الإنسان وأنساقه المعرفية والأخلاقية والجَمَالية

نموذج تطبيقي

أجتهدُ هَاهُنا أن أكون وفياً على المستوى التطبيقي للنسق الذي أدافعُ عنه فكرياً، إذ أرسمُ في هذه الورقة طريقاً ميزته الأساسية أنه طريق غير مُنتهٍ، أو طريق في طور الإنجاز الدَّائم، لناحية إبقاء الفرصة مُتاحة لنا، لي أولاً، جميعاً لتصحيح[1] النتواءات والتشوهات الحاصلة في أرواحنا تجاه ثُلاثية: 1- الأفكار. 2- الأشخاص. 3- الأشياء. لما لتطوير هذه الثلاثية، والدَّفع بها قُدماً ناحية أفق أكثر إنسانية، من علاقة بموقفنا الحضاري من العالَم الذي نعيش فيه، ويمكن أن يمتد أثره، بطبيعة الحال، إلى الأجيال اللاحقة.

في النموذج التطبيقي أخذت عيّنات من حياتي الشخصية من المستويات الثلاثة: 1- المعرفية. 2- الأخلاقية. 3- الجمالية، ليس لأبدو بثوبٍ طهراني –فذلك ضد الشرط الإنساني، وضدّ أي حالة صحية على المستوى المعرفي- بل لأبدا الطريق بنفسي. ففي النهاية، حياتنا الشخصية وتمثلاتها في الواقع مرآة لأفكارنا التي رُبِّيَّت[2] عليها عقولنا. فسعينا الحثيث إلى الكمال يستوجب اختباراً حقيقياً لأفكارنا العقلية عن الوجود الإنساني بمكوناته المُختلفة على أرض الواقع، لتُصبح تلك الأفكار قابلة للقياس ساعة تتجسد وتتمثل في تصرفاتنا ومسلكياتنا اليومية، ولا تبقى في طور الطوبى المفترضة. أي أن تتحوَّل إلى مسلكية مزدوجة: واحدة في الأذهان وواحدة في الأعيان، مع حدوث انسجام واتسَّاق بين هذين المستويين، بطريقة تُبقي صاحبها في حالةٍ من الصحة الرُّوحية.

هَاهُنا، في هذا المقام، وقبل أن انتقل إلى المستوى التطبيقي، اجترح ثلاث مهام برسم الإنسان على الإطلاق، افترضُ أنها تُساهم في تطوِّره الرُّوحي، أو في تطوير ثلاثية: الأفكار والأشخاص والأشياء، بشكلٍ دائم:

  • تدريب عقله.
  • تطهير قلبه.
  • تربية بصره وتهذيب بصيرته.

المهمة الأولى (تدريب عقله) ترتقي بالإنسان من مرحلة الولادة البيولوجية إلى مرحلة الولادة الإبيستمولوجية، أو من الولادة في العالَم على المستوى البيولوجي إلى ولادة العالَم على المستوى المعرفي. والمهمة الثانية  (تطهير قلبه) ترتقي بالإنسان من مرحلة الغرائز الحيوانية إلى مرحلة الكائن الأخلاقي، أو من مرحلة الحيوان الناطق إلى مرحلة الكائن القيمي. والمهمة الثالثة (تربية بصره وتهذيب بصيرته) ترتقي بالإنسان من مرحلة التبلُّد اليومي إلى مرحلة الدهشة الأبدية، أو من الرَّحيل من مرحلة البيولوجيا إلى مرحلة الأنطولوجيا. المهمة الأولى برسم المُدونـة العقليـة، وقدرة الإنسان على تفعيل عقله النقدي في العالَم. والمهمة الثانية برسم المُدونـة الأخلاقيـة وقدرته على ضبط العلاقة بين العقل والعالَم، بحيث لا يكون التنوير العقلي سبباً في توحِّش الإنسان، وانحداره إلى مستويات حيوانية. والمهمة الثالثة برسم المُدونـة الجماليـة واستشراف ما في الوجود من جَمَال منثور ومبثوث في صُغرياته وكبرياته، والتعامل مع هذا الجمال بحساسيةٍ تُربِّي وتُهذِّب.

المُدونة العقلية قد تُبقي على الإنسان ضمن نطاق المقولة الفلسفية: “الإنسان حيوان عاقل”، أي أنَّ إعماله لعقله في مادة العالَم قد يخضع لنزواتٍ كارثية تُفضي إلى تدمير الإنسان والحضارة معاً. والآن في عالمنا المعاصر –عقب نتاجات معرفية وعلمية هائلة أفضت إلى أسلحة فتَّاكة وقاتلة بشكلٍ جماعي- نشهد حالة مُرعبة من توحُّش العقل وقدرته على الفتك بكل ما هو موجود من أشياء وأفكار وأشخاص؛ بل والأخطر من ذلك، تبرير ذلك التوحُّش. فأداة العقل التي انتقل الإنسان بموجبها من مرحلة الحيونة إلى مرحلة الأنسنة تُفضي به إلى عالَم أكثر تقدماً! لكن على المستوى الوحشي.  لذا فـ تدريب العقل بحاجةٍ من ثمَّ إلى تطهيرٍ للقلب، لكي لا يبقى الإنسان يُراوح في مقولة “الإنسان حيوان عاقل”، بل أن ينتقل نقلة كبرى إلى المقولة الأنطولوجية “الإنسان كائن رحيم”. فحالة العقلنة غير كافية لإنتاج سياق تواصلي، تفاعلي، تشاركي، تراحمي وبطريقة إيجابية بين بني البشر. بل لا بُدَّ من صقل تلك العقلنة أخلاقياً، لكي تتحوّل المعارف والعلوم التي يُنتجها العقل من إطارها العمودي إلى سياقها الأفقي، فتلك المُنتجات ليس لسيطرة بعض الناس على كل الناس من جهة، وليس لإهلاك الناس من جهة ثانية، بل هي لخدمتهم وخدمة مشروعهم الحضاري في هذه الحياة بالأحرى. ولكي تكتمل مسيرة الإنسان في أداء مهامه لتطوير ثلاثية: الأفكار والأشخاص والأسياء، لا بُدَّ له –إضافة إلى تدريب عقله وتطهير قلبه- من تمرينٍ جمالي كبير على مُعاينة الجمال المنثور والمبثوث في هذا الوجود، مبتدئياً من ذاته وهي تتصِّلُ بالعالَم اتصالاً حميماً. وهذا التمرين لن يتأتَّ إلا عبر تربية للبصر، فالعيون عليها أن تكون نظيفة لكي لا (يدخل/ يخرج) منها إلا ما هو جميل. ويقيناً لن تستقيم حالة تربية البصر إلا بتهذيبٍ مُسبق للبصيرة، فالبصر الذي ينطلق ليرى العالَم الخارجي جميلاً لن يراه كذلك إلا إذا كانت بصيرته نظيفة على المستوى الداخلي. فالمُعالجات لرؤية الأفكار والأشخاص والأشياء؛ رؤية جمالية، لن تكون ذات جدوى، إذا لم تكن معالجات جوهرية وأساسية. بل سيُصيبها التشوّه ساعة نُعاين (فكرة/ شخصاً/ شيئاً) لا نتفّق معه في المُنطلق أو في المآل الوجودي. فمن مُتمّمات: 1- دربة العقل. و2- طهارة القلب. و3- تربيةً للبصر وتهذيباً للبصيرة، إكمالها لبعضها البعض، بحيث يكون البناء سليماً ومتيناً وجميلاً من مبتداه إلى مُنتهاه. فهذه الثلاثية، إذا ما اجتمعت مع بعضها اجتماعاً كاملاً، كفيلة بختم سلسلة الوجود الإنساني ختمة يبتدئ منها الإنسان، في كل لحظة، لأداء مهامه في إعمار هذا الكون إعماراً يليق به ككائن: 1- معرفي. 2- أخلاقي. 3- جمالي. ويسعى، سعياً دائماً ومتواصلاً، وبكل ما أوتي من قوة وعزم وإرادة، للارتقاء على سُلَّم القيم الإنسانية العليا.

على المستوى الشخصي، لغاية المواءمة بين ما هو نظري وما هو تطبيقي كما أسلفت بداية المقالة، اجتهدتُ لكي أطوِّر ذاتي ضمن النموذج المُقترَح، على ثلاثة مستويات:

ففي المستوى الأول أو مستوى تدريب العقل وتوسيع مُدخلاته إلى أقصى حدٍّ، بقدر استطاعة الإنسان بحسب ابن سينا ساعة عرَّف الفلسفة، بحيث تُصبح مُخرجاته، أي الإنسان، أكثر سعة ورحابة، وتتسِّعُ للعالَم كله. أتذكرُ أني شعرتُ بغضبٍ شديد في العام 1998 عندما قرأتُ كتاب (في ثقافة الديمقراطية) لجورج طرابيشي لأنه انتقد “محمد قطب” تحديداً لبعض ما جاء في كتابه (جاهلية القرن العشرين)[3]. لمعالجة غضبي[4] وإطفاء هذا الجنوح غير المحمود على المستوى المعرفي، ذهبتُ وقرأتُ معظم كتب “محمد قطب”، وبالمعيّة قرأت العديد من كُتب شقيقه “سيد قطب”. فوفقاً لنمط التربية الذي تربيتُ عليه[5] كان محمد قطب مُنافحاً عن ملاذاتنا الآمنة التي كان الدِّين قد أسَّسَ لقواعدها الرئيسية قديماً، ومع الزَّمن رسخها الأتباع والمُريدون والمُتحمسون في أذهاننا ومسلكياتنا الواقعية؛ جيلاً إثر جيل، وعندما وصلتنا كانت جاهزة وناجزة، ولا تقبل، تحت أي ظرفٍ كان، أي زيادة أو نقصان. تُؤخذ كاملة، أو يُصبح الأمر منوطاً بجُملة من العقوبات الشديدة.

مرة أخرى[6] حدث عيب في تكويني المعرفي، يوم أن اتخذتُ مواقف حدّية وصارمة من ثلاثة أقطاب من أقطاب الفكر الغربي الحديث: 1- تشارلز داروين. و2- كارل ماركس. و3- سيغموند فرويد. إذ كان “محمد قطب” قد تحدَّثَ عنهم، بطريقةٍ فجّة وممجوجة ومحسومة مُسبقاً لصالح مرجعياته الدينية، في كتابه (مذاهب فكرية معاصرة). لمعالجة هذا العيب ذهبتُ وقرأتُ النصوص الأصلية لأولئك المفكرين الكبار، لاكتسف أنَّ العالَم لم يعد كما كان عليه بعدهم، أو بعد كتبهم. انشطر العالَم: قبلهم وبعدهم، إذ لم يكونوا أصحاب عقول فذَّة فحسب، بل وُجدوا في عصر كبير كانت تتحرَّك فيه حيوات حضارة كاملة[7].

منذ ربع قرن وحتى اللحظة، لا شك أنَّ عيوباً فرضت سطوتها بين الحين والآخر على تكويني المعرفي، وهذا شيء طبيعي؛ لكني أحاول جاهداً على الدوام أن ألجم تلك العيوب وأعالجها، بحيث لا تطغى بنيتي النفسية على بنيتي المعرفية، فتصبح آرائي ووجهات نظري محض نزوات نزقة وسريعة، وهذا لا يليق بأي منزع معرفي حقيقي. “فالمَسْعَى المعرفي لا ينسجم ومقتضيات الاستفزاز. الاستفزاز منزع ثأري تضطلع به (ذاتٌ و/ أو جماعة) تبحث عن الانتقام وتصفية الحسابات مع مَنْ تعتبرهم خصوماً لها”[8]

في المرحلة الإعدادية قرأتُ روايتيّ: (كوخ العم توم)[9] لـ “هيريت ستاو” و(بائعة الخبز) لـ “كزافيبه دو مونتبان” من مكتبة المدرسة، وأذكر أن الدخول إلى مكتبة المدرسة كان عملاً طارئاً، وليس عملاً أصلياً من صُلب العملية التربوية. فعندما يغيب أحد الأساتذة يمكن أن نذهب إلى المكتبة ليس للقراءة أو لأن القراءة بنية راسخة في تكويننا التربوي، بل لأن المُعلِّم المسؤول عن المكتبة يكون شاغراً أكثر من غيره، ويمكن ان يعتني بطلبة الأستاذ الغائب، ليس إلا. لكن الصدفة، ما أجملها من صدفة، قادتني إلى الروايتين السابقتين. ومن مكتبة والدي، كذلك، قرأتُ السير الشعبية المشهورة، كسيرة الزير سالم أبو ليلى المهلهل[10] وتغريبة بني هلال وسيرة الملك سيف بن ذي يزن. قرأتُ أيضاً بعض الكتب الدينية تحديداً بعض كتب “ابن القيم الجوزية”، مثل: روضة المحبين ونزهة المشتاقين، وكتاب الروح. وبعض تفاسير القرآن مثل تفسير الجلالين لجلال الدين المحلى وجلال الدين السيوطي، وتفسير (في ظلال القرآن) لسيد قطب. كذلك –من مكتبة الوالد أيضاً- قرأتُ بعض الكتب عن تاريخ الأردن، مثل: صفحات مطوية من تاريخ الأردن لسعد أبو دية. وكتابات في القضايا العربية لوصفي التل وكتاب آثار الأردن للانكستر هاردنج، وغيرها من الكتب. وفي العموم انصبت اهتمامات الوالد القرائية على حقلي الدِّين والسياسة أكثر من غيرهما، وما زلتُ احتفظُ بمعظم كتبه في بيتي، فأنا الوحيد في العائلة الذي ورث عادة القراءة عن أبي.

في بداياتي الجامعية، استكمالاً لمهمة تدريب عقلي، قرأتُ الكتب الأساسية في الفلسفة الألمانية[11]، ولاحقاً تعرفتُ على الفلسفة الغربية[12] في مجملها[13]، وبوقتٍ لاحق على الفلسفة الإسلامية[14]، وفي فترة لاحقة سحرتني الفلسفات الشرقية[15] القديمة[16]، لا سيما فلسفة الحكيم الصيني “لاو تسو” التي تركها لنا، ككنزٍ ثمين، في كتابه العظيم (الطاو: إنجيل الحكمة الطاوية في الصين)[17].

وبحكم تربيتي، إذ نشأتُ في بيئة مُحافظة[18]، قرأتُ الكثير من الكتب الأصلية عن الإسلام[19]، ولاحقاً تعرفتُ على تفاصيل أعمق عن الحقل المعرفي الذي تجلَّى فيه الدِّين الإسلامي والخلافات الشرسة التي  نشأت بين الفِرق والمدارس الفكرية[20]. ثم وسعت توجهاتي واطلعتُ على الأديان الأخرى التي أوجدتها الأمم والشعوب الأخرى[21]، وشكلت جزءاً من حالة الثراء الرُّوحي للبشرية.

تتبعتُ بشكلٍ حثيث عصر النهضة العربية[22]، ابتداءً من تأشيرات إبراهيم اليازجي على أهمية الصحافة[23]، ودورها في مسيرة النهضة؛ وصولاً إلى آخر ما كتبه “طه عبد الرحمن”[24] أو “فتحي بن سلامة”[25]، مروراً برفاعة الطهطاوي[26] ومحمد عبده[27] وتلامذتهما. أدباء المهجر والرَّابطة القلمية ونتاجاتهم، لا سيما كتابات جبران خليل جبران[28] وميخائيل نعيمة[29] وإيليا أبو ماضي[30] وأمين الريحاني[31] وعبد الرحمن الكواكبي[32]. كتابات طه حسين والجدل والنقاش الذي أثارته في الأوساط الأدبية والسياسية والقضائية أيضاً[33]، نقاشات جماعة أبولو[34]، معروف الرصافي[35]، عبد الرحمن بدوي[36]، مالك بن نبي[37]، صادق جلال العظم[38]، محمد عابد الجابري[39]، الطيب تيزيني[40]، جورج طرابيشي[41]، أدونيس[42]، محمد أبو القاسم حاج حمد[43]، محمود محمد طه[44]، هشام جعيط[45]، محمد أركون[46]، عبد الجواد ياسين[47]، إبراهيم غرايبة[48]، فهمي جدعان[49]، عبد المجيد الشرفي[50]، فتحي المسكيني[51]، إلى آخر هذه السلسلة[52] التي لم تتوقف يوماً ما، رغم كل الظروف، ولن تتوقف، تحت أي ظرف، فتلك سنة الحياة، ولا رادّ لها، لا سيما في أزمنة التحولات الكبرى والمفصلية، كالتي نعيشها، في عالمنا العربي، منذ قرنين متواصلين.

وحتى العام 2000 كانت قراءاتي في الأدب قليلة إلى أن تعرفتُ إلى الصديقة “صفاء علي”، فعلمتني قراءة الأدب[53] من منابع شتَّى وثقافات مختلفة، مع ميلها لكتابات طه حسين وجبران خليل جبران وفكتور هوغو وألبير كامو…إلخ؛ وعلمتها قراءة الفلسفة، لكن عقلها مال أكثر ما مال إلى كتابات نيتشه بصفته الأقرب إلى روح جبران خليل جبران. وللآن ما زلتُ مديناً لهذه التجربة المعرفية الثرية، لما أضافته إلى ثقافتي من فهم أعمق للطبيعة الإنسانية، لا سيما بعد أن وسَّعْتُ خياراتي في فترات لاحقة، فقرأتُ مفاصل الآداب الإنسانية؛ قديمها وحديثها. فالأدب الحقيقي، الأدب العظيم مرآة تعكس روح العصر: من التفاصيل الصغرى إلى الكليات الكبرى، ولا يمكن بأي حالٍ من الأحوال، فهم حركة الشعوب وسيرورتها بدون الإطلَّاع على آدابها، إضافة إلى فلسفاتها وعلومها وأديانها، فالأدب ركن أساسي من أركان الوجود المعرفي الإنساني.

وسط هذا كله، كُنت معنياً بالتعرِّف على العمق التاريخي الذي أتيتُ منه كشخصٍ عربي، ومما أعانني على ذلك إطلاعي على كتاب (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) لجواد علي، وقراءاتي للمعلقات الجاهلية والتجارب الشعرية[54]، بحدود الاستطاعة، على امتداد التاريخ العربي، إضافة إلى جُملة من الكتب المرجعية في آدابنا العربية المختلفة والمتعددة، مثل لسان العرب لابن منظور، وتاريخ الطبري، والبيان والتبيين للجاحظ، وكتب التوحيدي، وكتب عبد القاهر الجرجاني…إلخ. ومؤخراً حصلت على جزء كبير من أعداد موسوعة النثر العربي التي صدرت أيضاً [كما موسوعة الشعر العربي التي أشرتُ إليها في الهامش رقم 54] عن مركز أبو ظبي للغة العربية في أبو ظبي، إذ تسنَّى لي أن أي كنز معرفي انطوى عليه تُراثنا المعرفي، يغيب عن الأجيال الحالية ويُعمِّق غربتها تجاه موروثها الثقافي[55].

الآن، بعد كل هذه التجربة التي ما زالت مستمرة[56]، ليس لدي أفكار قاطعة ونهائية حول أي شيء، وهذا ليس نوعاً من الميوعة أو المزلق الخطير غير المُتماسك على مستوى بنية المعرفة داخليا، بل ثمة تنامٍ خارجي يُمتِّن معارفي على المستوى الداخلي، ويجعلها أكثر انسجاماً واتسَّاقاً وقوة. اقرأ من ثقافات شتَّى ومن حضارات مختلفة، وهذا يُحقِّق لي، إضافة إلى قيمته المعرفية، مُتعة جمالية. فسعادتي بقراءة كتاب جيد سعادة بالغة، إذ يُصبح الوقت الذي أقضيه في قراءته، ليس لتعميق معارفي فحسب، بل استهلاك وقتي بشيء جميل وفارق. وإذا كان من شيء أرفضه بشكلٍ مبدئي وقاطع، فهو الحَجْر على أي فكرة تحت أي مُسمَّى، لما لذلك من أثرٍ بالغ في تدمير الحضارة والإنسان معاً. فالعقل، نهاية المطاف، رَحِمٌ يمكن أن يضيق بفكرةٍ واحدة إذا ما صُبَّت صبَّاً فيه، بما يُفضي إلى تعفنه وتخمجه وصيرورته قبراً. ويمكن، في الوقت ذاته، أن يتسَّعَ لكل الأفكار الموجودة في العالَم، بما يُفضي إلى ولادة الإنسان، على المستوى الحضاري، ولادة جديدة، أنَّى تواجد في الزمن والمكان.

إنَّ تمكين العقل عبر قراءات دائمة ومُتنامية ومن منابع مختلفة عمل مهم، لكن ترسيخ قراءة المُختلِف عمل أهم. ليس لإبراز قيمة الاختلاف بين بين البشر واكتشاف التنوِّع الهائل والمُذهل في الثقافات الإنسانية فحسب، بل ولتجنِّب الخلافات بينهم أيضاً. فالمعرفة الحقَّة -ضمن النموذج الذي اقترحه ها هنا- تقود حتماً إلى تكبير دور الاختلافات المُثمرة، وتعمل على تصغير دور الخِلافات المُدمرة.

وفي المستوى الثاني أو في مستوى تطهير القلب، أذكر حادثتين ساهمتا في تطوير هذا النموذج ودفعتا به قُدما ناحية الإيجاب: الأولى مُتعلقة بأمي، إذ كنتُ قد تخاصمتُ معها في موسم الحج العام 2007، إذ كان التعب قد أخذ منَّا كل مأخذ أيام رمي الجمرات في مِنى، ففي طريق العودة، وبعد يوم شاق جداً، وفي ساعة مُتأخرة من ليالي ديسمبر، تخاصمتُ مع أمي على مشارف مكة، فرفعتُ صوتي عليها. تسرَّب صقيعٌ إلى قلبي على الفور، فأي خطأ جسيم اقترفتُ بحقِّ أمي. للآن ما زال ضميري يؤذيني بشكلٍ حاسم، فأشعر بالعار، كلما استحضرتُ الموقف أو تذكرته، الذي ألحقته بها. لقد كانت هذه الحادثة بمثابة الصدمة الكبرى لضميري، لكني حاولتُ إعادة تدويرها بفعل أشياء جيدة وخيِّرة، شريطة أن تكون هذه الأشياء نابعة من تكويني الشخصي، وليس بفعل عوامل خارجية، أي أنَّ حادثتي مع أمي ساهمت في تطويري من الدَّاخل الذي نظفتُ أوساخه وصحَّحْتُ اعوجاجه، ما انعكس إيجاباً –كما أدَّعِّي- على تعاملاتي مع العالم الخارجي.[57]

والحادثة الثانية كانت في العام 2018 إذ تعرضتُ إلى عملية تشهيرٍ كبيرة، تلقيتُ معها سيلاً عارماً من الشتائم والمُضايقات. فقد نزع الناس –من منابت شتَّى ومن أماكن مختلفة؛ كُثر أعرفهم وأكثر منهم لا أعرفهم- عني كل لباس، وأعتقدوا أنَّ تلك الشتائم والمُضايقات يمكن أن تُؤذيني لأنها تؤذيهم بالأساس[58]. لكن في الحقيقة كانت تلك فرصة لاختبر قدرتي على الصبر والتحمُّل، وإمكان الخروج من التَّرِكَة البيولوجية والثقافية التي شكلتني في فترات سابقة دونما إرادة كاملة مني، مع ما يُرافق هذا الخروج من ألمٍ شديد. البعض اعتبرَ نفسه عدواً لي، لم اعتبره عدواً بالمرة. البعض نصَّب نفسه خصماً لي، لم اعتبره خصماً بالمرة. البعض استهزأ بي في العلن، لم استهز به حتى في السر. البعض فكَّر بي بطريقة أُحادية، ففكّرتُ به بطرقٍ مُتعدّدة.[59] لقد كانت، حقاً، تجربة مؤذية جسدياً ووجدانياً، لكنها كانت، نهاية المطاف، تجربة بانية على المستوى الرُّوحي.

قبل ذلك كان النقص يعتور نفسيتي بشكلٍ عام، وبعد ذلك لم تكن نفسيتي سليمةً بشكلٍ كامل، لكني أحاول جاهداً الآن –كذلك سأبقى في المستقبل- تطهير قلبي من الشوائب التي يمكن أن تضرّ بموقفي الأخلاقي من العالم. لذا أجدني اليوم مُتصالحاً مع نفسي كثيراً، ومع الآخرين بشكلٍ أكثر. أعظِّمُ كرامة الإنسان وقيمه العليا أنَّى تواجد، كجزءٍ أصيل من موقفي الأخلاقي في هذا العالَم.

وفي المستوى الثالث، أو مستوى تربية البصر وتهذيب البصيرة، أتذكر حادثتين مركزيتين، وللمصادفة كانتا صحبة أمي أيضاً، ليس انحيازاً لها[60]، بل لأنها كانت مشغولة بالأرض التي نملكها، فتقضي جُلَّ وقتها تزرع القمح أو البندورة أو العدس أو الفول أو تحصد أو تُنقِّي الحبوب أو تقطف ثمار العنب أو الزيتون أو التين…إلخ[61]. في الحادثة الأولى، كان محاذاة بيتنا القديم[62] جبل نُطلق عليه جبل الزعتر[63]، فقد كان مليئاً بالزعتر البري ذو النكهة الحرِّيفة. كان الجو مفعماً بالرائحة الزكية للزعتر البري، لكننا لم نكن ننتبه إلى هذه الأشياء، فنتعامل معها بحساسية. تعاملنا معها كان في حدود قطفها وإضافتها إلى الشاي لنُنكهه بها، فيصبح طعمه شهياً. بحكم تربيتنا العفوية، والتي يمكنني الاصطلاح عليها بـ: (التحرُّك في مقام البيولوجيا)، وافتقادها، من ثمَّ، إلى أي بُعدٍ جمالي تقريباً، يمكن أن ينقل الحركات التي نتحركها –دون إلغائها- من مقامٍ بيولوجي إلى مقام أنطولوجي. كان جبل الزعتر ضمن اهتماماتنا البيولوجية فقط، وبقي الوضع كذلك إلى أن ذهبنا أنا وأمي بواكير صبيحة يوم من أيام أبريل من العام 1985، لنقطف الزعتر عن ذلك الجبل، حيث كان عمري يومها ست سنوات. كان الجو ندى وفيه برودة لذيذة، وخشية على بنطالي من التبلِّل كفكفته أمي، فصارت حبَّات الندى تُداعب ربلتي ساقيَّ بطريقةٍ أحسستُ فيها بقطرات الماء ولذعاتها الباردة على جلدي. يومها شعرتُ –لكن دون أن امتلك الوعي الكافي لاستيعاب ذلك- بإنتهاء سطوة البيولوجيا التي تربينا عليها، والشروع في مرحلة تهذيبها، نتيجة لحجم الجَمَال الذي صعد من ساقيَّ إلى رأسي، فنظفه من عوالقه الرَّاسبة. لاحقاً، شعرتُ أن ذلك الحدث الصغير صحبة أمي “خديجة الموسى” كان حدثاً كبيراً في تهذيب بصيرتي. فالجَمَال الخارجي تحوَّل إلى موقف جليل على المستوى الداخلي، بما أفضى إلى تنظيف (مداخل/ مخارج) بصري الظاهر، بما هو بوابة للبصيرة المُتوارية. يومها انتقل الجبل في رأسي من مقام البيولوجيا، إذ كُنَّا نتعامل معه تعاملاً غرائزياً؛ نقطف ثماره أو نقتلعها فقط؛ إلى مقام الأنطولوجيا، إذ صارت له هُويَّة مكانية، استطعتُ أن أحميها في فترات لاحقة بالمعرفة، ولو قُدِّر لي الآن أن أزرع الجبل ثانية بالزَّعتر البري، لما توانيت عن ذلك لحظة واحدة، ليس ليستفيد منه كل عابر سبيل فحسب، بل لأعيد للجبل ألقه –أيضاً- فيتحوَّل إلى مساحة خضراء بهية، تتضوَّع برائحة زكية، بحيث يصير مزاراً يسر الناظرين ويشغف قلوبهم.

في الحادثة الثانية، من حادثتي تربية البصر وتهذيب البصيرة، بواكير يوم من أيام شهر نيسان العام 2015، كنتُ وأمي [قبل وفاتها بعامٍ ونصف] في حقل الفول الذي زرعته قبل ذلك بأربعة شهور. وما هي إلا بُرهة من الوقت، إلا وقد شقشقت الشمس وبدأت أشعتها الحليبية تتوهّج فوق تُويجات زهر الفول، فحالت تلك التويجات إلى مرايا صغيرة مضيئة، حوَّلت ذلك الصباح إلى حقل من الشُّهب الصغيرة، ملأت الجو ببياضٍ شفَّاف ونادر، أربك عيوني وهي تُعاين جَمَال ذلك المشهد الأخَّاذ. يومها عرفتُ، في ذلك المقام، أن المعرفة بصيغتها العالِمة حاجز بيني وبين هذا الجَمَال الطبيعي، عكس أمي تماماً. بالنسبة لأمي هكذا مشاهد جزء من تكوينها الوجودي الأصيل، إذ أمضت حياتها تسيح في الأرض وعلى رؤوس الجبال، لذا لم تكن بحاجةٍ إلى معالجات لتنقيتها ودخولها إلى عقلها من ثمَّ. أما بالنسبة لي فقد وقفت المعرفة حاجزاً بيني وبين هذا الجَمَال الطبيعي، أي أن دخول هذا الجمال إلى الدَّاخل اقترنَ بمعالجة تلك المعرفة له أولاً، لذا كان دخوله إلى عقلي دخولاً حاذقاً، مُصطنعاً، غير عفوي.

يومها تعلمت درساً كبيراً من آليات استقبال أمي لتلك الحادثة، فالمعرفة المُتعلقة بالجَمَال شيء في غاية الأهمية ساعة نُريد دراسة ظاهرةً لنخرجَ منها بنتائج ما، لكن علينا أن لا نرهن الجَمَال المبثوث في الكون لمعارفنا في كل وقت، بحيث تتجاوز معارفنا حول الجمال، وعينا الجَمَالي القديم أو الأصلي الذي نشأ معنا ونحنُ على علاقة حميمة مع الطبيعة، الذي كان تستحضره أمي بشكل عفوي، ودونما حاجة إلى وساطة معرفية تُثقل كاهله. الأَوْلَى أن نُفسح المجال لكي نستنشق الهواء العليل، ونتحسس ملمس التراب ونحن حُفاة، ونُصغي إلى صوت العصافير وهي تُغرِّد، ونستمعُ إلى زمجرة الرعود وهي تقصف في الأجواء وإلى خرير الماء وهو يترقرق في الجداول أو في الأودية أيام الشتاء، ونستلذُّ بمُراقبة شروق الشمس أو غروبها، ونُعاين التوحّش اللذيذ للضباب وهو يسبح في الآفاق[64]، والإحساس بالندى وهو يسرح في الصباحات الباكرة… إلى آخر هذه المشاهد، ليس فقط الطبيعية، بل والفنون على اختلافها أيضاً من رسم ونحت ورقص وموسيقى وتمثيل وغناء، التي يُمكن لمراكمتها أن تُساهم في تنظيف الرُّوح الإنسانية، وترفد الضمير والعقل، بحيث يتحوَّل الإنسان إلى إنسان: 1- معرفي. 2- أخلاقي. 3- جمالي. يُدرِّب عقله، ويُطهِّر قلبه، ويُربِّي بصره ويُهذِّب بصيرته. فيتسع المجال الذي يتحرَّك فيه، فيصبح العالَم، على إطلاقه، مرماه.

تلك الحوادث التي سردتها، ضمن مستويات ثلاثة: 1- تدريب العقل. 2- تطهير القلب. 3- تربية البصر وتهذيب البصيرة؛ لا اعتبرها نقاط بداية أو نقاط نهاية في حياتي، بل هي جزء من سيرورةٍ استلكها، وأحاول جاهداً أن أبلورها أولاً، واستفيد منها ثانياً، لكي أُحسِّن من معرفتي ذهنياً ومسلكياتي واقعياً، بما ينعكس خيراً عليَّ وعلى الآخرين. ففي الأخير، يبقى أثرٌ من الإنسان، وعليه أن يُكافح، إنْ شاء وامتلك الإرادة والعزيمة، لكي يكون هذا الأثر أثرٌ خيِّر لا أثر شرير؛ أثر طيب لا أثر خبيث؛ أثر بانٍ لا أثر هادم،؛ أثر مُتنوِّر لا أثر مُظلم؛ أثر قيمي لا اثر غرائزي؛ أثر يضبط عقولنا ويُرشد ضمائرنا ويُحيي أبصارنا.

 

المراجع:

[1]  إذا آمنا أننا على صواب دائماً وأن ما نحن عليه هو النسخة الأخيرة منا، بما هي نسخة صحيحة ونقية وصائبة وغير قابلة للتحديث، فتلك كارثة تُنذر بخراب كبير. ويمكن لهذا الخراب أن يطال الأفراد كما الحضارات أيضاً، لا سيما إذا انتقل من سياقه الفردي إلى سياقاته الجمعية. بل يُصبح أشد خطورة إذا انتقلَ إلى سياق جمعي، فالأمة التي تُنتج نسخة أخيرة من مقولاتها حول المعرفة والأخلاق والجمال، وتدافع عن تلك النسخة بشراسة، تخرج من أي سياق حضاري، وتُصبح غايتها غاية دفاعية عن مكوناتها التي ارتضتها واصطلحت عليها مرة واحدة وإلى الأبد.

[2]  استخدمتُ هُنا كلمة (رُبِّيَّت) عليه عقولنا، مُفضلاً إياها على كلمة (قرَّت) لما يحمله سياق تربية العقل من إمكان تطويري دائم، ينسجم في جوهره مع طبيعة هذه المقالة وفكرتها التأسيسية، أكثر من كلمة (قرَّت) التي تستبطنُ تثبيتاً على حالةٍ ما.

[3]  نقده لمحمد قطب أتى من ضمن نقودات كثيرة وجهها جورج طرابيشي لغيره من جهة، ومن جهة ثانية أتى ذكره عرضاً، أي بدون نبش مُركَّز لمشروع محمد قطب. لكن تركيزي انصبَّ يومها على محمد قطب تحديداً، بحكم البيئة التي ولدت فيها، وكانت ترفض أي نقد لأي بنية دينية تحت أيّ مُسمَّى.

يمكن الرُّجوع إلى كتاب: في ثقافة الديموقراطية لجورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 1998.

وكنتُ قد أتبتُ على ذكر هذا الموضوع في مقالتي: (جورج طرابيشي: من المنزع الفردي إلى سيرورة عصر النهضة).

[4]  كان لمصادر معرفتي المُتعدِّدة دور رئيسي في ذلك، فالبنية التربوية التي نشأتُ عليها في البيت أو في المدرسة ثم في المرحلة الأولى من الجامعة، كانت توازيها ثقافتي، لا سيما في الحقل الفلسفي، ما خلق نوعاً من التوازن، جعلني انتبه إلى مكامن الخطأ أو الجنوح بسرعة.

[5]  ما ينطبق على محمد قطب، كان ينطبق على كثيرين غيره، كنا ننظر إليهم بإعجابٍ شديد، بصفتهم خطّ دفاع رئيسي عن كينونتنا، تحديداً ضد المغرضين والكارهين لهذه الكينونة.

[6]  المرة الأولى كانت مع كتاب (في ثقافة الديموقراطية) كما أشرتُ سابقاً. لكن قبل ذلك لم يكن ثمَّة رضَّات أو عيوب من هذا النوع البارز. ففي المدرسة كانت قراءاتي شبه داخلية، فالفضاء العام لخروجها واصطدامها بغيرها من الأفكار، كان فضاء مُغلقاً في العموم. لكن الوضع اختلف عندما ذهبتُ إلى الجامعة وأصبحتُ أتوافر على مكتبة كبيرة ومميزة في جامعة اليرموك في مدينة إربد الأردنية.

[7]  كتاب (أصل الأنواع) لتشارلز داروين، وكتاب (رأس المال) لكارل ماركس، وكتب سيغموند فرويد في التحليل النفسي، علامات بارزة ليس في نهضة أوروبا فحسب، في مُجمل التاريخ المعرفي الإنساني، رغم كل ما طالها من نقودات أو يمكن أن يطولها، وهذا شيء طبيعي وصحي ومطلوب. وهي إلى جانب: (حديث الطريقة) لديكارت، و(رسالة في اللاهوت والسياسة) لأسبينوزا، و(ثروة الأمم) لآدم سميث، و(الأمير) لميكافيللي، وكتاب (الأورجانون الجديد) لفرنسيس بيكون، ورواية (الدون كيخوت) لثربانتس، ومسرحية (فاوست) لغوته. كتب تأسيسية في عصر النهضة الأوروبي، وهو موضوع اشتغلُ عليه حالياً لوضع تأطير معرفي مقبول لمفهوم الحداثة.

[8]  يمكن الرجوع إلى الحوار الذي أجرته معي مجلة النقطة الزرقاء في الجزائر، على الرابط التالي:

https://bluenoqta.com/20062

[9]  عندما كبرتُ اكتشفتُ أن رواية (كوخ العم توم) هي من روائع الأدب العالمي، وبعد أكثر من 30 سنة على قراءتها كتبتُ عنها مقالة تحت عنوان: (قلب الطفل وعقل الناقد: عن روايتيّ كوخ العم توم والطائر المصبوغ)، ونشرتها في الملحق الأسبوعي لجريدة الغد الأردنية.

[10]  كانت هذه أكثر سيرة قرأها والدي في حياته، وكان دائماً يقرأها على مسامعي أنا وأمي على سطح بيتنا في ليالي الصيف. واحتراماً لتلك الذكرى ما زلتُ احتفظُ بنسخة والدي من سيرة الزير سالم أبو ليلى المهلهل، رغم تآكلها فهي نسخة قديمة ومطبوعة منذ زمن بعيد.

[11]  لكن بقي “هيغل” صاحب الحضور الأكبر في تلك الفلسفة، وقد راقتني فلسفته وعلقه الجبَّار الذي نظَّم العالَم وفقاً لتك الفلسفة.

[12]  تبقى كتب مثل: (حديث الطريقة) لديكارت. و(ثلاثية نقد العقل) لكانط، و(رسالة في اللاهوت والسياسة) لأسبينوزا، و(رسالة في الذهن البشري) لديفيد هيوم، و(البراغماتية) لوليم جيمس، علامات فارقة –إلى جانب أسماء أخرى بلا شك- في الفلسفة الحديثة.

[13]  أتذكر أن الغبرة كانت تعلو كُتب الفلسفة في المبنى القديم لمكتبة جامعة اليرموك محاذاة مبنى كلية العلوم، لا سيما أن الجامعة لم يكن فيها تخصّص فلسفة، لذا كان عدد قرَّاء الفلسفة قليل في الجامعة. وفي العموم، حتى الآن، لا يوجد إلا قسم واحد للفلسفة في الأردن، وهو تابع لكلية الآداب في الجامعة الأردنية.

[14]  شكلَّت أسماء مثل الكندي والفارابي وابن الرازي وابن سينا علامات فارقة في تاريخ الفلسفة الإسلامية. لكن الجدل بين “أبي حامد الغزالي” و”ابن رشد” في كتابي: (تهافت الفلاسفة) و(تهافت التهافت)، مثَّل نقطة مركزية في عموم الثقافة العربية الإسلامية، كنتُ قد تحدثتُ عنه، بشكلٍ أوسع، في مقالتي: (أيدي الإمام الغزالي: 1- يد الفقيه. 2- يد الصوفي. 3- يد الفيلسوف. أو عن مواضعات المشروع الهُويَّاتي العربي الإسلامي).

[15]  شكَّل كتاب (قصة الحضارة) لول ديورانت مرجعاً مميزاً في هذا المجال، بسبب شموليته من جهة، وسلاسته وطريقته الممتعة من جهة ثانية.

[16] على الدَّوام كان لي الوقت الكافي لاقرأ كماً كبيراً من الكتب: من حضارات مختلفة ومن ثقافات شتَّى، وذلك لأني لم أعمل في عملٍ مُنتظم يستلزم دواماً من ساعة كذا إلى ساعة كذا. بل كانت أعمالاً تدور في صلب العمل المعرفي، ويمكن ممارستها في أوقات مختلفة.

[17]  للآن أعودُ إلى قراءة هذا الكتاب بترجمة “فراس السواح” رغم ترجماته العديدة، إلا أني اعتبرُ ترجمة السواح له هي الأفضل، بسبب –إضافة إلى جودة الترجمة- إلى الدراسة العميقة حول الثقافة الطاوية بشكل خاص، والثقافة الصينية بشكل عام.

[18]  نمط التربية الذي نتربي عليه لا يُحفِّز على القراءة بتاتاً، بل إنه يُحاربها ويستهزئ بأصحابها. لكن نمط التدين السائد يمكن أن يُفضي إلى قراءة الكتب ذات الطابع الديني. لكني أشير هنا إلى أن كتاب (تفسير الأحلام) لابن سيرين كتاب مقروء بشكلٍ لا يُصدَّق، وفي بيتنا لوحده أتذكر عدَّة نسخ من الكتاب، فالعائلة تقريباً تُقضي جزءاً من حياتها في تفسير أحلام الليلة الماضية. وهذا شيء ينسحب على غالبية العائلات، فهذا الكتاب، مهما كان وضع الأسرة المعرفي، لا بُدَّ، بشكلٍ عام، أن تحصل على نسخة منه، وإن لم يتوافر استعانت بشخصٍ –وفي كل قرية أو حي كبير لا بد من التوافر على مثل هذا الشخص، يُفسِّر لهم أحلامهم.

[19]  على مدار سنوات كنتُ أخصِّصُ شهر رمضان لقراءة واحد من تفاسير القرآن، مع أن رمضان في البيئة التي نشأتُ فيها كان مُخصصاً –بسبب أجوائه الإيمانية- لقراءة القرآن بطريقة تخلق نوعاً من التنافس بين الناس، إذ يفتخرون بمن ختم القرآن مرات أكثر من غيره. وإضافة إلى قراءة تفسير من تفاسير القرآن، كانت قراءة القرآن ذاته عملاً مُلازماً لي على الدَّوام، إضافة إلى كتاب تأسيسية أخرى مثل صحيح بخاري وصحيح مسلم ومؤطأ مالك ومسند أحمد وسنن الترمذي…إلخ.

[20]  كان من أبرز المساجلات الفكرية التي نتجت عن هذه المدارس، ما عُرف بـ (علم الكلام) الذي كان النتاج الأبرز للفكر الاعتزالي. وعلى هامش النصوص الأصلية نتجت علوم كثيرة وعديدة، مثل: علوم اللغة والعلوم الفقهية والتفاسير واجتهادات العلماء، وهذا ليس بالضرورة أن يكون متوافقاً مع المُنطلقات الأصلية للنصوص الأصلية، وما زال هذا الشيء قائماً، بل ازداد قوة في القرن الأخير.

[21]  مثل الهندوسية والبوذية والسيخية واليهودية والمسيحية، وبعض تفرعات تلك الأديان كما الفرق والمذاهب الإسلامية.

[22]  العناية بهذا العصر آتٍ في جزءٍ منه لفهم سيرورة التغيرات الحضارية التي تطال المجتمعات البشرية، وهذا أحد الأبواب التي اشتغلُ عليها في كتابي [في طور الإنجاز] (التفلسف الحضاري: إعادة إنتاج العالم).

[23]  كانت الصحافة جزءاً لا يتجزأ من أي مشروع نهضوي، مرحلة ما بعد اختراع المطبعة، وهذا انطبق على البلاد العربية، لا سيما بعد حملة نابليون. وقد كان إبراهيم ايلازجي أحد الذين اشتغلوا، مسلحاً بثقافة ممتازة، في الصحافة. إلى درجة أنه ألف كتاباً تحت عنوان (لغة الجرائد) صدرت طبعته الأولى سنة 1901، وثمة نسخة إلكترونية حديثة متاحة منه على موقع مؤسسة هنداوي، على الرابط التالي:

https://www.hindawi.org/contributors/60830250/

[24]  اعتبرُ “طه عبد الرحمن” جزءاً من المشروع الهويَّاتي الإسلامي، أي أن بنيته الهووية تطغى، في نهاية المطاف، على سؤاله المعرفي، حتَّى وهو يتوسل بمصطلحات جديدة، تُشْكِلُ على أتباعه، فيعتبرونه فيلسوفاً! وقد كنت قد أشرتُ إلى ذلك في مقالتي: (التفلسف عربياً أو في إمكان ولادة الفيلسوف العربي).

[25]  أشيرُ ها هنا إلى كتاب (ليلة الفلق: البيان المحمدي في الليلة الأولى) لفتحي بن سلامة، وهو كتاب اجرأ بكثير من كتاب (الظاهرة القرآنية) لمالك بن نبي، وأكثر رصانة وعلمية وموضوعية من كتاب (من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ) للعفيف الأخضر.

[26]  ما زال كتاب رفاعة الطهاوي (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) يحظى بحضور لافت في النقاشات الدَّائرة حول عصر النهضة العربية الحديثة.

[27]  لربما كانت أهمية الإمام محمد عبده هي في المجال الحيوي الذي تحرَّك فيه معرفياً، وما نتج من نقاشات كبيرة ومفيدة، سواء في حياته، أو بعد موته، عبر تلامذته.

[28]  كان كتاب (النبي) لجبران خليل جبران، كتاباً أيقونياً، فقد كان مقروءاً بكثرة من قبل طلاب كلية الآداب في جامعة اليرموك أوأخر الألفية الماضية وبداية الألفية الجديدة.

[29]  تعتبرُ مذكرات “ميخائيل نعيمة” الموسومة بـ (سبعون) قطعة أدبية فاخرة، لما انطوت عليه من رؤية حصيفة ومتزنة وحكيمة للحياة.

[30]  لربما كان ثمة تشابه كبير، في الجوهر، بين نتاجات إيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران، لناحية التغني بالطبيعة والسعي ناحية الكمال الإنساني، ففي نهاية المطاف، خرج الثلاثة من أرومة واحدة وإن تنوعت اهتماماتهم المعرفية والأدبية.

[31]  كان “أمين الريحاني” من المُنادين بالمزواجة بين الثقافتين العربية والغربية: “احملوا للشرق بعض نشاط الغرب، واحملوا للغرب بعض سكون الشرق. وصلوا لمصر وسوريا الكثير من علومكم الهندسية، واجلبوا من عندكم بكومة من الصفات العربية النبيلة”. (مايكل أورين، القوة والإيمان والخيال، ص 362)

مايكل أورين، القوة والإيمان والخيال: أمريكا في الشرق الأوسط منذ عام 1776 حتى اليوم، ترجمة آسر حطيبة، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة)، ط1، 2008، ص 362.

[32]  بتقديري أن كتاب الكواكبي (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) من أكثر الكتب التي كانت مُتداولة بين فئة الشباب في أندية القراءة، سواء في مدينة إربد، أو في العاصمة عمَّان. وحتى اللحظة ما زال الكتاب ضمن أولويات أندية القراءة، التي كانت نشيطة جداً في العقد الأول من الألفية الجديدة، لكن وهجهها خفَّ في السنوات الأخيرة، وحقيقة لست أتوفر على معلومات حول هذه الرِدَّة.

[33]  رُفعت أكثر من قضية على “طه حسين” في المحاكم المصرية، لكن أشهرها التي رُفعت عليه بسبب كتابه (في الأدب الجاهلي)، الذي ثار حوله نقاش قوي وحاد. يمكن مراجعة كتاب (محاكمة طه حسين) الذي كتبه الروائي خيري شلبي.

[34]  كان عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني من أبرز الأسماء النقدية في تلك الفترة.

[35]  إضافة إلى كونه شاعراً، عُرف معروف الرصافي بكتابه: (الشخصية المحمدية: حل اللغز المقدس).

[36]  مثل عنايته بالترجمات العربية القديمة لأرسطو. وكتابته مجموعة من الكتب التي عرفت بمجموعة من فلاسفة الغرب، مثل: كانط وأشبنجلر وشوبنهور.. إصافة إلى مجموعة من مؤلفاته، مثل: من تاريخ الإلحاد في الإسلام، الزمان الوجودي، الحور والنور، في الشعر الأوروبي المعاصر [في هذا الكتاب ترجم عبد الرحمن بدوي قصيدة للوركا تحت عنوان: مرثية سانشو مخياس، أظن بلغ مبلغاً متقدماً في ترجمة هذه القصيدة كما لو كتبها شاعر مُجيد بالعربية]، وغيرها الكثير من مؤلفات بدوي وترجماته الأدبية منها والفكرية.

[37]  أظنُ أنَّ من أفضل كتب مالك بن نبي كتابه (ميلاد مجتمع)، وإن كان قد اشتهر في كتابه (شروط النهضة) أكثر من كتبه الأخرى.

[38]  تحديداً في كتابه (نقد الفكر الديني).

[39]  أظن أن مشروع (نقد العقل العربي) وردّ جورج طرابيشي عليه بمشروع (نقد نقد العقل العربي) من أفضل المشاريع الفكرية التي حظيت بها الثقافة العربية الحديثة، ويمكن لهذه التجربة الثرية أن تُعلِّم المهتمين معنى الثقافة العميقة من جهة، والتدرب على النقد الرَّصين من جهة ثانية.

[40]  في العديد من كتبه حول التراث والنص القرآني.

[41]  لربما كان جورج طرابيشي من أكثر المفكرين العرب الذي قرأتُ تجربتهم بشكلٍ شبه كامل، وكنتُ قد تحدثتُ عنه في مقالة بعنوان: (جورج طرابيشي: من المنزع الفردي إلى سيرورة عصر النهضة).

[42]  في كتبه مثل: الثابت والمتحول، والصوفية والسوريالية، وبعض دواوينه مثل: تنبأ أيها الأعمى. وكنتُ قد كتبتُ فصلاً كاملاً عن أدونيس في كتابي [في طور النشر] مطارحات حضارية في نقد الشعر العربي الحديث.

[43]  تعرفتُ على المفكر “محمد أبو القاسم حاج حمد” في أواخر العام 2012، فقرأت له العديد من كتبه مثل: العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة. ومنهجية القرآن المعرفية.

[44]  عُرف “محمود محمد طه” من خلال الحكم بإعدامه، بسبب كفره وردته. كذلك عُرف من خلال كتابه (الرسالة الثانية في الإسلام) والتي ردَّ عليها بقوة “محمد أبو القاسم حاج حمد” في كتابه (العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة).

[45]  كان كتابه (الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر) هو الكتاب الأكثر إيثاراً بالنسبة لي في كل ما كتبه جعيط، بسبب أسلوبه السَّاحر في الكتابة.

[46]  وقد تعرفتُ عليه من خلال ترجمات “هاشم صالح” لكتبه، ثم تعرفتُ عليه أكثر من خلال كتاب (التراث والمنهج: بين أركون والجابري) لنايلة أبي نادر.

[47]  تحديداً في كتابيه: (السلطة في الإسلام) بجزئيه، و(الدين والتدين: التشريع والنصّ والاجتماع).

[48]  قرأتُ معظم ما كتبه إبراهيم غرايبة، لكني اعتبرُ مذكراته الموسومة بـ (سفر السلام: متوالية التجارب والذكريات) ذات أهمية كبرى، إذ جمعت بين ملمحي الأدب والفكر، مع ما تضمنه ذلك من اختصار لتجربته في الحياة بكل ما حملته من تحولات.

[49]  كانت مذكرات فهمي جدعان (طائر التم: حكايات جنى الخطا والأيام) من آخر ما كتبه، لذا فهي تنطوي على تجربته التي تضمنت مختصرا لأبرز محطاته الفكرية، لا سيما في كتابه الأكثر شهرة (المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام).

[50]  تحديداً في كتابه (الإسلام بين الرسالة والتاريخ) وفي المشروع المُميز الذي أشرف عليه: الإسلام واحداً ومتعدداً.

[51]  مثل كتابيه: (الكوجيطو المجروح: أسئلة الهوية في الفلسفة المعاصرة) و(الهجرة إلى الإنسانية).

[52]  على هامش هذه الأسماء وغيرها، كان لا بُدَّ أن أطلع على أسماء أخرى كانت معنية بمناقشة سيرورة التحولات في الخطاب الديني وتعالقاته مع النص الديني، مثل كتابات “عبد الكريم سروش” و”داريوش شايغان” و”محمد إقبال”، وكتابات بعض المستشرقين والمفكرين الذي تحدثوا عن الفكر العربي والإسلامي والعلوم الحافة بهذه المنطقة.

[53]  تسنَّى لي أن اقرأ من مختلف الآداب العالمية، ومن مختلف العصور، وأنا محظوظ بهذه التجربة. وللتمثيل على ذلك أذكر بعض الأمثلة للفائدة: مسرحيات سوفوكلوس، الإلياذة والأوديسة لهوميروس، ملحمة جلجامس، ملحمة الرامايانا والمهابهارتا الهنديتين، الشاهنامة للفردوسي، ألف ليلة وليلة، حي بن يقظان لابن طفيل، كليلة ودمنة لابن المقفع، حكايات أيسوب، معظم الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، دون كيخوت لثربانتس من أسبانيا، محمد شكري من المغرب، علي بدر من العراق، حنا مينه من سورية، عبده خال من السعودية، محمود درويش من فلسطين، إبراهيم الكوني من ليبيا، موسى ولد ابنو من موريتانيا، آسيا جبار من الجزائر، الحبيب السالمي من تونس، الطيب صالح من السودان، ميخائيل نعيمة من لبنان، إنعام كجه جي من العراق، البؤساء لفكتور هوغو من فرنسا، روايات توماس مان من ألمانيا، روايات هرمان هسه من ألمانيا، أدب البير كامو من فرنسا، روايات نجيب محفوظ من مصر، روايات سميحة خريس من الأردن، روايات مو يان من الصين، روايات يوكيو ميشيما من اليابان، أشعار طاغور من الهند، مسرحيات بريخت، فاوست لغوته، وغيرها الكثير الكثير من آداب الأمم والشعوب على اختلافها.

[54]  بقيت تجربتي مع الشعر العربي القديم في حدود الاستمتاع إلى أن أنجزت ستة كتيبات ضمن موسوعة عيون الشعر العربي الصادرة عن مركز أبو ظبي للغة العربية، دائرة الثقافة والسياحة، أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة؛ في العام 2021، إذ تسنَّى لي أن اقرأ الشعر العربي من العصر الجاهلي، إلى أواخر القرن التاسع عشر قراءة منظمة ومُنتجة، وكان أبرز كتاب أنجزته هو كتاب (العقل) الذي سدَّ ثغرة معرفية كبيرة عندي لم أكن قد درستها من قبل، تحديداً في تمثّل الشعر العربي على مدار ألفي عام لمفهوم العقل، والتحولات التي طرأت على هذه التحولات وفقاً للشرط المعرفي الذي كان عليه الشاعر أو العصر الذي وجد فيه الشاعر.

[55]  أعمل حالياً على إنجاز مقالة بعنوان: (ذاتنا العميقة: إسهام في التكوين المعرفي للإنسان العربي الحديث)، لغاية بلورة سياق يربطنا بذاتنا الجمعية ربطاً مُبدعاً، وليس ربطاً متوارثاً.

[56]  وأنا أنجرُ بهذه المقالة فإني اقرأ كتاب (الزمان والأزل: مقال في فلسفة الدين) لولتر ستيس، بترجمة زكريا إبراهيم ومراجعة أحمد فؤاد الأهواني، والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وهو من كتبه التي لم اقرأها حتى اللحظة، رغم أني كنتُ قد قرأتُ له في فترة مُبكرة كتابي: 1- التصوف والفلسفة. 2- الدين والعقل والحديث. إضافة إلى كتبه التي شرح بها فلفسة هيغل، وعني بترجمتها “إمام عبد الفتاح إمام”.

[57]  ثمة جُملة من الأشياء يمكن أن يفعلها المرء بطريقة تُعزِّزُ طهارة قلبه:

أن يُساعد الآخرين، قدر الإمكان، بدون علمهم، وإن كان بعلمهم أن يفعل ذلك بطريقة تُجنبهم الحرج أو الأذى.

أن يُخفِّف من آلام الناس في الواقع وليس في الخيال.

أن لا يستهزيء بالآخرين وأفكارهم وأشياءهم، يمكنه نقدهم ونقدها لكن بدون استهزاء.

أن يتجنب إحراج الناس قدر الإمكان.

أن يضع نفسه مكان الآخرين، حتَّى يتمكن من تمثّل ما هم عليه، قبل إطلاق أحكام عليهم…إلخ.

[58]  أشرتُ في الهامش السابق “أن نضع أنفسنا مكان الآخرين…” أو ما يُطلق عليه في علم النفس “التقمص الوجداني”. فالناس يؤذون بعضهم البعض لأنهم غير قادرين على وضع أنفسهم مكان من آذوهم. وهذا شيء يُلحق العار ليس بالأفراد فحسب، بل وبالحضارات أيضاً.

[59]  كما أشرتُ في بداية المقالة، لا أضرب هذه الأمثلة لأبدو بثوبٍ طهراني، بل حقيقة هذا ما حدث، وأنا إذ أضربُ هذه الأمثلة، فلكي ابدأ بنفسي.

[60]  على الدَّوام ربطتني علاقة وجدانية عميقة بوالدتي “خديجة الموسى” منذ أن كنت طفلاً صغيراً، وأظنُ أن حدث مرضها ثم موتها في العام 2016 شكَّل نقطة تحوِّل في رؤيتي للجسد ومواضعاته في العالم. ففي تلك الفترة بدأت أطلعُ على أدبيات الموت الرَّحيم، والموقف الديني والأخلاقي والفلسفي من هذه المسألة الشائكة والمعقدة.

[61]  أغلب جيل أمي التي ولدت سنة 1940 كان يأكل مما يزرع، وقد كانت أغلب الزراعات هي القمح والشعير والعدس والحمص والفول، بسبب اعتماد السلة الغذائية للناس على تلك الأصناف، في الأغلب. كذلك كانت أغلب البيوت تُربِّي الدَّجاج، فتستفيد من لحومها وبيوضها، وإن توافر لبعض العوائل القليل من المال اقتنعت بعض الماعز، فتعيش حياتها في حالة شبه اكتفاء ذاتي.

[للإطلاع على أنماط الغذاء في الأردن يمكن مراجعة كتاب (المعزب رباح: مداخل إلى تراث الإنتاج الفلاحي – البدوي وتقاليد الغذاء في الأردن) لأحمد أبو خليل وناهض حتر، وزارة الثقافة الأردنية] ويمكن قراءة نسخة إلكترونية من الكتاب على الرَّابط التالي:

https://alkutba.gov.jo/ar/node/2924

[62]  بيتنا القديم يتبع إدارياً لمحافظة إربد شمال الأردن، وجغرافياً يتبع لسلسلة جبال عجلون [شمال الأردن أيضاً] حيث أكبر بقعة خضراء وحرجية في الأردن.

[63]  مع الزَّمن فقد الجبل زعتره، بفعل الرعي الجائر من قبل الناس، إذ كانوا يقتلعون أشتال الزعتر من جذورها، لكي يزرعوها في بيوتهم. مع أن الأصح كان يستلزم قصَّ الأشتال لتنمو بشكل دائم، لكن الافتقاد إلى الوعي أفقد الجبل هُويته، فأصبح بلا رائحة، بعد أن كان مثل حديقة غنَّاء تتضوع برائحة عطرة زكية.

[64]  ثمة مشاهد مستوحاة من المنطقة التي أعيش بها، فهي منطقة جبلية، ترتفع عن سطح البحر ما يقارب الـ 1100م، لذا فالأمطار الغزيرة والثلوج والرعود والضباب والماء الجاري في الأودية، والشمس العفية، والطبيعة الخلابة، والأشجار الكثيفة والعالية، والحيوانات البرية والعصافير المتنوعة، والأزهار المختلفة جزء أصيل من طبيعة تلك المنطقة.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete