تكوين
حاولنا في مقال سابق عن “الصيام” بوصفه خبرةً فينومينولوجية أنْ نُقدمَ قراءةً جديدة للصيام تتجاوز الخطابين التقليديين: الديني والطبي. كما قدمنا تنويهًا بسيطًا عن مجمل التصورات الشائعة عن الصيام، سواء الدينية أو الصحية أو الاجتماعية. لذلك أوضحنا أننا في حاجة إلى مقاربة تجرِبة الصيام “مقاربة فلسفية”، لأن “الفكرَ لا يُجابَه إلا بالفكر”، كما أشرنا سابقًا، لا كما يحدث في الواقع من جدلٍ بين الخطاب الديني من جهة، والخطاب الطبي والعلمي من جهة أخرى، مع تجاهل الخبرة الواعية للإنسان وشعوره، وهما في الأصل الغاية والمنال. ومن ثم لم يكنْ هناك بدٌّ من خلع النظارة التي تضيق رؤيتنا وتحجب عنا التنوع —نظارة الدين الجامدة ونظارة العلم المتعالي— كي نتماهى مع المنهج الفينومينولوجي الذي يدعو إلى “الأشياء ذاتها” وتجربتنا المباشرة بها.
قدمنا التحليلات السابقة للصيام على أساس بنائي فلسفي انطلق من قاعدة أساسية هي تهميشُ الجسد في التاريخ الفلسفي، ثم تتبعنا تطور هذا المسار مع نيتشه، الذي يُمكن عده مرحلة الثورة، وصولًا إلى ميرلوبنتي الذي مثَّل مرحلةً التحليل، إلى أنْ جاء التأطير الوجودي مع هيدجر الذي فتح لنا أفقًا في الوعي، وصنعَ لنا تصورًا للوجود في العالم، وأخيرًا أتت الناحية التطبيقية مع شوسترمان الذي مثَّل ثمرةَ تلك التحليلات النظرية، ووصل بنا إلى مرحلة الممارسة العملية. وهكذا تحوّل الصيامُ من تِقْنية جسدية إلى تجرِبة نحو الوعي والانتباه.
فقد قُدِّم الصيامُ ليكون تطبيقًا على منهج شوسترمان، بوصفه وسيلةً فعالة للتواصل مع الجسد، وبيئة مثالية للانتباه، ولافتة حمراء توقف سرعة الحياة المعاصرة. واستكمالًا لما سبق، يتبقى لنا إكمال الرحلة عبر النقيض الذي يواجهها؛ فمقابل تجرِبة “الصيام” تأتي تجرِبة “الإفطار” لتكتمل الدائرة، فالضد يُظهره الضد كما نقول في الفلسفة. وهنا نصل إلى عنصر آخر للتحليل الفينومينولوجي، فنطرح تساؤلًا مُهمًا: كيف نختبر الإفطار بعد طول انتظار وتكثيف للوعي؟ وكيف يتحول كسر الصيام إلى خبرة جمالية وحسية مكثفة؟
إن الوعيَ بالصيام الذي عرضناه سابقًا سوف يُثمر تجرِبة إفطار مختلفة، أُسِّسَ لها جيدًا. وعلينا الآن أنْ نستكشف، من منظورنا الجديد، كيف تبدو تجرِبة الإفطار، وما التساؤلات التي تُثيرها، وما الخبرات التي تطبعها في الوعي. فلو قدمنا تحليلًا لمفهوم “اللذة” مثلا بعد الشعور بالامتناع أو الإمساك الذي فرضه الصيام، لوجدنا أنها تكتسب بِناءً جديدًا، وحسًا فريدًا، وفلسفة مختلفة. فيحدث تحول في بِنية الإدراك الحسي، فيصبح الإفطارُ لحظةَ انكشاف جمالي وتحقق جسدي معًا، وتكون النتيجة المنطقية هي اللذةُ بوصفها تتويجًا للوعي.
ولكنْ، هل يمكن عدُّ تجرِبة الإفطار الواعي لحظةَ كشف أصيل؟ أم أن الجوع محض حالة بيولوجية، ما لم يُعاش بوصفه استعدادًا واعيًا للإفطار؟ عن طريق تحليل تجرِبة الجوع بوصفه تجرِبةً معاشة وليست واقعة بيولوجية فحسب، يتضح لنا أن الإفطارَ ليس فقط نهايةً للصيام كما قد يبدو، بل يُمَثِّلُ ذُروةَ التجرِبة وحدَّ اكتمالها. فالإفطار، في الوصف الفينومينولوجي، يأتي ليكمل الذُروة الطبيعية والوجودية للصيام. إنه اللحظة التي يُكافئ فيها الوعي نفسه بعد رحلة طويلة من التأمل والانتظار، إذ تتوقف قيمة الإفطار على المعنى الذي يخلقه الصيام، لا العكس. فنجد أن الامتناعَ الذي يفرضه الصيام يُعيد خَلق علاقتنا بالمألوف والمعتاد والعادي، فيغدو الماءُ والطعام، اللذان اعتدنا تناولهما بلا التفات، حدثين استثنائيين يتكثف فيهما الوعي، ويتحول الفعل البيولوجي إلى خبرة جمالية، كما يتحول الزمن الفيزيائي إلى ديمومة. وبذلك يصبح الإفطارُ، مثل الصيام تمامًا، ممارسةً للوعي الجسدي، بل تتويجٌ له.
لذا سوف نحاول في هذه المقالة تحليل فكرة المعاناة والانتظار التي يحققهما الصيام، وكذلك تحليل المكافأة والتحقق المتمثلة في الإفطار، بما يُكمل دائرة الخبرة الإنسانية المتكاملة. فيأتي إكمال الرحلة، تتويجًا للوعي، وإظهارًا للمعنى، ومدّ شرايين الدلالات بين تجرِبة الصيام وخبرة الإفطار؛ لعل الدائرةَ تكتملُ، فنرى الإفطار بوصفه تجرِبةَ الحضور والامتلاءِ والتحققِ.
1- التحول في بِنية الإدراك الحسي
تكاد علاقتنا بالطعام تبدو وكأن لا علاقة لنا به؛ لأن حياتَنا المعاصرةَ المتسارعة جعلت الإنسانَ “المقبول” أو “الطبيعي أي النموذج الإنساني المقبول اجتماعيًا، هو الذي يفعل أكثر من شيء في آنٍ واحد، فيتشتت وعيه، فلا يطول في النهاية “بلح الشام ولا عنب اليمن” كما يقول المثل. وللأسف روَّجت الثقافةُ الحديثة لهذا النمط من الحياة، وعززته رغبةً منها في سرعة الإنجاز وسهولة الانتهاء من تدفق الأعمال. فأصبح الإنسانُ المعاصر يقوم بالأفعال بلا وعي بها، حتى يستطيع إنجازها؛ فلم تَعُدْ القيمة للمعنى، بل للإنجاز والانتهاء والسلام.
هذا ما غذَّته الثقافة المعاصرة، وأسَّسَ له الاقتصادُ الرأسمالي الذي يُهيمن على قطاعات المجتمع المختلفة، ويفرض سطوته، ويعلي من جبروته، ويستثني الإنسان من معادلة اهتمامه؛ فهو لا يبحث عن معنى، بل يتفنن في إخفاء المعاني وطمسها. فلا وقت للتفكير، ولا وقت للتأمل؛ عليك أنْ تدور كما تدور الآلة، لتحقق ذلك الهدف المجنون الذي يُطلق عليه في عالم الأعمال “التارجت”.
امتدت هذه الرؤيةُ إلى عالم الإنسان وتجارِبه المعيشة وحياته الخاصة؛ فنحن نتناول الطعام ونحن نشاهد التلفاز، ونتصفح الهاتف، ونجري الحوارات، ونخطط للمهام القادمة. فنأكل بلا وعي، فلا نعيش تجرِبة الطعام.
في حياتنا اليومية المعتادة نادرًا ما نختبر الطعام اختبارَ الخبرةِ الحسية الخالصة؛ فنحن نأكل ونحن مشغولون، ونملأ أفواهنا بأشياء صناعية صارخة النكهة، تُربك مراكز الإدراك في المخ، حتى أنه لم يَعُدْ يميز بين النكهات إلا ما صَرَخَ منها. كتلك الأطعمة السريعة المليئة بالمنبهات الصناعية والصلصات الصارخة التي تُربك معدتنا التي باتت تتعامل مع أطعمة تشبه الألعاب الكرتونية، تلك التي نسميها “فرنش فرايز” و”فرايد تشيكن” وتقليعة الصوصات التي نُغرق بها الأطعمة، تلك التي تُشبه ألوان الرسم السائلة.
انتفت عندنا تجرِبة الطعام بوصفها وعيًا حسيًا بسبب ما نضعه في معدتنا، فصرنا كأننا نملأ خزان السيارة بالوقود. بل إننا ننتبه إلى جودة الوقود حفاظًا على سلامة السيارة، ولا ننتبه إلى ما نضعه في أفواهنا حفاظًا على سلامتنا نحن؛ ففي تناول الطعام نحن لا نأكل فقط، ولكنْ نخلق علاقة مع العالم ومع الطبيعة؛ فأنت تتأمل الثمرات التي أنتجتها الطبيعة بعينيك، وتتحسسها بيديك، وتتذوقها بفمك، فتحدث عملية متكاملة من الإدراك تجعل عقلك يتناغم مع جسدك، فتتكون صورة ويتولد معنى. ولكننا دمرنا المعنى، وقصّصنا الصورة إلى مئات القصاصات.
تأتي تجرِبة الصيام إذن لتكون حدًا فاصلًا؛ فهي توقف الضجيج، وترفع صوت الجسد، فتجبر العقل على الإنصات، والفكر على العمل. وفي لحظة الإفطار، وبعد ساعات طويلة من الامتناع والوعي المتزايد بالجسد، يعود الحس ليجد مكانه في مركز الوعي مرة أخرى، وهنا يحدث التحول في بِنية الإدراك الحسي.
سوف نحتاج هنا إلى استحضار تحليل ميرلوبونتي بخصوص “الكثافة الإدراكية”، فنحن لا نختبر الطعام بوصفه فقط وقودًا للجسد، بل بوصفه خبرةً كُلية تشمل رؤيته وملامسته وتذوقه والتفكير فيه والإحساس بامتداده في الجسد. وهنا يتحقق الانتقال من الجسد البيولوجي إلى الجسد الحي، عندما يُحلل ميرلوبونتي في كتابه “فينومينولوجيا الإدراك” طبيعة الإدراك، فهو ليس عملية بسيطةً أو محض استقبال سطحي للمعطيات الحسية، وإنما هو خبرةٌ متكاملة، وخبرة مكثفة، ومتعددة الطبقات، والإحساس بهذا المعنى ليس محض استقبالٍ لانطباعٍ حسي، بل هو طريقةٌ للوجود في العالم.
فنحن لا نستقبل الإحساسات استقبالًا منفصلًا، مثل اللون أو الطعم أو الرائحة، ثم نضيف إليها معنى فيما بعد، بل إن المعنى يكون حاضرًا في التجرِبة ذاتها. فما ندركه يأتي مُحمَّلًا بسياقٍ كامل يحيط به: من ذاكرة تحمل أثرًا عنه من الماضي، وتوقعٍ ينتظر منه شيئًا في المستقبل، وانخراطٍ جسدي كامل تتمّ به عملية الإدراك. فهو، ببساطة، ليس مفككًا إلى قنوات مستقلة، بل هو تشابكٌ حسي.
فعندما نتذوق الأشياء عبر الرؤية والشم واللمس والتوقع في آنٍ واحد، تأتي التجرِبة الإدراكية نسيجًا واحدًا، لا مجموعَ أجزاء كما نظن. فكل إدراك هو حدثٌ جسدي-وجودي، لا محض عملية فيزيولوجية. ويتكثف هذا المعنى في تجرِبة الإفطار، إذ تتحول طريقة الوجود ذاتها، فيصبح الجسدُ الذي كان خاضعًا لتجرِبة الجوع والعطش فاعلًا في خلق المعنى.
2- التحول في بِنية معرفتنا باللذة
حينما يبدأ الإفطار ونكسر الصيام، نجد أن احساسَنا بطعم الأشياء قد تغيّر، وأن المستقبلاتِ الحسيةَ أصبحت تعمل بطريق أفضل. وهذا لا يعني بالطبع أن للماء مثلًا طعمًا مختلفًا عما كان عليه، أو أن طعمَه قد تغيّر؛ حتى إننا نتساءل: ما الذي يجعل طعم الماء في الإفطار مختلفًا عن طعمه في أي وقت آخر؟ فالماء لم يتغير، بل علاقتنا به هي التي تغيرت؛ فطول الحرمان في فترة الصيام أدى إلى حضوره بكثافة، فنشعر بطعم مختلف بفعل هذا التكثف.
وربما يفيدنا هنا ما نوه إليه شوسترمان في كتابه “الوعي الجسدي” من أن اللذةَ الجسدية لا تكمن في الإشباع الفوري، بل في الوعي المتزايد بالحاجة والإشباع معًا. فنجد أن الوعيَ الذي تكوَّنَ في تجرِبة الإفطار قد خلق عندنا معنًى؛ فنحن لا نروي عطشنا فقط عندما نتناول الماء، بل نحتفل بقدرتنا على الانتظار ومقاومتنا للعطش. فيأتي فعل الشرب هنا لا بوصفه ارتواءً بيولوجيًا فحسب، ولكنْ بوصفه مكافأةً للجسد على صموده وتحمله، وتذوقًا لثمرة وعينا.
فالماء لا يسري في الجسد المادي فقط، وإنما يُنعش الجسد الحي أيضًا؛ هنا تتحول اللذة إلى تتويجٍ للوعي، ويصبح “الوعيُ الجسدي” بتجرِبة الإفطار لحظةَ “وعي جمالي” “Somaesthetics” كما نوَّه شوسترمان وليس فقط وعيًا باللذة، وهذه اللذةُ من هذا الأفق المختلف دليل على نجاح تجرِبة الصيام في تحويل الجسد من الجسد الموضوعي “Körper” إلى الجسد الحي “Leib”، فتمثل لحظة اندماج بين الوعي والمادة.
3- الخبرة الجماعية وواحدية الفعل
في فعل الإفطارِ يتوحّد الفعلُ بمشاركة الذوات الأخرى؛ فالآخر يدخل معنا هنا في علاقة جديدة، هي علاقةُ الفعل التضامني الموحَّد. فالإفطار غالبًا ما يكون جماعيًا. ونحن نقول في مصر: “رمضان بيحب اللمة”؛ لذلك ظهرت “موائد الرحمن” التي تجمع البشر باختلاف طبقاتهم وثقافاتهم وانتماءاتهم، والجميع يتساوون في فعل الإفطار.
وتلك ظاهرة لافتة حقًا؛ فالبشر نادرًا ما يتفقون على فعل اجتماعي واحد كما يحدث في عملية الإفطار في رمضان، فلا تتنازعهم فلسفات، ولا تنقسم حولهم رؤى؛ بل يحضرُ التضامن والمشاركة والشعور بالمتعة، ومشاركة الآخرين في هذه اللحظة تضاعف الخبرة، وتتحول من خبرة فردية إلى خبرة مشتركة.
فنحن في الاجتماع على الإفطار نختبر ما يُمكن تسميته بـ “الجسد الجماعي“، إذ تصبح لذةُ الآخر جزءًا من لذتي الخاصة. نحن نتشارك المتعة في صورة فريدة تجعلنا نُنحي جوانبنا الفردية جانبًا، فنخلق معنى عامًا، ورؤية تضامنية، وفعلًا موحَّدًا. إنها تجرِبةٌ فريدة تستحق التأمل.
ومن اللافت أنها لا تحظى باهتمام واسع في الدراسات الاجتماعية، رغم ما تحمله من معانٍ متعددة تستحق الوصف والفهم والتحليل. وربما يُعزى ذلك إلى النظر إليها بوصفها شأنًا دينيًا محضًا؛ فلو لم تكنْ كذلك، لانهالت عليها الدراسات بحثًا في كيفية قدرة البشر على التشارك دون سلطة رقابية مباشرة، وفي الوقت نفسه دون صراع. بل إن قيمَ الاقتصاد الرأسمالي المالي تنتحرُ هنا، وتُهدَمُ مبادئها الربحية التي تقيس الأفعال بقدر ما تجنيه من ثمار مادية. فالفعل هنا بريء تمامًا وخالٍ من أي قيم مادية، فقط التشارك والتعاون والمحبة بين أناس لا يعرفون بعضهم البعض على الأغلب وهذه قضية أخرى، تستحق وقفة مستقلة.
ولكنْ، ألا يُمكن إسقاط ذلك على فكرة “الآخر” عند هيدجر، التي يحقق الصيام فيها المعنى الأصيل للآخر، فيظهر لنا لا بوصفه جحيمًا كما عند “سارتر”، بل بوصفه مشاركًا ومعينًا لنا في تجربتنا الوجودية نحو اكتشاف العالم وتجليه؟
إن أفكارَ “هيدجر” عن “الوجود-مع” (Mitsein) توضح أن الإنسانَ ليس فردًا معزولًا يلتقي بالآخرين لاحقًا، وإنما بِنيته الأصلية تكشف أن وجودَه يتضمن منذ البداية وجود الآخرين. غير أن نمطَ هذا الوجود هو الذي يتغير؛ فقد يكون نمطًا أصيلًا قائمًا على المشاركة والعيش معًا، وقد ينقلب إلى نمط غير أصيل حين يذوب الفرد في “الناس” (das Man). ومن ثم فإن تجرِبة الصيام لا تخلق المعنى الأصيل للآخر، بل تُعيد كشفه.
تجرِبة الصيام أيضًا تُمَثِّلُ تعليقًا للعلاقة الاستهلاكية بالعالم، فبينما يُمَثِّلُ الإفطار عودة إليها؛ لكنها عودةٌ مختلفة بالطبع. إنها عودةٌ محمّلة بالوعي ومنتجة للمعنى، مثل عودة الابن الضال بعد غياب، لا عودة السيد إلى ممتلكاته. فالوعي المتزايد الذي يحققه طول الانتظار يحوّل لحظة كسر الصيام من إشباع بيولوجي محض إلى خبرة جمالية وحسية مكثفة، تستحق تحليلًا فينومينولوجيًا خاصًا: بسبب مشاركة الذوات الأخرى، وبسبب الزمن الموحد، وكذلك بسبب فكرة الحرية المرتبطة بالإلزام.
هنا يحضر بقوة المفهوم الفلسفي (البين-ذاتية) Intersubjectivity، التي تتجلى في الإفطار الجماعي بوصفه تجرِبة بين-ذاتية مكثفة، تتشارك فيها الأجساد الإيقاع ذاته والتوقع نفسه. ومصطلح “البين-ذاتية” هو أحدُ الركائز الأساسية في الفينومينولوجيا والفلسفة المعاصرة؛ ويعني الذاتية المشتركة أو الحيز المشترك من المعاني والمشاعر، الذي يتحقق حين تتشارك الذوات في تجرِبة واحدة — كما في تجرِبة الإفطار هنا.
وقد وُضع هذا المفهوم في مقابل “الذاتية الفردية”؛ أي الذات المنعزلة التي تواجه العالم بوصفه موضوعًا، فيبدو الآخرُ مشكلةً معرفية؛ فاليقين —في هذا التصور— هو ما أعيه أنا كوني ذاتًا. إلا أن الفلسفةَ المعاصرة أسست لمفهوم البين-ذاتية بوصفه بديلًا يقينيًا أقوى، يتأسس داخله المعنى في المجال المشترك بين الذوات، لا في انغلاق الذات على نفسها.
كما أن المشاركةَ الجماعية للذوات في فعل الإفطار تُمثل تحولًا في علاقتنا بالآخر؛ فالآخر هنا ليس ذاك الذي يُهدد وجودي أو يراقبِني، بل هو من يشاركني التجرِبة ونتقاسم معه الفرح. إنه الآخرُ الأصيل، في مقابل حالة الضياع بين الناس أو فقدان الذات في ذوات الآخرين في حياتنا اليومية. فهي بحق تجرِبة وجودية مكتملة.
وربما يجوز لنا أنْ نُبرهن على أنها حالةٌ وجودية بفعل ما يثيره الطقس من مشاعر وجدانية جياشة؛ فمن يجلسون على المائدة مجتمعين تغمرهم حالة وجدانية واحدة، حالة يشعرون معها بالوَحْدة والاتصال، وكأن هناك رنينًا جسديًا يجمع بينهم. فالتشابه الذي يجمعهم في القيام بالفعل يخلق بينهم أفقًا من التفاهم والاتصال. وربما يبرر ذلك بعض الوسائل الحديثة في العلاج النفسي التي تقوم على جلسات “الحكي” بين من يتشاركون التجرِبة نفسها؛ فالطبيب النفسي هنا لا يفعل شيئًا سوى أنه يتيح لهم أن يتشاركوا قصصهم، فينشأ مجال جمعي يريح النفس ويساعدها.
كما يُمكننا أن نفسر هذه الظاهرة بحفلات “أم كلثوم”؛ فمن كان يحضر تلك الحفلات كان يشعر بالتناغم ويدخل في حالة وجدانية مشتركة مع الحاضرين، وكأن أفقًا واحدًا يجمعهم، حالة من السُّكْر والمتعة، وربما مجال حيوي ينشأ بفعل التشارك في الفعل ومحبته.
4- خبرة الزمن: لحظة سرمدية
في التحليل الفينومينولوجي للزمن في تجرِبة الإفطار، نجد أن لحظة الإفطار تكتسب كثافة غير عادية؛ فالزمن يتكثف على نحو خاص في هذه اللحظة تحديدًا، وربما يتقاطع ذلك مع ما يسميه هيدجر “اللحظة الكيريوتية” (Augenblick)، أي اللحظة التي يتكثف فيها الزمن، ويصبح الحاضرُ مشبعًا بالماضي، أي ساعات الانتظار الطويلة التي نقضيها في الصيام، ويتمثل فيها المستقبل بوصفه تحققًا وإشباعًا. إنها ليست نقطة زمنية عابرة فحسب، ولكنها تكثيفٌ للزمن المعيش بأكمله.
ويحلل هيدجر “اللحظة الكيريوتية” بأنها تلك التي ينكسر فيها الزمن اليومي المعتاد، الذي نحسبه بالساعات والدقائق، وينفتح فيها “الزمن الأصيل”. ويمكننا فهم الزمن الأصيل عند هيدجر عن طريق تحليله “للدازاين” (Dasein)؛ إذ يصفه بأنه يحيا في تدفق زمني مُشتت، ينصب اهتمامه على الحاضر، ويُكرر الماضي بوصفه عادة، ويتطلع إلى المستقبل برؤيته تَوقُّعًا. أما الـAugenblick)) فهي اللحظة التي يتكامل فيها الزمن على نحو أصيل؛ إنها حاضرٌ أصيل، ليست “الآن” الفارغ الذي يمر، بل حاضرٌ مكثف يختزل الماضي والمستقبل في قرار واحد.
فالصائم يعيش يومَه كله منتظرًا لحظة الإفطار؛ فمنذ الصباح يتجه وعيه نحو المغيب. ولذلك، حين يحين موعدها، تنفجر طاقة مكثفة في لحظة قصيرة، تحمل داخلها كل ساعات الانتظار الماضية، والترقب الحالي، والنظر إلى تحققها في المستقبل. إنها بحق تجمع الآنات الثلاث للزمن: الذاكرة، والتوقع، والحضور. وما يدعِّمُ هذه الفرضية ما وضحه شوسترمان في تحليلاته، إذ يرى أن تحسينَ الأداء لا يحدث في لحظة التنفيذ فقط، بل في الاستعداد الواعي لها. فالوعي بالجسد يكون في أثناء الفعل وليس قبله فقط، وهذا ما يُحسِّنُ الأداء. تَظْهَرُ لنا تجرِبة الإفطار هنا على أنها قمة الانتباه المتجسد الذي تم التدرب عليه طوال يوم الصيام.
5- التحول الوجودي في شعور الذات
هناك تحول وجودي في شعور الذات كونها كائنةً في العالم، فقد يتغير نمط الوجود في العالم في تجربتي الصيام والإفطار؛ تغيرًا قد يكشف لنا عن البِنية الأنطولوجية للجسد بوصفه “كائنًا في العالم” (being-in-the-world) ولا ينفصل عنه. ففي الصيام حين تكون المعدةُ فارغةً، يكون الجسدُ ناقصًا ويشعر بالاحتياج إلى الطعام والشراب، فيبدو العالمُ غائبًا لأنه غيرُ متاحٍ للاستهلاك كما تعودنا. وفي الإفطار يتغيرُ النمطُ إلى شعورٍ بالامتلاء والاكتفاء، فيدخل العالم مرة أخرى في حيِّزِ المتاح؛ فيمثل الإفطار بذلك استعادة للعلاقة مع العالم التي كانت معلَّقة من قبل. ويحدث هذا التحول من النقص إلى الامتلاء، ومن الغياب إلى الحضور، كاشفًا عن البِنية الأنطولوجية للجسد في العالم.
والآن كيف يُمكننا تصنيف نمطي: “الامتلاء” و”النقص” الذي يشعر بهم الجسد في أفكار هيدجر عن نمطي: الوجود الأصيل وغير الأصيل، هل يمكننا حقا تصنيف نمط الامتلاء ونمط النقص من هذه الوجهة؟ وإن كان ذلك ممكنًا، فمن منهما يُمَثِّلُ الأصالة؟ هل يجوز لنا أنْ نناقش أفكارًا من قبيل: ماذا تكشف لنا لحظة الامتلاء عن طبيعة وجودنا؟ وهل يُعَدُّ الامتلاء هو “الحالةُ الطبيعية” للإنسان، أم أن النقصَ المتمثل في الجوع هو ما يكشف أصالة الوجود؟ هنا علينا أنْ نُميز بين الامتلاء الآلي (اليومي) والامتلاء الكشفي (الإفطار).
يعرضُ هيدجر للنمط غير الأصيل بأنه هو الذي يشترك فيه الناس عامة، فهو الشائع بينهم؛ لذلك أطلق عليه الضياع في “دنيا الناس” و”السقوط” في تفاصيل الحياة اليومية. وقد يبدو أن هذا ينطبق على الامتلاء لأنه الأصلُ لا العرض. غير أن تجرِبةَ الإفطار، وبخاصة لحظة الإفطار ذاتها، تُمَثِّلُ تحديًا؛ فهي لحظة كشف للعالم وحضورٍ مكثف للزمن. ففي تجرِبة الإفطار ينكشف العالم في بساطته، ويخرج من تحجبه، وتظهر الحقيقة (aletheia)، فيكتسب الماء والطعام حضورًا مدويًا، وتكتسب لحظة الإفطار طابعًا كاشفًا.
إذا تأملنا بنهجٍ حدسي أولي، نجد أننا نميل إلى عَدِّ الامتلاء “الحالةَ الطبيعية”. لكن هذا الامتلاءَ اليومي الآلي يمكن وصفه بأنه نمطُ “الضياع في دنيا الناس” و”السقوط” في تفاصيل الحياة، في حين يكشف النقصُ (الجوع) عن الوجود بطريقة أصدق.
ما يؤكد ذلك أيضًا هو أفكارُ هيدجر عن وجود الأشياء في العالم؛ فهي توجد في متناول اليد وقيد الاستعمال. ففرشاة الأسنان مثلًا، متاحة دائمًا، لكنها لا تبرز في وعينا إلا إذا تعطلت أو تعرضت للكسر، فإنها تبرز في الوعي لأنها لم تَعُدْ قابلة للاستعمال؛ فتغدو أكثر حضورًا.
وفكرة الصيام، القائمة على تعليق إتاحة العالم للاستهلاك، تسير في المسار ذاته؛ فما دام العالمُ متاحًا فإننا نستهلكه دون التفات، لكنَّهُ يَحْضُر بوصفه كشفًا حين لا يعود متاحًا، فيبرز في الذهن ويكتسب موضعًا مميزًا في الوعي. ومن هنا يمكننا إسقاط أفكار هيدجر على مسألة الطعام والامتلاء؛ فحال الامتلاء تُشبه الأشياء التي تُستعمل في اعتياد يومي، أما الصيام فيعلِّقُ هذا الإمكان، ويجبر الذهن على التوقف والتأمل فيها. ومن ثم يُمكن القول إن التجرِبةَ لا تعلمنا أيّهما أصدق: النقص أم الامتلاء، بل تعلمنا أن وجودَنا نفسَهُ لا ينكشف إلا في هذا التوتر بينهما؛ الذي يتجلى فيه الإنسان بوصفه كائنًا لا يملك العالم امتلاكًا نهائيًا، بل يعيشه في حركة دائمة من الانكشاف والتحجب.