تكوين
تُعَدُّ مسألة علاقة الإسلام بـ “الآخر الديني” من أكثر القضايا إشكالية في الخطاب الإسلامي المعاصر، ليس فقط بسبب حضورها المستمر في النقاشات الفكرية، بل لارتباطها المباشر بتحولات السياسة والهُويات والصراعات العابرة للحدود على مر القرون. وقد أدَّى تصاعد التوترات الدولية والإقليمية في العقود الأخيرة إلى إعادة طرح هذا السؤال بصيغة حادة: هل يحمل الإسلام في بِنيته التأسيسية نزعة إقصائية تجاه غيره، أم أن هذا التصور هو نتاج مجموعة من التأويلات التاريخية التي تكوَّنت لاحقًا؟
في هذا السياق، تبدو العودة إلى النصوص المؤسسة—القرآن الكريم، والسيرة النبوية، والمدونات التفسيرية المبكرة—مدخلًا ضروريًا لِفَهْم طبيعة هذه العلاقة في طورها التكويني، بعيدًا عن إسقاطات العصور اللاحقة. إذ تكشف القراءة النقدية لهذه المصادر عن وجود توتر بِنيوي بين اتجاهين: أحدهما يميل إلى الانفتاح والاعتراف بالآخر ضمن أفق ديني أخلاقي أوسع، والآخر يتجه نحو الحصر والتقييد وإعادة تعريف الخلاص في إطار جماعة محددة.
غير أن هذا التوتر لم يبقَ في حدوده النصية، بل تعرض عبر القرون لعمليات “انتقاء تأويلي” خضعت لعديدٍ من الاعتبارات السياسية والمذهبية، التي أسهمت في ترجيح كفة القراءة الإقصائية على حساب القراءات الأكثر شمولًا وتسامحًا. ومن ثم، فإن ما استقر في الوعي الجمعي الإسلامي لم يكنْ بالضرورة التعبير الوحيد الممكن عن النص، بل هو أحد مخرجات الصراع على تفسيره [1].
من هنا، يسعى هذا المقال إلى إعادة فحص بعض النماذج المبكرة التي تكشف عن أوجه مُهملة في علاقة الإسلام بالآخر الديني، من خلال تحليل عدة نصوص قرآنية وتفسيرية، مع تتبع تحولات فهمها في التراث، وذلك عبر أربعة محاور رئيسة.
“إن الدين عند الله الإسلام” — من الشمول الدلالي إلى الحصر العقدي
تُعَدُّ الآية: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19) من أكثر النصوص القرآنية حضورًا في الخطاب العقدي الإسلامي، إذ جرى توظيفها —خاصة في القراءات المتأخرة— لإثبات حصرية الخلاص في إطار الانتماء إلى الإسلام بوصفه دينًا محدد المعالم والحدود. غير أن هذا الفَهْم، على شيوعه، لا يُمَثِّلُ بالضرورة القراءة الوحيدة الممكنة للنص، بل هو نتيجة مسار تأويلي طويل شهد انتقالًا تدريجيًا من الدلالة اللُّغوية العامة إلى التحديد العقدي الصارم.
فإذا ما نظرنا إلى السياق القرآني الأوسع، نجد أن آيات أخرى تقدم تصورًا أكثر انفتاحًا لمسألة النجاة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ…﴾، إذ يرتبط الأجر الإلهي بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، دون قصر صريح على جماعة بعينها [2].
هذا التعدد في الخطاب القرآني انعكس بوضوح في مدونات التفسير المبكر، وخاصة عند ابن جرير الطبري (ت 310هـ)، الذي قدّم قراءة ذات طابع لُغوي-مفهومي لمصطلح “الإسلام”، إذ عدَّهُ بمعنى “الانقياد والطاعة”، لا اسمًا خاصًا بدين تاريخي محدد. يقول في تفسيره: إن المقصود هو “الطاعة لله والانقياد له بالعبودية”، وهو تعريف يتجاوز الحدود الطائفية الضيقة ليشمل كل من تحقق فيه هذا المعنى [3].
تكمن أهمية هذا التفسير في أنه يفتح المجال أمام فَهْم “إسلامي” بالمعنى الوجودي العام، لا المؤسسي الضيق، وهو ما يتسق مع عدد من المواضع القرآنية التي تصف أنبياء سابقين وأتباعهم بـ “المسلمين” قبل بعثة النبي محمد، كما في قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [4].
غير أن هذا الفَهْم الواسع بدأ يتراجع تدريجيًا في التفسيرات اللاحقة، عندما برز اتجاه يميل إلى إعادة تعريف “الإسلام” بوصفه الدين الذي جاء به النبي محمد تحديدًا، ومن ثم قصر القبول الإلهي عليه دون غيره من الأديان. ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في تفسير ابن كثير الدمشقي (ت 774هـ)، الذي يؤكد أن الله “لا يقبل من أحد دينًا سوى الإسلام”، بمعنى اتباع الشريعة المحمدية بعد بعثة النبي [5].
هذا التحول لا يمكن فَهْمه بمعزل عن السياق التاريخي الذي شهد تكوّن الهُويات المذهبية وتبلور الحدود الفاصلة التي تفرق بين “الفرقة الناجية” وغيرها. فمع اتساع رُقعة الدولة الإسلامية واحتكاكها بالأديان والثقافات الأخرى، برزت الحاجة إلى تعريف الذات الدينية تعريفًا أكثر صرامة، الأمر الذي انعكس في تضييق الدلالة الأصلية لبعض المفاهيم القرآنية.
وعليه، يمكن القول إن: الآية محل البحث لم تكنْ في أصلها نصًا إقصائيًا بالضرورة، بل إن خضوعها لعملية “تخصيص تأويلي” قد أسهمت في تحويلها من مفهوم كوني مفتوح إلى شعار عقدي مغلق. وهو ما يكشف عن الدور الحاسم الذي لعبه التفسير في إعادة تكوين دلالات النص، وَفْقًا لاحتياجات السياق التاريخي، لا فقط لمعطياته اللُّغوية [6].
النجاشي وأبو طالب — الترحم على “الآخر” بين النص والتسييس المذهبي
تُمَثِّلُ شخصيتا النجاشي، ملك الحبشة، وأبي طالب، عم النبي، نموذجين كاشفين لطبيعة التوتر في الموقف الإسلامي المبكر من “الآخر الديني”، ليس فقط على مستوى النصوص، بل أيضًا في كيفية إعادة تأويل هذه النصوص لاحقًا تحت ضغط السياقات السياسية والمذهبية.
ففيما يتعلق بالنجاشي، تُجمع المصادر الإسلامية المبكرة على وصفه بالعدل، وعلى كونه ملاذًا آمنًا للمسلمين الأوائل الذين هاجروا إلى الحبشة فرارًا بدينهم. وتنقل كتب السيرة، وعلى رأسها سيرة ابن هشام (ت 218هـ)، قول النبي: “إن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد”، وهو تصريح ذو دلالة عميقة، لأنه يمنح الشرعية الأخلاقية لحاكم غير مسلم، ويجعله موضع ثقة دينية ضمنية [7]. في السياق نفسه، تؤكد الروايات التراثية أن النجاشي قد رفض تسليم المسلمين اللذين استجاروا به إلى وفد قريش. وأنه -أي النجاشي- قد أطلق يد المسلمين في ممارسة شعائر دينهم بحرية في بلاده.
الأكثر دلالة من ذلك، هو ما ورد في كتب الحديث من أن النبي صلَّى على النجاشي صلاة الغائب عند وفاته، وهي واقعة أثارت إشكالًا فقهيًا وعقديًا كبيرًا، نظرًا لما استقرت عليه الآراء الفقهية لاحقًا من تحريم الترحم على غير المسلم. ففي صحيح البخاري -وهو أصح المدونات الحديثية على الإطلاق عند أهل السنة والجماعة- ورد أن النبي نَعَى النجاشي لأصحابه، وخرج بهم إلى المُصلى فصلَّى عليه [8].
هذا الحدث دفع العقل الفقهي إلى البحث عن مخرج تأويلي يرفع التعارض بين “الفعل النبوي” و”القاعدة العقدية”، فكان الحل الأكثر شيوعًا ومرونة هو القول بإسلام النجاشي قبل وفاته. وفي هذا السياق، رُويت بعض الروايات التي تذكر أن النجاشي قد خشي من إعلان إسلامه خوفًا من رفض رجال البلاط وكبار القساوسة، وأنه آثر أن يُبقي إسلامه في طي الكتمان حفاظًا على وَحْدة الدولة، بَيْدَ أنه أرسل بابنه إلى النبي مُسلمًا فيما بعد.
غير أن هذا التفسير -المُرضي للعقل الإسلامي- يواجه إشكالات تاريخية واضحة، إذ تذكر بعض الروايات أن الصحابة أنفسهم اندهشوا من أمر النبي بالصلاة على النجاشي، وقالوا: “نصلي على رجل ليس بمسلم؟”[9]. ما يُشكّك في جميع الروايات التي ذكرت قصة إسلام النجاشي، ويُرجح أن ظهورها قد وقع في وقت لاحق. كما أن عددًا من العلماء، ومنهم ابن تيمية الحراني (ت 728هـ)، أقرّ بأن النجاشي—حتى لو أسلم— لم يتمكن من ممارسة شعائر الإسلام، لعجزه عن مخالفة قومه، وهو ما يفتح بابًا واسعًا لإعادة النظر في مفهوم “الإسلام العملي” ذاته [10].
تكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تشير إلى إمكان وجود تصور نبوي أكثر مرونة في التعامل مع “الآخر”، يقوم على الاعتبار الأخلاقي والإنساني، لا فقط على الانتماء العقدي الصريح.
أما في حالة أبي طالب، فإن الجدل يأخذ طابعًا أكثر تعقيدًا، نظرًا لتداخل البعد العقدي مع الصراع السياسي المبكر. فبحسب الرواية السنية السائدة، توفي أبو طالب على غير الإسلام، رغم دعمه ومساندته للنبي في السنين الأولى من البعثة، واستنادًا إلى ذلك فُسر قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ بأنه نزل فيه [11].
وقد عزز هذا الاتجاه ما ورد في كتب التفسير، ومنها تفسير ابن كثير، الذي يذكر أن النبي حاول استمالة عمه إلى الإسلام في لحظاته الأخيرة، لكنه رفض تحت ضغط زعماء قريش، مما أدَّى إلى نزول النهي عن الاستغفار له [12].
في المقابل، تبنّت المدرسة الشيعية الإمامية موقفًا مغايرًا، حين أكدت إسلام أبي طالب، ورفضت الروايات التي تصفه بالكفر، معتبرة أنها نتاج خصومة سياسية لاحقة. وقدمت تفاسير بديلة للآية، لا تربطها بشخص أبي طالب، بل بسياقات أخرى [13].
غير أن البعد الأهم في هذا الجدل لا يكمن في تحديد “حقيقة” إيمان أبي طالب بقدر ما يكمن في فَهْم كيفية توظيف هذه القضية في الصراع السياسي بين العباسيين والعلويين. وصل العباسيون إلى سُدَّةِ الحُكْم في سنة 132ه بعد أن تمكنوا من الانتصار على الأمويين. ورغم تقاربهم المبكر مع العلويين، فإنهم -أي العباسيين- سرعان ما انقلبوا على أبناء عمومتهم، وفي هذا السياق، سعى الخلفاء العباسيون إلى تعزيز شرعيتهم من خلال إبراز إسلام العباس بن عبد المطلب، في مقابل التشكيك في إيمان أبي طالب، ما يؤدي إلى إضعاف الأساس الديني لمطالبة العلويين بالخلافة [14]. ما تجدر الإشارة إليه هنا، أنه من الثابت تاريخيًا أن إسلام العباس قد تأخر كثيرًا، وأنه قد خرج لقتال المسلمين في معركة بدر في السنة الثانية من الهجرة. وهكذا، تحولت قضية ذات طابع عقدي-تفسيري إلى أداة في الصراع على السلطة، وأسهم ذلك -فيما بعد- في ترسيخ موقف أكثر تشددًا تجاه مسألة “الترحم على غير المسلم”، بوصفها جزءًا من بِناء الهُوية السنية الأرثوذكسية في مواجهة خصومها.
من هنا، فإن إعادة قراءة قصتي النجاشي وأبي طالب تكشف عن أن الموقف من “الآخر الديني” في الإسلام المبكر لم يكنْ أحاديًا أو مغلقًا، بل كان مجالًا للتفاوض والتأويل، وأن كثيرًا من الأحكام التي تبدو اليوم قطعية قد تكوَّنت في سياقات جدلية لاحقة، لا في لحظة التأسيس الأولى [15].
الفضاء الديني المشترك — من مسجد النبي إلى الكعبة بين الاستيعاب والإقصاء
تكشف بعض الروايات التاريخية المبكرة عن ممارسات دينية في صدر الإسلام تتسم بدرجة ملحوظة من المرونة والانفتاح تجاه “الآخر”، وهي ممارسات لم تحظَ بالاهتمام الكافي في المدونات الفقهية اللاحقة، بل جرى في كثير من الأحيان تهميشها أو تضعيفها لصالح تصورات أكثر انغلاقًا وتشددًا. ومن أبرز هذه النماذج: واقعة صلاة وفد نصارى نجران في مسجد النبي، وقصة موافقة النبي على الإبقاء على مجموعة من الصور الدينية المسيحية داخل الكعبة وقت فتح مكة سنة 8ه.
تذكر كتب السيرة، وعلى رأسها رواية ابن إسحاق (ت 150هـ) كما نقلها ابن هشام، أن وفد نصارى نجران قَدِمَ إلى المدينة في العام التاسع للهجرة، وأنهم دخلوا مسجد النبي، ودخلوا في عديد من المناقشات مع النبي، وحين حانت صلاتهم قاموا يؤدون شعائرهم داخله، متجهين نحو المشرق، ولم يمنعهم النبي ذلكَ، بل قال لأصحابه: “دعوهم”، فتركهم يصلون وَفْق شعائرهم التقليدية [16].
هذه الرواية، على الرغم من أهميتها، واجهت اعتراضات من عدد من المحدثين الذين حكموا عليها بالضعف بسبب الإرسال. غير أن الاتجاه المقابل، الذي يمثله ابن القيم الجوزية (ت 751هـ)، سعى إلى تصحيحها أو على الأقل قبولها من ناحية المعنى، وبنى عليها حكمًا فقهيًا يُجيز لغير المسلمين أداء شعائرهم في المساجد في ظروف معينة [17].
تكمن دلالة هذه الواقعة في أنها تشير إلى تصور مبكر للمسجد بوصفه فضاءً دينيًا قابلًا للاحتواء، لا حكرًا مغلقًا على جماعة بعينها، وهو ما يتناقض مع كثير من الأحكام الفقهية التي استقرت لاحقًا، والتي منعت غير المسلمين من دخول المساجد أو شددت القيود على ذلك. وهي الأحكام التي تسربت -شيئًا فشيئًا- إلى الوجدان الجمعي الإسلامي، فخلقت نوعًا من أنواع التشدد مع الأخر.
أما الواقعة الثانية، فتتعلق بما أورده الأزرقي (ت نحو 250هـ) في كتابه “أخبار مكة”، من أن الكعبة قبل الإسلام كانت تضم صورًا وتماثيل متعددة، من بينها صورة للنبي عيسى وأمه مريم. والأهم من ذلك، ما يرويه من أن النبي، عند فتح مكة، أمر بطمس الصور، لكنه استثنى—حسب الرواية—صورة عيسى وأمه، حين وضع يده عليها وقال: “امحوا الجميع إلا ما تحت يدي”، في إشارة إلى موافقة النبي على الإبقاء على تلك الصورة بما تحمله من رمزية دينية [18].
وقد نقل هذه الرواية لاحقًا الذهبي (ت 748هـ) في كتابه “تاريخ الإسلام”، مُعززًا إياها بشهادة التابعي عطاء بن أبي رباح (ت 114هـ)، الذي أشار إلى أنه أدرك هذه الصور في الكعبة قبل أن تُزال لاحقًا، ويرجح أن ذلك حدث في الحريق الذي أصاب الكعبة زمن عبد الله بن الزبير سنة 64هـ [19].
تثير هذه الرواية عددًا من الأسئلة المهمة، خاصة في ضوء الموقف الفقهي المعروف حاليًا من التصوير والتماثيل. فإذا ثبتت صحة تلك الرواية أو حتى قُبلت بوصفها مؤشرًا تاريخيًا، فإنها تكشف عن درجة من “التسامح المرحلي” مع رموز دينية غير إسلامية، داخل أقدس فضاء في الإسلام، وهو ما يصعب التوفيق بينه وبين التصورات الفقهية اللاحقة التي اتسمت بصرامة شديدة في هذا الباب، تلك التي اعتادت أن تربط الصور والأيقونات المسيحية بالوثنية والكفر.
إن الجمع بين هاتين الواقعتين—صلاة المسيحيين في المسجد، والإبقاء على صورة المسيح في الكعبة لفترة ما—يشير إلى أن الفضاء الديني في الإسلام المبكر لم يكنْ مغلقًا إغلاقًا كاملًا، بل كان يَشهد نوعًا من أنواع التداخل والتعايش الرمزي، قبل أن تُعاد صياغته لاحقًا وَفْق معايير أكثر صرامة، ارتبطت بتبلور الهُوية الإسلامية في مواجهة الآخر.
ومن ثم، يمكن القول إن: ما أُقصي من هذه الروايات لا يقل أهمية عما احتُفظَ به، إذ يعكس هذا الإقصاء ذاته عملية انتقائية في بِناء الذاكرة الدينية، إذ جرى تفضيل ما يخدم تصورًا معينًا للإسلام، على حساب عناصر أخرى كانت تشير إلى إمكان التعدد والتعايش داخل الإطار نفسه.
من النص إلى الخطاب — كيف أُعيد إنتاج صورة “الآخر” في التراث الإسلامي؟
إذا كانت المحاور السابقة قد كشفت عن وجود عناصر انفتاح ملحوظة في النصوص التأسيسية والممارسات المبكرة، فإن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه هو: كيف تحولت هذه الإمكانات التأويلية المتعددة إلى خطاب سائد يميل إلى الإقصاء والتحديد الصارم لعلاقة المسلم بغيره؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي تحليل النصوص في ذاتها، بل ينبغي الانتقال إلى مستوى آخر من التحليل، يتعلق بـ “بِنية إنتاج المعرفة” في الحضارة الإسلامية، أي دراسة الكيفية التي جرى بها انتقاء النصوص، وترتيبها، وتفسيرها، وتوظيفها في سياقات تاريخية محددة.
أول ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو أن المدونات الحديثية—التي لعبت دورًا مركزيًا في تكوين الوعي الديني—لم تكنْ عملية جمع بريئة/محايدة للنصوص فقط، بل إنها شهدت أيضًا عمليات فرز وانتقاء خضعت لمعايير متعددة، بعضها علمي (مثل علم الجرح والتعديل)، وبعضها الآخر متأثر بالتصورات العقدية السائدة. وقد أشار عدد من الباحثين إلى أن بعض الأحاديث التي تؤسس لعلاقة متوترة مع “الآخر” حظيت بانتشار واسع، في حين لم تنلْ النصوص الأكثر انفتاحًا القدر نفسه من التداول أو الانتشار بين العامة [20].
على سبيل المثال، حَظِيَ حديث: “أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله…” بمكانة مركزية في الخطاب الفقهي، إذ استُخدم لتأسيس رؤية صراعية للعلاقة مع غير المسلمين، رغم وجود نقاش طويل بين العلماء حول دلالته وسياقه وحدود عموميته [21]. في المقابل، لم تحظَ ممارسات نبوية— مثل التعامل الإيجابي مع النجاشي أو إقرار شعائر غير المسلمين— بالمستوى نفسه من التأصيل الفقهي، بل بقيت في هامش السرد التاريخي.
ثانيًا، لعب علم التفسير دورًا حاسمًا في إعادة تكوين صورة “الآخر”، من خلال آليات مثل النسخ والتخصيص وتقييد المطلق. فقد جرى، في كثير من الأحيان، تفسير الآيات ذات الطابع الشمولي (كآية البقرة: 62) على أنها منسوخة بآيات أخرى، أو مقيدة بشروط تجعلها غير قابلة للتطبيق في الواقع اللاحق. وقد توسع القرطبي (ت 671هـ)، على سبيل المثال، في مناقشة هذه الآية، ناقلًا أقوالًا ترى أنها منسوخة بآية: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [22].
هذا التوظيف لآلية النسخ لم يكنْ مجرد إجراء تفسيري محايد، بل كان يعكس ميلًا نحو توحيد الخطاب الديني في اتجاه واحد، يُقلص من مساحة التعدد الدلالي التي تتيحها النصوص.
ثالثًا، لا يمكن إغفال أثر التحولات السياسية الكبرى في تكوين هذا الخطاب. فمع انتقال المسلمين من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة، ثم إلى الإمبراطورية، ظهرت الحاجة إلى بِناء منظومة فقهية تُنظم العلاقة مع الشعوب المفتوحة، وهو ما أدَّى إلى تطوير مفاهيم مثل دار الإسلام ودار الحرب وأهل الذمة. وقد أسهم هذا التقسيم في ترسيخ تصور ثنائي للعالم، يقوم على الفصل الحاد بين الداخل والخارج، المؤمن وغير المؤمن [23].
غير أن هذه المفاهيم—رغم أهميتها التاريخية—لم تكنْ نصوصًا دينية ثابتة، بل اجتهاداتٌ فقهية ارتبطت بظروف زمنية محددة، ومع ذلك جرى لاحقًا التعامل معها بوصفها جزءًا من “الثوابت” الدينية.
رابعًا، لعبت الصراعات المذهبية الداخلية دورًا لا يقل أهمية في إعادة تعريف “الآخر”، إذ لم يَعُدْ هذا الآخر مقتصرًا على غير المسلمين، بل امتدَّ ليشمل الفرق الإسلامية المخالفة. وهنا، جرى توظيف مفاهيم التكفير والتبديع لتوسيع دائرة الإقصاء، ما انعكس بدوره على طريقة التعامل مع غير المسلمين أيضًا [24].
إن مجمل هذه العمليات—الحديثية، والتفسيرية، والفقهية، والسياسية—أسهمت في إنتاج خطاب مُهيمن يُعيد تعريف النصوص التأسيسية في اتجاه واحد، ويُهمّش القراءات البديلة التي كانت أكثر انفتاحًا في مراحل سابقة.
ومن ثم، فإن إعادة قراءة علاقة الإسلام بالآخر لا تقتضي فقط العودة إلى النصوص الأولى، بل تستلزم أيضًا تفكيك هذا التراث التفسيري المركب، وفهمه في سياقه التاريخي، ما يتيح استعادة التعددية الكامنة في البِنية الأصلية للنص الإسلامي.
ختامًا، تكشف القراءة التحليلية للنصوص القرآنية، والروايات التاريخية المبكرة، والتفاسير التراثية، أن علاقة الإسلام بالآخر الديني في طورها التأسيسي لم تكنْ علاقة أحادية الاتجاه أو ذات طبيعة إقصائية خالصة، بل اتسمت بدرجة ملحوظة من التعدد والتوتر الدلالي. فقد تداخلت داخل البِنية النصية نفسها نزعتان: نزعة شمولية تُبقي باب النجاة مفتوحًا على أساس الإيمان والعمل الصالح والتقوى عمومًا، ونزعة أخرى تميل إلى التحديد العقدي وربط الخلاص بالانتماء الصريح إلى الجماعة المؤمنة.
غير أن ما حَسَمَ هذا التوتر لم يكنْ النص وَحْده، بل مسارٌ طويل من التأويلات التي خضعت—خضوعًا مباشرًا أو غير مباشر—لضغوط الواقع السياسي والمذهبي والاجتماعي. فمع تكوّن الهُويات الكبرى داخل العالم الإسلامي، واحتدام الصراعات بين الفرق والتيارات، جرى ترجيح القراءات الأكثر انغلاقًا، بوصفها أكثر قدرة على رسم حدود واضحة بين “نحن” و”هم”.
وفي هذا السياق، يُمكن فَهْم تهميش بعض الوقائع الدالة والتي عرضنا لها في هذه الدراسة —مثل: صلاة النبي على النجاشي، أو إقرار صلاة المسيحيين في المسجد، أو التسامح المرحلي مع الرموز الدينية داخل الكعبة—بوصفه جزءًا من عملية أوسع لإعادة تكوين الذاكرة الدينية، تكوينًا يتوافق مع متطلبات بِناء هُوية متماسكة في مواجهة الآخر.
إن إعادة استحضار هذه النماذج اليوم لا تهدف إلى إعادة إنتاج الماضي، بقدر ما تسعى إلى تفكيك التصورات السائدة حوله، وفتح المجال أمام قراءة أكثر تركيبًا ووعيًا بتاريخية الفَهْم الديني. فالإسلام، كما تكشف نصوصه الأولى، لم يكنْ خطابًا مغلقًا، بل مجالٌ مفتوحٌ للتأويل، وما نعدّه اليوم “ثوابت” قد يكون في جانب منه نتاجًا لصيرورة تاريخية، لا تعبيرًا نهائيًا عن جوهر النص أو قيمه الأصيلة.
___________________________________________
قائمة الهوامش
[1] محمد أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 1991، ص 45–52.
[2] القرآن الكريم، سورة البقرة: 62.
[3] محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج6، ص 256–258.
[4] القرآن الكريم، سورة آل عمران: 67.
[5] ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، تحقيق سامي سلامة، دار طيبة، الرياض، ج2، ص 19.
[6] فاضل الرحمن، الإسلام، ترجمة عبد الوهاب علوب، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2000، ص 112–118.
[7] ابن هشام الحميري، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج1، ص 321.
[8] محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الغائب، حديث رَقْم 1333.
[9] ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، ج2، ص 420.
[10] أحمد بن تيمية الحراني، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد، المدينة المنورة، ج19، ص 217.
[11] القرآن الكريم، سورة القصص: 56.
[12] ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، ج6، ص 246.
[13] الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار المعرفة، بيروت، ج7، ص 274.
[14] حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية، دار الفارابي، بيروت، ج1، ص 312–318.
[15] وائل حلاق، نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، ترجمة صبحي الصالح، دار المدار الإسلامي، بيروت، ص 89–95.
[16] ابن هشام الحميري، السيرة النبوية، ج2، ص 577.
[17] ابن القيم الجوزية، أحكام أهل الذمة، تحقيق يوسف البكري، دار رمادي، الدمام، ج1، ص 397.
[18] أبو الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي، أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، تحقيق رشدي الصالح ملحس، دار الأندلس، بيروت، ج1، ص 165.
[19] شمس الدين الذهبي، تاريخ الإسلام، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ج5، ص 34.
[20] وائل حلاق، نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، ص 89–95.
[21] محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، حديث رَقْم 25.
[22] شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، ج2، ص 160.
[23] أبو يوسف، كتاب الخراج، دار المعرفة، بيروت، ص 72–75.
[24] أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، تحقيق هلموت ريتر، دار فرانز شتاينر، ص 45–60.