إنه خطاب يُنتج يأساً منهجياً مُقنَّعاً بالتقوى: كلما أردت أن تفكر خارج الموروث قيل لك إنك لن تبلغ ما بلغه أهل القرون الخيّرة، فالأجدر بك الاتباع لا الابتداع.

رابعاً: نقد أعمق — الخيريّة بوصفها أداةَ استبعاد

تنطوي فكرة الخيريّة الجماعية، في صيغتها الأيديولوجية المحكمة، على إشكالية أخلاقية عميقة تتعلق بمنطق الاستبعاد الذي تُفضي إليه حتماً. فحين تُعرِّف أمّةً ما نفسها بأنها “خير أمة”، فإنها تُنتج ضمنياً هرماً للقيم تكون فيه الأمم الأخرى أدنى؛ وهو ما يُرسّخ علاقة من التعالي الرمزي تجاه الآخر المختلف دينياً أو حضارياً. وفي هذا الإطار تحديداً، تتحول آية “خير أمة” من نص تحريضي على الفضيلة الأخلاقية إلى أداة لإغلاق الأفق المعرفي وتبرير التميّز الجماعي. والأكثر من ذلك أن المقاربة التجريبية للتاريخ تُفنّد هذه الخيريّة المتصوَّرة. فالأمة الإسلامية عبْر التاريخ، شأنها شأن سائر الأمم والحضارات، إنما هي نسيج من التجارب الإنسانية الملتبِسة، التي تشمَل الإبداع الفكري والتسامح الديني في حِقب، والتعصب والانغلاق في حِقب أخرى، والظلم السياسي والاجتراف الاجتماعي طوال تاريخها. ومن ثمّ، فإن ادّعاء الخيريّة المطلقة للأمة يستلزم تنقية انتقائية للتاريخ وتناسياً مقصوداً لكثير من فصوله المعقدة.

لا يعني هذا النقد دعوةً إلى التخلي عن التراث النصي الإسلامي أو الاستهانة بمضامينه الأخلاقية، بل يدعو إلى قراءة أكثر إنصافاً وعقلانية تُعيد للنصوص سياقها ووظيفتها الحيّة. فآية “خير أمة” نصٌّ تحريضي في جوهره، يدعو إلى الفعل الأخلاقي المسؤول، لا شهادةٌ دينية على التفوق الجوهري لمجموعة بشرية. وإن حديث “خير القرون” وصفٌ تاريخي لسياق بعينه، لا قانون كوني يُحكم به على حاضر البشر ومستقبلهم. استعادة هذا الفهم الوظيفي الحيوي للنصوص هي وحدها الكفيلة بإنقاذ الخطاب الإسلامي من الانزلاق نحو نرجسية هوياتية تُضعف قدرته على الحوار والتجديد، وتُعيق الأمة عن مواجهة أسئلتها الحقيقية في ضوء الواقع لا في ظل الامتياز المتخيَّل.

  • خاتمة:

لم يبق لنا في ختام هذا الجهد البحثي، سوى أن نؤكد مجددا بأن ما سعت إليه الدراسة، ليس نقدا ينبثق من واقع مجافٍ لكلّ ما هو إسلامي كما تريد أن توهمنا الدراسات الإسلامية في شقها السياسي، بل الأساس الذي ننطلق منه هو مساءلة بنية الخطاب الأصولي السياسي والحركي السلفي في أحد أعمق مرتكزاته، وهو مفهوم الوسطية والاعتدال الذي يُردِّده المؤسسون والأتباع، ولكن بطريقةٍ يبدو فيها هذا الخطاب متناقضاً بين ما ينظِّر له ويدعو إليه ، وبين الواقع الذي ترتعُ فيه هذه الحركات الأصولية. وهكذا فما يمكن أن نستخلصه هنا هو تجاوُزُ نقد الخطاب، إلى كشف الآلية التي تجعله متجدداً رغم وهنه. فالوسطية في الخطاب الإسلاموي ليست منهجاً نابعاً من داخل البنية الفكرية للحركة، بل هي واجهة وظيفية تُلبَس حين تستدعيها المصلحة وتُخلَع حين تُضيِّق على الأيديولوجيا.

وقد تجلّى ذلك بوضوح من خلال ثلاثة مستويات تحليلية اشتغلنا عليها: المستوى الأول: هو مستوى النص الديني، الذي يظهر بأنّ هذه الحركات تتقِنُ توظيفه لأغراض سياسية، وتقُوم بالتحجُّج به من أجل كسْب الشّرعية المزعومة. إذ أظهر التحليل الدلالي أن مفهوم الخيرية، سواء في الآية القرآنية أو في حديث “خير الناس قرني”، لا يُفضي في قراءته السياقية الأمينة إلى ما أراده منه الخطاب الحركي من تأبيد الامتياز وتقديس الماضي، بل يُفضي إلى دلالة أخرى مغايرة تماماً، وهي أن الخيرية في الآية مشروطة بالفعل لا بالجوهر، وانتماء تاريخي لا كوني. أما المستوى الثاني: فهو مستوى التاريخ، الذي يقفُ شاهداً صارخاً على الهوّة بين شعار الاعتدال وبين الوقائع الدامية التي طبعتْ قرون “الخيرية” ذاتها من فتن الجمل وصفين وكربلاء، إلى ما تولّد عن رحم الحركات “الوسطية” من تطرف وإرهاب. وأما المستوى الثالث: فهو مستوى التشريح النّفسي الحضاري الذي أتاحه لنا مصطفى حجازي، والذي يُفسّر هذا التعلق المرضي بالماضي لا بوصفه وفاءً للأصول، بل بوصفه هروباً من الحاضر واحتجاباً عن أسئلته الحقيقية.

 

كما أن أدوات بخلر التحليلية، والتي تحدث فيها عن وظائف الإيديولوجيا أضافت لنا مستوىً رابعاً كاشفاً، إذ بيّنتْ أن الإسلام السياسي بتوظيفه لوظائف الأيديولوجيا الخمس — التجمع، والتبرير، والإخفاء، والتعيين، وتجويز الإدراك — يُحكم بناءه على نحوٍ لا تكفي الردود الدينية لمواجهته، لأنه لا يُنتج أتباعاً فحسب، بل يُنتج ذواتاً مُخترَقة عاجزة عن رؤية ما أُريد لها ألا تراه. وهذا ما يجعل النقد المعرفي وليس الفقهي فحسب ضرورةً لا ترفاً.

ولعل الدرس الأعمق الذي يمكِن استخلاصه من هذه المسيرة الطويلة، بدْءاً من علال الفاسي الذي استحضر النقد الذاتي في زمن الاستعمار، مروراً بخالص جلبي الذي شخّص المأزق الحضاري بعين الطبيب الصارمة، وانتهاءً بسيوران الذي أفضح ميل العقل إلى أن يرى في النص ما يحمِله هو لا ما يقوله النص، هو أن العطَب الحقيقي في بنية التفكير الأصولي هو عطَبٌ في العلاقة بالحقيقة ذاتها: حقيقة التاريخ، وحقيقة النص، وحقيقة الذات. وما لم تُعالَج هذه العلاقة الملتبسة معالجةً صادقة تبدأ بالنقد الداخلي الشجاع، فإن الخطاب الإسلامي سيظل يُنتج كل جيل وعوداً بالاعتدال تُكذِّبها الأيديولوجيا، وشعارات بالوسطية تُفنّدها ممارسات الهيمنة والإقصاء.

______________________________________________

المصادر والمراجع:

[1] – يعرف القرضاوي الوسطية والاعتدال ب:” التوسط والتعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين. بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير. ويطرد الطرف المقابل. وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه. ويطغى على مقابله ويحيف عليه.

يوسف، الفرضاوي. كلمات في الوسطية الإسلامية ومعالمها. منتدى اقرأ الثقافي،ط3،2011. ص: 13.

[2] – يرى أحمد صبحي منصور بأن أصول جماعة الإخوان المسلمين تعود إلى إخوان نجد في بلاد الحجاز. انظر من كتبه:

أحمد، صبحي منصور. جذور الإرهاب في العقيدة الوهابية. دار الميزان،ط1،2008.

[3]– انظر ما كتبه حول الموضوع حسن البنا في مجموع رسائله. ملف PDF.

[4] – علال، الفاسي. النقد الذاتي. دون دار نشر، أو طبعة وتاريخ.

[5] – إيميل، سيوران. لو كان آدم سعيدا. ترجمة محمد علي اليوسفي. أزمنة للنشر والتوزيع،ط2،2O14. ص: 54.

[6]– من سلطة النص إلى سلطة الخوارزميات قراءة في أزمة النقد وموت الإنسان. على الرابط التالي: اضغط هنا

[7] [7] Dermot Moran. INTRODUCTION TO PHENOMENOLOGY .This edition published in the Taylor & Francis e-Library, 2002. P1

[8] – يوسف، هريمة. تفكيك الخطاب الأصولي حوارات مع كبار المفكرين والمثقفين العرب. المكتب العربي للمعارف،ط1،2023 .

[9] – MIECZYSŁAWA SEKRECKA.  ROCZNIKI HUMANISTYCZNE Tom X X V II, zeszyt 5 — 1979 p 32

[10] – تفسير الطبري: اضغط هنا للاطلاع

[11] – أكد بخلر أن وظائف الإيديولوجيا تختصر في: التجمع ralliment، التبرير justification، الإخفاء، التعيين désignation، تجويز الإدراك autoriser la perception.

انظر بهذا الشأن كتاب الإيديولوجيا، إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي. دار توبقال للنشر. ص: 53/54

[12] – حجازي،مصطفى. التخلف الاجتماعي. مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط9، 2009. ص: 103.

 

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete