تكوين
وهْمٌ مُنظَّمٌ ولكن…
إذا حقّ لنا أنْ نستعير من عبد الوهاب المؤدب عنوان كتابه ” أوهام الإسلام السّياسي “، فإنّ ذلك يمنَحُنا رؤيةً أكبرَ تؤكِّد لنا بأنّ داخل الفضاءات الفكرية التي يرْتَعُ فيها ما يسمّى بالإسلام السياسي، أو الإسلام الحركي، تُوجدُ معضِلات فكرية، أو لنَقُل أوهامٌ تراكَمَت عبْرَ الزمان لتُشكِّل ما يمكِن أنْ نُسمِّيه، ب”مرض الإسلام” [1]la maladie de l’islame، وهو العنوان الحقيقي الذي اختاره عبد الوهاب المؤدب لكتابه، مع أنّ المترجم اختار عنوانا آخرَ، لغايةٍ في نفسه، يمكِن أنْ يكون التخفيف من حدّة العنوان، أحد الأسباب الرئيسية في هذا الاختيار. لكنْ بالرغم من المؤاخَذات التي يمكِن أن تكون لنا على التّرجمة الدقيقة لعنوان الكتاب، إلا أنَّ المترجم أيضاً لديه ما يعزِّز هذه الترجمة، سواءٌ من داخل الكتاب، أو من خلال القراءة لواقع الإسلام، والحركات التي تنطِق باسمه. ولعلّ ما يجعل الوصف بالوهْم دقيقاً في معالجة قضايا التطرّف والعنف الديني، أنّ الأيديولوجيات الكبرى، والسَّردِيات العابرة للحدود، والعقل، والفكر لم تقُمْ عبْر التاريخ على الإكراه وحده، ولم تستند في ترسيخ بنياتها الفكرية والعقدية إلى الحقيقة الصرفة وحدها، بل أقامَت جذورها، ووَطَّدَت دعائمها على مدار تاريخ طويل في منطقةٍ وسطى خصبة هي منطقة الوهم المُنظَّم. ولا نعني هنا بالوهم خطأً عابرًا أو سوء فهمٍ عارض، بل هو بنيةٌ تُشيَّد بعناية فائقة لتجعل الإنسان يرى ما يُراد له أن يراه، ويشتهي ما يُراد له أن يشتهيه، ويخاف مما يُراد له أن يخافه.
وبما أننا في سياق الحديث عن الوهم، فإنّ ذلك يحيلنا إلى ما كشَف عنه إيريك فروم في كتابه المهم “ما وراء الأوهام “[2]، حيث جمَع بين عملاقَين من عمالقة الفكر الحديث كارل ماركس وسيغموند فرويد، من أجل التوصُّل إلى فهمٍ أعمق للإنسان وأوهامه، والخروج من وراء هذه الأوهام نحو حرية حقيقية، وليس من أجل الموازنة بينهما، أو التفضيل بين أطروحتيهما. وهذا ما بدا جلِيّا من خلال محاور الكتاب الذي كان يحرِّكه سؤال واحد حاد: لماذا يتصرّف الناس بالطريقة التي يتصرفون بها؟ أي ما القوى الخفية النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تُحرّك السلوك الإنساني من وراء الستار، بينما يظنُّ الإنسان أنّه يتصرّف بمحْض إرادته؟ هنا يرى فروم أنّ كُلًّا من ماركس وفرويد اكتشفا جانبًا أساسيًا من الحقيقة الإنسانية التي تختبئ خلف الظواهر المرئية: فرويد اكتشف أنّ السلوك الإنساني تُحرّكه دوافع لاشعورية مكبوتة تنشأ في الطفولة، وتتجلى في الحياة البالغة بأشكال مقنّعة، في حين أنّ ماركس اكتشف أنّ الوعي البشري وأفكاره ومُثُله ليست حرة طليقة، بل هي إلى حدٍّ بعيد انعكاس للبِنية الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الفرد.
لكن فروم هنا لا يكتفي فقط بالوصف، بقدْر ما يسعى إلى التحليل والفهم والتعرية، وذلك لأن الأوهام التي يتحدَّث عنها الكتاب هي تلك الصور الزائفة، والتمثُّلات المخادعة التي ينشِئها الفرد والإنسان عن نفسه وعن العالَم والآخر، سواء كانت دوافعها منبثقة عن الكبْت النفسي كما يتصوَّر فرويد، أو عن الاغتراب الاجتماعي كما عند ماركس. أيْ حين يصبح الإنسان غريبًا عن عمله وعن نفسِه وعن الآخرين، لا يرى نفسه فاعلًا حرًا بل يصبح شيئًا، وحين يتملّكه التوجّه نحو الامتلاك والاستهلاك بدل الوجود الحقيقي، فهو يعيش في وهمٍ عميق. ومن هنا تتجلى لنا فكرة فروم من خلال كتابه ” ما وراء الأوهام “، أي أنّ الحرية الحقيقية لا تُنال إلا بتحطيم قيود الوهم، الذي تصنعُه البِنى الاجتماعية، والوهم الذي يصنعُه اللاوعي، والوهم الذي تصنعُه الأيديولوجيا. والتطور الإنساني الحقيقي لا يتحقق حين يمتلك الإنسان أكثر أو يُنتج أكثر، بل حين يكون أكثر وعيًا، وأكبر صدقًا مع نفسه، وأعمق قدرة على الحب والتواصل الحرّ مع الآخرين.
هذا عن محرّكات الوهم عند الإنسان كما تبدَّتْ لدى إيريك فروم، وهي فكرة ستساعِدنا في قراءة أوهام الإسلام السياسي، انطلاقًا من قاعدة أنّ الأيديولوجيا في جوهرها قراءة وجودية تضليلية للواقع، ومشروعٌ تفسير شامل للعالم؛ تطرح نفسها كبديل خلاصي، أو كوصفة جاهزة تعبِّر عن الحقيقة المطلقة، أو الحقيقة النهائية. غير أنّ ما هو مؤكَّد داخل هذا السياق التحليلي، هو أن الحقيقة لا تكفي وحدها لإنتاج الولاء الكامل والانصياع الطوعي. لهذا نجد كل الإيديولوجيات الكبرى، والسرديات العابرة للحدود، واليوتوبيات الجماعية تعِدُ بعالَمٍ مثالي كالجنة الموعودة، أو الدولة العادلة، أو الأمة الخالدة، لكن بين هذا الوعد والواقع المعيش هوّةٌ شاسعة لا يمكن ردمُها بالحجة المنطقية وحدها. فالوهم هنا يكون بمثابة الجسر الذي يعبُر فوقه المؤمن، والمؤدلج، دون أن يشعُر بالدوار من شدة الارتفاع، فيُحوِّل التناقض إلى امتحان، والفشل إلى مرحلة، والانتظار إلى فضيلة.
وقد تعلّم أصحاب السرديات الكبرى من أفلاطون الذي سوّغ “الكذبة النبيلة” إلى المنظِّرين العصريين للدعاية،[3] أن السرد في الكثير من الأحيان يكون أقوى من البرهان، وأن القصة لها القدرة على الاختراق لأنّها تخاطب في الإنسان وجدانه ومشاعره. لذا فحديثنا عن الوهم في سياق الحركات الإسلامية، أو عند الكثير من صنَّاع ثقافة الوعد والوعيد، لا يعني الحديث عن أكاذيب فجّة مكشوفة، بل يعني في المقام الأول قدرة أصحاب الإيديولوجيات الخلاصية على منح هذا الوجود معقولية أكثر، ومعنى أكبر، بالرغم من الجانب المأساوي الذي يطبعُه. حيث تصير الأسطورة هنا تاريخًا، والتاريخ مصيرًا، والمصير أمرًا لا يملك الفرد إزاءه إلا الامتثال أو الخيانة.
لماذا الوهْم؟
إذا عرفنا بأنّ الوهم هو القدَر الذي تتمسَّح به الإيديولوجيات الكبرى، والسرديات الخلاصية، فإن ذلك يجعلنا مُوقِنين بأنّ الوهم لا يعمل في فراغ، أي أنّ داخل السياق الوهمي، والبيئة الموهومة، تحتاج الإيديولوجيات إلى عدوٍّ يُعرِّفها ويمنحُها حيويتها. ليس الأمر اختيارا، أو اعتباطا كما قد نظن، فالمسألة حتمية بالنسبة للسرديات الكبرى، حينما تجعل ديمومتها واستمرارها مرتبطة بخصمٍ يُبرّر التضحيات ويُديم التعبئة، سواء أكان هذا الخصم طبقةً اجتماعية أو عرقًا أو دينًا أو فكرة. وبالتالي فالوهم هنا هو من يحدِّد ملامح العدو، ويرسُم سِماته الأساسية، بحيث يبدو بأبعادٍ مضخَّمة، تكون كافية لإثارة الخوف، وإثارة الإحساس البطولي بمقاومته في آنٍ واحد. لذلك، فإن دراسة الوهم في سياق الأيديولوجيات الكبرى والسرديات المهيمنة ليست ترفًا فكريًا ولا مجرد فضول أكاديمي، بل هي في جوهرها فعْل مقاومة؛ لأن فهْم الآلية هو الخطوة الأولى نحو تفكيكها، والتفكيك هو الشرط الأول لاستعادة القدرة على رؤية العالم بعيون غير مستعارة.
وبما أننا في سياق تحليلي للوهم عند الإسلام الحركي، أو السياسي، أو الأصولي باختلاف مسمَّياته، فإن التأمُّل في هذه التجارب سواء في أدبياتها، أو في بعض ممارساتها السلوكية، خاصة عندما وصلَتْ إلى سُدَّة الحُكم، وأدارَت مقاليد السلطة داخل بلداننا، يمنحنا القدرة على الإقرار، بأننا أمام حركات تعيش على وقع أوهام متجذّرة في بنيتها الفكرية، قبل أن تكون في ممارستها السياسية. وهو ما انتبه إليه المفكر التونسي عبد الوهاب المؤدب حين وضع يده على الجرح في كتابه الجريء “أوهام الإسلام السياسي“، كاشفاً عن فجوة عميقة بين ما تدّعيه هذه الحركات من مرجعية إلهية وبين ما تُنتجه من واقع إنساني متأزّم. فالوهم كما سبق الإشارة إلى ذلك، لا يمكن أن نُعرِّفه فقط من منظورٍ أخلاقيٍ على أنه كذبٌ صريح، بل هو ما هو أخطر من ذلك، إنه اعتقاد راسخ يُحاكي الحقيقة ويتلبَّسُ بمُسوحِها، ويستمدّ قوته من إيمان أصحابه المطلق به. ولعل هذا بالضبط ما ميّز الخطاب السياسي الإسلامي منذ نشأته، إذ بنى صرْحَه على يقينيات مُغلقة رفعَتْ نفسها فوق مستوى النقد والمساءلة، مُسوِّغةً ذلك بانتسابها إلى مرجعية تتخطَّى البشر وتسمو على الزمن.
غير أن التاريخ في الكثير من محطَّاته يعلو ولا يُعلى عليه، أي أنه مِحكٌّ حقيقي لكل التجارب، والأفكار، والتنظيرات، حيث أثبَتَ على مدار مائة سنة بأنّ ما حملَتْهُ بعض هذه التيارات من شعارات الإسلام هو الحل، سقط عند أول امتحان، وبالتالي فقد أثبَتَ الواقع مرة أخرى أن هذه اليقينيات ليست سوى بِنى أيديولوجية تُعيد إنتاج السلطة والهيمنة بلغة مقدّسة. فحيثما وصلت هذه الحركات إلى السلطة، وجَدنا أنفسنا أمام نفس المعادلة القديمة: تمركُز السلطة، وإقصاء الآخر، وتجفيف منابع الحرية، مع فارق جوهري واحد، هو أن هذا كله يجري تحت غطاء الشرعية الدينية، يجعل من عملية الاعتراض عليها أمراً شاقّا، إن لم نقُل مستحيلا في بعض التجارب الدينية.
وما يزيد هذه الأوهام رسوخاً وعُمقاً في نفسية المؤمنين، ما أطلق عليه برنارد شوفييه ب ” جنون الإيمان “[4]، وهي حالةٌ نفسية تتشكَّل لدى المتعصبين، يتجاوز فيها الإيمان حدوده الطبيعية ليتحوّل إلى يقين مطلق مغلَق على نفسه. أي أنه لا يعود تجربة شخصية متوازنة تقوم على القناعة والتفكير، بل يصبح اندفاعاً أعمى يجعل صاحبه غير قادر على الشك أو مراجعة أفكاره. فيرى الفرد أن ما يؤمن به هو الحقيقة الوحيدة، ويرفض كل اختلاف أو نقاش، بل قد يعتبر الآخرين أعداءً لمجرد أنهم لا يشاركونه نفس الاعتقاد. هذا “الجنون” لا يعني فقدان العقل بشكل مباشر، بل يشير إلى اختلال في طريقة التفكير، حيث يختلط الإيمان بالخوف أو الحاجة النفسية إلى اليقين، فيتشبَّث الإنسان بأفكاره بشكلٍ مبالَغٍ فيه. ومع مرور الوقت، يذوب الفرد داخل الفكرة أو الجماعة التي ينتمي إليها، ويستمدُّ منها هويته وقيمته، مما يجعله مستعداً للدفاع عنها بأي وسيلة، حتى لو أدى ذلك إلى العنف أو الإقصاء. وبذلك يبيّن شوفييه أن “جنون الإيمان” ليس قوة أو فضيلة، بل هو شكل من أشكال التطرف، لأنه يلغي العقل والحوار ويحوّل الإيمان من مصدر للمعنى والطمأنينة إلى أداة للانغلاق والصراع.
ولعل المدخل الأمثل لفهم هذه الأوهام وتشريح بنيتها هو الوقوف عند المفاهيم التي يرتكز عليها هذا الخطاب، لأن المفاهيم ليست مجرّد كلمات، بل هي أدوات لصياغة الوعي وتوجيهه. فمفاهيم من قبيل الحاكمية والخلافة والشريعة والشورى لا تُقرأ في هذا السياق بوصْفها مفاهيم معرفية تاريخية قابلة للنقاش، بل تُقدَّم بوصفها مطلقات إلهية لا تقبل إلا الامتثال. وهو ما يُحوّلها من أدوات للتفكير إلى أقفاص للعقل. ومن هذا المنطلق تحديداً تنبثق إشكالية بحثنا، التي تسعى إلى مساءلة مفهوم السيادة العليا في الإسلام والحاكمية الإلهية، الذي يمثّل عصب التوتر بين نموذجين للدولة: نموذج يُؤسَّس على الإرادة الإنسانية وتعاقُد المواطنين، ونموذج يزعُم الانتساب إلى الإرادة الإلهية ويُضفي على سلطته طابَعاً قدسياً. وبين هذين النموذجين تدور رحى نقاش لم يُحسَم بعد، بل ازداد اشتعالاً في ظلّ الأزمات التي تعيشها مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
فهل الإسلام السياسي قادرٌ على مراجَعة أوهامه ومُصالَحة نفسه مع الواقع الإنساني بكل تعقيداته؟ أم أنّه محكوم بطبيعة بنيته الأيديولوجية أن يظل سجين يقينياته، عاجزاً عن تجديد خطابه، ما لم يُقرّ أولاً بأن ما يحسبه حقائق أزلية، ليس في كثير من أحيانه سوى أوهام تاريخية صنعها بشر وأسبغوا عليها صفة الإلهي؟ هذا هو السؤال الذي تحاول هذه الدراسة الاقتراب منه.
-
السّيادة وجذورها في التجربة الغربية
قبل أن نتحدث عن السّيادة ومفهوم الدولة في السياق الإسلامي الحركي، أو الإسلام الأصولي كما أشرنا إلى ذلك سابقا، يحسُن بنا أنْ نُقارب الموضوع أيضا من جانب آخر، وهو تشكُّل هذا المفهوم في الغرب المسيحي، خاصة وأننا نتقاسم التجارب نفسِها مع العالم الآخر، مع اختلاف الظروف والمقاربات والبيئات. بيد أنّ الحديث عن فكرة السيادة كما تجذّرت في الفكر السياسي الحديث، تجرُّنا دوماً نحو الحديث عن الدولة ونشأتها ووظائفها، وهذا أمرٌ طبيعي إذا ما نظرنا إليه من زاوية أنّ الدولة من الظواهر الأكثر حضوراً في حياة الإنسان قديما وحديثا، وأكثرها إثارةً للتفكير الفلسفي والسياسي. ففي كتابه ” الدولة نظريا وعلميا ” يخبرنا هارولد لاسكي[5] أنه منذ أن طرح أفلاطون فكرته الشهيرة بأن العدالة لا يمكن أن تُختزل في حكم الأقوى، بدأ التفكير الإنساني يتّجه نحو تقييم الدولة لا من حيث قوَّتها، بل من حيث الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. ومنذ ذلك الحين، ظل مفهوم الدولة موضوعًا للنقاش الفلسفي العميق، حيث تباينَتْ الرؤى بين من رأى فيها أداة لتحقيق الحياة الكريمة، ومن اعتبرها ضرورة لضمان الأمن والنظام، ومن ربط مشروعيتها برضا الأفراد عن أفعالها.
فالدولة، في نظر أرسطو، تنشأ لتحقيق الحياة الفاضلة، بينما يؤكد توماس هوبز على ضرورتها لتجنُّب الفوضى التي قد تنشأ عن الطبيعة البشرية. أما جون لوك فيربط شرعيتها بحماية حقوق الأفراد في الحياة والحرية والملكية، في حين يرى جان جاك روسو أن الدولة يمكِنُ أن تكون وسيلة لتحقيق حرية أوسع من تلك التي كانت موجودة قبل قيام المجتمع المدني. ومع جورج فيلهلم فريدريش هيجل، تبلُغ الفكرة ذروتها حين تُصوَّر الدولة باعتبارها تجسيدًا لفكرة أخلاقية عليا، تتجاوز الفرد وتمنحه قيمته من خلال اندماجه فيها. ورغم هذا الثناء الكبير على الدولة، فإن هذا الإعجاب غالبًا ما كان موجَّهًا إلى نموذج مثالي أكثر منه إلى واقع فعلي. فالفلاسفة لم يكونوا يدافعون عن دول قائمة بقدْر ما كانوا يدافعون عن أهداف يرون أنها لا تتحقَّق إلا عبْر تنظيم سياسي يُسمى الدولة. وهذه الأهداف، على اختلاف العصور، تدور حول تمكين الأفراد من تحقيق ذواتهم وتنظيم رغباتهم ضمن إطار جماعي منضبط.
من هنا تظهر الحاجة إلى سلطة إلزامية حسب هارولد لاسكي تنظِّم السلوك الاجتماعي. فغياب هذه السلطة يؤدي إلى فوضى القرارات الفردية، ويقوِّض أسُس الاستقرار. ومع ذلك، فإن طاعة هذه السلطة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق غايات يراها الأفراد ذات قيمة. فالناس لا يطيعون الدولة لمجرد أنها موجودة، بل لأنهم يتوقّعون منها تحقيق قدْر من الرضا والأمان في حياتهم. وبهذا المعنى، تصبح قيمة الدولة مرتبطة بما تحققه من نتائج ملموسة، لا بمجرد وجودها. فالمواطن العادي لا يهتم كثيرًا بالتبريرات الفلسفية، بل ينظر إلى الدولة من زاوية ما تقدمه له من خدمات وإشباع لحاجاته. وهنا تتباين التقييمات تبعًا لاختلاف الزمان والمكان، إذ تتغير تطلعات المجتمعات وتوقعاتها من الدولة باستمرار.
وعند الانتقال إلى تعريف الدولة، نجد أنها ليست مجرد تجمُّع بشري، بل مجتمع يتميز بوجود سلطة علْيا تُعرف بالسيادة، تملك حقّ فرْض القوانين وإلزام الأفراد بها. وهذه السيادة هي ما يميز الدولة عن غيرها من المؤسَّسات الاجتماعية كالنقابات أو الكنائس، التي تظلُّ خاضعة في النهاية لإرادة الدولة. غير أن هذه السلطة لا تُمارَس مباشرة، بل من خلال جهاز إداري هو الحكومة، التي تعمل كوكيل عن الدولة. ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين الدولة والحكومة؛ فالدولة هي الكيان السيادي، أما الحكومة فهي الأداة التي تنفِّذ إرادتها. وهذا التمييز ضروريٌ لضمان عدم تحول السلطة إلى أداة استبداد، إذ يمكِن مساءلة الحكومة إذا تجاوزت حدودها. ومع ذلك، فإن الدولة في الواقع العملي لا تتحرك إلا عبْر الحكومة، مما يجعل أفعال الدولة هي في حقيقتها أفعال حكومية. لكن شرعية هذه الأفعال لا تُستمد فقط من القانون، بل من قبول الأفراد لها. وهنا يبرز دور الرأي العام، الذي يشكِّل أساسًا مهمًا لاستمرار السلطة، رغم أن التاريخ يبين أن بعض الأنظمة استمرت رغم غياب هذا القبول، معتمدة على القوة.
وهكذا، يتضح أن الدولة ليست مجرد فكرة مجردة أو كيان مثالي، بل هي قوة منظمة تستند إلى قدرتها على الإلزام، مدعومة في النهاية بوسائل القوة، وعلى رأسها القوات المسلحة. وهذه الحقيقة، وإن بدت قاسية، تُعد شرطًا أساسيًا لقيام الدولة واستمرارها، إذ بدونها لا يمكن حفظ النظام أو تنفيذ القانون. ومع ذلك، لا ينبغي اختزال الدولة في بُعدها القسري فقط، لأنّ خضوع الأفراد لها لا يقوم على الخوف وحده، بل أيضًا على إدراكهم لقيمة النظام الذي توفره. فالقانون، لكي يكون مشروعًا، لا يكفي أن يصدر عن السلطة، بل يجب أن يحقق قدرًا من العدالة والقبول الاجتماعي. إذن من خلال ما سبق فالدولة هي إطار لتنظيم الحياة الجماعية، لكنها ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق رفاه الأفراد. وشرعيتها لا تُقاس بسلطتها فقط، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين النظام والحرية، وبين القوة والعدالة، وبين مصلحة الجماعة وحقوق الأفراد.[6]
ماذا عن السيادة؟
وإذا وصلْنا إلى هذا الحد يمكننا أن نختم أيضا هذا المبحث بما كتبه ليونيل بونتون[7] في بحث له بعنوان ” هيجل وأرسطو سيادة الدولة “، حيث يؤكد على إشكالية السيادة في الدولة من خلال مقارنة فلسفية عميقة بين تصوّري أرسطو وجورج فيلهلم فريدريش هيجل، مبرزًا كيف أن فهْم الدولة لا يكتمل إلا بإدراك طبيعتها العضوية والأخلاقية، لا مجرد تحديد من يمتلك السلطة فيها. وليشرح هذه الفكرة يبدأ التحليل من مواجهة أساسية بين جان جاك روسو وهيغل. فروسو يجعل السيادة ملكًا للشعب، تُمارَس عبر الإرادة العامة التي تُشرّع القوانين وتحدد ما هو عادل. أما هيغل فيرفض هذا التصور، ويرى أن السيادة ليست للشعب ولا للحاكم، بل للدولة ذاتها باعتبارها كيانًا عضويًا يتجاوز الأفراد. فالدولة عنده لا تنشأ من عقد اجتماعي، بل تتطور طبيعيًا من الأسرة إلى المجتمع المدني، لتبلغ شكلها الكامل بوصفها وحدة أخلاقية منظمة.
ويُظهر البحث أن هذا التحول الهيغيلي ليس ابتكارًا معزولًا، بل امتداد واعٍ للفكر الأرسطي. فقد كان أرسطو أول من طرح السؤال الجوهري: ما هي الدولة في ذاتها؟ بدلًا من التركيز على من يحكُمها. فالدولة عنده كيانٌ مركّب من مواطنين، غايتها تحقيق المصلحة المشتركة والحياة الفاضلة، وهو ما يستبعد الاستبداد من أساسه. هذا التمييز بين جوهر الدولة وشكْل الحُكم هو ما أعاد هيغل إحياءه ومنحَه طابعًا فلسفيًا أكثر عمقًا. ومن أبرز نقاط التلاقي بين الفيلسوفين فكرة الدولة بوصفها كائنًا حيًا. فكما أن الجسم يسبِق أعضاءه من حيث الكمال، كذلك الدولة تسبق الأفراد من حيث المعنى والغاية. ولا يمكن للأجزاء أن تستقل عن الكل دون أن تفقد وظيفتها. ويؤكد هيغل هذا التصور، معتبرًا أن مؤسسات الدولة وسلطاتها ليست كيانات مستقلة، بل “أعضاء” تنبثق من وحدة الدولة وتستمد معناها منها. ولا تقف هذه النظرة عند البُعد البنيوي، بل تمتد إلى البعد الأخلاقي. فالدولة ليست مجرد جهاز قانوني، بل إطار لتحقيق الحياة الأخلاقية. ففي زمن السلم، تعمل مؤسّسات الدولة على تحقيق الصالح العام، بينما في زمن الحرب تتجلى وحدة الدولة بأوضح صورها، حيث تتلاشى المصالح الفردية أمام بقاء الكل. وهنا يرى هيغل أن السيادة تبلغ ذروتها، لأن الدولة تكشف عن حقيقتها ككلّ أخلاقي حي.
ومع ذلك، لا يُغفل ليونيل بونتون داخل هذا البحث التوتر القائم بين الطابع الأخلاقي للدّولة وطبيعتها القسرية، خاصة في سياق الحرب. فبينما يرى هيغل أنّ الحرب قد تكون لحظة أخلاقية تكشِف عن وحدة الدولة، يُحذِّر أرسطو من تحويلها إلى غاية في ذاتها، مؤكدًا أن السّلام هو الهدف النهائي، وأن الحروب التوسعية قد تؤدي إلى الاستبداد. من هنا تبرز فكرة “خير الدولة”، التي لا تختزل في منفعة مادية أو مصلحة فردية، بل تتمثل في تحقيق الحياة الأخلاقية المشتركة. فالدولة ليست وسيلة لخدمة الأفراد فقط، ولا غاية يستعبدون من أجلها، بل علاقة عضوية متبادلة، يشبه فيها الأفراد أعضاء الجسد، وتكون فيها وحدة الكل شرطًا لازدهار كل جزء. وهكذا نخلص إلى أن هناك تقاربًا عميقًا بين أرسطو وهيغل، رغم اختلاف السياقات التاريخية. فكلاهما يرى أن الإنسان لا يحقق ذاته إلا داخل الجماعة السياسية، وأن الدولة ليست قيدًا على الحرية، بل شرط تحققها. ومن خلال هذا التلاقي، يُعاد بناء مفهوم السيادة بوصفه تعبيرًا عن وحدة أخلاقية عضوية، لا مجرد سلطة تُمارَس من الأعلى، بل إطارًا يحقق فيه الإنسان إنسانيته الكاملة.
قواعد السلطة: ماكيفر دارساً لبِنية الدولة
إذا كانت السيادة والدولة أمران مترابطان، فإن ذلك يحيلنا إلى مفهوم السلطة التي تتجسّد من خلالها هذه السيادة، وهنا نستحضر ما كتبه ماكيفر في كتابه ” تكوين الدولة “، عن طبيعة السلطة، وحدودها وقواعدها، حيث يعَدُّ فهم طبيعة السلطة وتنظيم العلاقات داخل المجتمع من القضايا الأساسية التي يهتم بها علم السياسة، والاجتماع البشري، نظراً لارتباطه المباشر باستقرار المجتمعات وتطورها. فلا يمكن أن نتصور حياة اجتماعية مستقرة، دون وجود قواعد تنظّم السلطة، وتحكُم السلوك البشري، وتحدد أدوار كل فرد من أفراد المجتمع. وهو ما يجعل القانون والسلطة عنصرين متلازمين في بناء أيّ نظام اجتماعي كما سيؤكد لاحقا ماكيفر، وبالتالي فنحن بإزاء واقع سياسي إنساني يحتاج إلى تحليل الأسس التي تقوم عليها السلطة، وكيفية تشكّلها وتفاعل مكوناتها.
ومن خلال ما سيأتي في تحليل العناصر المكونة للسلطة كما أشار إليها ماكيفر، يبدو أن السلطة لا تقوم على عنصر واحد، بل ترتكز على مجموعة من الأركان المتداخلة، والمختلفة. ولكن المفارقة وهي أنه رغم اختلاف هذه القواعد والمكونات، فإن ذلك لا يعني أنها لا تتكامل فيما بينها لتشكّل بنية متماسكة تحدد مواقع الأفراد داخل المجتمع، وتؤثر في توجيه السياسات العامة. كما أن فهْم هذه العناصر لا يكتمل إلا بالتمييز بينها، خاصة في ظل التداخل الكبير الذي يجمعها. ومن هنا، يهدف هذا الإلقاء على رؤية ماكيفر، إلى تسليط الضوء على دور القانون في تنظيم الحياة الإنسانية، ثم تحليل أركان السلطة الثلاثة وعلاقاتها المتبادلة، مع التركيز بشكل خاص على مفهوم المنزلة الاجتماعية وتمييزه عن مفهومي القدرة والنفوذ. ويساعد هذا التحليل على فهم أعمق لآليات التغير الاجتماعي، وكيفية تشكّل التراتبية داخل المجتمعات الإنسانية.Haut du formulaireBas du formulaire
- فلك القانون: حسب ماكيفر[8] لا يمكن أن يقوم أيّ مجتمع إنساني بدون قانون، لأنه هو الأساس الذي ينظّم العلاقات بين الأفراد، ويوَجّه سلوكهم نحو ما يحقق الاستقرار والتوازن. فحيث يغيب القانون، يسُود الاضطراب وتعم الفوضى، وتضيع حقوق الناس في غابة من اللاقانون. مما يظهر أهمية القانون كضرورة أولية من ضرورات الحياة الإنسانية. ولعل ما يجعل من مسألة القانون أمرا حتميا، وطبيعيا، أن الإنسان في إحدى أشهر تعريفاته هو كائن اجتماعي، يعيش ضمن جماعة يجمع بينها أواصر وعلاقات متداخلة، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية. وهذه العلاقات تحتاج إلى تنظيم يحدد حقوق كل فرد وواجباته، ويمنع التعدي والظلم، بما يضمن العدل ويحقق الأمن، ويساعد على بِناء مجتمع متماسك يسُوده التعاون بدَل الفوضى.
ولكي نفهم بشكل جلي أهمية القانون في حياة الناس، وجب التنويه بأن دور القانون لا يقتصر على المجتمعات المتحضرة فقط، بل نجده أيضا لدى الجماعات الخارجة عن السلطة، مثل القراصنة أو العصابات، حيث يضعون لأنفسهم قواعد خاصة تنظم تعاملاتهم الداخلية، وترتب أولوياتهم وتراتبيتهم. مما يدلّ على أن الإنسان كائن لا يحيى إلا وسط النظام، وأن القانون جزء من مسيرة الارتقاء لديه، وصناعة الحضارة، وبناء الثقافة الإنسانية وتطويرها. كما أن الصورة الشائعة عن “الإنسان المتوحش” الذي يعيش بلا قانون هي صورة متجاوزة للواقع، لأن لكل مجتمع، مهما كان بسيطاً، قواعده الخاصة التي تحكُم سلوك أفراده، وتعمل على ضبط مختلف المتدخلين فيه، وتمنع الفوضى في أرجائه، عن طريق تحديد العقوبات التي تردع المخالفين وتحمي حقوق الآخرين. وبدون هذا النظام حسب رؤية ماكيفر، فإن المجتمع سيتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، وإدارة الصراع، وغياب الثقة بين الأفراد، مما يؤدي إلى تفكك المجتمع.
- أهرام القدرة[9]: تقوم سلطة الدولة حسب رؤية ماكيفر على مدار تاريخ طويل على ثلاثة أركان أساسية هي: القدرة، والملكية، والمكانة. وقد بلغ التلاحم بين هذه الأركان درجة كبيرة من الانسجام والتكامل، جعلَتْ منها القوة الفعلية التي تتحكم في توجيه الحُكم وتسيير المجتمع. فكلّ ركن من هذه الأركان يدعم الآخر ويقويه، مما أدَّى إلى بناء منظومة متماسكة تشبِه هرماً ثلاثي الأبعاد، تتجسد فيه هرمية القدرة وهرمية الملكية وهرمية المكانة. لقد ظلت هذه الأركان الثلاثة، عبر فترات طويلة، منسجمة إلى حد أنها بدت وكأنها ترتدي لباس “المشروعية”، أي أنها تمارس السلطة تحت غطاء قانوني وسياسي يضفي عليها طابع الشرعية. غير أن هذا التوازن لم يدُم دائماً، إذ بدأت قوى اجتماعية جديدة في الظهور، مما أدى إلى إضعاف هذه البنية التقليدية، وخلق نوعٍ من التصدُّع بين الأركان الثلاثة، وهو ما ساهم في زعزعة وحدة السلطة وتفكُّكها تدريجياً.
ولفهم طبيعة هذه الأركان، لا بد من تحديد معانيها بدقة. فالسلطة تُعرَّف غالباً بأنها القدرة على فرض الطاعة. أما الملكية، فهي امتلاك الموارد وحقّ التصرّف فيها، وهي تمثل أحد أهم مصادر القوة. في حين تشير المكانة إلى الموقع الاجتماعي الذي يمنح صاحبه احتراماً ونفوذاً داخل المجتمع. وعلى الرغم من أن هذه المفاهيم تبدو متداخلة إلى حد يصعب معه التمييز بينها، فإن هذا التمييز يظل ضرورياً لفهم آليات التغيير الاجتماعي. فالقدرة، على سبيل المثال، لا تعني فقط القوة المباشرة، بل تشمل أيضاً القدرة على التأثير في الآخرين من خلال العلاقات الاجتماعية، بهدف الحصول على خدماتهم أو توجيه سلوكهم. وهذه القدرة ترتبط في كثير من الأحيان بحيازة الموارد، أي بالملكية. غير أن العلاقة بين القدرة والملكية ليست ثابتة، بل تتغير حسب طبيعة المجتمع وثقافته. فالملكية، مثلاً، لا تمنح نفس القدر من النفوذ في كل الأنظمة؛ إذ يختلف تأثيرها في النظام الطبقي التقليدي عنه في النظام الرأسمالي، حيث تصبح أكثر ارتباطاً بالقوة والنفوذ، كما أن المكانة الاجتماعية تلعب دوراً مهماً في تعزيز كل من القدرة والملكية، إذ تمنح صاحبها سلطة معنوية قد تكون أحياناً أقوى من السلطة المادية. ومن هنا يتضح أن هذه الأركان الثلاثة مترابطة بشكل وثيق، بحيث يؤثر كل منها في الآخر، ويشكل معه بنية معقدة للسلطة داخل المجتمع.
- الملكية والمنزلة:[10] تقوم السلطة حسب ماكيفر في المجتمع على ثلاثة أركان مترابطة كما مر معنا سابقا هي: القدرة، والملكية، والمنزلة. وهذه الأركان لا يمكن فصلُها عن بعضها، إذ يشكّل تفاعلها الأساس في بناء السلطة وتحديد أهداف السياسة داخل الدولة. ومن بين هذه الأركان، تبرز المنزلة الاجتماعية بوصفها مفهوماً معقداً يتجاوز المعايير المادية البسيطة. فالمنزلة هي المكان الذي يحتله الفرد داخل السلم الاجتماعي، وهي نتاج اعتراف المجتمع بقيمته وموقعه بين الآخرين. ويتحدد هذا الاعتراف بناءً على مجموعة من العوامل، مثل الثروة، والوظيفة، والقدرة على الإنجاز. غير أن هذه العوامل، رغم أهميتها، لا تمثل المنزلة في حد ذاتها، بل تساهم فقط في تشكيلها. فالمنزلة مفهوم مستقل، لا يمكن اختزاله في أي من هذه العناصر.
وتتميّز المنزلة بطابع رمزي وأحياناً أسطوري، إذ ترتبط بنظرة المجتمع وتقييمه، أكثر من ارتباطها بمعايير موضوعية ثابتة. لذلك، فهي لا تخضع دائماً لمبدأ المساواة، بل تتشكل وفق منظومة قيم تختلف من مجتمع إلى آخر. وقد تمنح المنزلة صاحبها نفوذاً، لكنهما ليسَا الشيء نفسه. فالنفوذ هو قدرة الفرد على التأثير في الآخرين أو في مجريات الأمور، ويمكن اكتسابه من خلال الإنجازات أو الخدمات أو الشهرة. ولهذا، قد يصل الإنسان إلى نفوذ كبير دون أن تتغير منزلته الاجتماعية، كما هو الحال في بعض المجتمعات التقليدية أو الطبقية، حيث تظل المكانة الاجتماعية ثابتة رغم تغير مستوى التأثير. وبالمقابل، فإن الطريق إلى النفوذ مفتوح أمام مختلف الأفراد، بغض النظر عن منطلقهم الاجتماعي، سواء كانوا علماء أو مبدعين أو قادة. من هنا يظهر أن النفوذ قد يكون مؤقتاً أو مرتبطاً بإنجازات فردية، بينما تظل المنزلة أكثر استقراراً وارتباطاً بالبنية الاجتماعية. ولهذا، فإن فهم المنزلة يتطلب النظر إليها في إطار الطبقات الاجتماعية، حيث تتوزع الجماعة إلى مستويات تحدد لكل فرد موقعاً معيناً داخلها.
-
الدّولة في الإسلام: مشروعٌ سماوي أم أرضي؟
حينما نريد أنْ نتحدث عن الدولة والسلطة والسيادة لدى ما يسمَّى بالإسلام السياسي، أو الحركات الأصولية بشكل عام تحضُرنا الكثير من الكتابات التنظيرية في هذا المجال، وفي مقدمتها ما كتبه حولها يوسف القرضاوي، الذي يمثل أحد أكبر المنظّرين للفكر السياسي الإسلام في العالم الإسلامي المعاصر، وهو خطٌّ أنتجته أيضا أدبيات كلها تنتمي إلى الخط السياسي بدءاً من المودودي، مرورا بحسن البنا، وانتهاء بالقرضاوي، وغيره من المنظرين الإخوانيين. ولهذا سنحاول أن نعرّج على بعض ما جاء في كتابه المشهور ب «من فقه الدولة في الإسلام»، وهو أحد الكتابات الأساسية التي تشرح نظرة الإخواني لطبيعة الدولة، وطبيعة السلطة فيها. لكن ما نريد أن نؤكد عليه في هذا الصدد، هو أن مثل هذه الكتابات التنظيرية في الفكر الإخواني المعاصر تجسّد نظرة تيار كبير من المسلمين، الذي يرون بأنّ هناك مبالغة كبيرة في توسيع فقه العبادات وتضخيمه، على حساب فقه الدولة والحكم والسياسة، الذي صار موضوعا هامشيا بالمقارنة مع باقي أبواب الفقه الإسلامي.
إن ما يؤكد عليه القرضاوي[11] وغيره من المُنظّرين الذين يرتدون ثوب الإسلام السياسي، أو الإسلام الوسطي، هو أن الدولة وشكل السلطة والسيادة فيها أمر لا مناص عنه، فهي تختلف بشكل جذري عن الدولة في السياق المسيحي، الذي يرى بأن المسيح جاء ليقيم فصلا بين الدولة والسياسة، وبالتالي فأمثال القرضاوي يرون بأن الدولة في الإسلام بالشكل الذي يفهمون به هذه الدولة هي ضرورة وجودية. أي أنّ الإسلام ليس دينا فقط، بل دولة أيضا، وهذا نابعٌ من نظرة حركية ترى في الإسلام ديناً شاملًا ورسالة كاملة، لا يُتصور معها أن تُترك شؤون الدولة لمن يديرها وِفق الهوى. وبالتالي نحن بإزّاء واقع تأسيسي يقوم به القرضاوي ومن نحا نحوه، في كتابات متعددة، يرفض فيها أن تكون الدولة الإسلامية دولةً دينية بالمعنى الغربي، أي تلك الثيوقراطية التي تحْكُم فيها طبقة من رجال الدين بحق إلهي لا يُسأل ولا يُحاسَب. والفارق عنده ليس شكلياً؛ فالإسلام أوسع من كلمة «دين» بمفهومها الضيّق، إذ جعل علماء الأصول الدينَ واحداً فقط من الضروريات[12] الخمس إلى جانب النفس والعقل والنسل والمال، فكيف يُختزل في «الديني» وحده؟ أي أن الدولة التي يدعو إليها هؤلاء المنظرون الإخوانيون هي دولة مدنيةٌ في جوهرها وبنيتها، قائمة على الاختيار والبيعة والشورى، وحاكمها مقيّد غير مطلق، تحكُمه شريعة لم يضعها هو ولا حزبه، بل وضعَها الله. وبالتالي لا يملك حاكمٌ ولا برلمان ولا لجنة مركزية أن يُغيّر من أحكام الله الثابتة شيئاً، مستشهدين بقوله تعالى:” وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللهُ ورسولُه أمرًا أن يكون لهم الخِيَرةُ من أمرهم ومن يعصِ اللهَ ورسولَه فقد ضلَّ ضلالًا مبينًا“ سورة الأحزاب، الآية 36.
كما أن طبيعة هذه الدولة والسلطة السائدة فيها بحسب الفكر الإخواني، تستمد مشروعيتها من مبدأ الشورى، وهي قاعدة رئيسية في الأدبيات السياسية المعاصرة، بما فيها ما كتبه القرضاوي حولها، حيث يرفض بحدّة موقف من يجعلها مجرد مشاورة استئناسية يسمعها الحاكم ثم يفعل ما يشاء. فهذا الموقف يُفرّغ الشورى من روحها ويحوّلها إلى ديكور يُضفي شرعيةً على الاستبداد، وهو الداء الأقدم الذي أصاب الأمة حين تحوّلت الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض. فالشورى الحقيقية عنده تعني أن يكون لأهل الحل والعقد قرار مُلزِم في المسائل الاجتهادية، وأن يتشكّلوا بالاختيار لا بالتعيين من قِبَل الحاكم. لكن لهذه الشورى سقفاً لا يُتجاوز، الأمور التي فيها نصٌّ قاطع من الكتاب والسنة ثوابتٌ لا يملك برلمان ولا مجلس إلغاءها، لأن ما أثبته الله لا ينفيه الإنسان، وما نفاه الله لا يُثبته الإنسان. وعلى هذا التمييز الجوهري – بين خط الثوابت القطعية الذي لا تطاله الشورى، وخط المتغيرات الاجتهادية الذي هو ميدانها الرحب – يقوم البنيان السياسي كله.
ولعل ما تشير إليه الشورى في هذا السياق، يحيلنا إلى بعض الكتابات التي تحاول أن تجعل مقارنة، أو قياسا بين الشورى والديمقراطية، حيث ما زال الكثيرين من المنظرين الإسلاميين يرون في الديمقراطية كفرٌ وخروج عن سياق الدولة في الإسلام، بينما ترى بعض التيارات الإخوانية بأن ليس هناك أي تعارض بين الديمقراطية والدولة في الإسلام، أي أن- إشراك الناس في اختيار حكَّامهم ومحاسبتهم وعزلهم – متوافق تماماً مع روح الإسلام، بل إن الإسلام سبق النظم الدستورية الحديثة في تقرير هذه المبادئ بأكثر من ألف عام. لكن مع فارق جوهري، هو أن فلسفة الديمقراطية التي تجعل الشعب مصدراً لكل شرعية دون قيد ديني أو أخلاقي، قد تتعارض في بعض جوانبها مع نظام الحكم في الإسلام، لأنها قد تُحلّ الحرام بقرار الأغلبية. كذلك فمبدأ سيادة الشريعة يتفوق على مبدأ سيادة القانون الوضعي، لأن البرلمان الديمقراطي يصنع القوانين ويملك تغييرها دون حدٍّ يقيّده من خارجه، بينما الشريعة تؤدي هذا الدور بقيود راسخة لا تملك أي هيئة المساس بها.
وفي إطار هذه الرؤية الإخوانية التي يبشرنا بها العديد من المنظرين الإخوانيين، يعاد تأطير الانتخاب من داخل المنظومة الفقهية، حيث أن «شهادة» من الناخب للمرشح بأنه صالح لهذا المنصب، تسري عليه شروط الشاهد من العدالة وحسن السيرة، أما من منح صوته لمصلحة شخصية، فقد ارتكب إثم شهادة الزور التي قرنها القرآن بالشرك. ومن أحجم عن التصويت بلا عذر قد يعتبر نوعا من كتم الشهادةً حين طُلبت منه. وبهذا التأطير تتحوّل العملية الانتخابية من إجراء إداري إلى فريضة دينية وأمانة أخلاقية. وحين تصل الأمور إلى آيات الحكم بما أنزل الله التي يستشهد بها العديد من الأصوليين المعاصرين، خاصة تلك التيارات التكفيرية والجهادية، مستندين إلى ما قال الثوري عن ابن جريج عن عطاء أنه قال : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق. [13]
فيتم التفريق بين الحاكم الذي ينحرف في مسائل جزئية بحُكم الضعف، والحاكم الذي يرفض تحكيم ما أنزل الله جملةً ويُقدّم أحكام البشر عليه. والثاني وحده تنطبق عليه الآيات بمعناها الأشد. وهذا التمييز ضروري لأن التكفير المطلق لكل حاكم جائر يُفضي إلى فتنة وسفك دماء، كما أن التطبيع مع كل انحراف يُميت الضمير السياسي، وكلا الطرفين يُدمّر الجسد السياسي للأمة.
اعتراضٌ لا بد منه
إذا كانت هذه هي طبيعة الدولة في الإسلام، وطبيعة السلطة والسيادة فيها بحسب الكثير من المنظرين الإخوانيين، وفي مقدمتهم القرضاوي، فإن ذلك يحيلنا إلى نقطة بحثية مهمة، وهي أن ما يسمى بالحركات الإسلامية، أو الإسلام السياسي الأصولي على منظومة متكاملة من المصطلحات والتصورات، تعمل على بثّها في أذهان أتباعها من خلال إنتاج فكري متراكم، يُتيح لقادة هذه الحركات ومرجعياتها الفكرية التأثير على الجماعة وتوجيهها. فلا قيام لأي تنظيم إسلامي دون خلفية نظرية متينة تحمل بين طياتها هوية فكرية مميزة تُعرَّف بها هذه التيارات وتتمايز عن غيرها. وما يجمع هذه المفاهيم هو أنها تؤدي وظيفة إيديولوجية واضحة، والإيديولوجيا ليست أفكاراً معلّقة في الفراغ، بل هي أفكار تسعى إلى التجسّد في الواقع، وهو ما أدركه غرامشي[14] حين ربط الفكر بالفعل ربطاً عضوياً، مُؤسِّساً لفلسفة لا تفصل بين التأمل والممارسة، إذ يرى أن الحقيقة لا تُقاس إلا بمعيار التاريخ الإنساني الحيّ. كما لفت مانهايم الانتباه إلى أن مصطلح الإيديولوجيا أقدم وأشمل مما تدّعيه الماركسية من احتكار لهذا المفهوم. والقصد من استحضار هذا الإطار النظري هو الكشْف عن الخيط الرابط بين الأدوات المفاهيمية لهذه الحركات وبين وظائف الإيديولوجيا. وقد ميّز مانهايم[15] بين وجهين لها أي الإيديولوجيا: وجهٌ ضيّق يُشير إلى اتهام الخصم بتزوير الحقيقة لخدمة مصالحه، ووجه شامل يسعى إلى فهم البنية الذهنية الكلية لجماعة أو حقبة بعينها. وإذا كانت الإيديولوجيا قد انطلقت تاريخياً من قاعدة أنها علم يدرس الأفكار في أصولها، فإنها اتسعت لاحقاً لتؤدي أدواراً متعددة حصرها بخلر[16] في خمسة: حشد الأتباع، وتسويغ المواقف، وطمس الحقائق، وتسمية الأشياء، وتشكيل الإدراك. وهذه الأدوار بالذات هي ما تضطلع به منظومة المفاهيم الإسلامية السياسية، مما يجعل البحث في هذه المفاهيم بحثاً في صميم الإيديولوجيا لا في هامشها، لا سيما أن المقاربة هنا تتمحور حول مفهوم السيادة والسلطة في الإسلام، وهل تدار من السماء أم من الأرض؟
كانت السيادة ميداناً لصراعات فكرية حادة في مسيرة تشكّل الدولة الغربية الحديثة، فيما تحوّلت الحاكمية إلى عقدة مستعصية تُربك المشهد الفكري الإسلامي حتى اليوم. وكلا المفهومين يقعان في قلْب الأزمات التي تعصف بمنطقتنا، حيث تتجلى الإيديولوجيا بأبشع صوَرها حين تُحوّل الأفكار إلى أسلحة تدمير، رافعةً شعارات دينية تخفي في باطنها نماذج سلطوية لا تختلف في جوهرها عن الحكم الثيوقراطي والاستبداد المطلق، اللذين تجاوزَهما الغرب ليبني نظماً تقوم على المؤسسات والتداول السلمي للسلطة، رغم ما يعتري هذه النّظم من قصور.
وجوهر الخلل في هذا التوظيف الإيديولوجي أنّ الوعي الزائف ينبثق من اختلال في المعادلة التي تجمع بين الذات والموضوع وأدوات التعبير، فحين يتمكن خطاب ما من تشويه هذه العلاقة يُصبح قادراً على فرض نفسه بديلاً عن الحقيقة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي لتلك المفاهيم التي تتزيّى بزيّ المطلق، إذ تسعى إلى إخضاع الوعي الإنساني لسلطة دينية شاملة، تحت مسمّيات من قبيل الخلافة والحاكمية والشورى، وكلها مفاهيم تُوظَّف لإعادة إنتاج الاستبداد في لباس مقدّس. وما يزيد الأمر تعقيداً أن النماذج التاريخية للدول ذات المرجعية الإسلامية لم تُقدّم ما يثبِت أنها تسمو على غيرها في تحقيق العدل وصون الكرامة الإنسانية، وهو ما يكشف أن السياسة في نهاية المطاف فعل إنساني لا يُفلت من قيود النسبية مهما تلبَّس بالمُقدّس.
وقد نبّه إلى ذلك موريس دو فرجيه[17] حين عرّف السياسة بأنها علم السلطة في المجتمعات الإنسانية، وهو تعريف لا يُستثنى منه أي نظام مهما ادّعى الانتساب إلى السماء. وقد كان فقهاء السياسة الشرعية أنفسهم في نهاية المطاف يمارِسون الحديث عن السلطة وتنظيمها. وحتى ابن تيمية الذي وصف السياسة بأنّها إلهية النسب نبوية الإسناد، لم يخرُج في حقيقة الأمر عن هذه الدائرة، لأن النصوص الدينية حين تمُر عبْر العقل البشري تكتسب طابعه النّسبي وتتشكّل بحدوده المعرفية. وهذا هو المأزق الحقيقي للأصولية في كل زمان، حين تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة وتتماهى مع النص، متناسيةً أن كل قراءة للدين هي في نهاية المطاف نتاج إنسان محكوم بزمانه ومكانه وثقافته، وهو ما يعرف بإشكالية الدمج بين الفكر والدين. فهذه الوثوقية المُزيَّفة هي التي تُنتج التسلط باسم الدين، وتجعل من الإنسان أداةً لهدم القيم الإنسانية التي جاء الدين أصلاً ليرسّخها، فتتآكل قيم التعايش والتعاون وتحلّ محلها الانغلاق والتعصب وفرْض النماذج الجاهزة على الواقع المركّب، فيما يشبه أسطورة سرير بروكرست التي تُلوي الحقائق لتُكيّفها مع تصورات مسبَقة لا تقبَل المراجعة.
-
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ: كيف تحوّل الحُكم البشري إلى إرادةٍ إلهية؟
يرى الكثير من المُنظِّرين الإخوانيين ومن سار في فلكِهم، بأنّ الدولة في الإسلام دولةٌ تُدار من السماء، وبالتالي فإنّ الحُكم لله وحده، ولا يجوز لأيّ كان أن يقنِّن أو يشرعن، بخلاف ما جاء في الكتاب أو في السنة، وهو فكرٌ صادرٌ عن فهْمٍ يرى بأن الوقائع والأحداث قد اكتملَتْ في زمن مُعيَّن، وألا حاجة للإنسانية إلى مصادر تشريعية أخرى، تواكِب التطوُّرات والمُستجدات التي تُواجِه المجتمع الإنساني بشكل عام، والإسلامي على وجه الخصوص. ولعلَّ مستندهم الأساس في ذلك، هو قوله تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سورة يوسف الآية 40، وسنحاول أنْ نقف مع أحد المُنظرين الإسلاميين لما يسمَّى بالإسلام السياسي، وأحد دعاة الحاكمية الإلهية لنفهم جيدا: كيف يتمُّ توظيف النصوص الدينية خارج سياقاتها؟ وكيف يتمّ توقيف الزمن الإنساني لصالح الإيديولوجيا السلفية الثابثة والجامدة؟
يؤكِّد أبو عتبة الحمري في كتابه ” إن الحكم إلا لله “،[18] أنه في زمنٍ غابت فيه الشريعة عن كثيرٍ من بلاد المسلمين، وحلّت محلّها القوانين الوضعية المستوردة من الغرب، وصمت فيه العلماء أو جرَوا في ركْب السلاطين، يأتي كتابه أو ما يسمى بالبيان ليُجلّي حكم الله في مسألةٍ باتت مغيّبةً عن أذهان كثيرٍ من المسلمين: مسألة التحاكم إلى الطاغوت. فهو يرى بأنه لا يكفي أن يعتقد المسلم بقلبه أنه يرفض حكم غير الله، ما لم يُترجَم هذا الاعتقاد إلى موقفٍ عمليٍّ صريح. فالكفر بالطاغوت ليس مجرد شعورٍ داخلي، بل هو إعلانٌ وسلوك، وهذه المسألة هي ما يغفل عنها أكثر المسلمين اليوم.
-
أولاً: الطاغوت من هو؟ وما حدوده؟
يقول أو عبيدة الحمري بأن الإمام ابن القيم عرّف الطاغوتَ تعريفاً جامعاً شاملاً، فقال: هو كل ما تجاوز به العبد حدّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاع. وفي هذا التعريف اتساعٌ يحمل معه خطورةً بالغة؛ إذ لا يقتصر الطاغوت على الأصنام التي تُعبد من دون الله، بل يشمل كل من نصّب نفسه مشرّعاً للناس بغير إذن الله. وقد حدّد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله رؤوس الطواغيت في خمسة، أبرزها الحاكم الجائر المغيّر لأحكام الله، والذي يحكم بغير ما أنزل الله. وعلى هذا فإن المحاكم الوضعية التي نُصبت في بلاد المسلمين اليوم، تقضي قضاتها في الأعراض والأموال والدماء بقوانين مستوردة، هي من صميم هذا الطاغوت الذي أوجب الله الكفر به. ولعلّ أشد ما ينبّه عليه المؤلف أن كثيراً من المسلمين يظنون الكفر بالطاغوت أمراً قلبياً محضاً، لا يتعداه إلى العمل والسلوك، وهذا وهمٌ كبير، إذ إن الله عزّ وجل قرن الكفرَ به بالإيمان بالله في آيةٍ واحدة، فقال: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. سورة البقرة الآية 256.
-
ثانياً: التحاكم إلى الطاغوت — الحكم والدليل
بعد أن يرسم المؤلف صورة الطاغوت بدقة، ينتقل إلى الحكم الشرعي الصريح فيمن تحاكم إليه. ويستند في ذلك إلى نصوص قرآنية محكمة، تقطع بأن التحاكم إلى غير شرع الله ناقضٌ للتوحيد.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ سورة النساء الآية 60 فهذه الآية، كما بيّنها ابن كثير، إنكارٌ من الله على من يجمع بين دعوى الإيمان وإرادة التحاكم لغير كتابه وسنة رسوله. وقد نبّه الشنقيطي رحمه الله إلى أن الله تعجّب ممن يدّعي الإيمان ويريد التحاكم إلى ما شرّعه الشيطان على ألسنة أوليائه، مبيّناً أن هذه الدعوى لا تجتمع مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت إلا إذا كانت كذباً وزيفاً. ولا يكفي الإعراضُ عن شرع الله، بل جعل القرآن الكريم الرضا بحكم الله ورسوله والخضوع له خضوعاً تاماً شرطاً لصحة الإيمان، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. سورة النساء الآية 65. فنفى الله الإيمانَ نفياً قسم عليه بنفسه عمّن لا يحكّم الرسول ثم لا يذعن لحكمه قلباً وقالباً. وهذا يدل على أن التحاكم لغير شرع الله حسب أبي عبيدة الحمري كفرٌ ينقض الإيمان من أصله. وقد أجمع علماء الإسلام كابن كثير والشنقيطي والشيخ أحمد شاكر على أن هذا الحكم لا يقبل المداراة ولا اللف والدوران.
-
ثالثاً: المتحاكمون إلى الطاغوت — أحوال وأحكام
لم يكتفِ أبو عبيدة الحمري من خلال بيانه أو كتابه بتقرير ما يعتبره حكما شرعيا مجردا، بل نزل إلى أرض الواقع وفصّل في أحوال المتحاكمين، وهو تفصيلٌ يجلو كثيراً من الاشتباه. فمن كان في بلدٍ يحكم بشرع الله فعدل عنه، فهذا كفره بيّن واضح بدلالة الآية الكريمة. أما من كان في بلدٍ لا يحكم بشرع الله وظُلم وأُخذ حقه، فهذا هو صاحب الحالة الأكثر شيوعاً التي يتعلّل بها كثيرون. بل يزيد تأكيدا على ذلك أن الذهاب إلى المحاكم الوضعية بحجة الحفاظ على المال أو العرض لا يُعدّ عذراً شرعياً. والضيق الذي يجد المسلمون أنفسهم فيه هو عقاب الله لمن رضي بحكم الطواغيت وسكت عن كفرهم. وحفظ الدين مقدّمٌ على حفظ المال والعرض، ومن اختار دنياه على دينه فقد وقع تحت طائلة قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾. سورة البقرة الآية 86.
المدعو إلى التحاكم
أما من دُعي إلى التحاكم، فله حالتان: إن كان مختاراً حرّاً فحكمه حكم الداعي إليه إذا أجاب وأطاع. وإن كان مكرهاً تأخذه الشرطة رغماً عنه، فهذا حكمه حكم المكره، ولكن يجب عليه أن يُبغض هذه المحاكم بقلبه ولا يرضى بأحكامها، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. سورة النحل الآية 106.
- رابعاً: البدائل — ما الحل إذن؟
لا يكتفي أبو عبيدة الحمري حسب فهمه لحاكمية الله بسدّ الأبواب الباطلة، بل يفتح أبواباً للحل من منظور هذه الإيديولوجيات العابرة للعقول والأديان، حيث يطرح حلا يتمثل أولا في التحاكم إلى أهل العلم الربانيين والرضا بحكمهم، فإن كتاب الله وسنة رسوله تكفيان لحسم كل نزاع. وثاني هذه البدائل الهجرة من دار الكفر إلى حيث تعلو أحكام الشريعة، وهي فريضةٌ أكد عليها القرآن حين ذمّ من بقي بين أهل الشرك وأضاع نفسه بحجة الاستضعاف. ويضيف المؤلف وجوب الدفاعَ عن النفس والمال والعرض بالوسائل المشروعة، استناداً إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون ماله فهو شهيد). وفوق ذلك كله الجهادُ في سبيل الله لإعلاء كلمته وردّ الطواغيت، إذ لا يحق للمسلم أن يستكين للظلم ويرتضي به بديلاً عن إقامة شرع الله. ومن لم يستطع شيئاً من ذلك فليعتزل الفتنة ويصبر حتى يأذن الله بالفرج.
-
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه:ِ قراءةٌ تفكيكية في آليات الحجب والسّلطة والوصاية وفق منهج علي حرب
بعد أنْ قُمنا بوضع التصوُّر العام لمفهوم الحاكمية كما تجسَّد في مشروع الإسلام، وِفق ما كتبه وصرَّح به أبو عبيدة الحمري، فإن ذلك يدفعُنا إلى مقاربة هذا التصور، وتفكيكه وفق مقاربة نعتقد بأنها قادرة على كشف خفايا الخطاب الأصولي بشكل عام، لأنها تبحث في المسكوت عنه، بدل المصرّح به، وهي إحدى التقنيات والوسائل التفكيكية المعروفة، فحين يُصرِّح الخطاب الأصولي بعبارة ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ فهو لا يكتفي بتلاوة آيةٍ من كتاب الله، بل يُحرِّك آليةً رمزية بالغة التعقيد، تعمل في وقت واحد على ثلاثة مستويات من الحجب والإخفاء. وهذا هو ما يكشِفه المفكر علي حرب في مقاربته التفكيكية للخطابْ[19]، حين يؤكد أن الكلام لا يكتفي بالتعبير عن المعنى، بل يحجبه أيضاً، بل ويحجب ذاته هو نفسه في الوقت نفسه.
إن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: هل هذا الاستشهاد بالنص القرآني السابق واقعي وصائب؟ بل: ماذا يفعل هذا الخطاب حين يوظِّف هذه الآية؟ ما الذي يُقال وما الذي يُسكَت عنه؟ من يتكلم ولماذا؟ وما الذي يُخفيه هذا الكلام بينما يبدو أنه يُجلِّي؟
هذه هي الأسئلة التي تُشكِّل جوهر المنهج التفكيكي عند علي حرب، وهي أسئلة تجعل من طريقة التوظيف الأصولي للآية القرآنية موضعَ مساءلةٍ، بل للخطاب الذي يتسلح به ويجعل منه درعاً لأغراض بشرية.
أولاً: الخطاب حجاب — آلية الحجب عند علي حرب
يرى علي حرب في كتابه «نقد النص» أن الخطاب حين يتخذ طابعاً مقدساً أو عقائدياً فإنه يمارس ما يسمّيه الحجب المضاعف؛ فهو لا يكتفي بحجب ما يتكلم عنه، بل يحجب ذاته أيضاً. أي أن الكلام يعمل على الإخفاء والتستُّر بينما يدّعي الإجهار والإفصاح. وهذا ليس خاصاً بالخطاب الديني وحده، بل يُشمله مع كل خطابٍ يدّعي احتكار الحقيقة أو امتلاك الحكمة المطلقة. الخطاب الماركسي الذي يرفع شعارات التحرر يُخفي إمبريالية فكرية. وخطاب الحرية الليبرالية قد يُخفي هيمنة السوق والرأسمال. وخطاب الحاكم باسم الله يُخفي إرادة السلطة البشرية.
آية ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ نموذجاً للحجب المضاعف
يستشهد علي حرب صراحةً بهذه الآية الكريمة نموذجاً جلياً على آليات الحجب التي يمارسها الخطاب الأصولي. فحين يرفع هذا الخطاب عبارة «الحكم لله» شعاراً ومنهجاً ودستوراً، فإنه يمارس ثلاث عمليات حجب متداخلة ومتزامنة، يمكن تحليلها على النحو الآتي:
- السلطة تدّعي السماء وهي بنت الأرض:
الحجب الأول الذي يمارسه هذا الخطاب هو إخفاء الطبيعة البشرية للسلطة التي يتأسَّس عليها. حين يُعلن المتكلم أن «الحكم لله»، فإنه يُضفي على سلطته هالةً إلهية تجعلها فوق النقد وفوق المساءلة. السلطة لم تعد قراراً بشرياً يمكن الاعتراض عليه، بل صارت حكماً إلهياً يجب الإذعان له. والحقيقة التي يحجبها هذا الخطاب هي أن السلطة السياسية في التاريخ الإسلامي كانت دائماً بشرية في منشئها وفي تطبيقها وفي تأويلها. ما الذي يجعل هذا الفقيه دون ذاك أو هذا الأمير دون ذاك أقرب إلى «حكم الله»؟ الجواب: لا شيء سوى موازين القوى البشرية، والثقل التاريخي، وشبكات النفوذ والتحالفات.
كما أن هذه الآية نزلت في سياق يتحدث فيه يوسف عليه السلام عن التوحيد الخالص، ورفض عبادة الأصنام. غير أن الخطاب الأصولي يُعيد توظيفها لتصبح شعاراً يُقنِّن نظرية الحاكمية، ويجعل من البشري إلهياً، ومن المحدود مطلقاً. هذا هو الحجب بعينه: نزع السياق، وإعادة التوظيف، وتحويل الآية من نصٍّ توحيدي إلى أداة سياسية. هنا يكشف المنهج التفكيكي أن الطابع البشري للسلطة لا يختفي بمجرد تسميتها إلهية، بل يتخفى خلف هذه التسمية ويشتغل بصمت. من الذي يُفسِّر «حكم الله»؟ بشر. من الذي يُطبِّقه؟ بشر. من الذي يُقرِّر ما يدخل فيه وما يخرج منه؟ بشر. فالله غائب والبشر حاضر، غير أن الخطاب يعكس المعادلة: يُحضِر اسم الله ويُغيِّب حضور البشر.
- المتكلم يتكلم باسم الله ويُخفي نفسه
الحجب الثاني هو من أكثر أنواع الحجب خفاءً وأشدها أثراً. حين يقول القائل «الحكم لله»، فإنه يُخفي وراء هذا الإعلان رغبتَه هو في ممارسة الوصاية والسلطة على المتلقي. لا يقول: «أنا الذي سيحكم عليك»، بل يقول: «الله هو الذي يحكم»، غير أنه هو بالذات من يتولى تفسير هذا الحكم وتطبيقه والفصل في نزاعاته. ويُشير علي حرب إلى أن الدعاة العقائديين يقولون في ظاهر خطابهم أنهم يدعون إلى الحقيقة والإيمان والهوية، غير أن المسكوت عنه في خطابهم هو تثبيت مرجعيتهم وسلطتهم، والتصرف بوصفهم أولى بالناس من أنفسهم. «منطوق خطابهم هو الدفاع عن الحقيقة والهوية أو الدعوة إلى الإيمان أو التحرر، لكن مسكوته هو تثبيت مرجعيتهم وسلطتهم، والتصرف بوصفهم أولى بالناس من أنفسهم».
هنا يكمن التناقض البنيوي الذي يفضحه التفكيك: الخطاب الذي يُعلن تحرير الإنسان من سلطة البشر يُعيد إخضاعه لسلطة البشر أنفسهم، غير أنها تحت مسمّى آخر. فبدلاً من أن يخضع المسلم لحاكمٍ بشري صريح، يُطلَب منه الخضوع لمفسِّر بشري يتحدث باسم الحاكم الإلهي. السلطة هي نفسها، والتبعية هي ذاتها، غير أن التسمية تغيّرت. وهذا ما يُعنى به علي حرب حين يقول إن الشيطان يتسلل من وراء ادعاءات النبوة، والخرافة تتسلل عبر خطاب العقل: «نطالب بالحرية فنمارس الاستبداد، ونحارب الفاشية فنكرر عنفنا الرمزي والفكري». من يُعلن الحكم لله وحده هو من يمسك بزمام تفسير هذا الحكم، أي أنه يُعلن سلطته المطلقة بينما يُخفيها خلف القداسة.
- النصُّ يمارِس سلطته لكنه يُخفيها
الحجب الثالث هو الأعمق من الناحية المعرفية، وهو حجب النص لسلطته الفاعلة على المتلقي. النص ليس مجرد حروف صامتة، بل كيان فاعل يُشكِّل العقل ويُقوْلِب الوجدان ويُعيد إنتاج الخضوع. غير أنه يمارس ذلك كله في صمت، مُدَّعياً أنه مجرد ناقل للحقيقة لا صانعٌ لها. يُؤكِّد علي حرب أن النص ليس كياناً جامداً ثابتاً، بل هو «بنية مشحونة بممكنات تفاعلت وتراكمت»، وأنه «يتجاوز مؤلفه ليخترق قراءه ويُخاطب فيهم كل الممكنات». وهذا يعني أن النص حين يُقرأ يعمل، وحين يعمل يُنتج آثاراً، وحين يُنتج آثاراً يمارس سلطة، غير أن هذه السلطة مُخفَاة تحت ستار الحقيقة الإلهية والنص الموحَى. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ… يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ — النساء: 60 حين يُوظِّف الخطاب الأصولي هذه الآية لإدانة كل تحاكمٍ خارج منظومته المرجعية، فإنه يُمارِس ما تصفه هو بالضبط: يُريد هو أن يكون هو الحَكَم والمرجع، وينصِّب نفسه الطاغوت الذي يجب الرجوع إليه، بينما يُدين من يرجعون إلى «الطاغوت» الآخر. السلطة هي السلطة، تختلف الأسماء وتتّحد البنية.
إن ما يصنعه الخطاب الأصولي من خلال هذه التفسيرات والتوظيفات الإيديولوجية، هو أنه يُجمِّد المعنى، ويمنح نفسه حقّ القراءة الوحيدة، ويُجرِّم كل قراءة أخرى. ففي حين أن التفكيك يُطلِق المعنى ويُحرِّره، يعمل الخطاب الأصولي على أسره واحتجازه وجعله أداةً للسيطرة. والنص القرآني في ذاته منفتحٌ على تعدد التأويلات، وهو ما يُقرُّه المفكرون المسلمون أنفسهم. غير أن الخطاب الأصولي يُؤسِّس «حكراً على الدلالة»، يجعل من تأويله الخاص تأويلاً إلهياً بامتياز، وكل تأويلٍ آخر ضلالاً أو كفراً. وهذا بالضبط هو الحجب الثالث: إخفاء الطابع البشري التأويلي للقراءة، وتقديمها باعتبارها معنى إلهياً مباشراً وأحادياً.
وهذا يعني أن من يقول «الحكم لله» ويزعم أنه يعرِف تفاصيل هذا الحكم ومقتضياته وحدوده وتطبيقاته في كل شأن صغير وكبير، هو في الحقيقة يمارس وهم القبض. إنه يُوهِم نفسه ويُوهِم الآخرين بامتلاك اليقين المطلق فيما هو في جوهره موضوع تأويلٍ بشري متنازَع عليه منذ قرون. وبالتالي فالقتل على العقيدة هو ابتكارٌ ديني خالص. حيث إن الإنسان الذي عاش في عصر الجاهلية أو ما قبل الإسلام كان يقاتل لأسبابٍ قبلية، لكنه لم يكن يقتل بسبب الرأي والتأويل. أما حين يُنصَّب النص الديني حَكَماً مطلقاً، وتُقدَّم تأويلاته البشرية بوصفها إلهية، فإن العنف يتحوَّل من عارضٍ اجتماعي إلى واجبٍ ديني، وينتقل من الهامش إلى المركز. هذا هو ما تكشفه القراءة التفكيكية لمسيرة الأصوليات الدينية: الإرهاب لا يُصنَع في الهامش فقط بل في المركز أيضاً، في أنماط التفكير وفي المؤسسات الرمزية، وفي الخطابات التي تدّعي امتلاك الحقيقة وتمنح نفسها حق الوصاية على الإنسان.
ثانيا: الحاكمية الحقيقية وسؤال التأويل
السؤال الجوهري الذي يطرحه المنهج التفكيكي هو: من يملك حق تحديد ما هو «حكم الله»؟ حين تُجيب الأصولية: «نحن»، فهي تكشف عن نفسها. لأن إجابة كهذه تتناقض مع الإقرار الأولي نفسه بأن الحكم لله لا للبشر. ولعل ما كشفه تاريخ الفكر الإسلامي أن المسلمين اختلفوا في تأويل هذه الحاكمية اختلافاً جذرياً، من المعتزلة إلى الأشاعرة، ومن الفقهاء إلى الصوفية، ومن الفيلسوف إلى المحدِّث. هذا الاختلاف بالذات هو الدليل على أن «حكم الله» لا يُترجَم مباشرةً إلى نظامٍ سياسي بعينه، بل يمر دائماً عبر عقل بشري وتاريخ بشري وسلطة بشرية. وهذه هي الدعوة التي نراها حلا ممكنا، أو بديلا عن احترابات مجانية لا تضع حدا لما نحن عليه، أي دعوة إلى تحرير الدين نفسه مما التصق به من وصاية وهيمنة وعنف رمزي؛ لا لإلغائه، بل لإعادته إلى طبيعته الأصيلة بوصفه تجربةً روحية وأفقاً أخلاقياً. فالإسلام الحضاري الذي أنجز الفلسفة والعلم والأدب، كان إسلاماً يُقرأ لا إسلاماً يُفرَض، إسلاماً يتحاور لا إسلاماً يُكفِّر. وعلى هذا الأساس يصبح السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه أمام عبارة ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ليس «هل تُطبِّقها أم لا؟» بل «كيف تُعيد قراءتها قراءةً لا تُفضي إلى تأليه البشر وتعبيد الإنسان لأخيه الإنسان؟».
- خاتمة:
وصلْنا بعد هذا الجُهد البحثي إلى نهاية هذه الرحلة العلمية والتفكيكية، لأحد أهمّ وأخطر المفاهيم شيوعاً لدى الإسلام الحركي، أو الإسلام السياسي الأصولي بمختلف تلاوينه، وهو مفهوم السيادة والحاكمية. فإذا كان هذا البحث قد انطلق من مساءلة مفهوم السيادة العليا في الإسلام، فإنه يصل في نهايته إلى خلاصة جوهرية مفادها أن الأزمة ليست أزمة نصوص، بل أزمة توظيف؛ وليست أزمة دين، بل أزمة خطاب يتلبّس الدين ليُعيد إنتاج السلطة بلغة مقدّسة. فمن خلال تتبّع مفهوم السيادة في جذوره الغربية، من أرسطو إلى هيجل، ومن بودان إلى ماكيفر، تبيّن أن السيادة في الفكر السياسي الحديث ليست معطىً إلهياً منزَّلاً، بل بنية بشرية تشكّلت عبْر صراعات تاريخية وتسويات اجتماعية، واكتسبت شرعيتها لا من مصدرها الغيبي. بل من قدرتها على تحقيق العدل وصون الكرامة الإنسانية. وحين انتقلنا إلى التصور الفقهي الإسلامي، وجدنا أن مفهوم الحاكمية كما رسخه المودودي وتبنّاه القرضاوي وغيرهما، لم يكن وفياً للنص الديني بقدْر ما كان نتاج لحظة تاريخية محددة، وأيديولوجيا حركية ترتدي رداء العقيدة لتُضفي المشروعية على مشروع سلطوي يسعى إلى احتكار التفسير وإقصاء المعارضة.
وقد كشف التحليل التفكيكي وفق منهج علي حرب أن آية ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ حين يُوظّفها الخطاب الأصولي، تتحوّل من إقرار توحيدي بسيادة الله إلى آلية رمزية للحجب الثلاثي: حجبُ الطابع البشري للسلطة، وحجبُ رغبة القائل في الوصاية، وحجبُ السلطة التي يمارسها النص ذاته على المتلقي. فالذي يُعلن أن الحكم لله هو من يمسك بزمام تفسير هذا الحكم، فتنتقل السيادة من السماء المدّعاة إلى يديه هو على أرض الواقع. وما يجمع كل مسارات البحث هو درسٌ واحد يُعلّمه التاريخ بإلحاح: أن السياسة فعل بشري لا يُفلت من قيود النسبية مهما تلبّس بالمقدس، وأن كل نظام يزعم الانتساب إلى السماء ليُفلت من مساءلة الأرض يُنتج في نهاية المطاف نمطاً من الاستبداد أشدّ قسوة لأنه يُحصِّن نفسه بالقداسة ويُجرِّم الاعتراض.
من هنا فإن الحلّ الممكن ليس في نبذ الدين من الفضاء العام، بل في تحريره من هيمنة أيديولوجية تُحوّله من أفُق روحي وأخلاقي إلى أداة سلطة وأداة إقصاء. فالإسلام الذي أنْجَز حضارة الفلسفة والعلم والتعددية لم يكن إسلاماً يُفرض، بل إسلاماً يُقرأ ويُتأوَّل ويُتحاور فيه. وتبقى الأسئلة التي أثارها هذا البحث أسئلةً مفتوحة لا تدّعي الإجابات النهائية: كيف نُعيد بناء علاقة المسلم بالنص دون وصاية؟ وكيف تُدار المجتمعات الإسلامية بعيداً عن ثنائية الثيوقراطية والاستبداد العلماني؟ وهل يمكن لمفهوم السيادة الشعبية أن يتعايش مع مرجعية دينية دون أن تلتهم إحداهما الأخرى؟ إنها أسئلة لا يُحسِمها بحث واحد، بل تستوجب نقاشاً حضارياً متراكماً يمتلك الشجاعة على مواجهة الأوهام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] – صدر هذا الكتاب في نسخته الأصلية بالفرنسية بعنوان: la maladie de l’islam بيد أن المترجم محمد بنيس والمؤلف اختارا له ترجمة بعنوان:
عبد الوهاب، المؤدب. أوهام الإسلام السياسي. ترجمة محمد بنيس والمؤلف. دار النهار للنشر،ط1،2002 .
[2] – إيريك، فروم. ما وراء الأوهام. ترجمة صلاح حاتم. دار الحوار للنشر والتوزيع،ط1،1994.
[3] Pierre Sarr. Dialogues d’histoire ancienneDiscours sur le mensonge de Platon à saint Augustin : continuité ou rupture 2010/2 36/2 .p 9 à 29
[4] – برنار، شوفييه. المتعصبون جنون الإيمان. ترجمة قاسم المقداد. دار نينوى،ط1،2017. ص: 15.
[5] – هارولد، لاسكي. الدولة نظريا وعلميا. مؤسسة هنداوي،ط1،2022. ص: 11.
[6] – المرجع نفسه.
[7] Hegel et Aristote. La souveraineté de l’État Lionel Ponton Laval théologique et philosophique Volume 52, numéro 1, février 1996
[8] – روبرت، ماكيفر. تكوين الدولة. ترجمة حسن صعب. دار العلم للملايين،ط2،1984. ص: 83.
[9] – المرجع نفسه. ص: 107.
[10] – المرجع نفسه. ص: 149.
[11] – يوسف، القرضاوي. من فقه الدولة في الإسلام. ملف PDF.
[12] – انظر ما كتبه حولها:
أبو إسحاق، الشاطبي. الموافقات. دار ابن عفان،ط1،1997. ص: 346.
[13] – ابن كثير الدمشقي. تفسير القرآن العظيم. على الرابط التالي: ابن كثير https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura5-aya44.html
[14] – 1 المديني، توفيق.(1997). المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي. منشورات اتحاد الكتاب العرب. ص 102
[15] – مانهايم، كارل.(1980). الإيديولوجيا واليوتوبيا: مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة. ترجمة محمد رجا عبد الرحمن الديريني. )ط.(1 شركة المكتبات الكويتية. ص 129
[16] – الإيديولوجيا. إعداد وترجمة. محمد، سبيلا. وعبد السلام بنعبد العالي. دار توبقال للنشر. ص 53/54
[17] – 7 دو فرجيه، موريس. مدخل إلى علم السياسة. ترجمة جمال الأتاسي، سامي الدروبي. دار دمشق. ص 7
[18] – أبو عتبة، الحمري. إن الحكم إلا لله. ملف PDF
[19] – حرب، علي. النص والحقيقة II. نقد الحقيقة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993، ط1. ص 16.