تكوين
“تحدّد التّغريبيّة، بوصفها صنفا من التّفكير، الممارسات التي تُؤثر تأثيرًا حقيقيًّا في العالم الواقعيّ،
ومن بين هذه الممارسات، تلك التي سمحت، أو ما فتئت تسمح،
للغرب بالهيمنة على بقية العالم أو استغلاله.” ([1]).
في معنى الإكزوتيكيّ (أو التّغريبيّ)
كانت كلّ الرّحلات العربيّة الّتي فارقت دار الإسلام تسجّل في نصوصها المختلفة لقاءها الصّادم بالآخر في فضاء الغيريّة، حيث يوجد الغير autrui. ولا يميّز الرّحالة القديم، في العصور الوسطى، بينهما، بين “الآخر” l’autre و”هنالك” l’ailleurs. وهو لا يقيم وزنا للشّبيه الّذي يماثله لأنّه مأخوذ بمراقبة الاختلافات، والوقوف عند كلّ مختلف. ولذلك كانت سبل إدراكه لما يرى محكومة بمنطق هُوّيّ قد نهض أساسا على إدراك الفروق بين “القريب” proche الموجود “هنا” و”البعيد” lointain الّذي لا يمكنه أن يكون إلاّ “هناك” أو “هنالك” ([2]). ولذلك كانت كلّ الرّسائل الّتي حملتها تلك الرّحلات معها من “ممالك الأرض” النّائية، من أخبار وحكايات ووصف للبلاد والعباد محكومةً في صناعة نصّها بسنن الكتابة في أدب العجائب والغرائب الّذي تمثّل رحلة ابن فضلان أو الرّامهرمزي أو ابن بطّوطة نماذج منه ([3]). وهو لا محالة أدب الدّهشة من كلّ ما يوجد في أرض الغيريّة من غرابة تحدّد مسافة الاختلاف بين “الأنا” و”الآخر”. هذه المسافة تطول وتقصر بقدر درجة معرفة الأنا بالآخر. وهي معرفة مُنْفعلة ما برحت تكتشف ما لا تعرف بشيء من التّعجّب والاستغراب. فكلّما قويت درجات الدّهشة دلّ ذلك على أنّ المكتَشِف لم يكن يملك مسبقا المعرفة الّتي تمكّنه من الهيمنة على الآخر، أو الاستيلاء على فضائه. والدّلائل على ذلك وافرة. فالجزر المجهولة الّتي تحدّث عنها السّندباد في سفراته المختلفة أو تلك الّتي اكتشفها البحّارة العمانيّون صدفة في مغامراتهم الّتي سَجَّلت أخبارُها بعضَ حوادثها في كتاب عجائب الهند للرامهرمزيّ لم تكن مسكونة بـ”ذاك الإحساس من الغرابة الجذريّة” ([4]) الّتي شعر بها الأوربيّون الأوائل وهم يضعون أقدامهم لأوّل مرّة على أرض أمريكا. فقبل اكتشاف هذه القارّة كان الرّحّالة برّا أو المسافرون بحرا يعلمون أنّ “الأفضية الأخرى” موجودة في بلد معلوم سجّلت كتب البلدان و”المسالك والممالك” أسماءها ومواقعها. أمّا الأمكنة المجهولة فهي مقترنة بحال “التّيه” الّتي كانت تعقب كلّ عاصفة أو لقاء الصّدفة بالآخر الغريب. ولكنّها حال لا تدوم طويلا إذ سرعان ما تعقبها حال “الهدى” عندما يهتدي البحّارة إلى سبيل النّجاة بالعثور على مدينة معلومة الاسم آهلة عامرة، أو يجد المسافرون من يقودهم إلى طريق العودة إلى أرض الوطن. غير أنّ اكتشاف أمريكا كان حدثا لم يغيّر صورة العالم تغييرا أَكْره الأوروبيّين على إعادة رسم خريطته بإضافة قارّة أخرى فحسب، وإنّما جعل أوائل المستكشفين يشعرون بأنّهم لا يعرفون شيئا عن الأرض الّتي وطأتها أقدامهم ولا عن سكّانها. فهنود أمريكا كانوا موجودين قبل أن يعثر عليهم كولمبوس، إلاّ أنّ اللّقاء الأوّل بهم، أي بالكائنات الّتي اكتشفت حديثا، لم يكن محكوما “بصور وأفكار تتعلّق بشعوب أخرى بعيدة” فحسب كما ذهب إلى ذلك تودوروف، وإنّما بضرب من الغرابة باعثة على القلق L’inquiétante étrangeté ([5]). وهي غرابة تترجم “وَقْع حضور الغريب حين نكون في حضرته. وهو وقع لا يُظهر الغريب بوصفه كائنا مجهولا، بل بصفته غير مفهوم يستعصي علينا إدراكه واللّحاق به أو بلوغه.” ([6]). فالغريب هو ذاك الّذي لا نملك سبيلا لبلوغه، لأنّ “المسألة لا تتعلّق بماهية الغريب، ولا بامتلاك المعرفة اللاّزمة لمواجهته، بل بتنزيل ماهية الغريب في ما يسمّيه إدموند هوسرل Edmund Husserl “بلوغ ما لا يمكن في الأصل بلوغه l’accessibilité à l’inaccessible” ([7]).
وليس أدلّ على ذلك من لفظ “الإكزوتيزم exotisme” الّذي ظهر في القرن التّاسع عشر ([8])، في فترة قد وسمت في تقدير مارك غِيوم Marc Guillaume بنهاية السّفر والرّحيل وبداية السّياحة لمّا اكتملت معرفة العالم في تلك الفترة ([9]).
ويعكس ظهور اللّفظ في المعاجم الفرنسيّة أو الأنقليزيّة المنظور الغربيّ الّذي يترجم إرادة قوّته المتحقّقة بالغزو والاستعمار وهيمنته الاقتصاديّة على العالم. فهو الّذي يحدّد ما هو “الإكزوتيكيّ” l’exotique أو “التّغريبيّ” ([10]). فالحديث عن “التّغريبيّة” l’exotisme لا يتعلّق بالماهيّة أي بسؤال “ما هو التّغريبيّ أو التّغريبيّة؟” بقدر ما يتعلّق بسؤال “لمن” «pour qui ?»، أو عند من يكون الموضوع تغريبيّا؟ فذاك الّذي يعرب عن استغرابه من موضوع مّا بدا له غريبا في نظره، إنّما يشغل موضع التّلفّظ الّذي يتكلّم منه الأوروبيّ لينشئ خطابا عن التّغريبيّة لا يقيّم فيه الآخر بقدر ما ينتقد فيه الأنا، ولا يصف فيه الواقع بقدر ما يصوغ مثالا un idéal ([11]). وفي كلّ الأحوال هو يتكلّم من موضع اللّغة المهيمِنة، إذ بواسطتها تُقال التّغريبيّة ويُفكّر فيها ([12]). وهو عندما يتكلّم يرسم خطّا يحدّد به المغايرة l’altérité لا الاختلاف، على نحو تُفرّق فيه المجموعة الدّاخليّة المهيمِنة endogroupe dominant من المجموعة الخارجيّة المهيمَن عليها exogroupe dominé لوصمها باختلاف حقيقيّ أو وهميّ وإظهاره بضرب من النّكران الهوّيّ déni identitaire يكون تعلّة لتمييز ممكن. فالتّغريبيّة بوصفها تشييدا للمغايرة الجغرافيّة تفصل بين مجموعتين متفاوتتين في المرتبة تترجمها في ثنائيّة: هم/ في مكان آخر، ونحن/ هنا eux, ailleurs et nous, ici. فالتّغريبيّة بوصفها تنويعا على ثابت من الثّوابت الأنثروبولوجيّة تشيّد الهويّة والمغايرة بربطهما بالجغرافيا الّتي تصبح وسيطا بينهما. من ذلك أنّ تعريف “البعيد” «lointain» يتداخل بتعريف “الغريب” الباعث على الاستغراب «bizarre» تداخلا تضحي فيه “الخواصّ المناخيّة” على سبيل المثال و”القيم الأخلاقيّة” الّتي تحدّد موضع الأنا/ هنا معيارا تقاس عليه كلّ اختلافات البلدان البعيدة. وهي ليست اختلافات بل انزياحات عن العِيار، وإفراط أو تفريط، واستثناءات شذّت على القاعدة، وفضائح ([13]). وعندما يقاس موضع الأنا/ هنا على الآخر/ هنالك تتداخل مقولتا “البعيد” و”الغريب” الباعث على الاستغراب تداخلا يلازمه تراكب في المسافات الرّمزيّة une superposition des distances symbolique قد لُوحِظ في بداية القرن السابع عشر لمّا تمّ الانتقال من قيمة موضوعيّة (الغريب l’étranger) إلى قيمة انطباعيّة (الغرابة l’étrange) بفضله نشأت التّغريبيّة وخطابها. فالتّغريبيّ ليس معطى طبيعيّ وإنّما هو حِدْثان un procès من شروطه أن تُعيق المسافةُ معرفةَ الآخر. فكلّما كان بعيدا صار غير أليف Unheimliche . فإذا تلاشت عناصر الغرابة فيه فقد جدّته وعاد بحكم العادة والتّعوّد أليفا familier. فالجار القريب لا يلفت الانتباه والفضول. ولذلك كان أفضل المرَشّحين للاضطلاع بدور التّغريبيّ المثاليّ rôle d’idéal exotique هو الشّعوب والثّقافات المجهولة المغربة في بعدها وتنائيها. فالبعد يغذّي ميل الأوروبيّ، أو من يتكلّم من موقع اللّغة المهيمنة، إلى تجاهل méconnaissance الآخرين والامتناع عن رؤيتهم كما خلقوا وكانوا. فمعرفتهم أو التّعرّف إلى حقيقتهم تتعارض أيّما تعارض مع التّغريبيّة الّتي تريد أن تكون “مديحا في التّجاهل”un éloge dans la méconnaissance. فهي تنهض على تلك المفارقة الّتي يُبْنى بها التّغريبيّ ويُشَيّد ([14]).
إكزوتيكيّة كريستوف كولمبوس
ويبدو أنّ هذه المفارقة، أي “المديح في التّجاهل” قد مثّلتها كتابات كولمبوس. فقد رشحت بها قبل ظهور لفظ “الإكزوتيك”. ففي اليوميّات الّتي دوّنها في “مفكّرة السّفينة”، ذكر الأميرال، خاصّة في اليوميّة المؤرّخة “يوم الخميس11 أكتوبر 1492” لمّا كان مع رفاقه، ليلة الجمعة في الجزيرة الصّغيرة الّتي تسمّى في لغة الهنود “غواناهاني Guanahani”، وهي الّتي سيعمّدها فيما بعد باسم سان سالفادور San Salvador، أنّهم رأوا أناسا عراة. وهي الإشارة الأولى لهنود أمريكا ([15]). وقد علّق تودوروف على هذه اللّقاء الأوّل بالهنود بأنّ كولمبوس قد شعر بخيبة من أنّه لم يجد سوى المتوحّشين ([16]). وستعود الإشارة إلى عري الهنود مرارا وتكرارا في يوميات أخرى من مفكّرته كلّما صادفهم في طريقه مرفقة بملاحظات تتعلّق إجمالا بمظهرهم الجسدي الجميل وقاماتهم ولون بشرتهم ([17]). ورغم ذلك لم يخف كولمبوس دهشته منهم. فقد بدوا له رغم عريهم، أقرب إلى البشر منهم إلى الحيوانات ([18]). ولعلّه بسبب عريهم نظر إليهم كولمبوس على أنّهم مجرّدون من كلّ الخواصّ الثّقافيّة. فعريهم صورة من بدائيتهم وعيشهم على الطّبيعة. فهم بلا عادات ولا طقوس ولا دين ولا ملّة ولا عبادة ولا أسلحة ولا قوانين. ويعلّق تودوروف على موقف الأميرال من ثقافة الهنود بأنّه كان “في أحسن الأحوال، موقف جامع للأشياء الغريبة collectionneur de curiosités لم يصاحبه قطّ محاولة فهم: فعندما رأى لأوّل مرّة منشآت البناء، خلال رحلته الرّابعة على ساحل الهندوراس، اكتفى بأن أمر بكسر قطعة منها للاحتفاظ بها كتذكار.” ([19]). وقد جرّه تجاهله هذا إلى محو جميع الاختلافات بين الهنود، ناظرا إليهم جميعا على أنّهم متشابهون ([20]). وعندما وصف تودوروف موقف كولمبوس من الهنود على أنّه شبيه بموقف “جامع للأشياء الغريبة” فإنّ موقف الأميرال لم يكن ذاتيّا، وإنّما كان وليد لا شعور بصريّ ([21])، لا يتجلّى إلاّ بوساطة ما يمكن تسميته بالمنظور perspective الّذي تتحدّد به علاقة الذّات بالعالم ([22]). ويمكن أن نعتبر أنّ اللاّشعور البصري الّذي تحكّم في رؤية كولمبوس للعالم وللأشياء الّتي تؤثّثه قد مثّله المنظور التّغريبي la perspective exotique. وهو يشتغل دوما بالمقارنة المستمرّة بين الأنا/ هنا وبين الآخر/ هنالك، ممّا يدلّ على أنّ التّغريبيّة هي طريقة إمبرياليّة في النّظر إلى مواضيع محدّدة يتوفّر فيها شرطان هما: البعد في المسافة والغرابة الباعثة على الاستغراب. فبهما تبنى علاقة مخصوصة تُسمّى علاقة بالموضوع relation d’objet. فعندما يصف كولمبوس الأطعمة الّتي كان يتغذّى بها الهنود فإنّه يبني بواسطة هذا المنظور التّغريبيّ الموضوع الموصوف وعلاقته به في الآن نفسه ([23]).
إنّ المقارنة بين أطعمتنا وأطعمتهم وأشجارنا وأشجارهم وحيواناتنا وحيواناتهم والوقوف عند وجوه الشّبه والاختلاف تعرب عن موقف قضويّ شائع في نصوص الرّحلات جميعا بها تبنى عوالم الآخر دائما على نحو غير موضوعيّ. فطالما كان وصف الكائنات محكوما بدهشة التّعجّب والاستغراب تضحي عوالم الآخر البعيدة جغرافيّا غريبة بمجرّد انتزاعها من مجالها الأصليّ والزّجّ بها عبر المقارنة في مجال جديد غريب عنها هو مجال الواصف الثّقافيّ. فالمقارنة لا تغدو ممكنة إلاّ إذا شغل الواصف/ المعاين موضعا بينيّا interfacial بين ثقافتين أو بلدين تبدو فيها أحوال “البلاد” و”العباد” في مجالها الأصليّ قد تحوّلت عند الاقتراب منها على نحو انفعاليّ. وهذا التّحوّل لا يبني بالضّرورة المنظور التّغريبيّ الّذي ينبغي أن يحدّد علاقة الذّات بالعالم على نحو مختلف عن منظور الرّحّالة القديم أو في العصر الوسيط. فإن كانت الرّحلات القديمة لا تصوّر بقاعا موضوعيّة بل أفضية انفعاليّة des espaces émotionnelles شيّدتها رؤية قديمة لفضاء الغيريّة فإنّ اعتبار عنصر التّجاهل، أو “المديح في التّجاهل” شرطا ضروريّا في تشييد المنظور التّغريبيّ لا نجده كافيا، أو شرطا كافيا، لنحدّ به خواصّ هذا المنظور، طالما أنّ تجاهل الآخر في حقيقة كينونته هو عنصر مشترك شائع في نصوص الرّحلة عامّة، إذ على أساسه تبنى المغايرة ([24]). فإن كان فهم الآخر هو ما ينسف كلّ ما هو “إكزوتيكيّ” فإنّ تجاهله محكوم بشروط من شأنها أن تحافظ على مظهره التّغريبيّ. فالمكان البعيد يظلّ فضاء غريبا جذّابا لأنّه “يثير الفضول، ويجذب السياح، وآلة التّصوير.”. فالشيء التّغريبيّ يدعونا إلى الاهتمام به والرّغبة فيه والتّشوّق إليه فنتمنّى امتلاكه. إلاّ أنّه ليس كلّ شيء بعيد باعث على الاستغراب يجعل الموضوع إكزوتيكيّا بالضّرورة. فالانبهار وحده ليس شرطا كافيا لأنّ أكل لحوم البشر، أو التّضحية بهم، أو التشويه الجسدي، وغيرها من الأمور الفظيعة، لا تُعتبر غريبة باعثة على الاستغراب. فالغرابة الجذرية المفرطة في شناعتها، المتعارضة مع أخلاق المدينة (الإسلاميّة أو المسيحيّة…) وعاداتها لا يتولّد منها سوى النّفور والإعراض الشّديد. فالتّغريبيّ ليس سوى غرابة يستسيغها الذّوق ويقبلها ويمكن تدجينها. فالتّغريبيّة المحبّبة إلى النّفوس هي الّتي تكون وديعة ولا تخيف ولا تدعونا إلى مساءلتها ([25]).
الإنسان الأوروبي والشّكل الإمبراطوري
غير أنّ كلّ هذه الشّروط تظلّ غير كافية لحدّ المنظور التّغريبيّ لأنّها تكبت وراء نعومة نظرتها ووداعتها وجه الإنسان الأوروبيّ الإمبرياليّ. فهذا المنظور مهما بُذل من جهد في تلطيفه يظلّ مرتبطا على نحو وثيق بخواصّ الإنسان الأوروبيّ. وهو إنسان إمبرياليّ لا على نحو ماهويّ، كأن يكون بالطّبع والجِبلّة إمبرياليّا، وإنّما بسبب الشّكل الإمبراطوريّ الرّومانيّ، أو ما يدعوه الفيلسوف الفرنسي ريمي براغ Rémi Brague بـ”السّبيل الرّومانيّة” ([26]). فقد اعتبر أنّ “القوى الأوروبيّة الكبرى إنّما هي محاولات متجدّدة لاستعادة هذا الشّكل الإمبراطوريّ، بحيث يمكن القول حرفيّا إنّ الأوروبيّ هو كلّ من تورّط في عمليّة نقل الإمبراطوريّة. وقد احتاجت عمليّة نقل الإمبراطوريّة في الأزمنة الحديثة إلى وسائل جديدة أبرزها هذا التّضامن التّاريخيّ بين العلم والاستعمار. والأمثلة على ذلك كثيرة. فالصّهر الأوروبيّ للعلم والاستعمار قد أنشأ في البداية صورة سياسيّة وجغرافيّة عن الأرض. وقد اضطلع علم الخرائط بأوروبا، وهو من ثمار الأزمنة الحديثة، بدور مهيمن حين وفّر للسّياسيّين والتّجّار والبرجوازيّين المثقّفين في القلاع الغربيّة نظرة شاملة ومجرّدة من كلّ عجيب عن كوكب الأرض الّذي أضحى من الممكن اكتشاف شكله الواقعيّ بقارّاته ومحيطاته.” ([27]).
وعندما يكون هذا الإنسان الأوروبيّ الإمبرياليّ في مكان مجهول ويشعر إزاءه بغرابة جذريّة يمسي سلوكه تجسيما للشّكل الإمبراطوريّ الّذي يبيح للمكتشف أن يصبح سيّد ما يكتشفه. فلا شيء أشدّ أوروبيّة من الفرضيّة الّتي تجعل من المكتشف صاحب حقّ بإمكانه أن يطالب بحقوقه تماما كحقوق المخترع أو حتّى المبدع أو المؤلّف ([28]). ولعلّ أفضل ترجمان لهذه الفرضيّة هو علاقته المتوتّرة بالمكان الّذي هيمن عليه بمجرّد اكتشافه. فعندما يحلّ «الأوروبيّ» في «أمريكا» ويقف أمام آخره الإنسان «الأمريكيّ» يعي وعيا حادّا أنّه في غير مكانه. فهو أينما حلّ سواء في أمريكا أو في “الشّرق” أو في “إفريقيا”، يعقد مع المكان علاقة وصفها إدوارد سعيد في كتاب الاستشراق بأنّها “علاقة لا مساواة” ([29]). وهو يؤسّس بهذه العلاقة نوعا فريدا من الاختلاف يكون فيه الأنا مختلفا عن ذاته سمّاه دجيجاك Žižek “الاختلاف الأدنى” la différence minimale ([30]). وهو اختلاف، إن جرّدناه من كلّ ما فيه من أبعاد النّزاع والصّراع والهيمنة، صار دالاّ على اختلاف الأنا عن المحلّ والموضع الّذي كان من المفروض أن يوجد فيه.
ولمّا كان من الصّعب تجريد اختلاف الإنسان الأوروبيّ من بعده الأمبريالي الكولنيالي صار من العسير فهم علاقته بآخره “اللاّأوروبيّ” (كهنود أمريكا أو الإنسان الشّرقي…) خارج الشّكل الإمبراطوريّ الّذي يغرينا بأن نفسّر حدث لقاء العالم القديم والجديد الّذي جعله اكتشاف كولمبوس ممكنا بأنّه محاولة من المحاولات المتجدّدة لاستعادة هذا الشّكل الّذي كانت قارّة أمريكا المكتشفة مسرحا لتحوّلاته العنيفة. وقد تجسّم عنفها في حرب الإبادة أو “الفتح” الّذي كان ضحيّته شعوب أمريكا وسكّانها الأصليّين. ففتح أمريكا لم يكن محكوما بضرب من التّمركز العرقيّ الأوروبيّ المسيحيّ فحسب، وإنّما بتحوّلات الشّكل الإمبراطوري الّذي اشتغل على نحو جديد لا سابق له في التّاريخ البشري بفضل التّضامن التّاريخيّ بين العلم والاستعمار. وقد تجلّى ذلك في تلازم الكتابة (ظهور الطّباعة) والطّريق (تطوّر رسم الخرائط) والبارود، أي تلازم “وسائل النّقل والإبادة والاتّصال”، جاعلا أوروبا الكاثوليكيّة في القرن السّادس عشر تدشّن قرنا كارثيّا ([31]). فعندما نعلم أنّ سكّان العالم كان في سنة 1500 حوالي 400 مليون نسمة، منها ثمانين مليون نسمة يسكنون في القارّة الأمريكيّة، وأنّه في منتصف القرن السّادس عشر لم يبق منهم سوى عشر ملايين، وأنّ عدد سكّان المكسيك وحدها كان يبلغ في بداية الفتح حوالي خمسة وعشرين مليون نسمة لم يبق منها سنة 1600 سوى مليون نسمة ([32])، فإنّ هذه الأرقام المرعبة تؤكّد أنّ القرن السّادس عشر كان قرن الإبادة شهد فيه أعظم مذبحة عرفها تاريخ البشريّة ([33]).
لقد حاول تودوروف تفسير هذه المذبحة بعرض المعطيات المختلفة الّتي أفضت إلى إبادة سبعين مليون نسمة خلال قرن كامل إلاّ أنّه علّل في النّهاية كلّ الفظاعات الّتي اقترفها الغزاة الإسبان بغياب إطار أخلاقي وقانوني يكبح جماح الغزاة ويردع “بربريّتهم” المفرطة. يقول في آخر الفصل المذهل “الفهم والأخذ والتّدمير”: “كأنّ الغزاة les conquistadores امتثلوا لقاعدة إيفان كارامازوف Ivan Karamazov (إن جاز تسميتها على ذلك النّحو): “كلّ شيء مباح”. فبعيدًا عن السلطة المركزية، وبمنأى من القانون الملكي، تتهافت جميع المحظورات، ويتفجّر الرابط الاجتماعيّ الّذي تراخى لا لينكشف عن طبيعة بدائية، أو وحش نائم في كلّ واحد منّا، وإنّما لينجم منه كائن حديث، مفعم بآمال المستقبل، لا يتقيّد بأيّ أخلاق، ويقتل متى وجد في القتل لذّة. فلا تحمل “بربرية” الإسبان أي طابع وراثيّ أو حيواني؛ إنّما هي بربريّة مفرطة في بشريّتها، وتنذر بقدوم الأزمنة الحديثة. […] فما اكتشفه الإسبان هو هذا التّعارض بين الحاضرة والمستعمرة، حيث تنظّم بين السلوك هنا والسّلوك هناك قوانين أخلاقية مختلفة جذريًا: كانت المجازر بحاجة إلى إطار مناسب.” ([34]).
إنّ غياب الإطار الأخلاقي والقانوني المناسب الّذي يكبح همجيّة الإنسان الإمبريالي هو المتسبّب في ظهور “الإنسان الحديث” و”قدوم الأزمنة الحديثة”. غير أنّ هذا الحدث ينبغي أن يرتبط، ليفهم في سياقه الجديد، بظهور الدّولة الحديثة. وهي دولة عنصريّة في جوهرها هذا إذا فهمنا العنصريّة على النّحو الّذي شرحه ميشال فوكو في بعض دروسه لمّا تطرّق لحرب الأعراق وعنصريّة الدّولة ([35]). فقد بيّن في الفقرات الأخيرة من ذاك الدّرس “أنّ العنصريّة قد زرعت في آليات الدّولة لمّا انبثق “سلطان الحياة” Bio-pouvoir، فأصبحت آلية أساسيّة من آليات السّلطان، بحيث أنّ عمل الدّولة الحديثة لا ينجز إلاّ بالعنصريّة بما هي وسيلة قد أحدثت قطيعة في الحياة ذاتها بين من يحقّ له أن يحيا، ومن ينبغي له أن يموت، وأحدثت كذلك تجزئة في الحقل البيولوجيّ وذلك بتمييز الأعراق بعضها عن بعض (أعراق راقية وأعراق وضيعة). والمهمّ في العنصريّة أنّها ليست علاقة حربيّة أو عسكريّة وإنّما هي علاقة بيولوجيّة. فهي آلية إذا ما استخدمت صار بمقتضاها العدوّ الّذي ينبغي القضاء عليه لا يمثّل الخصم بالمعنى السّياسيّ التّقليديّ وإنّما هو الخطر الخارجيّ والدّاخليّ الّذي يهدّد حياة السّكّان. فليس الأعداء من هذا المنظور منافسين سياسيّين وإنّما هم أعداء بيولوجيّون. ولا ينبغي أن نرى في موت العدوّ ضمانا لحصانتنا، وإنّما هو إبادة عرق فاسد يجعل موته حياة العرق الباقي أسلم وأنقى. فالعنصريّة في تصوّر فوكو هي شرط ليكون القتل مقبولا في مجتمع معياريّ. فـ”سلطان الحياة” لا يوجد إلاّ في مجتمع معياريّ، يوجد بوجوده، فتغدو العنصريّة الشّرط الّذي يسمح بقتل فرد أو شخص أو إماتة الآخرين. وحينئذ لا يمكن ضمان وظيفة الدّولة القاتلة إلاّ إذا اشتغلت آليات الدّولة على نمط “سلطان الحياة” باستخدام العنصريّة.” ([36]).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
* أستاذ التّعليم العالي بكلّيّة الآداب والفنون والإنسانيّات منّوبة/ جامعة منّوبة. الجمهوريّة التّونسيّة.
[1] انظر، Jean-François Staszak, «Qu’est-ce que l’exotisme?»., In: Le Globe. Revue genevoise de géographie, tome 148, 2008. L’exotisme., (pp. 7-30), p28.، حيث ذكر في آخر مقاله، «L’exotisme, en tant que catégorie de la pensée, détermine des pratiques qui ont un effet réel sur le monde réel, et parmi ces pratiques, celles qui ont permis ou permettent à l’Occident de dominer ou d’exploiter le reste du Monde.».
[2] انظر، Paul Zumthor, (1993) La Mesure du monde, Paris, Éditions du Seuil, p259.
[3] كتب البحار والجزر وعجائبها كثيرة في الأدب الجغرافيّ العربي القديم، لعلّ أشهرها، بُزْرُك بن شهريار بن النّاخذاه الرّامهرمزي، كتاب عجائب الهند برّه وبحره وجزائره، بيروت، دار صادر، 1900.
[4] انظر، Tzvetan Todorov, La Conquête de l’Amérique. La question de l’autre, op.cit, p13.، حيث وردت عبارته التّالية، «ce sentiment d’étrangeté radicale» .
[5] انظر، Ciaramelli Fabio, «L’inquiétante étrangeté de l’origine». In: Revue Philosophique de Louvain. Quatrième série, tome 96, n°3, 1998. pp. 512-524.
[6] العادل خضر، اليوتوبيا الجَزَرِيَّة.، قراءة في حيّ بن يقظان لأبي بكر بن طفيل.، تونس، الدّار التّونسيّة للكتاب، الطّبعة الأولى، 2024، ص190. وقد بيّنّا أنّه في كلّ الأحوال يطرح “الحدث” (ظهور الغريب) و”الباتوس” (وما يرافق الظّهور من انفعالات) معا سؤالا هو: “ما هي السّبل الّتي نملك لبلوغ الغريب؟”.
[7] انظر في خصوص هذه المسألة، Bernhard Waldenfels, (2009) Éudes pour une phénoménologie de l’étranger, t.1: Topographie de l’étranger, traduit de l’allemand par Francesco Gregorio, Frédéric Moinat, Arno Renken et Michel Vanni, Paris, Van Dieren Éditeur, Collection: Par ailleurs, p35-37.
[8] انظر مدخل «Exotique»، من المعجم الفرنسي التّاريخي، Alain Rey (Sous la direction de), Dictionnaire historique de la langue française, Paris, op.cit, p5344-5345.، وقد جاء في تعريفه أنّ اللّفظ قد اقترضه رابلي Rabelais سنة 1552 من اللّفظ اللاّتيني exoticus، المقترض بدوره من اللّسان اليوناني المتأخّر exôtikos، ويعني “الغريب والخارج” «étranger, extérieur». ولكنّه لم يصبح متداولا إلاّ بداية من القرن الثّامن عشر. وهو ينطبق على كلّ من لا ينتمي إلى حضارة الشّخص الّذي يتكلّم، وعلى كلّ ما أتى من بلدان بعيدة. واستعمل في البداية للحديث عن النّباتات والسّماد، ولكنّه منذ بداية القرن التّاسع عشر صار متعلّقا بالأخلاق والفنّ… وقد صار يعني بشيء من التّراخي صفة “المثير للاستغراب” «bizarre». ومن «Exotique» اشتقّ لفظ «Exotisme» سنة 1845، وهو ينطبق على الذّوق الّذي يميل إلى الثّقافات المختلفة عن الثّقافة الأوروبيّة مع ما يلابسه من فكرة التّصوير السّطحيّ pittoresque superficiel.
[9] انظر، Jean Baudrillard, & Marc Guillaume, (1994) Figures de l’altérité, Paris, Descartes &Cie, p.p48-49.. وقد أوجزنا تصوّره في، العادل خضر، هويّات وغيريّات، مقالات في صناعة الآخر، تونس، الدّار التّونسيّة للكتاب، الطّبعة الأولى، 2018، ص104-105، لمّا اعتبر أنّ “ظهور لفظ “الإكزوتيزم” هو قرينة على نهاية حضور الآخر. فقد قلّص الرّجل الغربيّ من حقيقة الآخر بالاستعمار والاحتواء الثّقافيّ، وألغى ما فيه من اختلاف على نحو جذريّ، واختزل كلّ ما لا ينقاس l’incommensurable عنده في جملة من السّمات السّلبيّة هي قطْعا السّمات المشكّلة لصورة الإنسان «اللاّ أوروبيّ». […] وهو تقليص ضروريّ، لأنّ الإفراط في الاختلاف يجعل تجربة المغايرة مستحيلة. فالمغايرة لا تكون إلاّ بتقليص الآخر على نحو قد يفضي إلى ندرته. بل إنّ هذا التّقليص والاختزال قد كانا من أسباب ندرة الآخر. فالنّدرة الحقيقيّة هي المغايرة. ولعلّ أفضل طريقة لمقاومة هذه النّدرة هي ابتداع تخييل الآخر.”.
[10] انظر، لسان العرب، مادّة [غ.ر.ب] الثّريّة بمعاني الغريب مختلفة غير أنّ تنوّع الألفاظ المعربة عنها كـ”الغَرْب” و”الغَرْبة” و”الإغراب” و”الغرابة” و”التّغريب” و”المُغَرِّبة” و”المُغْرِبُ”، وغيرها ممّا لم نذكر، تظلّ دائرة في معظمها على معاني البعد والانفصال والفراق والاختلاف والتّحوّل.
[11] انظر، Tzvetan Todorov, (1992) Nous et les autres. La réflexion française sur la diversité humaine, Paris, Points- Essais, p355.، حيث يذكر ما يلي: «Mais la manière dont on se trouve amené, dans l’abstrait, à définir l’exotisme, indique qu’il s’agit ici moins d’une valorisation de l’autre que d’une critique de soi, et moins de la description d’un réel que de la formulation d’un idéal.».
[12] انظر، Jean-François Staszak, «Qu’est-ce que l’exotisme?»., In: Le Globe. Revue genevoise de géographie, tome 148, 2008. L’exotisme., (pp. 7-30), p10.، حيث يورد هذه الملاحظة، «C’est dans la langue dominante que se dit et se pense l’exotisme.»
[13] انظر، ibid, p10&13.
[14] انظر، Tzvetan Todorov, Nous et les autres., op.cit, p356.
[15] انظر، Christophe Colomb, La Découverte de l’Amérique., op.cit, p118.
[16] انظر، Tzvetan Todorov, La Conquête de l’Amérique. La question de l’autre, op.cit, p49.، لمّا ذكر أنّ كولمبوس«il est un peu déçu de n’avoir trouvé que des sauvages.» .
[17] انظر، Christophe Colomb, La Découverte de l’Amérique., op.cit, p177&180.، حيث لاحظ كولمبوس في إحدى يومياته بتاريخ “الخميس 13 ديسمبر 1492” أنّهم “كانوا بيض البشرة إلى حدّ أنّه لو كانوا مرتدين لملابس، ومحتميين من الشمس والهواء، لكان بياضهم تقريبًا كبياض البشرة عندنا في إسبانيا.”. ويذكر كذلك في يوميّة أخرى بتاريخ “الأحد 16 ديسمبر 1492” ما يلي: “كان هذا الملك وجميع قرابته عراة دون ثياب كما ولدتهم أمّهاتهم، وكذلك كانت نساؤهم عاريات دون الشّعور بأدنى حرج. كانوا أجمل الرّجال والنّساء من الذين قابلناهم إلى الآن.”.
[18] انظر، Tzvetan Todorov, La Conquête de l’Amérique. La question de l’autre, op.cit, p49. معتمدا على شهادة برنالداز Bernaldez التّالية: “وجميع أولئك النّاس من تلك الجزر والأراضي اليابسة، وإن بدوا من السّوام وعراة […] قد بدوا لهم عقلاء جدّا وأذكياء ذكاء حادّا.”.
[19] انظر، ibid, p50.. ونجد أمثلة أخرى في،Christophe Colomb, La Découverte de l’Amérique., op.cit, p151-152.، نذكر منها ما جاء في اليوميّة بتاريخ 16 نوفمبر 1492 الّتي تدلّ على أنّ كولمبوس كان يجمع كلّ غريب يثير استغرابه ليعرضه على ملك إسبانيا وملكتها. يقول: “وكانوا يصطادون بالشّباك، فاصطادوا من بين الكثير من الأسماك سمكة، كانت تشبه حقّا الخنزير، ولم تكن مثل سمكة التونة، ولكنّها، كما قال الأميرال، كانت خالية من الحراشف تمامًا، صلبة جدًا، ولم يكن فيها شيء طريّ ماعدا الذيل والعينين وثقبا في أسفلها لإخراج البراز. وأمر بتمليحها لحملها حتّى يراها الملوك.”.
[20] انظر، ibid, p132&140&165.، حيث نجد أمثلة كثيرة على تشابه الهنود في كتابات كولمبوس، منها ما جاء في اليوميّة بتاريخ (22/10/1492) ذكر فيها أنّه “جاء كثير من هؤلاء الناس، مثل القادمين من الجزر الأخرى، عراة تمامًا ومُلوّنين بنفس اللون.”، أو اليوميّة بتاريخ (1/11/1492) الّتي قال فيها: “لهؤلاء الناس الطبيعة والعادات نفسها الّتي صادفناها حتى الآن”، أو اليوميّة الّتي كتبت بتاريخ (3/12/1492) ووصف فيها بعض الهنود بأنّهم: “أناس مثل الهنود الذين سبق لي أن تحدّثت عنهم، من نفس المعتقد، وهم يعتقدون كالآخرين أنّنا أتينا من السّماء”.
[21] العادل خضر، الأدب عند العرب، سننه ووظائفه ومؤسّساته، مقاربة وسائطيّة، تونس، دار ميسكلياني للنّشر، الطّبعة الثّانية، 2017 (الطّبعة الأولى 2004)، ص193. حيث بيّنّا أنّ هذا اللاّشعور البصري “لا يبتدعه الأفراد وإنّما يتحكّم في طرائق رؤيتهم للعالم وأشيائه وأساليبهم في التّحرّك في الفضاء وتقسيمه.”.
[22] في مسألة المنظور بوصفه شكلا رمزيّا لا مجرّد شكل هندسيّ أو رياضيّ نحيل على كتاب، Erwin Panofsky, (1975) La Perspective comme forme symbolique., Préface de Marisa Dalai Émiliani, Paris, Éditions de Minuit.
[23] انظر، Christophe Colomb, La Découverte de l’Amérique., op.cit, p266.، حيث ذكر في الرّسالة الّتي كتبها إلى كونت تنديّاComte de Tendilla ورئيس أساقفة غرناطة l’archevêque de Grenade بتاريخ 13 سبتمبر 1493، ما يلي: “أمّا بقيّة أطعمتهم فيتّخذونها من الأشجار الّتي لا تشبه في شيء أشجارنا. ولا توجد في الجزيرة حيوانات من ذوات الأربع قوائم quadrupède، باستثناء سحالي ضخمة لكنّها غير ضارّة، ونوع من الأرانب الصّغيرة الّتي تشبه جرذاننا.”.
[24] أبو عبد الله محمّد بن عبد الله اللّواتي الطّنجي ابن بطّوطة، رحلة ابن بطّوطة، تحفة النّظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، قدّم له وحقّقه محمّد عبد المنعم العريان وراجعه وأعدّ فهارسه مصطفى القصّاص، بيروت، دار إحياء العلوم، الطّبعة الأولى، 1987، ج2، ص640، وفيها تتواتر عبارة “عندنا” الدّالّة على أنّ مرجع النّظر الصّريح أو الضّمني هو بلاد الرّحّالة الّذي منه يتكلّم على غرار ما جاء عند حديث ابن بطّوطة عن بضائع الصّين لمّا قارنا بما يوجد “عندنا” أو في “بلادنا”. يقول: “وأمّا الفخّار الصيني فلا يصنع منه إلا بمدينة الزيتون وبصين كلان. […] وهو هنالك بقيمة الفخّار ببلادنا أو أرخص ثمناً ويحمل إلى الهند وسائر الأقاليم حتى يصل إلى بلاد بالمغرب وهو أبدع أنواع الفخار. ودجاج الصّين وديوكها ضخمة جداً أضخم من الأوزّ عندنا وبيض الدّجاج عندهم أضخم من بيض الأوزّ عندنا، وأما الأوزّ عندهم فلا ضخامة لها.”. والإبراز إبرازنا.
[25] انظر، Jean-François Staszak, «Qu’est-ce que l’exotisme?»., op.cit, p14-17.
[26] لقد صاغ ريمي براغ في مقالته: Rémi Brague, «Europe: tous les chemins passent par Rome», Esprit, Février, 1993, p.p33-40، أطروحة استأنفها في كتابه، Rémi Brague, (1992) Europe: la voie romaine, Paris, Éditions Critérion& folio essais, 1999.، تبدو مقنعة تعرّف أوروبا بوصفها شكلا هو “الشّكل الإمبراطوري”. وقد حدّد هذا الشّكل الوظيفة الجوهريّة في تكوين أوروبا، وهي تخصّ آلية انتقال الإمبراطوريّة. فأوروبا هي مسرح لتحوّلات الشّكل الإمبراطوريّ. والفكرة الموجّهة للمخيال السّياسيّ الأوروبيّ هي ضرب من التّقمّص للإمبراطوريّة الرّومانيّة من خلال الشّعوب الأوروبيّة الّتي يفترض أنّها قادرة على صنع التّاريخ.
[27] العادل خضر، هويّات وغيريّات، مقالات في صناعة الآخر، م.م، ص112.
[28]انظر، Peter Sloterdijk, (1994-2003) Si l’Europe s’éveille. Réflexions sur le programme d’une puissance mondiale à la fin de l’ère de son absence politique, Traduit de l’allemand par Olivier Mannoni., Paris, Milles et une nuits, p14.
[29]انظر، Edward.W Said, (1978-2005) L’Orientalisme., L’Orient créé par l’Occident., Traduit de l’américain par Catherine Malmoud., Paris, Éditions du Seuil., p184.، حيث صاغ إدوارد سعيد هذا التّصوّر بهذه العبارة الحاسمة: “فأن يكون المرء أوروبيّا في الشّرق يتضمّن دوما أنّه على وعي بكونه متميّزا عن محيطه، وأنّه يعقد معه علاقة لا مساواة.”.
[30]في التّعريف المتوسّع بمتصوّر “الاختلاف الأدنى” تراجع فقرة «Hegel3: la différence minimale»، من كتاب، Slavoj Žižek, (2008) Organes sans corps, Deleuze et conséquences, Paris, Éditions Amsterdam, p.p81-96.، وراجع، العادل خضر، هويّات وغيريّات، مقالات في صناعة الآخر، م.م، ص108، حيث بيّنّا في شرح هذا المفهوم أنّ “الاختلاف الأدنى” هو اختلاف الأنا عن المكان الّذي سُجّل فيه، أو اختلافه عن الموضع الّذي نزل فيه وحلّ. فإذا كان التّسجيل في المكان يثبّت الوجود في مكان، “لأنّ المكان هو الّذي يمنح الوجود”وكان المكانُ ضامنا لهويّة الأنا أضحى الموضعُ والمحلُّ والموْجِدُ (بمعنى مكان الوجود) هاهنا هو المتسبّبَ في زعزعة مرتكزِ الهويّة وأساسِها المكين.”.
[31] انظر، Régis Debray, (1991) Cours de médiologie générale., Paris, folio-essais, p494.، وراجع التّرجمة العربيّة، ريجيس دوبريه، محاضرات في علم الإعلام العام، ترجمة فؤاد شاهين وجورجيت الحدّاد، بيروت ـ لبنان، دار الطّليعة، الطّبعة الأولى، 1996، ص228، حيث بيّن أنّ فعل الاتّساع في الفضاء هو فعل هيمنة.
[32] انظر، Tzvetan Todorov, La Conquête de l’Amérique. La question de l’autre, op.cit, p170.
[33] انظر، ibid, p13.، حيث أكّد تودوروف منذ مقدّمة كتابه أنّ القرن السّادس عشر، «le seizième siècle aura vu se perpétrer le plus grand génocide de l’histoire de l’humanité.».
[34] نحيل على الأسطر الأخيرة من فصل “الفهم والأخذ والتّدمير”، «Comprendre, prendre et détruire»، من كتاب تودوروف، ibid, p185.
[35] راجع درسه بتاريخ 17 مارس 1976، المنشور في كتابه، Michel Foucault, (1997) «Il faut défendre la société», Cours au Collège de France, 1975-1976., Édition établie, dans le cadre de l’Association pour le Centre Michel Foucault, sous la direction de François Ewald et Alessandro Fontana, par Mauro Bertani et Alessandro Fontana., Paris, Gallimard/Seuil, Collection «Hautes Études », p213-235.
[36] العادل خضر، هويّات وغيريّات، مقالات في صناعة الآخر، م.م، ص169-170