الإصلاح الديني عند الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: من نقد أصول الفقه إلى ترسيخ القيم الأخلاقية

 تكوين

المقدّمة

يُعدّ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ( ت1973م)من أبرز أعلام الفكر الإصلاحي الإسلامي في العصر الحديث، فقد جمع بين التكوين الزيتوني الأصيل والانفتاح الواعي على أسئلة العصر وقضاياه. وقد أدرك أنّ إصلاح الواقع الإسلامي لا يمكن أن يتحقق بمجرد الدعوة إلى العودة إلى التراث، ولا بمجرد الانقطاع عنه، وإنما يقتضي مراجعة نقدية للعلوم الإسلامية ومناهجها ومن ذلك علم أصول الفقه. لذلك لم يكن مشروعه الإصلاحي هدما للقديم، بل كان محاولة لإعادة بنائه على أسس أكثر قدرة على مواكبة التحولات الحديثة.

وتبرز أهمية هذا المشروع في نقده لجمود التفكير الأصولي، ودعوته إلى إحياء الاجتهاد، وتأسيس علم مقاصد الشريعة بوصفه إطارا منهجيا يربط الأحكام بغاياتها الكبرى. كما يتجلى إصلاحه الديني في دفاعه عن قيم العدل والحرية والسلم والتسامح، وفي حرصه على إبراز البعد الأخلاقي والإنساني في الإسلام. ومن هنا يمكن طرح الإشكال الآتي: ما هي القضايا التي بنى عليها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور مشروعه في الإصلاح الديني؟ وهل كان إصلاحه قطيعة مع التراث أم تجديدا من داخله؟

  • الإصلاح الديني العلمي: نقد علم أصول الفقه أنموذجا

أدرك المفكّرون المسلمون منذ عصر النهضة أنّ مراجعة الموقف من الماضي والسلف شرط من شروط الخروج من وضعيّة التأخّر الحضاري. لذلك تغنّى بعضهم بصفة أساسيّة ينبغي أن تقوم عليها تلك المراجعة وهي النقد أو الانتقاد على حدّ عبارة محمد عبده (ت 1323هـ/1905م). فالانتقاد في نظره

“نفثة من الروح الإلهي في صدور البشر، تظهر في مناطقهم سوقا للناقص إلى الكمال، وتنبيها يزعج الكامل عن موقفه إلى طلب الغاية ممّا يليق به”[1].

وقد أدّى هذا النّقد إلى إعادة النظر في أسباب جمود العلوم الإسلاميّة ومنها علم أصول الفقه. وحصر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور (ت1393 هـ/1973م) خمسة أسباب تقف وراء الاختلال في تعاطي هذا العلم وهي توسيع العلم بإدخال ما لا يحتاج إليه فيه، وتدوين قواعد الأصول بعد تدوين الفقه ممّا أدّى إلى التعارض بين تلك القواعد وبين فروع الفقه، وتضمن العلم مسائل لا طائل منها، والغفلة عن مقاصد الشريعة وغلق باب الاجتهاد وتحجير النظر[2]. وقد توسّع هذا الشيخ التونسي في نظراته النقديّة المراجعة لعلم أصول الفقه في كتابه “مقاصد الشريعة” فنقد طغيان الاختلاف في مسائله بين العلماء وبيّن تركيزهم على الألفاظ لاستنباط الأحكام منها مقابل غياب الاهتمام بمقصد الشريعة وحكمتها. وتطرّق إلى غياب الطابع القطعي في مسائله وتضخّم الظن فيه رغم محاولة بعض القدامى إثبات قطعيّة مسائل أصول الفقه. يقول : “وقد حاول أبو إسحاق الشاطبي(ت790هـ)  في المقدّمة الأولى من كتاب “الموافقات” الاستدلال على كون أصول الفقه قطعيّة فلم يأت بطائل”[3].

ولم يخف هذا الفقيه أنّ نقده لعلم أصول الفقه لا يبتغي هدم هذا العلم وإنّما يسعى إلى مراجعته قصد تأسيس علم جديد هو علم مقاصد الشريعة. يقول :

“فنحن إذا أردنا أن ندوّن أصولا قطعيّة للتفقّه في الدّين حقّ علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة وأن نعيد ذوبها في بوتقة التدوين ونعيّرها بمعيار النظر والنقد فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت بها ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسمّيه علم مقاصد الشريعة. ونترك علم أصول الفقه على حاله لبيان طرق تركيب الأدلّة الفقهيّة، ونعمد إلى ما هو من مسائل أصول الفقه غير منزو تحت سرادق مقصدنا هذا من تدوين مقاصد  الشريعة فنجعل منه مبادئ لهذا العلم الجليل علم مقاصد الشريعة”[4].

لقد أدرك الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور أنّ استئناف الاجتهاد والتأسيس لا يمكن أن يكون بتقليد علماء الماضي والسلف تقليدا وفّيا، ولا يمكن أن يكون بغير مراجعة نقديّة لما تركه الأوائل من معارف ومناهج. لذلك أقرّ أنّه استفاد من الشاطبي واقتفى آثاره ولم يهمل مهمّاته إلاّ أنّه لم يقصد نقل كتابه ولا اختصاره. وبناء على هذا التوجّه المستقلّ قرّر عدم التعويل على أدلّة أصول الفقه في إثبات المقاصد

“لأنّ وجود القطع والظنّ القريب منه بين تلك الأدلّة مفقود أو نادر”[5].

وقد تواصلت هذه النزعة النقدية لعلم أصول الفقه من خلال ابن هذا الشيخ، وهو محمد الفاضل ابن عاشور (ت1970 م) .فقد أعلن أنّ علم أصول الفقه “أصبح في حقيقة الأمر سياجا للمذاهب ومقيّدا للفقهاء بحيث إنّه هو الذي تقاصرت به حركة الاجتهاد بعد أن كانت مطلقة فصارت مقيّدة لأنّ النّاس أصبحوا لا يقلّدون في الفروع فيبقون مجتهدين ولكنّهم يتقيّدون بالأصول التي وضعها أيمّة المذاهب. ولأجل ذلك، فإنّ علم أصول الفقه لمّا اعتبر سياجا مذهبيّا كما قلنا، وجامعا بين طائفة من الفقهاء متعاقبة الأفراد على تعاقب الأجيال يقلّد بعضها بعضا في حجيّة ما قال الأوّل بحجيّته، ويستقلّ اللاحق عن السابق في طرق تطبيق تلك الحجّة لاستخراج الأحكام الشرعيّة التفصيليّة منها. فلذلك بقي علم أصول الفقه طيلة القرن الثالث بعد الإمام الشافعي لم يتناوله البحث ولم يتناوله التحرير من جديد”[6].

لم يكن نقد الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور لعلم أصول الفقه مقتصرا على الجانب النظري وإنّما امتد إلى المستوى التطبيقي من ذلك نقده التأصيل القرآني للإجماع، فقد اعتبر أنّ استنباط الأحكام التشريعيّة من القرآن خلال القرون الثلاثة الأولى في التاريخ الإسلامي ليس إلاّ من قبيل التّفسير لآيات القرآن بما لم يسبق تفسيرها به قبل ذلك. ويؤصّل رأيه هذا بقول مأثور عن الشافعي : “تطلبت دليلا على حجيّة الإجماع فظفرت به في قوله (ت) : ومن يشاقق الرسول من بعدما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى”[7]. وينقد ابن عاشور موقف الشافعي لعدم تناسب سياق الآية والغاية التي وظّفها لها الشافعي. يقول :

“ومن هذا القبيل استدلال الشافعي على حجيّة الإجماع وتحريم خرقه بقوله (ت) : ومن يشاقق، مع أنّ سياق الآية في أحوال المشركين، فالمراد من الآية مشاقة خاصّة واتباع غير سبيل خاص. ولكنّ الشافعي جعل حجيّة الإجماع من كمال الآية”[8].

وقد تجلّت في تفسير الشيخ ابن عاشور للآية 143 من سورة البقرة أهمّ ملامح موقفه من الإجماع عامة ومن التأصيل القرآني له خاصة. ومن أهمّ سمات هذا الموقف :

  • أوّلا: رفض دلالة الآية على عصمة الأمّة من الخطأ. يقول : “واستدلّ أهل أصول الفقه بهذه الآية على أنّ إجماع علماء الأمّة أي المجتهدين حجّة شرعيّة فيما أجمعوا عليه، وفي بيان هذا الاستدلال طرق، الأوّل قال الفخر : إنّ الله أخبر عن عدالة الأمّة وخيريّتها، فلو أقدموا على محظور لما اتّصفوا بالخيريّة وإذا ثبت ذلك وجب كون قولهم حجّة، أيّ لأنّ مجموع المجتهدين عدول بقطع النظر عن احتمال تخلّف وصف العدالة في بعض أفرادهم، ويبطل هذا أنّ الخطأ لا ينافي العدالة ولا الخيريّة، فلا تدلّ الآية على عصمتهم من الخطأ فيما أجمعوا عليه. وهذا ردّ متمكّن”[9].

ويوضح هذا التعليق الأخير حقيقة موقف ابن عاشور الذي ينقد استثمار الآية للدّلالة على عصمة إجماع الأمّة من الخطأ. وهو يبتغي من وراء ذلك إضفاء النسبيّة على الاجتهاد البشري، ويندرج في إطار هذا النّقد الإجماع المستند إلى النظر والاجتهاد. والواضح  أنّ في هذا الموقف عدولا واضحا عن الفكر الأصولي القديم الذي يضفي العصمة على إجماع الأمّة بمعناه النخبوي الدّال على فئة المجتهدين دون غيرها من الفئات. ولا يقتصر الخطأ في الاجتهاد على العلماء في نظر ابن عاشور، بل إنّ الصحابة أنفسهم معرّضون إلى ذلك. يقول :

“قال جماعة : الخطاب للصحابة وهم لا يجمعون على خطأ، فالآية حجّة على الإجماع في الجملة، ويردّ عليه أنّ عدالة الصحابة لا تنافي الخطأ في الاجتهاد. وقد يكون إجماعهم عن اجتهاد، أمّا إجماعهم على ما هو طريق النّقل فيندرج فيما سنذكره”[10].

  • ثانيا: رفض الفهم النخبوي للآية الذي ترتّب عليه إقصاء العامّة. ويبدو أنّ موقف ابن عاشور متأثّر في هذه المسألة بالباقلاني المالكي[11]، لذلك اعتبر أنّ الآية صريحة في أن الوصف المذكور فيها مدح للأمّة كلّها لا لخصوص علمائها. وبناء على هذا يرى عبثيّة الاحتجاج بها على حجيّة الإجماع بمعناه الأصولي يقول :
  • “فالوجه أنّ الآية دالّة على حجيّة إجماع جميع الأمّة فيما طريقه النّقل للشّريعة، وهو المعبّر عنه بالتّواتر وبما علم من الدّين بالضّرورة، وهو اتّفاق المسلمين على نسبة قول أو فعل أو صفة للنّبي ممّا هو تشريع مؤصّل أو بيان مجمل مثل أعداد الصلوات والركعات وصفة الصّلاة والحجّ ومثل نقل القرآن… وهذا هو الذي قالوا بكفر جاحد المجمع عليه منه، وهو الذي اعتبر فيه أبو بكر الباقلاني وفاق العوام واعتبر فيه غيره عدد التواتر، وهو الذي يصفه كثير من قدماء الأصوليّين بأنّه مقدّم على الأدلّة كلّها”[12]1.

وهكذا فإنّ ابن عاشور يجاري الأصوليّين في اعتماد الآية دليلا على حجيّة الإجماع لكنّه يختلف عنهم في فهم دلالتها وفي أنواع الإجماع التي تختلف درجات حجيّتها عنده. فالإجماع الحجّة في نظره هو إجماع كلّ الأمّة، علمائها وعامّتها. وهو صنف من الإجماع يطلق عليه “إجماع جميع الأمّة فيما طريقه النّقل للشّريعة”. غير أنه في المقابل يحترز من اعتبار الآية دليلا على حجيّة إجماع علماء الدّين، فهذا النّوع الثّاني من أنواع الإجماع الذي أطلق عليه “إجماع المجتهدين عن نظر واجتهاد” قابل للخطأ في نظره. يقول : “وأمّا كون الآية دليلا على حجيّة إجماع المجتهدين عن نظر واجتهاد فلا يؤخذ من الآية إلاّ بأن يقال : إنّ الآية يستأنس بها لذلك، فإنّها لمّا أخبرت أنّ الله (ت) جعل هذه الأمّة وسطا وعلمنا أنّ الوسط هو الخيار العدل الخارج من بين طرفي إفراط وتفريط علمنا أنّ الله (ت) أكمل عقول هذه الأمّة بما تنشأ عليه عقولهم من الاعتياد بالعقائد الصحيحة ومجانبة الأوهام السخيفة التي ساخت فيها عقول الأمم، ومن الاعتياد بتلقي الشريعة من طرق العدول وإثبات أحكامها بالاستدلال استنباطا بالنّسبة للعلماء وفهما بالنسبة للعامّة”[13]2.

  • ثالثا: تقديم تأويل جديد لعبارة الأمّة الوسط ذلك أنّ الشيخ ابن عاشور ينتهي إثر تحليله السابق إلى أنّ معنى الوسط في الآية يتمثّل في أنّ عقول أفراد هاته الأمّة عقول قيّمة، ثم هذه الاستقامة تختلف بما يناسب كلّ طبقة من الأمّة وكلّ فرد. وبناء على هذا الفهم يؤسّس من جديد عصمة مجموع الأمّة من الوقوع في الضلال لا عمدا ولا خطأ. فهو إذن ينفي عصمة الأمّة بناء على الفهم القديم الذي اعتبر أنّ الوسط يعني العدالة والخيريّة ليقيم فهما جديدا يؤسّس عليه معنى العصمة نظريّا وإن كان يصرّح أنّه على المستوى العملي وقعت الأمم الماضية في الإجماع على الخطإ لأنّ شرائعهم لم تحذّرهم من ذلك أو لأنّهم أساءوا تأويلها. ولعلّ الطّريف في هذا الفهم أنّ العامّة تأخذ نصيبا من هذه العصمة فيما هو من خصائصها، وهو الجزء النقلي فحسب في رأي ابن عاشور.

وما يستخلص من هذه المواقف إذن أنّ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ظلّ خاضعا لضغوط المنظومة الأصوليّة القديمة فلم يستطع التخلّص من مصطلحاتها ومفاهيمها إلاّ أنّه حاول ملاءمتها مع العصر الحديث من خلال بعض التغييرات التي تتناسب ومكتسبات الحداثة. وتجلّى هذا خاصّة في موقفه من العامّة.

وقد  توقّف الشيخ الطاهر ابن عاشور عند آية أخرى من الآيات التي ترد في مباحث حجيّة الإجماع في مصادر أصول الفقه هي الآية 110 من سورة آل عمران “كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس” فعلّق عليها بقوله : “وقد شاع عند العلماء الاستدلال بهذه الآية على حجيّة الإجماع وعصمته من الخطأ بناء على أنّ التعريف في “المعروف” و”المنكر” للاستغراق، فإذا أجمعت الأمّة على حكم، لم يجز أن يكون ما أجمعوا عليه منكرا وتعيّن أن يكون معروفا لأنّ الطائفة المأمورة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضمنهم. ولا يجوز سكوتها عن منكر يقع ولا عن معروف يترك. وهذا الاستدلال إن كان على حجيّة الإجماع بمعنى الشرع المتواتر المعلوم من الدين بالضرورة فهو استدلال صحيح لأنّ المعروف والمنكر في هذا النّوع بديهي ضروري وإن كان استدلالا على حجيّة الإجماعات المنعقدة عن اجتهاد، وهو الذي يقصده المستدلّون بالآية فاستدلالهم بها سفسطائيّ لأنّ المنكر لا يعتبر منكرا إلاّ بعد إثبات حكمه شرعا، وطريق إثبات حكمه الإجماع، فلو أجمعوا على منكر عند الله خطأ منهم لما كان منكرا حتّى ينهى عنه طائفة منهم لأنّ اجتهادهم هو غاية وسعهم”[14].

ويعدّ هذا الرأي مواصلة لتفسيره للآية السابقة، ومنه يتجلّى نقده للفهم الأصولي القديم للآية الذي وظّفها لإثبات حجيّة الإجماع المنعقد عن اجتهاد .غير أن ابن عاشور لا يوافق على كونها دليلا على حجيّة الأصل الثالث للتشريع إلاّ إن كان المقصود الإجماع الدالّ على الشرع المتواتر المعلوم من الدّين بالضرورة.

ونلمس انزياح موقف الشيخ ابن عاشور عن الموقف الأصولي القديم كذلك من خلال توقّفه عند الآية 115 من سورة النساء ذلك أنّه يستهلّ تفسيره لها بتقرير حقيقة تاريخيّة تتمثّل في شيوع الاحتجاج بهذه الآية عند كثير من علماء أصول الفقه وأوّلهم الشافعي وتقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا. وينقد ابن عاشور هذا التّأويل وغيره قائلا : “وقد قرّر غيره الاستدلال بالآية على حجيّة الإجماع بطرق أخرى وكلّها على ما فيها من ضعف في التقريب قد وردت عليها نقوض أشار إليها ابن الحاجب في “المختصر”. واتّفقت كلمة المحقّقين الغزالي والإمام في “المعالم” وابن الحاجب على توهين الاستدلال بهذه الآية على حجيّة الإجماع”[15].

ومن الواضح أنّ ابن عاشور يفصح عن السلطة المرجعيّة التي أثّرت في موقفه من التّأصيل القرآني للإجماع، وهي سلطة فريق من الأصوليّين المتكلّمين بدءا من الباقلاني والغزالي وصولا إلى الرّازي وابن الحاجب. ولعلّ أكثر المؤثّرين فيه الغزالي. يقول : “وهذا النّوع في اختلاف بعضهم في حجيّة الإجماع إذ المختلف في حجيّته هو الإجماع المستند للنظر وللأدلّة الاجتهاديّة بخلاف المتواتر المعلوم بالضرورة في كلام الغزالي في خاتمة كتاب “الاقتصاد في الاعتقاد”[16].

وهكذا يمكن أن نستخلص أن النظر النقدي الحديث في الخطاب الأصولي القديم ظلّ متأرجحا بين سلطة الماضي متمثّلا خاصّة في فريق الأصوليين المتكلّمين وسلطة القيم الحديثة التي جعلت تبنّي كثير من مواقف المنظومة الأصوليّة القديمة وقيمها غير متناسب مع الثقافة والقيم الحديثة المشتركة بين كلّ الشعوب والأمم.

وقد امتد نقد الشيخ ابن عاشور إلى إحدى المسائل المهمة في الإجماع وهي الإجماع السكوتي.

والظاهر أنّ أغلب ممثّلي الفكر الإسلامي الحديث بعد أن عاينوا المنزلة الكبرى التي منحت لحرّيّة الرّأي والمعتقد في مختلف مجالات الحياة العمليّة والنظريّة، رجّحوا رفض الإجماع السكوتي لما ينطوي عليه من إلجام لحرّيّة الرّأي. فالساكت من المجتهدين حسب بعض المحدثين “تحيط به المخاوف والملابسات السياسيّة ومنها النفسية ومنها القهرية. وقد حدث هذا حتّى في أيّام الصّحابة…”[17]. وقد أنكر الشيخ محمد الطّاهر ابن عاشور الإجماع السّكوتي معتمدا على سلطة كبار الأئمة الذين رفضوا مشروعيته كالشافعي والباقلاّني والغزالي والرازي[18].

وشمل الشيخ بنظره النقدي كذلك مسألة إقصاء العامة من الإجماع فرفض إقصاء العامّة من الإجماع، وصرّح “أنّ عقول الأمّة بخاصّتها وعامّتها عقول قيّمة، وهو معنى كونها وسطا وأنّ العامّة تأخذ نصيبا من العصمة التي يراد لها أن تكون حكرا على العلماء”[19].ويعتبر هذا الموقف انزياحا جليا عن موقف الأغلبية التي أقصت العامة من المشاركة في الإجماع لكن الشيخ ابن عاشور تحت تأثير مواقف بعض المتكلمين القدامى وبفعل مقتضيات الانسجام مع الثقافة والقيم الحديثة اختار أن يمنح للعامة منزلة في الإجماع . وكيف لا يتخذ هذا الموقف وهو قد عاصر قوة دور العامة في الواقع السياسي والاجتماعي الحديث وارتفاع منزلتها في الفكر الحديث وخاصة في علم التاريخ الذي أضحى يعتبر أن التاريخ صنع مشترك بين كل فئات المجتمع سواء كانت تنتمي إلى الخاصة أو كانت ضمن العامة.

2-الإصلاحى الديني الاجتماعي: موقفه من تعدد الزوجات نموذجا

يبدو أنّ علماء الزّيتونة اطّلعوا على بعض المواقف الحديثة التي ارتأت مراجعة تعدّد الزّوجات في ضوء الواقع التاريخي الحديث واعتمادا على مبدإ أساسيّ هو المصلحة العامّة لتصل إلى منع التعدّد أو تقييده. وهو شأن الإمام محمد عبده الذي يعدّ أحد روّاد هذه المراجعة، فوضعتهم هذه الآراء بين مطرقة الحكم القديم المجيز لتعدّد الزوجات وسندان الواقع الجديد الذي تفرض فيه المصلحة منع هذا التعدّد لذلك استشاروا الشيخ محمد الطّاهر ابن عاشور وسألوه هل يجوز إيقاف العمل بالتعدّد إذا اقتضت المصلحة ذلك ودعت الضّرورة؟ وقد قام جوابه على عناصر ثلاثة أوّلها : الاعتراف بحلّية التعدّد وبشروطه ،وثانيها : وجود المضرّة من التعدّد وإقامة الدّليل على ذلك ،أمّا ثالثها فهو أنّ التعدّد مباح وإنّه يجوز بصورة محقّقة. ولوليّ الأمر أن يمنع النّاس من فعل هذا المباح لوجود مضرّة فيه. والتاريخ الإسلامي حافل بأمثلة تدلّ على ذلك تعاطاها الصّحابة.

وقد امتدح الشيخ ابن عاشور عادة أهل المدن في ترك التعدّد والاكتفاء بواحدة وقال : إنّ أهل البادية يفزعون إلى التعدّد قصد إيجاد أيد عاملة. وقد علّق الشيخ الزيتوني والقاضي محمود شمّام على هذا الموقف قائلا : “وبالرّجوع إلى الأساس الذي أشار إليه الأستاذ رحمه الله نجد أنّ الأصل يقتضي الوجوب أو المنع، أمّا ما هو مباح وجائز فإنّ لوليّ الأمر أن يعطّل هذه الإباحة لمصلحة تقتضي ذلك وحكم الحاكم يرفع الخلاف”[20].

هكذا لم يخرج الشيخ عن الموقف القديم لكنه تفاعلا مع المستجدات الحديثة خطا خطوة في اتجاه الإصلاح الديني الاجتماعي ، وهي خطوة جريئة لأن الفريق المحافظ يرفض كل تغيير يمس ما ورد فيه نص قرآني.

3-الإصلاح الديني القائم على الأخلاق

أ-قيمة العدل

يعتبر رشيد رضا أنّ تعاليم الإسلام قائمة على أساس العدل والاعتدال من غير تفريط ولا إفراط[21] ،كما أنّه يعتبر مقاصد الشّريعة مبنيّة على أساس العدل والمساواة بين المحكومين. لقد قرّر رشيد رضا في أكثر من موضع كون الشّريعة لا تهدف إلى مراعاة المصلحة إلاّ لأجل أنّها مبنيّة على العدل والمساواة[22]. يقول في هذا السّياق : “الشّريعة الإسلاميّة ترجع أحكامها كلّها إلى حفظ خمسة أشياء يسمّونها الكلّيات الخمس وهي حفظ الدّين وحفظ الدّم وحفظ العرض وحفظ العقل وحفظ المال وهذه الأركان مبنية فيها على أساس العدل والمساواة بين المحكومين قال تعالى “يا أيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتّقوى واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون” (المائدة 5)”[23].

ولا يبتعد الشيخ محمّد الطّاهر ابن عاشور كثيرا عن هذه الرّؤى فهو ينطلق من الأساس الأخلاقي الّذي يقوم عليه العدل بمعناه العام لينتقل إثر ذلك إلى العدل في جانبه الإجرائي. ففي المستوى الأوّل نجده يعرّف القسط في الآية “قل أمر ربّي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجد…”  ( الأعراف 29) بأنّه العدل بمعناه الأعمّ “أي الفعل الّذي هو وسط بين الإفراط والتفريط في الأشياء، وهو الفضيلة في كلّ فعل، فالله أمر بالفضائل وبما تشهد العقول السليمة أنّه صلاح محض وأنّه حسن مستقيم”[24]. أمّا في المستوى الثاني فإنّ الشّيخ ابن عاشور يركّز على الجانب العملي معرّفا العدل بأنّه إعطاء الحقّ إلى صاحبه[25]. ولمّا كان العدل بهذه القيمة الأخلاقيّة السّامية عدّه ابن عاشور “الأصل الجامع للحقوق الرّاجعة إلى الضّروريّ والحاجي من الحقوق الذّاتيّة وحقوق المعاملات”[26]. ولا يمكن المرور على هذا التّعريف دون توقّف على دلالاته الكثيفة فاعتبار العدل أصلا يدلّ على محوريّته في تفكير ابن عاشور لأنّ أصل كلّ شيء معنوي أو ماديّ هو أساسه وقاعدته. وقد تكرّر هذا المعنى لديه حين اعتبر العدل قوام صلاح المجتمع الإسلامي أي ركيزة من ركائز خروجه من مرحلة القيم السلبية والمتدهورة إلى القيم الإيجابيّة والأصيلة. يقول : “فإنّ العدل في الحكم وأداء الشهادة بالحقّ هو قوام صلاح المجتمع الإسلامي، والانحراف عن ذلك ولو قيد أنملة يجرّ إلى فساد متسلسل”[27].

أمّا اعتبار العدل أصلا جامعا فمرجعه إلى أنّ الحقوق الذّاتيّة وحقوق المعاملات تقوم عليه. وهو ما يحقّق مقاصد الشّريعة، فعلى صعيد الحقوق الذّاتيّة يتحقّق مقصد حفظ النّفس لأنّ المسلم حسب ابن عاشور مأمور بالعدل في ذاته استنادا إلى الآية الكريمة “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” (البقرة 191)، أمّا على صعيد حقوق المعاملات فإنّ مقصد حفظ الدّين يتجسّم من خلال معاملة المسلم مع خالقه بالاعتراف له بصفاته وأدائه لحقوقه. أمّا بقيّة المقاصد فهي تتحقّق من خلال المعاملة مع النّاس بدءا بالمعاشرة العائليّة ووصولا إلى المخالطة الاجتماعيّة في الأقوال والأفعال. وكلّ هذه المعاني يؤسّسها الشيخ ابن عاشور على النصوص القرآنيّة على غرار “وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى” (الأنعام 152). فهذا النصّ في نظره نصّ جامع لكلّ المعاملات بين النّاس بواسطة الكلام، وهي “الشهادة والقضاء والتعديل والتجريح والمشاورة والصّلح بين النّاس والأخبار المخبرة عن صفات الأشياء في المعاملات، من صفات المبيعات والمؤاجرات والعيوب وفي الوعود والوصايا والأيمان وكذلك المدائح والشتائم كالقذف، فكلّ ذلك داخل فيما يصدر عن القول”[28]. ولمّا كان العدل شاملا لكلّ هذه المعاملات اشترط الشيخ ابن عاشور أن لا يكون في القول شيء من الاعتداء على الحقوق.

والأمر اللاّفت للانتباه أنّ رؤية الشّيخ ابن عاشور للعدل لم تكن مقتصرة على المسلمين وإنّما اتّسعت لتشمل غيرهم من أصحاب الحضارات الأخرى، فكأنّ الشيخ ابن عاشور يوجّه بذلك رسالة حضارية إلى غير المسلمين تخبرهم أنّ الإسلام وإن أقرّ في نصّه التأسيسي العدل في المعاملات بين المسلمين فإنّه أثبت أيضا بالنصّ القرآني ضرورة العدل في معاملة الأمم الأخرى. يقول الشيخ في هذا السّياق “ومن هذا تفرّعت شعب نظام المعاملات الاجتماعيّة من آداب وحقوق وأقضية وشهادات ومعاملة مع الأمم. قال تعالى : ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى (المائدة 8). وهذا الموقف ليس غريبا من الشيخ ابن عاشور فقد عرف بمواقفه المتسامحة مع الآخر غير المسلم وباطّلاعه على ما كتبه أعلام الثقافات غير الإسلاميّة في مواضيع شتّى وخاصّة منها موضوع العدل لذلك اعتبر “أنّ العدل ممّا تواطأت على حسنه الشّرائع الإلهيّة والعقول الحكيمة وتمدح بادعاء القيام به عظماء الأمم وسجلوا تمدحهم على نقوش الهياكل”[29]. وقد أدرك الشيخ الصّلة الوطيدة التي تربط العدل بالحريّة. فانطلاقا من صلة العدل بالحقّ كتب فصلا بعنوان : “تعيين الحق” قال فيه :”وهذا مقصد مهمّ من أصول النظام الاجتماعي الّذي سنّه الإسلام للمجتمع الإسلامي، وله مزيد ارتباط بأصل الحريّة إطلاقا وتحديدا لأنّ استعمال الحريّة محوط بسياج الحقوق وتحديد الحرية مرجعه إلى مراعاة الحقوق التي تدحض الانطلاق في استعمال المرء حرّيته كما يشاء”[30].

بناء على هذا يحسّ الإنسان بحريته على قدر ما أحسّ بالعدل ومظاهره في نظر الشيخ ابن عاشور، كما يزداد تشبّثا بالحقّ كلّما تأكّد أنّه حرّ وعومل معاملة عادلة. ويبرز من خلال هذا الرّأي وعي الشيخ بمدى ارتباط القيم الإسلاميّة الكبرى بعضها ببعض بل وكيف يفسّر بعضها ويتوقّف وجود بعضها على وجود بعضها الآخر بما شكّل نظاما (Values system)[31].

قيمة حرية المعتقد

درس ممثلو الفكر الإسلامي الحديث حرية المعتقد في مستويين ، ففي مستوى أول خاص بالمسلمين وتحديدا بما ليس معلوما من الدين بالضرورة بيّن بعضهم على غرار الشيخ الطاهر ابن عاشور حرية المسلم في الانتماء إلى أي مذهب إسلامي شاء . وهذا الموقف يعدّ تحولا أو انزياحا مهما عن الموقف القديم الذي كان يلزم بالبقاء في مذهب واحد ويعتبر الانتماء إلى المذاهب غير السنية ابتداعا وهوى. يقول ابن عاشور:” وفيما عدا ما هو معلوم من الدين بالضرورة من الاعتقادات فالمسلم مخيّر في اعتقاد ما شاء منه إلاّ أنّه في مراتب الصواب والخطإ فللمسلم أن يكون سنيا سلفيا أو أشعريا ماتريديا وأن يكون معتزليا أو خارجيا أو زيديا أو إماميا ، وقواعد العلوم وصحة المناظرة تميز ما في هذه النحل من مقادير الصواب والخطإ أو الحق والباطل ، ولا نكفّر أحدا من أهل القبلة”[32]1. والظاهر أن موقف عدم تكفير المسلم لا يعود إلى أثر القيم الحديثة وإنما إلى دافع داخلي هو المحافظة على وحدة الرابطة الإسلامية[33]2.

ومن تجليات تبني الشيخ موقفا متسامحا إزاء حرية المعتقد عدم لجوئه إلى تكفير من يبطل معلوما من الدين بالضرورة [34]3.

أمّا في مستوى ثان خاص بغير المسلمين فقد كان لكثير من ممثلي الفكر الإسلامي الحديث موقف إيجابي مستلهم من النصوص القرآنية على غرار موقف الشيخ ابن عاشور ، فالإسلام في نظره لم يحمل أهل الملل على تبديل أديانهم، بل اقتنع منهم بالدخول تحت سلطانه، وبدعائهم إلى الدخول في الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن. ومعلوم أن الدخول تحت سلطان الإسلام ليس متعلقاً بالاعتقاد ولا بالعمل، ولكنه راجع إلى حفظ أمن دولة الإسلام؛ إذ الإسلام دين قرين ودولة، فكان من موجبات حفظ بقائه تأمينه من غوائل الناقمين على ظهوره، قال بعض العلماء: كان رسول ،صلى الله عليه وسلم، لا يُكره أحداً على اتّباعه فأبى المشركون إلاّ أن يقاتلوه؛ فنزل قول الله” لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ”(البقرة 256)، وقد قال الله تعالى: أذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا( الحج39) [35]1

يؤصل ابن عاشور حرية اعتقاد غير المسلم اعتمادا على ثلاث آيات ، يقول :” وأمّا حرية اعتقاد غير المسلم من أصحاب الملل الخاضعين إلى حكومة الإسلام فقد قال الله تعالى”لا إكراه في الدين” و ” فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” ( الكهف 29)  و” ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ” (النحل 125)[36]2.

قيمة السلم

لم يحدث تحول مهمّ في تأويل لفظ السّلم في الآية”يا أيّها الّذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافّة” (البقرة 208) إلاّ في العصر الحديث، ذلك أنّ التفاعل مع مقتضيات العصر حتّم العودة إلى المعنى اللّغوي الأصلي للفظ السّلم وإهمال المعنى الدّيني ،وهو معنى اقتضته اللّحظة التاريخيّة الّتي فرضت اختياره في العهود المبكّرة للإسلام. ومن أهمّ تجلّيات هذا التحوّل في الموقف التفسيري موقف الشّيخ محمد الطّاهر ابن عاشور، فقد اعتبر أنّ الآية تكملة للأحكام المتعلّقة بإصلاح أحوال العرب الّتي كانوا عليها في الجاهليّة، واستخلص بناء على هذا أنّ هذه الآية “أصل في كون السّلم أصلا للإسلام وهو رفع التّهارج كما قال الشّاطبي أي التقاتل وما يفضي إليه”[37]4. ولا شكّ عندنا في أنّ هذه القيمة الكبرى التي منحها للسلم واعتباره قاعدة وعمودا للإسلام إنما يبتغي من خلاله مخاطبة الآخر المشكّك في هذا الرأي.

قيمة الاحترام

يعتبر الاحترام تجلّيا من تجلّيات التّسامح مع الآخر المخالف دينيا. وقد وقف الشّيخ محمد الطّاهر ابن عاشور على هذا الرّأي فبحث موضوع الاحترام ضمن فصل خصّصه للتّسامح في كتابه “النظام الاجتماعي في الإسلام” بيّن فيه أنّ الإسلام لم يدع أتباعه إلى مناوأة من أعرض عن الدّخول في دين الفطرة وأنّ أسس التسامح حاصلة بوصايا الإسلام بحسن معاملة المخالفين في الدّين “ليهذّب من الإحساس الّذي ينشأ عن المخالفة حتى لا يتجاوز اعتقاد المسلم كمال حاله إلى أن يكون عدوّا وحنقا بغيضا لأهل الأديان من جهة المخالفة في الدّين”[38].

ويخبر هذا الموقف عن تغيّر جذريّ في نظرة فريق من ممثّلي الفكر الإسلامي في العصر الحديث إلى الآخر المخالف دينيا الّذي وقعت شيطنته (diabolisation) في بعض مصادر الفكر الإسلامي القديم. ويظهر مفعول التسامح حسب ابن عاشور في المواقع التي هي مظنّة ظهور ضدّه وهو التعصّب. وأقوى مظهر للتعصّب في نظره المعاملة التي تعرض عند الانفعالات الناشئة عن الاختلاف الدّيني. وفي هذا الصّدد يرى ابن عاشور أنّ القرآن أوصى المسلمين بالإغضاء عند مشاهدة مزاولة المخالفين في الدّين لرسوم أديانهم ويدعم موقفه بالآية “ولا تسبّوا الّذين يدعون من دون الله”[39] (الأنعام 108)، فشتم مقدّسات المخالفين مخالف للمقصود من البعثة وهو محاورة المخالفين بالحسنى واللّين لأنّه يؤدّي إلى إثار مشاعر المخالف ويجعله يتشبّث بعقيدته فيفضي بذلك إلى المفسدة لا إلى المصلحة. يقول الشيخ ابن عاشور : “على أنّ سبّ آلهتهم لمّا كان يحمي غيظهم ويزيد تصلّبهم قد عاد منافيا لمراد الله من الدّعوة فقد قال لرسوله (ص):” وجادلهم بالتي هي أحسن”، وقال لموسى وهارون (ع):” فقولا له قولا ليّنا” فصار السبّ عائقا من المقصود من البعثة، فتمحّض هذا السبّ للمفسدة ولم يكن مشوبا بمصلحة. وليس هذا مثل تغيير المنكر إذا خيف إفضاؤه إلى مفسدة لأنّ تغيير المنكر مصلحة بالذّات وإفضاؤه إلى المفسدة بالعرض”[40].

قيمة التسامح

استدلّ ممثلو الفكر الإسلامي الحديث بعدة نصوص قرآنية برهنوا من خلالها على أنّ للتّسامح أصولا دينيّة ومنها  “لا ينهاكم الله عن الّذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين” (الممتحنة 8)

وقد فهمت هذه الآية في الفكر الإسلامي الحديث فهما شدّد على دلالتها على التسامح، من ذلك قول الشيخ محمد الطّاهر ابن عاشور: “البرّ : حسن المعاملة والإكرام، والقسط : العدل ويؤخذ من هذه الآية جواز معاملة أهل الذمّة بالإحسان وجواز الاحتفاء بأعيادهم”[41].

والملاحظ أنّ بحث الشيخ ابن عاشور الدّائر على هذه الآية ورد عند التطرّق إلى أمر الإسلام بالتسامح في المعاملات الدنيويّة الخالصة وتحديدا في معاملات الصحابة مع المخالفين في الدّين. وقد انتصر هذا الشّيخ لفكرة تسامح الإسلام من خلال خروجه عن رأي الأغلبية من علماء أهل السنّة الّذين ذهبوا إلى أنّ الآية منسوخة . يقول في هذا السّياق : “وقد ذكر فخر الدّين الرّازي وغيره أن قول الجمهور إنّ هذه الآية باقية الحكم غير منسوخة، قلت: والصحيح إنّها غير منسوخة وقد احتجّ بها إسماعيل بن إسحاق احتجاج ما ليس بمنسوخ وهو من أعظم علماء المسلمين”[42]. لقد آثر ابن عاشور الخروج عن سلطة الجماعة والسّلف والاعتماد على سلطة عالم واحد لا لشيء إلاّ انتصارا لمبدإ تسامح الإسلام. وهو بذلك يحقّق هدفين في الوقت ذاته، فهو من جهة يلمّع صورة الإسلام ويقدّم صورة مشرقة له، وهو من جهة أخرى ينسجم مع منظومة عصره القيميّة التي تشدّد على ضرورة التسامح مع المخالف فكرا ودينا.

ولا شكّ في أنّ الشيخ ابن عاشور وإن تأثّر في موقفه هذا بآراء العلماء القدامى فإنّه تأثّر أيضا بآراء كتّاب عصره، ومنهم الكاتب التونسي محمد النخلي (ت1924)، فقد كتب مقالة صحفيّة بعنوان “سماحة الإسلام” كان مدارها على تفسير الآية الثامنة من سورة الممتحنة مؤكّدا في أثناء تفسيره هذا على أنّها محكمة غير منسوخة لأنّ الدّين الإسلامي على حدّ عبارته لا ينسخ أصول الفضائل التي منها مكارم الأخلاق. ويؤصّل رأيه هذا اعتمادا على حديث نبوي[43] هو “إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق”[44]. وقد بدا هذا الكاتب متحمّسا لرأيه حاملا على الجامدين المتعصّبين للدّين الّذين رأوا الآية معارضة بآيات أخرى لذلك اعتبر أنّه كان من الواجب أن نفتخر بمثل هذا من محاسن الإسلام وسماحة أحكامه.. وأن نظهر هذا المظهر الجميل لمتنوّري هذا الجيل حتّى يقدّروا الإسلام حقّ قدره ويستيقنوا سماحته ويسره”[45].

ومن الآيات التي اعتمدت في تأصيل التسامح في الدّين الإسلامي “وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين” (الأنبياء 107) وهي أدلّ حجّة عند الشيخ محمد الطّاهر ابن عاشور على رحمة الرسالة الإسلاميّة “ذلك أنّ الإسلام يوصي بحسن معاملة المخالفين في الدّين لتهذيب الإحساس ولئلاّ يكون المسلم عدوّا وبغيضا لأهل الأديان الأخرى”[46].

هكذا كان النص القرآني موجها لفكر الشيخ التونسي، وكانت آيات الحوار والتسامح مؤثرة على فكره دون أن يمنع ذلك تشربه بعض ما أنتجه الفكر الإنساني الحديث من مفاهيم وآراء، لذلك نجد عنده مزيجا من تأثير المرجعيتين الغربية والإسلامية في عدّة مواضع من كتاباته على غرار مفهوم التسامح، فهو في نظره ” إبداء السماحة للمخالفين للمسلمين بالدين وهو لفظ اصطلح عليه العلماء الباحثون عن الأديان من المتأخرين من أواخر القرن الماضي أخذا من الحديث ” بعثت بالحنيفية السمحة”[47].

الخاتمة

نستخلص إذن أن الإصلاح الديني عند الشيخ محمد الطاهر بن عاشور لم يكن مبحثا جزئيا أو خطابا وعظيا عابرا، وإنما كان مشروعا فكريا متكاملا يقوم على جوانب علمية واجتماعية وقيمية متكاملة. فقد انتقد ما أصاب علم أصول الفقه من جمود وتضخم في المسائل، ورأى أنّ تجاوز الأزمة لا يكون إلا بإعادة النظر في مناهج الاستدلال، وبفتح باب الاجتهاد، وبالانتقال من التركيز على الألفاظ إلى الاهتمام بمقاصد الشريعة وحِكمها.

وتجلى لنا أن الشيخ ابن عاشور لم ينفصل عن التراث الإسلامي، بل تعامل معه تعاملا نقديا واعيا استفاد من أعلامه، على غرار الشاطبي والغزالي وبعض الأصوليين، لكنه لم يكتف بتكرار آرائهم. وقد حاول أن يصوغ فهما جديدا للدين يجمع بين الوفاء للأصول والاستجابة لمقتضيات العصر، خاصة في مسائل العدل، وحرية المعتقد، والتسامح، والسلم، واحترام المخالف.

بناء على هذا تكمن قيمة ابن عاشور في كونه مثّل نموذجا للمصلح العالم: لا يرفض التراث، ولا يقدّسه دون نظر، بل يعيد قراءته في ضوء المقاصد والقيم الإنسانية الكبرى. ومن ثمّ فإنّ مشروعه الإصلاحي يظلّ راهنا اليوم، لأنه يقدّم منهجا وسطا بين الجمود والتغريب، وبين التقليد والانفلات، ويؤكد أنّ تجديد الفكر الديني يبدأ من النقد الواعي والعقلاني، وينتهي إلى بناء وعي إسلامي أكثر عدلا وحرية وإنسانية.ولعل فضل هذا الشيخ وجيله أنه مهد للأجيال اللاحقة الظروف التي يسرت مواصلة مسلك الاجتهاد والجرأة الفكرية المستجيبة لمقتضيات الواقع المتغير المتسارع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قائمة المصادر والمراجع:

أولا: المصادر الأساسية

  • القرآن الكريم.
  • ابن عاشور، محمد الطاهر، أليس الصبح بقريب، تونس/القاهرة: دار سحنون ودار السلام، طبعة 2006.
  • ابن عاشور، محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر، 1984.
  • ابن عاشور، محمد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق ودراسة: محمد الطاهر الميساوي، كوالالمبور: دار الفجر؛ عمّان: دار النفائس، الطبعة الأولى، 1999.
  • ابن عاشور، محمد الطاهر، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، تونس/القاهرة: دار سحنون ودار السلام، طبعة 2006.
  • ابن عاشور، محمد الطاهر، فتاوى الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور، جمع وتحقيق: محمد بوزغيبة، تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2011.
  • ابن عاشور، محمد الطاهر، «أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة»، مجلة الهداية الإسلامية، المجلد السادس، الجزءان التاسع والعاشر، ربيع الأول وربيع الثاني 1353هـ.

ثانيا: المراجع والدراسات

  • ابن عاشور، محمد الفاضل، محاضرات، اعتنى بها: كمال الدين جعيط، تونس/القاهرة: دار سحنون ودار السلام، طبعة 2020.
  • برهاني، منوبة، الفكر المقاصدي عند محمد رشيد رضا، بيروت: دار ابن حزم، الطبعة الأولى، 2010.
  • ذويب، حمادي، «مواقف العلماء المسلمين من العامة في القرن الخامس الهجري»، ضمن كتاب: ندوة المسلم في التاريخ، مؤسّسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، الدار البيضاء،1999.
  • عبده، محمد، الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، تحقيق وتقديم: محمد عمارة، بيروت/القاهرة: دار الشروق، الطبعة الأولى، 1414هـ/1993م.
  • رضا، محمد رشيد، مجلة المنار، القاهرة: مطبعة المنار، المجلد الرابع، الأجزاء المذكورة في الهوامش.
  • ملكـاوي، فتحي حسن، الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور وقضايا الإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي، فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 2011.
  • النخلي، محمد، «سماحة الإسلام»، جريدة الحاضرة، العدد 899، 17 جمادى الأولى 1324هـ/10 يوليو 1906.
  • الوزير، أحمد بن محمد بن علي، المصفى في أصول الفقه، بيروت/دمشق: دار الفكر المعاصر ودار الفكر، الطبعة الأولى، 1417هـ/1996م.

[1] محمد عبده، «الانتقاد»، الأعمال الكاملة، ج 2، ص 162.

[2] محمد الطاهر بن عاشور، أليس الصبح بقريب، ص 177.

[3] محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 6.

[4] المصدر نفسه ، ص 6-7.

[5] المصدر نفسه، ص 15.

[6] محمد الفاضل بن عاشور، محاضرات، ص 346.

[7] محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج 1، ص 13.

[8] المصدر نفسه ، ج 1، ص 54.

[9] المصدر نفسه ، ج 2، ص 438.

[10] المصدر نفسه، ج 2، ص 438.

[11] انظر: حمادي ذويب،«مواقف العلماء المسلمين من العامّة في القرن 5 هـ»، ضمن كتاب ندوة المسلم في التاريخ، ص 122-123.

[12] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 2، ص 438.

[13] المصدر نفسه، ج 2، ص 438.

[14] المصدر نفسه، ج 4، ص 806.

[15] المصدر نفسه ، ج 5، ص 1027.

[16] المصدر نفسه، ج 5، ص 1027.

[17] أحمد بن علي الوزير (ت 1372هـ)، المصفّى في أصول الفقه، ص 390.

[18] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 2، ص 417.

[19] المصدر نفسه ، ج 2، ص 20.

[20] فتاوى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الفتوى رقم 90، «مسألة تعدّد الزوجات»، ص 364-365.

[21] محمد رشيد رضا، مجلة المنار، المجلد 4، الجزء 11، ص 411.

[22] منوبة برهاني، الفكر المقاصدي عند محمد رشيد رضا، ط 1، بيروت، دار ابن حزم، 2010، ص 186.

[23] محمد رشيد رضا، مجلة المنار، المجلد 4، الجزء 19، ص 737.

[24] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 8، ص 86.

[25] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 14، ص 254.

[26] المصدر نفسه، ج 14، ص 254.

[27] المصدر نفسه، ج 5، ص 224.

[28] المصدر نفسه ، ج 8، ص 166.

[29] ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص 174-175.

[30] المصدر نفسه ، ص 167.

[31] راجِع: فتحي حسن ملكاوي، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وقضايا الإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي، ط 1، فرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2011، ص 597.

[32] ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص 161.

[33] انظر قوله: «وقد ورد التحذير الشديد من أن يكفّر بعض المسلمين بعضهم بعضا لأن تكفير بعضهم بعضا تسبب في إخراج جزء من الجامعة الإسلامية عنها فيفضي ذلك إلى تفتت الجامعة بأيدي أهلها»، المصدر نفسه، ص 161.

[34] يقول ابن عاشور: «فإذا كان من بعض النحل المحدثة ما يستلزم ويجر إلى إبطال معلوم من الدين بالضرورة فترجع إلى المؤاخذة بلازم الرأي وتعرف عند الفقهاء بالتفكير باللازم وتلك حالة للنظر فيها مجال وتفصيلها يستطال»، المصدر نفسه، ص 162.

[35] محمد الطاهر بن عاشور، «أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة»، مجلة الهداية الإسلامية، الجزءان التاسع والعاشر، المجلد السادس، ربيع الأول وربيع الثاني 1353هـ.

[36] ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص 162.

[37] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 1، ص 275.

[38] ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص 217.

[39] المصدر نفسه، ص 218.

[40] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 7، ص 431.

[41] المصدر نفسه، ج 29، ص 153.

[42] ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص 218.

[43] راجع مقالته الصادرة بجريدة الحاضرة، العدد 899، 17 جمادى الأولى 1324هـ / 10 يوليو 1906.

[44] رواه أبو هريرة مرفوعا، وهو حديث حسن، وقد رواه أحمد ومالك والبخاري في الأدب المفرد. انظر: المسند، ج 17، ص 80، رقم 8939، تكملة شاكر.

[45] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[46] ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص 230.

[47] المصدر نفسه، ص 213.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete