الإصلاح الديني مِن سِحْر المفهوم إلى مأزِق الواقع: مَن يملِكُ حقَّ التوقيع باسم الدين؟

 تكوين
  • كلمةٌ مُفرِطة في البشاشة ولكِنْ…

الإصلاح كلمةٌ مُفرِطة في البشاشة، ولكنْ تكلُفتُها كبيرة جدًّا خاصَّة في مجتمعاتنا التي تجعل من الانغلاق والتقوْقُع الثقافي والفِكر الهويَّاتي ميزةً وعنواناً على التفرُّد والتميُّز، في الوقت الذي صار فيه الإنسان فردًا ضِمن مجتمعٍ دعا إليه كارل بوبر Karl Popper وسمّاه بالمجتمع المفتوح ضِمن كتابٍ له أطلَق عليه العنوان نفسَه:” المجتمَعُ المفتوح وأعداؤُه “[1]. وبما أنّنا في مجتمع ننشُدُ أنْ يكون مفتوحاً، فلا بدَّ من أنْ نتعرَّف أوّلا على طبيعة هذا المجتمع الذي نطمحُ إليه لمجابَهة هذا الشكل من التخندُق الإيديولوجي، والعُسر الفكري، والانحدار القِيمي الذي أوصلتْنا إليه أنماط من التدين المُوحِش والموغل في التطرُّف الذي نعيشه جميعا. ولكي نعرِف طبيعة هذا المجتمع المُقترَح، يلزمُنا أن نفهَم الصورة التي يريد أيضاً أنْ ينقُلها إلينا كارل بوبر من خلال كتابه السابق.

يؤكد إيدغار فور Edgar FAURE في مقال له بعنوان:” فلسفة كارل بوبر والمُجتمع السياسي المنفتح “ على أنَّ المجتمع المفتوح هو ذلك الذي يُدار وِفق مبادئ العقلانية بعيدًا عن الدُّوغمائية، والأسطورة وكلّ أشكال الخرافة. ويمكِنُ تسميته مجتمعُ الانفتاح لأنَّه يكشِف عن غايته ومنهجه، كما يكشِف وينْفي أنْ يكون حالةً وصفيةً عابِرة. هذا المجتمَع المفتوح يقوم على الاعتراف الكامل بحقوق الإنسانْ بكلِّ أجيالها الثلاثة، كما أنَّه مجتمَعٌ مساواتي في الحقوق لا في التّوحيد والتّسوية التي قد تُهدِّد الحرية. ناهيك عن أنَّه مجتمعٌ تحرري يُقرّ بالقوة الخلَّاقة للنّقد ويشترِط إجراءات التغيير السِّلْمي، مع التّأكيد على أنَّ حرية النَّقد تشمَلُ حرية عدم النَّقد، ورفْضِ الإكراه حتى باسم القرار الأغْلبي. كما يتميَّز هذا المجتمَعُ بأسلوبه التجريبي المستوحَى من المنهج العلمي، مع فارِقٍ جوهري هو أنَّ الخطأ في شؤون الحُكم لا يُصحَّح بسهولةٍ وقد يكون لا رِجعة فيه. ومن هنا أوْلويةُ الإصلاح التَّدريجي على الثورة الشاملة، فالتقدُّم الحثيث والمتأنِّي له ميزةٌ أنه لا يتراجع أبداً، وأنه يكتسِبُ بعْد مرحلة معيّنة تسارُعاً متصاعِداً.[2]

وبما أنَّنا في سياق البحث عن فكرة الإصلاح، وعن إمكانيته داخل مجتمعاتنا العربية الإسلامية، فإنَّ ذلك يمنحُنا الحقَّ أنْ نتساءل عن نوعية المُجتمعات التي ننشُد فيها الإصلاح والتغيير نحو الأفضل، فإذا كان كارل بوبر قد سمى كتابه ب “المجتمع المفتوح وأعداؤه“، فنحن أيضأ نُقرُّ بأن لدينا أعداءً للفكرة الإصلاحية، ولشكْل المجتمَع المفتوح الذي نريدُه ونسعى إليه، وربّما هذه هي نقطةُ التقاء هذا البحث، مع ما سبَق وأنْ أشرنا إليه من فلسفة كارل بوبر. ولعلَّ أشدَّ الأعداء للفكرة الإصلاحية تلك التَّيارات والمذاهب والإيديولوجيات الماضوية، أو لنقُلْ الاتِّجاهات الأصولية التي تسعَى إلى تأبيدِ نوْعٍ من التَّفكير الدِّيني، وشكْلٍ من التّأويل الثَّقافي للظَّاهرة الدِّينية بمُسمَيَّات يصعُبُ فيها إيجاد فوارقَ بين الدّين والفِكر، وبين المُقدَّس والمدنَّس، وبين الإلهي والتاريخي، فيصير كلُّ حديثٍ عن الإصلاح مجرَّد عناوين للاستهلاك الذَّاتي، والتَّرويج الإعلامي، وربما لخِداع الجماهير حين يتحوَّل فعْل التجديد الديني، أو الإصلاح الديني إلى آلياتٍ لإعادة إنتاج الفكر الديني ومحاوَلةِ مُواءمته مع واقعٍ لم يعُد يستسيغ مثل هذه الاجتهادات، والافتراضات، والحلول. ولعلَّ تعريفَهُم للتّجديد الديني يؤكِّد ما ذهبْنا إليه من حجْم المأزق الفكري الذي نعيشُه.

فما التجديد الديني؟

التّجديد الدِّيني حسَب التصوُّرات الأصولية هو:

“إحياءُ ما انطمَس واندَرس من معالم السُّنن ونشْرِها بين الناس، وحمْل النَّاس على العمل بها”.

قال العلقمي معنى التَّجديد:

إحياء ما اندرس من العمل من الكتاب والسنة والأمْرُ بمقتضاهما. ويضاف إلى هذا التعريف:” قمْعُ البِدع والمُحدَثات، وتعريةُ أهلها وإعلانُ الحرب عليهم، وتنقيةُ الإسلام مما علق عليه من أوضارِ الجاهلية، والعودةِ به إلى ما كان عليه زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابتُه الكرام “.[3]

إنّنا بإزَّاء واقعٍ ديني يرى في التَّجديد مجرّد محاولةٍ لإعادة البِناء من جديد لما تمَّ تأسيسُه سابِقا، وكأنَّنا أمام واقعٍ تخيُّلي لا يعْدو فيه أن يكون التّجديد أو الإصلاح الدِّيني مجرَّد أدواتٍ للبحث عن النُّقطة المفقودة في التاريخ الإسلامي، ومنْ هنا يحمِل هذا النّمط من التعريفات والمفاهيم نوْعًا من الإشكال المعرفي الذي وجَب توضيحه، ونحنُ في سياق نقْدِ الفكر الإصلاحي، خاصّةً لدى الأصوليات الدينية المُعاصرة. ولعلَّ أهمَّ الإشكاليات التي يحمِلها هذا النوع من التفكير نجد:

  • أولاً: افتراض أصل مزعوم: يشير التَّعريف إلى أنَّ التجديد يعني إعادة إحياءِ أو إنتاج ما اندرس واختفى من الدِّين، وبالتَّالي فإنهم يفترضون مُسبَقاً وجود أصْلٍ نقيّ، ونقطةٍ مرجعية محدَّدة بشكْلٍ مسبَق، وهذا الأصل يُمكِن العودة إليه من خلال آليات التَّجديد التي يضعُونها ويُؤصِّلون لها. لكنْ السّؤال الجوهري هنا هو: أي أصْلٍ يقصِدون؟ لأنَّه حينما نقرأ التاريخ الإسلامي، وتاريخ فِرقِه ومذاهِبه، منذ لحظةِ التّأسيس الأول، مروراً بالمراحل التّاليةِ لعصْر النبوَّة، نجِد هناك تنوُّعاً على مستوى الفهْم والتأويل والتفسير حتى بين المُعاصِرين لفترة النبوّة. فإذا كان الأصْل غيْرَ محدَّدٍ ومتنازعاً عليه منذ البداية، فكيف يدّعي أحدٌ امتلاكه والعودة إليه؟ والحقيقة أن ما يسمُّونهُ “الأصْل” ليس سوى تأويلٍ تاريخيٍ بشري معيَّن اختارَه هؤلاء من بين تأويلاتٍ متعدِّدة، ثم قدّسوهُ ورفعوه فوْق مستوى النقد.
  • ثانياً: الخطأ في مفهوم البدعة: هناك نوعٌ من الخلْط المنهجي في مُقارَبة هؤلاء لمفهوم البدعة، حيث تمَّ التوسُّع في تعريفها إلى الحد الذي صار فيه كل جديد مُخالِفًا للدين، ولعل ما كتبَه الشاطبي في تعريف البِدعة يبين أنّها تلك الطريقة المُخترَعة في الدين، التي لم يسبِق إليها أحد، ويُراد بسلوكِها المُبالَغة في التعبُّد لله. وهو يستنِد في ذلك إلى الأصل اللغوي للكلمة، إذ البِدع في لسان العرب هو الاختراعُ من غير مثالٍ سابقٍ، كما في قوله تعالى “بديعُ السّماوات والأرض” البقرة 117، أي مخترعُهما على غيْر مِثال متقدِّم. وما يميز تعريف الشّاطبي أنَّه لا يكتفي بالبُعْد اللغوي، بل يُضيف إليه شرْطاً جوهرياً: أن يكون العمل مِمّا لا دليل له في الشَّرع، فإنْ وُجِد له دليل خرَج عن دائرة البدعة المذمومة. وبهذا يضع الشاطبي ضابطاً منهجياً دقيقاً يُفرِّق به بين ما هو مُحدَث في صورته ومستنِدٌ في جوهره إلى أصلٍ شرعي، وبين ما هو مخترَعٌ من كلِّ وجْهٍ لا سنَدَ له ولا مثال.[4]

كما أنهم يستشهِدون بالحديث المشهور:

“أما بعدُ فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ ، وإنَّ أفضلَ الهديِ هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ ” [5].

هذا الخلْطُ المنهجي ناتجٌ عن توظيف مُغرِضٍ لمفهوم البدعة، وحساسيةٍ مُفرِطةٍ من كل تأويل أو فهْمٍ خارج الأطرِ المتوافَق عليها. أيْ أنّ هذا الربْط يقوم على ثنائيةٍ صارمة بين الأصيل والمُحدَث، لكنْ هذه الثنائية تنهار أمام التَّحليل الدقيق لأسباب عدّة. فكثيرٌ ممّا نعدّه اليوم من صميم الدّين كان في يومٍ ما مُحدَثاً أو بدعةً بتعبير الفكْر الأصولي؛ فجمْعُ القرآن في مُصحفٍ واحدٍ كان بدعةً بالمعنى اللغوي، وكذلك تدوينُ الحديث وبِناء المدارس وتصنيف علوم الفقه. فضْلاً عن ذلك فإنَّ مفهوم البدعة غالباً ما يُستخدم أداةً للإقصاء لا للتّصحيح، إذ يُحوِّل الخلاف الفقهي والفكري المشروع إلى انحرافٍ ديني يستوجِب الإدانة. وهكذا يتحوَّل النّقاش من مستوى الحجَّة والدليل إلى مستوى الاتِّهام والتّبديع.

  • ثالثاً: أزمة المنهَج لا أزمة المضمون: حينما نستحضِر التعريف السابِق، وهو نتاجُ عقليةٍ ماضوية تحاوِلُ استعادة الماضي، وقلْبَ التاريخ بما يخدُم إيديولوجيتها، نرى بأنَّ المشكِلة الحقيقية في هذا ليسَت فيما يقولُه هؤلاء الفقهاء والأصوليون، بل في طريقة تفكِيرهم. إذ أنَّه يُفترَض أنَّ الحقيقة الدينية قد ترسَّختْ وتجسَّدتْ في شكلِها المُطلق في العصور الثلاثة بالتَّحديد، وبأنّ مُهمَّة العقْل الإسلامي هي استرجاعُها لا إنتاجُها. وقد تمَّ الاعتماد في ذلك على مجموعةٍ من الرِّوايات أهمُّها ما رواه الشّيخان:” خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ – قالَ عِمْرانُ: لا أدْرِي: ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ – ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، يَنْذِرُونَ ولا يَفُونَ، ويَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، ويَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ “.[6]

وعلى فرض صِحَّة هذا الحديث وغيرُه، فهو يتحدَّث عن الخيْريةِ بمعنًى أخلاقي وإيماني مرتبِطٍ بالقُربِ من النبوَّة والتلقي المباشِر للوحي، لا بمعنًى معرفيٍ أو حضاريٍ شامل. فطبيعي أنّ الصحابة بحُكْم مرافقتِهم للنبي، ومعاصَرَتهم للوحي كانوا أفضَل النّاس إيماناً وصُحبةً، لكنْ هذا لا يعني بالضرورة أنَّ اجتهاداتِهم الفقهية والسياسية والاجتماعية خارج إطار النَّقدِ والمُساءلة. على أساس أنَّ الصحابةَ أنفُسَهم اختلفوا فيما بينهم اختلافاتٍ جوهرية في مسائل عديدة، بل وصَلَ الأمرُ إلى الاقتتال في الفتنة الكبْرى. فأيُّ القرن الأوَّل نعودُ إليه؟ قرنُ أبي بكر أمْ عُمَر أم عثمان أم علي؟ وهم جميعاً من القرن ذاته ومختلِفون في كثير من المسائل. إضافةً إلى ذلك فقرْنُ الصحابة الذي تشير إليه الرِّواية السياسية السابقة، قد شهِدَ أعنَف الصّراعات السياسيةِ في تاريخ الإسلام، كمعركة الجَمَل، ومعركة صِفِّينْ، واغتيال عثمان ومقتَلِ الحُسين، وهي وقائعُ تفنِّدُ كلّ الرواية السابقة، وتؤسِّس للعقْلنة في التّعامُل مع الماضي والسَّلف والتاريخ.

ولعلَّ أخطرَ ما توَظِّفهُ الرواية السابقة، هو الخلْط بين مستوييْن مختلفيْن تماماً؛ المستوى الأول: هو ما قلْنا عنه في البداية أيْ التفضيل الإيماني والأخلاقي، فهذا هو الرّاجح على افتراض أن الرواية منْ أساسِها صحيحة. أما المستوى الثاني: فهو السُّلطة المعرفية والفقهية والحضارية الشّاملة للصحابة باعتبارهم كائناتٍ متجاوِزةٍ لشروط إنتاج الفكر، وهو ما يُضاف إلى الحديث من خارِجِه. وبالتالي فحين يُستخدَم هذا الحديث مُسوِّغاً لإضفاء طابع الإطلاق على مرحلةٍ زمنيةٍ من تاريخ الإسلام، وإضفاء طابَع التَّجاوُز على أشخاصٍ وكائناتٍ إنسانية تخضَعُ للمنطقِ البشري في إنتاج الفكْر والثقافة والسِّياسة، فإنَّ ذلك يضعُنا أمام إشكالية عويصة، تُفضي بنا إلى الإقرار بأنَّ كلَّ ما أُنتِج من فكْرٍ وثقافةٍ خلال الأربَعِ مائة سنة التي تلَتْ عصرَ النبوة من تراكُمات إنسانية، وخبراتٍ إنسانية، واجتهاداتٍ معرفية لا قيمة لها في ميزان هذا الحديث. وهذا يعني بالمنطق نفسِه الذي يتوَسَّلُ به الأصوليون إلى إلغاء الفقه الكلاسيكي نفسِه الذي تشكّل في القرون اللاحقة، والفلسفة الإسلامية، وعلم الكلام، والتصوُّف، وعلوم اللغة، وكل ما أنتجَتْهُ الحضارة الإسلامية عبْرَ قرون طويلة. والمُفارَقة أنَّ كثيراً ممَّنْ يُوَظفونَ هذا الحديث يتمسَّكون في الوقت ذاته بمذاهب فقهية تشكّلَتْ في القرن الثاني والثالث الهجري، أيْ بعد انتهاء القرون المفضّلة.[7]

  • رابعاً: التَّناقُض الدَّاخلي: بالعوْدة إلى التّعريف السّابق الذي انطلقْنا منه في قراءة تناقُضات مفهوم التَّجديد وخلفياتِه السّياسية والدّينية، نُؤكِّد على أنّ هذا التّعريف يقَعُ في تناقُضٍ صارِخ حين يدّعي بأنّ الدّين كامِلٌ ومُكتمِلٌ لا ينقُصُه شيءٌ من جهة، اعتمادا على هذه الآية:” “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ” المائدة 3، ومن جهةٍ أخرى يقول إنّ هناك ما اندرَس ويحتاجُ إلى إحياء. فإذا كان الدِّين محفُوظاً في النصّ، فماذا اندرس؟ وإذا كان ثمَّةَ ما اندَرس فعْلاً، فهذا يعني أنَّ الحِفظ لم يكُنْ تامّاً، وهو ما يفتَحُ باباً واسعاً للتساؤُل حوْل طبيعة هذا الحِفظ وحدودِه.
  • خامساً: التَّجديدُ الحقيقي ومتطلَّباتِه: لا يُمكِنُ أنْ يكونَ التَّجديدُ إعادةَ إحياء، ولا الإصلاح إعادة بِناء، لأنَّ التَّجديد كما نتصوَّره هو إعادةُ التَّفكير في العلاقة بين النصِّ والواقع والتَّاريخ، أيْ هو إعادةُ بِناءِ العلاقة بين الإنسان والنصِّ، من خلال فتْحِ مجالِ التَّأويل والتّفسير والفهْم. وهذا يستلزِم الإقرارُ بأنَّ كلَّ قراءةٍ للنصِّ هي اجتهادٌ بشريٌ بمحدِّداتٍ إنسانيةٍ وشروطِ إنتاجِ معيَّنة. كما تفترضُ التّمييزُ بين القِيم الكبْرى التي أسَّسها الدين، وسعى إلى ترسيخِها في المجتمَع الأوّل، ونشرِها بين الإنسانية جمعاء كالكرامة والمساواة، وبين الصِّيغِ الجزئيةِ التي تجسَّدتْ فيها هذه القيَم في سياقاتٍ تاريخيةٍ بعيْنِها. فالأولى ثابتةٌ والثانية قابِلةٌ للتطوُّر والتجدُّد.

ما الإصْلاح؟

لا بُدَّ ونحن نتناوَل لفظة الإصلاح من أنْ نُشير إلى أمرٍ في غاية الأهمية، وهو أنَّ بعض المفاهيم التي نتداولُها في سياقاتِنا الدِّينيةِ والثَّقافيةِ بشكْلٍ عام قد تحمِلُ في الكثير من الأحيان عكْسَ ما يُروِّجُه البعض لها، وهو أمرٌ في غاية الخطورة والتَّمويه والتّضليل، حينما يكتشِف الإنسانُ بأنَّ المفاهيم واللّغة بشكْلٍ عام، ليسَتْ مُحايِدةٍ أو بريئةٍ أو مُتجاوِزةٍ لشروط إنتاجها وتوظيفها. هذا الأمْرُ يمكِنُ أنْ يشَكِّل بالنّسبةِ لنا لحظةً مُحرِجةٍ يمُرُّ بها كل من يحاول أنْ يجعل من اللُّغة شيئًا مُحايِدا أو بريئا، وهي تلك اللحظة التي يكتشِف فيها أنَّ الكلمات التي يستخدِمُها للتّعبير عن أفكاره قد تكون في الوقت ذاتِه كلماتٍ مضلِّلة ومُموِّهة، وأنّ المفاهيم التي يسعى إلى بلوَرَتها أو النّضال من أجلها هي في نهاية المطاف شعاراتٌ تسقُط عند أوّل امتحان. وهذه اللّحظة بالتّحديد ما جعَل الفلسفة التّفكيكية عند جاكْ دريدا تحظى باهتمام كبيرٍ من فئاتٍ واسعة من الباحثين والمُفكِّرين والكُتَّاب، على أساس أنَّها لا تهاجِم هذا المفهوم، أو ذاك، بل تهاجِمُ فكرة أنّ المفاهيم تشيرُ أصْلاً إلى حقائق ثابتة.

ولعلَّ ما أشار إليه علي حرْب في كِتابيْه ” هكذا أقرأ ما بعْد التّفكيك ” و ” نقْدُ النصّ “ يفيدُنا في هذا الصَّدد، إذ يؤكِّد على طبيعةِ المعنى وعلاقتِه بالقراءة؛ حيث لا يوجَدُ نصٌّ يحمِلُ معْنى واحداً مكتملاً وجاهزاً، بل كلُّ نصٍّ مفتوحٍ بطبيعتِه على إمكاناتٍ تأويليةٍ متعدِّدةٍ تتبايَنُ بتبايُنِ السّياقات والأغراض. فالقراءة تتدرَّجُ من الشرح الذي يوَضِّح المعنى الظاهر، إلى التّفسير الذي يُنظّم دلالاته، إلى التأويل الذي يتجاوَزُ قصْدَ المُؤلِّف ويستثمِرُ ما يختزِنُه النصّ من طاقاتٍ كامنة، وصولاً إلى التفكيك الذي يستهدِفُ البِنى والآليات التي أنتجَتْ المعنى ذاتِه وتحكّمَتْ في تداوُله[8]. غيْر أنَّ التفكيك كما يؤكِّدُ علي حرْب ليس هدْماً خالصاً بل هو شرط لإعادة البناء، لأنّنا محكومون بالمعنى ولا نستطيع التفكير خارجه. وما يميِّز التّفكيك حقّاً هو قدرتُه على كشْف الحُجُب الذي يمارسُه الخطاب؛ فالخطابُ لا يكتفي بحجْبِ ما يتكلَّم عنه بل يحجُبُ ذاتَه أيضاً. فحين يوظّف الخطاب الأصولي آية “إن الحُكْمُ إلا لله” دليلاً على أنّ الدّولة تُدار من السماء، فهو يخفي في الوقت ذاته البُعد البشري للسلطة، ويستتِر وراء المُقدَّس ليمارس هيمنته على المتلقِّي. وهذا النمط لا يقتصر على الخطاب الديني بل يسري على كلِّ خطابٍ يدّعي الدفاع عن الحقيقة أو الحرية أو التحرُّر، إذ يُخفي في طيَّاته رغبة في السُّلطة وتثبيت المرجعية.[9] ومن هنا تتجلى قيمة التّفكيكية؛ فهي تكشِفُ أنَّ ما يبدو بديهياً أو مُقدَّساً أو ثابتاً ليس في الحقيقة إلا تراكُماً تاريخياً وثقافياً يتخفَّى وراء لَبُوس القداسة، وهو بالتالي قابِل دائماً للمُساءَلة وإعادة القراءة.

ولكي نفهَمَ عُمْق هذه الفلسفة وأهمِّيتها لا بدَّ أيضًا من التعرُّف على هذه الفلسفة باختصارٍ شديد، فالبداية الحقيقية لهذه المشكلة ليسَتْ عند دريدا بل عند دي سوسير، ذلك اللّغوي السويسري الذي فجَّر قنبلته الصَّامتة حين قال إنَّ العلاقة بين الدال والمدلول علاقةً اعتباطيةً لا علاقة ضرورية. بمعنى أن كلمة “شجرة” لا تشيرُ إلى الشجرة الحقيقية بحُكْم طبيعتها بل بحُكْم اتّفاقٍ جماعي متوارَث، ولو اتَّفق الناس على تسمية الشجرة “حجراً” لكان الأمر كذلك. هذا الاكتشاف البسيط في ظاهِره يحمِل في طيّاته زلزالاً فلسفياً عميقاً، لأنَّه يعني أنَّ اللغة لا تعكِس الواقع بل تبنِّيه، وأنَّ المفاهيم ليسَتْ نوافذ شفَّافة ننظُر من خلالها إلى الأشياء، بلْ هي أدواتٌ مُلوَّنة تُصبِغ ما نراه بألوانها. ثمَّةَ سؤالٌ بسيطٌ في ظاهِرِه عميقٌ في جوهره، طالَما أرَّقَ الفلاسفة وأقَضَّ مضاجعهم: هل تستطيع الكلمة أن تقول ما تعنيه؟ وهل حين نتحدَّث عن الحقيقة نكُون فعْلاً نتحدَّث عنها، أم أنَّنا نتحدَّث عن صورةٍ من صُوَر وهمِنا بها؟ هذا السُّؤال هو الذي يقِف في قلْبِ ما عُرف بالتّفكيكية، تلك الحركة الفلسفية التي فجّرها جاك دريدا عام 1967، في ثلاثةِ كتُبٍ صدَرَتْ دُفعةً واحدةً، وقلبَتْ مَجرى التفكير الفلسفي والنّقدي في النصف الثاني من القرن العشرين[10].

هذا المشروع التّفكيكي الذي قادَه دريدا وغيرُه من الفلاسفة ينبني على مجموعة من القواعد التي أسَّسَت هذا النّمط الفلسفي، والتي أشار إلى بعضها أوليفييه أسولي في كتابه عن الفيلسوف الفرنسي الأشهر جاك دريدا، حيث افتتح الفصل الأوّل من كتابه بالحديث عن ميتافيزيقا الحُضور، وأكَّد فيه أنَّ جاك دريدا اختار أن يدخُل إلى تاريخ الفلسفة، من باب الظّاهراتية الهوسرلية[11] التي كانت تُهيمِن على المشهَد الفلسفي الفرنسي في مطلَع الستينيات. فقد كتَب دريدا مقدِّمة مُطوَّلة لترجمته لكتاب هوسْرل “أصل الهندسة” عام 1962، وما بدأ عمَلاً أكاديمياً كلاسيكياً سرعان ما تحوَّل إلى أوّل طعنةٍ في جسَد الميتافيزيقا الغربية. أدرك هوسرل أهميّة الكتابة في بِناءِ الموضوعات المثالية كالرياضيات؛ فالهندسة لا تنتقل عبْر الأجيال والمسافات إلا بفضْل الكتابة التي تمنحُها وجوداً دائماً مستقِلاً عن أيّ وعْيٍ بعيْنه. فالعلامة المكتوبة تحرِّر المعنى من قيود الزمان والمكان وتجعلُه قابِلاً للتكرار إلى ما لا نهاية. لكنْ دريدا يرى أنّ هوسْرل لم يذهب حتى نهاية هذا الاكتشاف؛ إذ لم يدْرِك أنّ الكتابة التي منحَها هذه الأهمية كانت تحمِل في طيَّاتها تهديداً عميقاً لمشروعِه الفلسفي برمَّته، وذلك بسببِ ما يسمِّيه أسولي “افتراضاً ميتافيزيقياً قوياً وصامتاً” يسكُنُ الظّاهراتية ويوَجِّهُها دون أنْ تعِي ذلك. فهوسْرل في نهاية المطافِ يعُود ليجعل الكتابة تابِعةً للصّوت، مؤكِّداً أنَّ دلالتها تظلُّ رهينةً بإمكانية إعادةِ تفعيلها في وعيِ قارئٍ ما. فالكتابة دُون وعي يُحييها تبقى حرفاً ميِّتاً، وهذا يعني أنَّ الكتابة ليسَتْ مستقلةً بل هي مشتقةٌ من الكلام الحي. وبذلك يبقى هوسرل داخل المنطِق الذي جاء ليتجاوزه.

وفي موضوع الهويّة والتّكرار يتوقَّف دريدا أمام معضلةٍ دقيقة في صميم المشروع الهوسرلي؛ فلكي تكون الموضوعات المثالية موضوعية فعْلاً يجب أنْ تكون قادرة على التّكرار المتطابِق في وعْيِ كلّ من يتلقاها. لكن هذا التِّكرار يشترِط أنْ يكُون المعنى “موجوداً دائماً وبالفعل” قبْل أن يظهَر لأيّ وعيٍ بعينه. والمُفارَقة هي أنّ هذا الوجود المُسبَق لا يتحقَّق إلا عبْر الكتابة، في حين أنّ الكتابة ذاتُها تنطوي على إمكانية الغياب والانفصال عن أيّ أصْلٍ حيّ. فالكتابة تمنحُ المعنى خلودَه، لكنّها في الوقت ذاته تفصِله عن مصدرِه، وتجعلُه عرضةً لكلِّ القراءات والتّأويلات. هنا يصِل دريدا إلى لبِّ مشكلتِه مع الفلسفة الغربية. فهوسْرل في “الصّوت والظاهرة” يُقِيمُ تمييزاً جوهرياً بين الكلام والكتابة لصالح الأول، والسبب يبدو للوهلة الأولى بسيطاً: حين أتكلم أسمع نفسي في اللّحظة ذاتها، مما يخلُق ما يسمِّيه هوسرل “التأثُّر الذاتي” أيْ أنّ الوعي يؤثِّر في نفسه ويُحسُّ بنفسِه مباشرةً دون وساطة خارجية. فالصّوتُ لا يخرُج الذات من نفسِها كما تفعَلُ حاسّة الذّوق التي تحتاجُ إلى شيء خارجي، بل هو أداة الوعي في التواصُل مع ذاته في نقاءٍ تامّ.

أمّا الكتابة فهي العكس تماماً؛ إنها أثرٌ مادي منفصلٌ عن الوعي الذي أنتجَه، معروض في الفضاء الخارجي، عرضةً للغياب والموت والتحريف. ولهذا يُعْلي هوسرل من شأن الصوت ويُهمَّش الكتابة، وهو بذلك يلتحِقُ وِفْق دريدا بتقليدٍ طويلٍ في تاريخ الفلسفة الغربية يسمِّيه “المركزية الصوتية”، أيْ الاعتقاد بأنَّ الصوْت هو الحامل الأمين للمعنى والحقيقة والحضور. لكن دريدا يرى في هذا التّمييز وهماً؛ فحتى الصوت الداخلي يعمل وِفق منطق العلامة، أي منطق الاختلاف والإحالة والأثر. وما يسمِّيه هوسرل “الحضور الفوري للوعي لذاته” ليس حضوراً حقيقياً بل هو وهْمُ الحضور الذي تُنتِجه بِنية اللغة ذاتها. وبذلك تكون الكتابة لا استثناءً من قاعدة الحضور، بل الكاشف عن هشاشة هذه القاعدة أصلاً.[12]

  • الإصلاح في الإسلام: بين دلالة القرآن وأسْرِ التاريخ

سبق وأنْ أكَّدْنا بأنّ المفاهيم جزءٌ من الأزمة التي يعيشها العقل المسلم اليوم، لأنّ من خلالها يتشكَّل الوعي، وعبْرها يحدُثُ التغيير أو يستدام الحال على ما هو عليه. ولعلّ مفهوم الإصلاح الدّيني أو التّجديد الديني من المفاهيم الإشكالية في واقعنا المعاصر، حيث تجِد الكلُّ يطالِبُ به، وفي الوقت نفسه الكلُّ يقفُ خصْمًا له، مستندين إلى قناعات فكرية ترى بأنَّ الدّين كاملٌ، لا يحتاج إلى إصلاح، وأنَّ التجديد الديني ما هو إلا عملية ترميم أو إحياء شيءٍ سبَق أنْ نشأ وتكوَّنَ في الماضي في قالَبٍ مكتملٍ وخالص ونقيّ. وهذه المشكلة التي نعاني منها جميعا بدرجات ومستويات متفاوتة، تؤكد بأنّنا لا نملِك عقولًا جاهزة عن الله، وإنّما عقولًا جاهزة من التَّاريخ ومنطقه ومألوفاتِه، كل حسَب بُقعتِه على حدّ تعبير عبد الرزاق الجبران.[13]. ولهذا اعتبَر هذا الأخير بأنّ التّجديد الحقيقي والمُجدِّد الحقيقي هو القادر على أنْ يخْرُج من القوالب الجاهزة التي أنشأها العقل الإسلامي في مراحله المختلفة، وليس فقط إعادة إحياء ما تمَّ اندثارُه وضمورُه، ولم تعُدْ له القدرة على مواصلة الحياة من الأفكار والمذاهب والعقائد. وما دام التَّجديد الديني والإصلاح الديني يُطرَح في الساحة الفكرية الإسلامية بهذه الطريقة، فلن يكون أمْرًا حقيقيا في الإصلاح، لأنَّه قائمٌ بكلِّ تركيبته على القوالب الجاهزة التي تمَّ إنشاؤُها في التاريخ.

وإذا كان هذا هو الحال في سياقاتنا الإسلامية، فلا بأس أنْ نخوض رحلة البحْث عن مفهوم الإصلاح، وِفْق ما تمَّ تداوُله في القرآن الكريم، ولكنْ قبْل ذلك حين نتأمل كلمة “إصلاح” في اللغة العربية نجدُ أنَّها تحمِل في جِذرِها العميق معنىً يختلف جوهرياً عما استقرَّ في الأذهان من توظيف سياسي وديني. فالجذر “ص-ل-ح” يحمِل معنى الطيّب والسلامة والنّقاء، وضدُّه الفساد لا التقادم. وهذا الفارق الدقيق بين الإصلاح بوصفه إزالة فساد طارئ، وبين الإصلاح بوصْفه تجديداً وتحديثاً هو المفتاح الذي يفتَحُ أبواب فهْم هذا المفهوم في سياقه القرآني والإسلامي.

الإصلاح في القرآن:

ترِدُ مشتقَّات الجذر “ص-ل-ح” في القرآن الكريم بكثافة لافتة تتجاوز مئة وثمانين موضِعاً كما يشير إلى ذلك المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم[14]، وهو ما يكشِف عن مكانة ومركزية هذا المفهوم في البِنية القرآنية. غيْر أنّ الملاحَظ أنّ القرآن لا يوظِّف كلمة “إصلاح” بمعناها المجرَّد الفلسفي، بل يربِطها دائماً بسياقات محدَّدة تكشِف عن أبعادها الحقيقية.

  • السّياق الأول: وهو سياقٌ اجتماعيٌ يركِّز على محاولة إصلاح ذات البيْن، وإيجاد حلول توفيقية بين المتخاصمِين وإعادة النّسيج الاجتماعي المتمزِّق إلى وحدتِه. كما في آية “إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخوَيْكم” (الحجرات: 10)، فهنا عملية الإصلاح تهدِف إلى إيجاد الوسائل المُمكِنة لإزالة عارِض الخصومة، وسبب العداوة، وليس إعادة بناء البِنية الاجتماعية من أساسها.
  • السياق الثاني: هو الإصلاح في مُقابِل الفساد، وهو التيمة القرآنية الكبرى التي تتردَّد على لسان الأنبياء جميعاً. كما ورَد على لسان النّبي شعيْب حينما قال:” إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطَعْت”، (هود: 88)، أي أنَّ الإصلاح ضرورةٌ تقتضيها الوقائع والأحداث، وتكون وِفْق سقْف المُمكِن والمتاح، وليس عملية راديكالية تهدِف إلى نسْف البِنية من الجذور. لهذا كانت محاولة النبي شعيْب حسب الآية السابقة، تنبيهًا على بعض الممارسات الاقتصادية الفاسدة من غشّ وبخْسٍ للمكيال لا إعادة تأسيس المنظومة العقدية.
  • السياق الثالث: هو سياقٌ تربوي يسعى إلى توظيف الإصلاح بشكْلٍ يخدُم هدف الدين الأساسي، المتمثل في الارتقاء بالكائن الإنساني إلى مَصافِّ الكمال البشري، فيجعلُ من عملية الإصلاح عمليةً مستدامةً في الزمان والمكان من أجل الإصلاح الذاتي أو التوبة والرّجوع عن الفساد، كما في قوله تعالى “إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا” (البقرة: 160).

وانطلاقا من هذه التوظيفات القرآنية المُختلفة يمكِننا القول بأنّ الاستعمالات القرآنية للفظ الإصلاح بمختلف مشتقاتِه، يرِد دائماً بوصْفه استجابةً لفسادٍ قائمٍ لا مبادرةً نحو كمال مأمول. إنه ردّ فعْل علاجي لا فعل إبداعي، وهذا التمييز ليس تفصيلاً لغوياً، بل له تداعيات عميقة على كيفية فهْم المسلمين لدورهم في التاريخ.

وإذا كنّا قد ناقشْنا سابقًا مقولة التّجديد الديني وما تحتوي عليه من تناقُضات في العقل الأصولي السلفي، فإن لفظ الإصلاح الديني أيضًا له ما يبرِّر مناقشته في هذا السياق، خاصّةً ونحن نتحدَّث عن أنماط من التديُّن الماضوي ترى في كل مقاربة لتحديث الدين، أو مواكبته مع تطوُّرات العصر، نوعًا من المساس بقُدسية الدين، أو تهجُّما على رموزه، أو تنقيصًا من قِيَمه ومنظومته. وهنا يبرُز أمامنا مفهوم البِدعة من جديد، حين تُقابَلُ كل محاولة إصلاحية بمفهوم البدعة، باعتباره الطَّرف الآخر من المعادلة. أيْ أنّ الإصلاح بالمفهوم الأصولي هو إزالةُ ما طرأ على الدِّين من فسادٍ وإعادته إلى أصله النقي، وبالتالي فالبدعةُ هي في المقابل كلُّ ما أُضيف إلى الدّين ممّا لم يكُن في أصله. وبين هذين القطبيْن ينشأ توتُّرٌ لا يمكِن حلُّه بسهولة. لذا حينما نأتي على كلّ محاولة إصلاحية، أو رغبةٍ في الخروج من القوالب الجاهزة للعقل الإسلامي التاريخي، فإنَّ ذلك يُقرأ بعيون تُسلَّط عليه هو مفهوم البدعة بالشّكل الذي تحدّثنا عنه آنفا. وهذا السّلاح استُخدِم عبْر التاريخ الإسلامي بطريقةٍ انتقائية صارخة؛ لذا فجمْعُ القرآن في مصحف واحد كان بدعة بالمعنى الحرفي للكلمة غير أنه قُبل وأُقرَّ، وكذلك صلاة التراويح في جماعة التي أقرّها عمر بن الخطاب مع اعترافه الصريح بأنها “نِعْمَ البدعة هذه”[15]. أمّا الاجتهادات الفكرية والفلسفية والكلامية فقد لقِيَتْ في أحيان كثيرة مصيراً مُغايراً. وهذا يكشِف أنّ البدعة المقبولة والبدعة المرفوضة لا يفصل بينهما معيارٌ منهجي واضح بقدْر ما يفصل بينهما ميزان القِوى السياسي والاجتماعي في كل حقبة.

وإضافة إلى التعريفات التي أعطيت للتجديد الديني، فثمة حديث نبوي يُستشهد به كثيراً في سياق الإصلاح، وهو “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها”[16]، وهو حديث يُقدِّم تصوُّراً فريداً للإصلاح يختلف اختلافاً جوهرياً عن كلّ التصوُّرات الأخرى؛ فالمُجدِّد هنا ليس حركةً جماعيةً، ولا مؤسَّسة دينية، بل هو فردٌ يبعثُه الله من خارج المنظومة القائمة. وقد فتَح هذا الحديث باباً واسعاً من الجدل؛ حيث رأى كلّ عالِمٍ أو حركة أو تيار نفسَه مؤهّلاً للادّعاء بأنّه المُجدِّد المنتظَر، أو المُصلِح المرتقَب. وهذا الادّعاء يحمِلُ في طيَّاته منطقاً دائرياً عسيراً، بحيث يصيرُ المُجدِّد مُستمدّا شرعيته من كوْنِه يعيدُ الدّين إلى أصله، لكن من يحدِّد ما هو الأصل؟ ومن يملِك سلطة إصدار شهادة المُطابقة؟ لا زال الجواب مبْهمًا.

لكن حينما نقارِن بين الإصلاح بمفهومه القرآني الشّامل، والذي يستجيب لسياقات اجتماعية أو نفسية أو تربوية كما مرَّ معنا سابقا، وبين الإصلاح كما يتمُّ تداوُله في الأدبيات الأصولية السّلفية الماضوية، فإنّنا نجِد أنفسنا أمام ثلاثة مفاهيم مختلفة تشترِك في اللفظ دون أنْ تشترِك في المضمون. فالإصلاح كما يطرحُه القرآن الكريم هو محاولةٌ لعلاج عارِض أو سبب وِفق سياقات معينة، أما الإصلاح الأصولي والتاريخي الذي تطرحُه الحركات السّلفية اليوم، وجماعات الإسلام السياسي التاريخي فهو تنقيةٌ وعوْدة إلى أصل مفترَض، ونقطة من الماضي استجمَعَتْ كلّ شروط الكمال. أما الإصلاح بمفهوم التّحديث عند المفكِّرين المُعاصِرين، والإصلاحيين الجُدُد، والمُجدِّدين الحداثيين، فهو محاولةٌ لتجديد الدين وِفْق آليات الفهم الإنساني ومناهج التأويل. وهذا الخلط بين كل الرؤى السابقة، يجعل من كلِّ طرَفٍ يعتقد بأحقيّته في احتكار مفهوم الإصلاح في دائرة فهْمه، ونمط فكره، في حين أنّ القرآن الكريم لم يُقدِّم نموذجاً مكتمِلًا للإصلاح المؤسَّسي، أو التّجديد الفكري، بقدْر ما قدَّم رؤيةً مُعيّنةً في علاقة الإنسان بالقِيَم الكبرى كالعدالة والشُّورى ودفْعِ الفساد، تاركاً لكل عصرٍ إمكانية التحرُّك في مساحات التطوُّر والتقدُّم الذي يطرأ على السّاحة الإنسانية، كلٌّ حسَب شروطه المعرفية، وأدواته التحليلية، وإمكاناته التأويلية. دون أن ننظُر إلى الدين من خلال هذه المنظور على أنَّه نوْعٌ من النّقص، بقدْر ما يفتَحُ هذا الباب التأويل المستمر للظاهرة الدينية في أبعادِها الإنسانية، التي تنزَع من كلّ أحدٍ الادّعاء بامتلاك الصيغة الإصلاحية الوحيدة الحقّة، واحتكار الحديث والتوقيع عن الله بأسماء وعناوين مُقدّسة.

  • الإصلاح الدّيني من المنظور المسيحي

حينما نذكُر كلمة الإصلاح الدِّيني في سياقاتنا المعرفية، فغالبًا ما يُحيلُ هذا المفهوم على واحدة من أكْبر الحركات الدّينية التي شهِدتْها أوروبا خلال عصر النهضة، وأنتجَتْ نوعًا من التحرُّر الدّيني الكاثوليكي الجاثم على الفكر الأوروبي حينذاك، إضافةً إلى المساهمة في إنتاج ما عُرِف في التاريخ الأوروبي بحركة التّنوير، التي أفرزَتْ لنا الحداثة وتداعياتها على العالم المعاصر. ولعلّ أكبر المساهِمين في هذه الحركة نجِد مارتنْ لوثرْ، الذي قاد حركة البروتستانتْ الشهيرة في مواجهة الكنيسة الكاثولوكية، والإيمان المسيحي. وهنا يحضُرنا المشهد الذي عبَّر عنه سكوت إتش هندريكس في كتابه عن شخصية مارتن لوثر، حيث يقول بأنَّ في الرابعة من عصر يوم أبريل عام 1521، وقَف مارتن لوثر أمام أعيان الإمبراطورية الرومانية المُقدّسة في مدينة فورمس، مطالَباً بالتراجع عن كتاباته. لكنه رفَض، مستنداً إلى ضميره وإلى نصوص الكتاب المُقدَّس، في موقف حوّله من راهبٍ محروم كنسياً إلى رمزٍ لحركة غيّرَت وجْه أوروبا. غير أن الصورة الشائعة للوثر بوصفه مدافعاً عن الحرية الفردية ومتمرداً على السّلطة تنطوي على قدْرٍ من المبالغة. فقد كانت “الأطروحات الخمس والتسعون” الشهيرة دعوةً إلى نقاش أكاديمي لا بياناً ثورياً، كما أنّ خطابه في فورمس جاء أكثر تعقيداً وأقلَّ حدّة مما تصوِّره الرّواية الشعبية. وحتّى العبارة الأشهر “هأنذا أقف” لم تُسجَّل في وثائق الجلسة الرسمية، بل وردَتْ في رواية متأخِّرةٍ متعاطِفة.

يؤكِّد سكوت إتش هندريكس على أنّ مارتنْ لوثرْ لم يكُنْ بِدْعًا من المصلِحين الذين سبقوه، ولكنَّه بالتأكيد مختلفٌ عنهم. وما يجعل لوثر مختلفاً عن أسلافه المصلحين ليس أصالة أفكاره، بل نجاحه. فقبْله كان بيتر والدو وجون ويكليف وجون هس وسافونارولا قد طرحوا أفكاراً مشابِهة في جوهرها، وكلُّهم واجهوا الحرمان الكنسي، وبعضُهم مات حرقاً. والفارق الحاسم أنّ لوثر وجد في اللحظة المناسبة تحالُفاً من الظروف نادراً ما تجتمع: حمايةٌ سياسية من أمراء ألمانيا، وأدوات تقنية كالطِّباعة التي نشرَتْ أفكاره بسرعة غير مسبوقة، وتكويناً إنسانياً أتاح له قراءة الكتاب المُقدَّس بلغاته الأصلية. وهكذا تحوَّلتْ حركته من موجةٍ إصلاحية عابِرةٍ إلى زلزال ديني وثقافي لا يزال يتردَّد صداه حتى اليوم.[17]

فمن هو مارتن لوثر؟

بصيغةٍ مختصَرة، مارتن لوثر هو راهب ولاهوتي ألماني يُعَدّ الشخصية المحورية في انطلاق الإصلاح البروتستانتي الذي هزّ أوروبا ابتداءً من سنة 1517. وُلد سنة 1483 في مدينة إيسلبن بألمانيا، وكان في البداية يتّجه إلى دراسة القانون، لكن حادثة عاصفة شديدة كادت تُودي بحياته جعلتْه ينذُر نفسه للحياة الدينية، فالْتحق بدير الرهبان الأوغسطينيين في مدينة إرفورت. وبعد أن أصبح دكتورًا في اللاهوت وأستاذًا في جامعة فيتنبرغ، انشغل بشرح الكتاب المُقدَّس وتعليمه. وخلال دراساته اللاهوتية توصّل إلى قناعة أساسية مفادها أن الخلاص لا يتحقق بشراء صكوك الغفران أو بالأعمال، بل بنعمة الله المجانية والإيمان بالمسيح.  وقد دفعَه ذلك إلى معارَضة ممارسة بيْع صكوك الغفران التي كانت شائعة في الكنيسة الكاثوليكية آنذاك.

في 31 أكتوبر 1517 نشر لوثر خمسًا وتسعين أطروحة انتقد فيها هذه الممارسة، وعلّقها على باب كنيسة فيتنبرغ. انتشرَتْ هذه الأطروحات بسرعة في ألمانيا ثمّ في أوروبا، وأدَّتْ إلى صراع مع الكنيسة الكاثوليكية انتهى بإصدار البابا قرارًا بحِرمانه الكنسي سنة 1520، لكن لوثر ردّ بحرْق مرسوم البابا علنًا. وفي سنة 1521 استُدعِيَ أمام الإمبراطور شارل الخامس في مجمع فورمس ليُطالَب بالتّراجع عن أفكاره، لكنّه رفض ذلك، مؤكدًا حرية الضمير، وحقّ الفرد في فهْم الكتاب المُقدَّس بنفسه. بعد ذلك لجأ إلى قلعة فارتبورغ تحت حماية الأمير فريدريك الساكسوني، حيث بدأ ترجمة الكتاب المُقدَّس إلى اللغة الألمانية، وهو عملٌ كان له أثر كبير في توحيد اللغة الألمانية وانتشارها. وطوال حياته واصل لوثر التدريس والكتابة، كما ألّف كتبًا تعليمية دينية (الكاتيشيزم) وأناشيد كنسية، وكان لها تأثيرٌ واسع في الحياة الدينية والثقافية. كما تزوَّج وأنجب ستة أبناء. وقد واصل الدفاع عن أفكاره ضد الكنيسة الكاثوليكية وضد الحركات الإصلاحية الأكثر راديكالية. توفي سنة 1546.[18]

ومن العقائد البروتستانتية التي أحدثَت حينذاك ما يُشبِه الانقلاب في الفكر الديني المسيحي نجد باختصار:

  • «التبرير بالنعمة[19] وحدها» يقع في مركز الإصلاح: فالإنسان الخاطئ الذي يُبرَّر، أي الذي يُجعل بارًّا، يُغفَر له، وبالتالي يُخلَّص بإيمانه بيسوع المسيح. وهذا الإيمان القائم على الثقة هو نفسه عطيَّة مجانية من الله. وهكذا يتحرَّر المسيحي من منطق الأعمال الصالحة والممارسات التي يُعتقد أنها تستحق الخلاص.
  • الكتاب المقدَّس هو السلطة الوحيدة: فكلمة الله، أيْ إنجيل يسوع المسيح الذي يحمِلُه الكتاب المقدَّس، تعْلو على كل قاعدة أو معيار تضعَهُ الكنيسة، حتى وإن أعلنَه بابا أو مجمع كنسي. وبما أن كلمة الكتاب المقدس متاحة لجميع المؤمنين، فلا يمكن احتكارها أو التحكُّم فيها من قِبَل رجال الدين.
  • الكهنوت العام لجميع المعمَّدين: «نحن جميعًا كهنة». فلا توجد هرمية مقدَّسة بين رجال الدين والعلمانيين، لأنّ الجميع يتمتَّعون بالوصول نفسه إلى الله: «الأمير أو الإسكافي أو الراعي، جميعهم في خدمة بعضهم البعض، مثل أعضاء جسد واحد رأسه الوحيد هو المسيح».
  • الأسرار الدينية: هي علامات مرئية لنعمة الله التي أسَّسها المسيح. ولا يعترف لوثر من بينها إلا بسرَّين هما المعمودية والعشاء الرباني. وهو يدعو إلى فهْم السرّ بوصفه وعدًا بالنعمة يُستقبَل بالإيمان، لا باعتباره فعلًا يحقق الخلاص بذاته.

إن مثل هذا الفهم للسرّ الكنسي يُحدِث تغييرًا عميقًا في العقيدة والممارسة الدينية:

  • فهو يستبعد كل فكرة عن القدّاس باعتباره ذبيحةً يقدّمها الكهنة من أجل خلاص الأحياء والأموات.
  • كما يجب أن تُسمَع الكلمة بوضوح من قِبل جميع الشعب؛ لذلك ينبغي أن تُقام الشعائر الدينية باللغة المتداولة بين الناس، لا باللغة اللاتينية.
  • إن ربط السرّ بكلمات تأسيسه من قِبل المسيح: «اشربوا منها كلكم» يقود إلى مشاركة جميع المؤمنين في التناول تحت الشكلين، أي الخبز والخمر.[20]

الإصلاح الديني ليس نهراً هادئاً

بالرّغم من أهميّة الإصلاح الدّيني في التاريخ الأوروبي، وبالرّغم مما حققه هذا الإنجاز التاريخي من مكتسبات لا زالتْ آثارها باديةً على وجْه الإنسانية منذ القرن السادس عشر، إلا أن هذا الإصلاح كان ولا زال مثار العديد من التساؤلات، والإشكالات المعرفية التي يطرحُها لدى الباحث في أنثروبولوجيا الأديان، ومقارنة الدِّيانات، وسوسيولوجيا الحركات الدينية. لهذا ارتأينا في هذا السياق أنْ نشير إلى ما كتبه روبير ريدكر Robert Redeker بعنوان:” الإصلاح الديني ليس نهرا طويلا هادئا “، مُؤكِّدا على أنّ هناك كلمات تملِك من السّحر ما يجعل العقل يتوقف عن التفكير، ولعل كلمة “إصلاح” واحدة منها. فما إن تُقرَنْ بالإسلام حتّى تضيء الوجوه وتنبسط الأسارير، كما لو أن النُّطق بها وحده كفيل بحلّ عُقَدٍ متراكمة عبْر قرون. غير أنّ روبير ريدكر يقف في وجْه هذا التّفاؤل العفوي، ليقول بصراحةٍ مزعجةٍ أنَّ الإصلاح الديني لم يكُن قطَّ نهراً هادئاً، ولا يوجد في التاريخ ما يشيرُ إلى أنّه سيكون كذلك.

يبدأ روديكر بتشريح الدّوافع الخفية التي تجعلُ الأوروبيين متحمِّسين لفكرة إصلاح الإسلام، وهي دوافِعُ لا تخلو من نرجسية مقنّعة ووهْمٌ مريح. فما بعد الحداثة التي نعيش في رحِمِها حوَّلت الإصلاح من أداةٍ إلى قيمةٍ عُليا في ذاتها؛ كلُّ شيء يجب أنْ يُصلَح باستمرار، لا لأنّ ثمَّةَ هدفاً محدَّداً يُراد بلوغه، بل لأنَّ الإصلاح أصبح غاية في نفسِه. وقد أطلق المفكِّر بيير أندريه تاغييف على هذه الظاهرة اسم “الحركَوية”، أيْ الحركة من أجل الحركة، والتّغيير من أجْل التغيير، دون أنْ يكون ثمَّة وجهةٌ واضحةٌ أو هدف محدَّد. لكن الأعمق من ذلك هو ما يسمِّيه ريدكر بالرّواسب المتحلِّلة من الأخلاق المسيحية. فالأوروبّي الذي فقَد إيمانَه لم يفقِدْ معه رغبته في أنْ يكون الآخر طيِّباً ونقيّاً. إنه يريد من الإسلام أنْ يُثبِت له أنَّه في جوهرِه دينُ خيْر، وذلك ليتمكَّن هو من التقاعد المريح عن حمْل عبءِ تمثيل الخير في هذا العالم. وهذه الرغبة في إسقاط النّقاء على الآخَر ليست فضيلة أخلاقية بل هي هروب من المسؤولية. وهكذا فإنَّ الحماس لإصلاح الإسلام ليس مشروعاً فكرياً جادّاً بل هو في حقيقته حلْمٌ يحلُمه أوروبيون يعيشون في صحراء روحية خلَّفها موت الإله.

ولمنْ يريدُ أنْ يتعلَّم من التاريخ لا أن يتجمَّل به، يقدِّم ريدكر صورةً قاتمةً لما جرى فعْلاً حين شهد الغرب المسيحي إصلاحه الدّيني الكبير. فقد جاء الإصلاح البروتستانتي حامِلاً شعاريْن يبدُوان في ظاهرهِما دعوةٌ إلى التّحرُّر والأصالة: العودة إلى حرفية النصّ المُقدَّس، ورفْض كلّ وساطة بين المؤمن وإلهه. غير أنَّ ما أنتجاه في الواقع كان شيئاً مختلِفاً تماماً. فحين انهارَتْ سلطة الكنيسة بوَصفِها المرجِع الجامع والضّابط، انطلقَتْ كلّ مجموعة تؤَوّل النصّ كما تشاء وتدَّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. وما تَلا ذلك كان قرنيْن من الدم والنار؛ مذابح طائفية، وحروب لا تنتهي، وفوضى عارمة أعادَتْ الإنسان الأوروبي إلى حالة الطبيعة، التي وصفَها هوبز بأنّها حرب الجميع ضدّ الجميع. وكان على المفكِّرين من لوك إلى فولتير أنْ يخترِعوا التَّسامُح من الصفر لاحتواء التعصُّب الذي أطلقَه الإصلاح ذاته، وعلى المفكِّرين السياسيين أن يبنوا الدّولة الحديثة لوضْع حدٍّ لهذا الاقتتال. والدّرس المُرّ هنا هو أن الإصلاح لا يُهدئ التطرُّف، بل كثيراً ما يُغذّيه، لأنّه حين يكسر الإطار المؤسَّسي الضابط للتأويل فإنّه يفتح الباب أمام كل من يدَّعي امتلاك القراءة الأنقى والأصح.

ولفهْم لماذا لا يُصلِح أيّ من نموذجي الإصلاح التاريخيين للإسلام، يقف ريدكر أمام النموذج الثاني وهو الكاثوليكي الذي تجلَّى في مجمع الفاتيكان الثاني. فقد نجح هذا المَجمَع في إجراء إصلاح هادئ ومنضبِط، لكنَّه لم يكن ممكِناً إلا بفضل بِنية الكنيسة المركزية الهرمية؛ بابا ذو سلطة مقدّسة، وإكليروس منظَّم، وعقيدة موحّدة، وبيروقراطية متجذّرة تمتدُّ من مركز القرار إلى أبعد أبْرشية في أقصى الأطراف. وهذه البِنية بالذّات هي ما يفتقر إليه الإسلام افتقاراً تامّاً، إذ إنّه أقرب بِنيَوياً إلى البروتستانتية منه إلى الكاثوليكية، مُفكّكٌ بين مرجعيات متعدِّدة وسلطات متنافسة وتأويلات متشعِّبة. ولهذا يجزُم ريدكر بأنّ التاريخ لن يُريَنا أبداً فاتيكاناً ثانياً مسلماً. وهنا تكمُن المفارقة الكبرى التي يكشِف عنها ريدكر، أنّ الإسلاميين المتشدِّدين الذين يطالِبُ الغرب بإصلاح الإسلام في مواجهتِهم همْ في حقيقة الأمر الأقرَب روحاً إلى الإصلاح البروتستانتي، لأنّهم يطالِبون بالعودة إلى حرفيةِ النصِّ الأصلي ورفْضِ كلّ وساطة تراثية تماماً كما فعل لوثر وكالفن. وما يطالِب به العالم الحديث الإسلام هو النَّقيض تمَاماً، أيْ الفصل بين حرفية النصِّ ورُوحِه، وهو بالضّبط ما لن يقبَلهُ من يؤمِن بقُدسية الحرف ونقاء الأصل. وبالتّالي فإصلاح الإسلام حسَب رؤية ريدكر وهْمٌ مزدوج، وهْمٌ أوروبي يريد التخلُّص من عبْء تمثيل الخير في العالم بإحالته إلى الآخر، ووهْم فكري يتجاهل أنّ الإصلاح الديني في التاريخ لم يُنتِج سلاماً ولا تسامُحاً، بل أنتج تعصُّباً وعنْفاً واضطرَّت البشرية معه إلى اختراع الدّولة الحديثة والتّسامح الفلسفي لاحتواء نتائجه الكارثية. وحين يُقَدِم الغرب اليوم على المُطالَبة بإصلاح الإسلام فإنَّه ينسى هذه الدّروس جميعاً، ويتصرَّف كمَن يفتحُ صندوق باندورا معتقداً أنّه يفتح صندوق الهدايا.[21]

  • خاتمة

وصلْنا إلى ختام هذا البحث وفي أذهاننا أنّنا أمام مأزقٍ فعْلي في الفكر الدّيني، ينظُر إلى فكرة الإصلاح فقطْ على أنَّها مجرّد هالةٍ للاستهلاك الإعلامي، يرفعُها البعض، ويرفُضُها البعض الآخَر. ولكن وسط هذا الجدل المتصاعد أمام كلِمة تتَّسع لكل شيء حتى تكاد تفقد معناها، يتبناها الجميع ولا يتفق عليها أحد يتبين أننا أمام ما انطلقنا منه وجعلناه عنوانا لبحثنا، أي الإصلاح الديني من سحر الكلمة إلى أزمة الواقع. فالأصولي يرى في الإصلاح إحياءً لما انْدرس من سلف صالح، متوهّماً أصلاً نقياً يمكن العودة إليه، غير أن هذا الأصل المزعوم ليس في حقيقته سوى تأويل تاريخي بشري قدّسه أصحابه ورفعوه فوق مستوى النقد والمساءلة. أما القرآن الكريم فلم يقدم الإصلاح بوصفه مشروعاً مؤسسياً مكتملاً، بل جاء به استجابةً لفساد قائم لا مبادرةً نحو كمال مأمول، تاركاً لكل عصر مساحته في التحرّك وِفق شروطه المعرفية وأدواتِه التأويلية.

وحين ننتقل إلى التجربة الغربية التي يستحضرها ريدكر بكثير من الصراحة المزعجة، نجد أن الإصلاح البروتستانتي الذي يُساق نموذجاً للاقتداء لم يكن نهْراً هادئاً كما يُوَهَّم المتحمِّسون له، بل كان زلزالاً أطلق قرنين من الدم والنار، واضطرَّت البشرية على إثره إلى اختراع التّسامح والدّولة الحديثة لاحتواء نتائجه الكارثية. ولعلّ أشدَّ ما يكشِفه ريدكر إزعاجاً هو أنّ المطالبين بإصلاح الإسلام من الخارج لا يفعَلون في الغالب سوى إسقاط أوهامِهم الرّوحية على الآخر، هرباً من صحرائهم الداخلية لا بحثاً عن إصلاح حقيقي. وما ينبغي أنْ نخرُج به من كلِّ هذا ليس يأساً من إمكانية الإصلاح، بل وعياً بشروطه الحقيقية: فهو لا يتحقق إلا حين يُقرّ الجميع بأنَّ كلّ قراءة دينية هي اجتهاد بشري لا وحيٌ منزَّل، وأنّ التاريخ لم يُنتِج يوماً إصلاحاً حقيقياً في غياب حرية الفكر واستقلالية العقل، وأنَّ من يحتكِر التَّعريف يحتكِر معه حقَّ إصدار شهادة المُطابقة، وهو احتكار لا ينتُج سوى مزيد من الجمود باسم التّجديد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

[1] – كارل، بوبر. المجتمع المفتوح وأعداؤه. ترجمة السيد نفادي. دار التنوير للطباعة والنشر،ط1،1998.

[2] La philosophie de Karl Popper et la Société politique d’ouverture.Le 26 octobre 1981 Edgar FAURE https://www.academie-francaise.fr/la-philosophie-de-karl-popper-et-la-societe-politique-douverture

[3] – عدنان، محمد أسامة. التجديد في الفكر الإسلامي. رسائل جامعية دار ابن الجوزي،ط1،1424هـ. ص: 16.

[4]– أبو إسحاق، الشاطبي. الاعتصام. الدار الأثرية،ط2،2007. ص: 42.

[5] – الراوي: جابر بن عبدالله | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الجامع الصفحة أو الرقم: 1353 | خلاصة حكم المحدث: صحيح التخريج: أخرجه النسائي في ((المجتبى)) (3/ 188)، وأحمد (3/ 310) باختلاف يسير.

[6] – الراوي: عمران بن الحصين | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 6695 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح] التخريج: أخرجه مسلم (2535)، وأبو داود (4657)،والترمذي (2221) واللفظ لهم.

[7] – أجرينا مناقشة حول حديث القرون الثلاثة بشكل آخر في كتابنا يمكن الرجوع إليها لمن يرغب في الاطلاع.

يوسف، هريمة. الفكر الديني السلفي وأزمة البنيات المؤسسة. المكتب العربي للمعارف،ط1،2023 .

[8] – علي، حرب. هكذا أقرأ ما بعد التفكيك. المؤسسة العربية للدراسات والنشر،ط1،2005.  ص:22.

[9] – حرب، علي. النص والحقيقة II. نقد الحقيقة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993، ط1. ص 16.

[10] – محمد، عناني. المصطلحات الأدبية الحديثة. مؤسسة هنداوي،ط1،2023. ص: 120.

[11] – الظاهراتية هي معايشة «الخبرة» أو اختبارها. وهي تطلَق على منهجٍ فلسفي معاصر، وكذلك على حركةٍ فلسفية معاصرة تتبع هذا المنهج. وبعد أن أسس لها إدموند هوسرل، وأورد الشروحات لها كلٌّ من ماكس شيلر ومارتن هايدجر وموريس ميرلو بونتي وآخرون، هي تُعَد الآن حركة عالمية من الباحثين المُنقطعين للتوصل لحقيقة الخبرة. وعوضًا عن الاكتفاء بالتصورات والمفاهيم المُسبقة، هي تخوض غمار الخبرة حتى يمكن الالتقاء بالحقيقة وجهًا لوجه.

تشاد، إنجلاند. الظاهراتية. ترجمة عبد الفتاح عبد الله. مؤسسة هنداوي،ط1،2024 . ص: 15 .

[12] . Olivier Assouly JACQUES DERRIDA 20 ans après Dépôt légal – 1re édition: 2023, septembre © Que sais-je ?/Humensis, 2023 P 12

[13] – عبد الرزاق، الجبران. جمهورية النبي عودة وجودية. دون دار نشر أو طبعة أو تاريخ. ص: 35.

[14] – محمد فؤاد، عبد الباقي. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم. دار الكتب المصرية،1998. ص: 410.

[15] – حديث عمر في صلاة التراويح ورد في صحيح البخاري في كتاب صلاة التراويح، حيث روى عبد الرحمن بن عبد القاري أنه خرج مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.

رواه البخاري في صحيحه، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، برقم 2010. وأخرجه أيضاً مالك في الموطأ في كتاب الصلاة في رمضان برقم 250، وهو أثر موقوف على عمر لا يرقى إلى درجة الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

[16] – هذا الحديث رواه أبو داود في سننه في كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المئة، برقم 4291، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

[17] – سكوت، إتش هندريكس. مارتن لوثر مقدمة قصيرة جدا. ترجمة كوثر محمود محمد. مؤسسة هنداوي،ط1،2012. ص: 15

[18] Histoire de la France protestante musee protestant daniel fries sans date

[19] Blake T. Ostler.The Concept of Grace in Christian Thought ARTICLES AND ESSAYS  P 13

[20] Ibid

يمكن مراجعة أيضا حول الإصلاح الديني اللوثري كتاب:

Histoire du Christianisme La Réforme Jacques Blandenier free college 2017 p 1

[21] LA RÉFORME RELIGIEUSE N’EST PAS UN LONG FLEUVE TRANQUILLE› Robert Redeker JUIN 2015 REVUE DE DEUX MONDES  P 63

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete