الإنسان ومفهوم الشخص البشري بين الفلسفة والدين

  • في البدء كان الإنسان والفرد والشخص…

في هذا الوجود الإنساني الممتد في التاريخ، كان لزاما أن يمر الكائن الإنساني من محطات كبرى، كل واحدة تمنحه رؤية أفضل وأشمل لما كان يعيشه في سابق عهده. وهكذا تطورت الإنسانية في مختلف الحقب التاريخية التي عاصرتها، أو كانت جزءا لا يتجزأ من مكوناتها، بل هكذا تطور الوعي الإنساني أمام وجوده الذاتي، وإدراكه للمحيط الذي يعيش فيه. وإذا أردنا أن نستخلص من كل هذا التاريخ دروسا، فلنا أن نتحدث عن عمق التجربة الذاتية الإنسانية، وتبلور مفاهيم رفعت منسوب الوعي الإنساني لدى هذا الكائن الغريب، لعل أهمها مفهوم الإنسان نفسه، والإنسانية، والشخص والشخصانية، والفرد والفردانية. وهي مفاهيم يشعر معها الإنسان أنه سيد الكون والماسك بجذور تحولاته الكبرى، والانقلابات العظمى التي حولت مسار الإنسانية من البساطة إلى التركيب، ومن الغريزة إلى العقلانية، ومن حدود الطبيعة إلى الفضاء اللامتناهي الذي يمنحنا هذا الكون.

لم تكن رحلة الإنسان رحلة سهلة وهو يواجه هذا الفضاء الفسيح من الطبيعة وتحدياتها وصعوباتها، بل كانت رحلة محفوفة بالمخاطر، وأيضا من التشويق، إذ أن كل مرحلة هي تعبير عن إدراك لمفهوم، ووعي بالذات بشكل متزايد، وبالتالي تبلور لحقيقة الإنسان، وإدراك للحتميات الذي تحكمه، أو الإمكانيات التي يتوفر عليها من أجل المزيد من الفتوحات والتوسعات المعرفية. وإذا كان الإنسان في بعده الغريزي والطبيعي قد سعى في مختلف مراحل حياته الطويلة إلى التوسع المكاني، والسيطرة على الزمن، وتحويله في خدمة مصالحه ونظرته الاستعلائية، فإنه في الجهة المقابلة أي تلك الجهة المرتبطة بالوعي بالوجود كان قادرا على التوسع المعرفي، وزيادة منسوب الفكر والوعي بما يحقق للإنسانية طفراتها العظيمة، وتحولاتها الاستراتيجية نحو التأسيس لمركزية الفرد والوجود الإنساني والشخصانية الواقعية. وهذا هو التعبير الوجودي الذي رفع لواءه سارتر، أو كل التوجهات الوجودية منذ لحظة الإدراك لمعنى الماهية والوجود الذاتي الإنساني. وهنا يمكننا أن نستحضر بعضا مما قاله توماس آرفلين[1]، فحسب هذا الأخير قدم سارتر محاضرة عامة بعنوان «هل الوجودية فلسفة إنسانية؟، وقد تجاوزت ما كان مرسوما لها، لأنها ساهمت بشكل أو بآخر في بلورة المفهوم الوجودي بشكل أكبر، وانبثقت بذلك مجموعة من الحركات والتوجهات التي رفعت شعار الإنسان، والفرد، والوجود الذاتي، والشخص، وبالتالي انتشر المذهب الوجودي خارج الحدوج، وخارج المتوقع. وكان حدثا فكريا لافتا، على أساس أنه يعيد الاعتبار للكائن الإنساني، ويخطو به إلى المكانة اللائقة به كشخص واعي، وفرد مدرك لوجوده، وحالة إنسانية مسؤولة ومريدة لكل ما يعترضها أو يجابهها. وبالتالي نحن أمام ما يشبه الصدمة الفكرية التي لم تكن متوقعة بالحجم الذي لقيته هذه الحركة الوجودية العابرة للحدود. وحينما لُخصت هذه المحاضرة وأُلقيت على جمع حاشد من الجماهير أدرك الجميع بأن هناك مجموعة من الأسس تقوم عليها هذه التيارات الوجودية أهمها: الادعاء بأن «الوجود يسبق الجوهر». وقد يبدو بأن هذا الأساس، أو الشعار المفروض منزوع عن سياقه الفكري والثقافي، غير أنه يوحي بما لا يدع مجالا للشك، بأننا أمام تحول إنساني كبير، يضع في حسبانه مفهوم الفرد، والشخص، والذات بطريقة مغايرة تماما للسائد حينذاك، أو الذي لا زال سائدا لدى بعض التيارات الفكرية التي تقلص من إمكانيات الفرد، أو تحد من إبداعاته ومقدراته. ولأن سارتر تحكمه النظرة المادية للوجود الإنساني، فلقد أحدث هذا النوع من التفكير انقلابا كبيرا في الوعي الإنساني، لأنه منذ اللحظة التي يدرك فيها الفرد أو الشخص ماهية وجوده، يصبح لزاما أن يصوغ هذا الفرد قيمه الخاصة بعيدا عن كل التصورات العادمة للوجود الإنساني، أو الهادرة لكينونته؛ وبالتالي وجب البحث عن نظام أخلاقي في الكون يمكن أن يوجه الأشخاص أفعالهم وفقه. وبذلك يصبح الفرد حرا مختارا ومسؤولا في واقعه ولواقعه. أي أن الحرية هنا ستتحول حسب هذا المنظور إلى القيمة المطلقة التي يمكن أن يلجأ إليها المرء، أو بتعبير سارتر نفسه:” عند اختيار أي شيء على الإطلاق، فإنني قبل أي شيء أختار الحرية “.

إن المنظور الذي تنبني عليه الفلسفة الوجودية الملهمة لكل شعارات الفردانية والشخصانية والحرية والمسؤولية، وأيضا المحدثة لكل هذا الانقلاب الفكري في تمثلات الإنسان لماهيته ووجوده، كانت تبين على أن محاضرة سارتر لم تكن ضرورية فقط، لأنها بسطت العديد من الملامح الأساسية لعمله الأكبر، ولكن هناك شيئا آخر كان ثاويا في الأجوبة التي قدمتها المحاضرة عن اعتراضات نقاد سارتر الكبار من كلا الجانبين الشيوعي والكاثوليكي. ولقد أثبت توماس آرفلين[2] جزءا من هذه الاعتراضات والمتمثلة أساسا، بأن هذه الفلسفة الوجودية ومن خلال اعتمادها على كل هذه البناءات النظرية المتمركزة حول مفاهيم الفرد والشخص والحرية والمسؤولية كانت تجسيدا للفرديةِ البرجوازية، وبالتالي فلقد حادت بشكل كبير عن متطلبات العدالة الاجتماعية التي تثقل المجتمع الأوروبي المنهك بالحرب. وهي اعتراضات ثقيلة ومحرجة للفكر الوجودي الذي أصبح متهما لدى فئة عريضة مما ذكرنا سابقا، بأنه لا يعدو أن يكون مجرد مخدر نرجسيٍّ، أو لنستعر تعبير ماركس الشهير هو أفيون يبعد الشباب عن مهمة بناء المجتمع العادل وفق ما تشكل في الوعي الحالم لليوتوبيات الماركسية؛ وهنا ستجد الوجودية نفسها أمام المحك الأساسي، حينما تفقد مصداقيتها أمام العامة، ولا تستطيع أن تجيب عن الأسئلة الحارقة لمتطلبات الشعوب الاجتماعية والفكرية والثقافية والاقتصادية.

إن ما تعنيه هذه المحاضرة أو أيضا ما يختزنه الخطاب الوجودي في مختلف تجلياته وتمظهراته، هو أنها تحاول أن تؤسس لمفهوم الفرد والشخص والإنسان، ولكنها أيضا تجد نفسها ملزمة بالإجابة أيضا على سؤال الجماعة، فالفرد لا يوجد إلا داخل المجتمع، وبالتالي يحتاج الأمر إلى طريقة تفكير أسلم وأوضح. يخبرنا توماس آرفلين[3] بأن هذه الهواجس الفكرية، دفعت بسارتر إلى التوسل بنظرية كانط عن المبادئ العامة، عندما قال إنه ما من إنسان يستطيع أن يكون حرا بالمعنى الملموس، ما لم يكن الجميع أحرارا. وهذا ما أكدناه سابقا، فحرية الفرد لا يمكن أن تفهم إلا في ضوء حرية الجماعة. وهي العبارة التي تؤكد أنه:” عندما أختار، فإنني أختار لجميع الناس «. وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى أن ما يحسب لهذا المذهب الانساني هو دفاعه عن الفرد الطبيعي الحر، أي الفرد الفاعل المكون من لحم ودم. ولعل ما يضفي على هذا المذهب رونقه وجاذبيته، هو أن الناس أو غالبيتهم تقع دوما تحت سلطة العادات والموروثات، سواء في المجتمعات القديمة، أو المجتمع الحديث. لهذا يعتبر آرفلين بأن ما يسمى فردية وجودية يعد إنجازا. فنحن كائنات ومخلوقات بيولوجية، ولكن يجب أن نصبح أفرادا وجوديين عن طريق تحمل مسؤولية أفعالنا في هذا الوجود. ربما هذا التقليد هو ما أشار إليه نيتشه نفسه حين كان يدعو الى أن يتصرف الإنسان على طبيعته التي خلق عليها، لأن الناس لا تحب أن تتحمل مسؤولية أفعالها. بل تجدهم دوما يتهربون من مسؤوليتهم وحريتهم الى أماني الزحام المفتقر إلى الهوية. وهنا يمكننا أن نطرح التساؤل الذي طرحه سارتر نفسه[4]، هل وجودنا كأفراد وأشخاص سابق على الماهية؟. هنا يجيبنا سارتر بأن معنى الوجود سابق على الماهية أن الإنسان يوجد أولا، ثم يتعرف إلى نفسه، ويحتك بالعالم الخارجي، فتكون له صفاته، ويختار لنفسه أشياء تحدده هو، وهكذا لا يكون للإنسانية شيء اسمه الطبيعة البشرية، لأن الإنسان يوجد، ثم يريد أن يكون، ويكون ما يريد أن يكونه بعد القفزة التي يقفزها إلى الوجود. وبالتالي فالإنسان هو ما يصنعه هو بنفسه، هذا هو المبدأ الأول من مبادئ الوجودية، وهذا هو ما يسميه الناس ذاتيتها.

لكن قبل هذا الوعي المؤسس للذات والأفراد والأشخاص عبَرت الإنسانية مسارا طويلا انتهى بهذا الانقلاب الوجودي أو الذاتي لمعنى الوجود، ولنحاول أن نلخص هذا المسار في الخطاطة التالية:

الانسجام مع الكون أو الكوسموس:

قبل أن يتشكل وعي الإنسان بذاته ظهرت فلسفات العيش اليونانية، والتي كانت ترغب بأن يتموضع هذا الكائن الإنساني وفق سياق معين تحضر فيه الرغبة في الانسجام مع الكون، أو ما كانوا يسمونه بالكوسموس، ولكي نتعرف على الكوسموس يحدثنا لوك فيري على أنّ الفلسفة اليونانية القديمة اهتمت بهذا التناغم والانسجام والتكامل بين الوضع البشري والوضع الكوني، وقد اشتغل الكثيرون بذلك مثل الرواقيين والأبيقوريين، كما كان هذا الوضع موجودا في بعض الفلسفات الشرقية خاصة عند البوذيين والطاويين. وتكمن فكرة هذا الاشتغال، وهذا الاهتمام بفكرة التناغم انطلاقا من الأهمية التي حظيت بها فكرة السعادة في هذه المنظومات الفلسفية. فحسب هذا النّمط في التفكير فالإنسان لا يستطيع أن يحيى الحياة الطيبة، ولا أن يعيش الحياة السعيدة الخالية من المنغصات، إلا من خلال إعادة موضعة نفسه في سياق متناغم ومتكامل مع الكون. وقد كانت الفكرة المحركة هنا أن هناك نوعا من التناسق كامن وثاوٍ داخل هذا النظام الكوني، وهو ما يجعل منه مثارا للتأمل والتفكر والانجذاب، فتم إطلاق تسمية الكوسموس على هذا النظام الذي يعني الانسجام الحاصل في الكون[5]. وانطلاقا من هذه المنظورات الفلسفية التي نظر لها الفلاسفة الرواقيين والأبيقوريين، فكل شيء خاضع لفكرة النظام، وليس هناك أي مجال للعبث، أو اللّعب، أو الصدفة. ولكي يحقق الإنسان حياته الطيبة، أو بالتعبيرات المعاصرة سعادته، يكون لزاما عليه أن يختار الطريق التي يتوافق فيها مع هذا النظام. فوحده هذا البحث هو ما يجعل الإنسان ينخرط إيجابا مع المنظومة الكونية، محققا تناغمه، وانسجامه، وبالتالي يبتعد عن كل ما يعترض طريقه من الألم والصعوبات. وهي نظرة تأملية رواقية تنظر إلى الكائن الإنساني على أنّه قطعة من السّرمد على وجه التّقريب، أي أجزاء من الكلّ الكوني الكبير. وبحسب هذا الرّؤية فلن تفقدنا الموت بالأساس كما يقول فيري إلا النّصيب الأتفه من وجودنا الفردي.

هذا عن الجانب المتعلق بالكوسموس، وتناغم الكائن الإنساني مع النظام الكوني المتسق. لكن لبلوغ هذا الهدف الإنساني المتعلق بتحقيق الحياة الطيبة، والشعور الذاتي بالسعادة الممكنة والمفترضة، يلزم تجنب مجموعة من الأشياء التي تعترض مسيرة الكائن الإنساني لبلوغ هذا الهدف. ويمكن تلخيص هذه المحاذير فيما يلي:

  • فكرة الإفراط أو التجاوز hybris: هي فكرة مركزية لدى الكائن الإنساني، وذلك حين يتجاوز الإنسان من خلال غروره كل حدود بشريته، وينفلت من أي قيد أو شرط أو قاعدة، فيجعل من نفسه أو فكره متجاوزا لكل شروط إنتاجه. وبالتالي نكون خارج السياق الكوني، وبعيدا عن التناغم المنشود، حين تعجزنا بشريتنا عن بلوغ أشياء بحكم قصورنا ومحدوديتنا.
  • الانفصال التام عن الماضي والمستقبل: من المشاكل الأبدية التي تعترض مسيرة الكائن الإنساني في تحصيل سعادته، وبالتالي تحقيق مبدأ الكوسموس، هناك ما أشارت إليه الفلسفات اليونانية القديمة ودعته بالانفصال التامّ عن هواجس الماضي أو المستقبل. فالماضي يجعلنا غائبين أو مغيبين عن إدراك واقعنا ومحيطنا، وبالتالي يضع حاجزا من الوهم بيننا وبين حاضرنا، إما لأنّه كان سعيدا فيشدّنا، أو حزينا فيغمرنا بالأحزان والآلام، وهو ما كان يسميه سبينوزا ب ” الأهواء الحزينة “. أما المستقبل فهو ذلك الشيء المجهول، والغامض، الذي يجعلنا نذوب في الأحلام والأوهام، وبالتالي يعرضنا للمزيد من الهدر والإنهاك، فنتناسى حاضرنا. أي تلك اللحظة الحقيقية في حياتنا، لهذا كان سينيكا يقول:” فإنّنا من فرْط العيش في الماضي أو في المستقبل تعوزنا الحياة “[6].
  • الخوف: وهذا عائق من العوائق النفسية والمادية المانعة من تحقيق انسجام الكائن الإنساني مع محيطه الكوني، وبالتالي تحقيق حياته الطيبة أو سعادته المفترضة. وهو ناتج بالأساس حسب الفلسفة الرواقية من وعي الإنسان بمصيره ومآله، أي إدراكه لفنائه وموته. وبالتالي فقد اعتبر اليونانيون القدامى الخوف عدوّهم الأول، لأنه يحوِّلنا إلى أغبياء وخبثاء: أغبياء لأنّ الأسباب الكامنة وراء الخوف دوما أو في غالب الأحيان تكون لا عقلانية، وغير خاضعة لمنطق محدد. وخبثاء لأن الخوف يحول الكائن الإنساني إلى آلة لتفريخ الانغلاق، والتمركز على الذات. في حين أن الفلسفة في أحد تجلياتها هي محبة وبحث عن الحكمة. وهي منافية ومتعارضة مع الخوف. إذ الحكيم ليس سوى شخصٍ قادر على التغلّب على ضروب الخوف، وبالتّالي على التّفكير بحرّية أكثر.

اللاهوت المسيحي والانقلاب على الفلسفة اليونانية:

هناك تحول كبير في مسار الفلسفة اليونانية أحدثته المسيحية، أو الفكر الديني المسيحي. وهو تحول استراتيجي يمكن أن نجزم أنه قلب تاريخ الفلسفة اليونانية رأسا على عقب، وساهم بشكل كبير في انتشار المسيحية في مختلف بقاع الأرض. هذا التحول يبدأ تحديدا من النقطة التي اقترحت فيها المسيحية خلاصا آخر، غير ذلك الذي بشرت به الفلسفات اليونانية القديمة، والتي دارت على خلق نوع من التوازن والانسجام بين الحضور الإنساني، وبين الكون المحتضن والكامل. هذا الانقلاب الفكري، لم يكن بالشيء الهين، بعد أن كان خلاص الإنسان، هو حضوره في هذا الكون والبحث عن التوافق معه. لهذا كان هذا التحول أيضا مثارا لمجموعة من الإشكاليات على رأسها إخضاع العقل للإيمان، فبدل أنْ يكون المحدّد الأساسي لسعادة الإنسان همُ البشر أنفسهم، أصبح الإله هو المحدّد الوحيد. فكرة جديدة تبدو بسيطة في تركيبتها، غير أنها معقدة ومركبة في تداعياتها ومآلاتها المدمرة. فحالة الذّوبان التي اقترحتها الرّواقية ومن دار في فلكها من الفلسفات، حصرت الكائن الإنساني وغيبته في نظام كوني كان المطلوب منه فيه أنْ يواصل مسيرته الكونية في البحث عن التوافق والتناغم المحتمل، وهي حالة يتشظى فيها الإنسان، ويفقد كل ما يعبر عن هويته الفردية، إذ لا هوية هنا متكاملة إلا في ضوء تناغم كوني متكامل. لكن التحول الذي أحدثه اللاهوت المسيحي شيء آخر غير الذي اقترحته الرواقية. فالخلاص هنا لا يشبه الخلاص الرواقي الذي يبحث فقط عن الانسجام والتوافق، بل هو خلاص يخلد الإنسان بعد الموت، هذا الهاجس الأبدي المؤرق للكائن الإنساني المدرك تماما لفنائه وزواله. كما أنه خلود شخصي لنا ولأحبّتنا ولمعارفنا وأصدقائنا جسدا وصورة وصوتا. إنه انقلاب فكري، وتحول استراتيجي في الفكر الإنساني المهووس بفكرة الموت والخلود بعدها. وبهذا الاقتراح تكون المسيحية قد أحدثت شرخا كبيرا في مسار العلاقة الإنسانية المتعلقة بالنظرة إلى الموت، وأعادت صياغة عقيدة عالية التّقنية مكنّتها من هزيمة أعتى الفلسفات والسّيطرة على العالم خلال خمسة عشر قرنا تقريبا[7]. لكن هناك سؤالا يتبادر إلى الذهن ونحن نقرأ هذا التحول الدراماتيكي الذي أفضى إلى تحييد الفلسفة اليونانية، والتقليص من قيمة العقل:

كيف استطاعت المسيحية أن تتفوق على النّظام الفلسفي اليوناني القديم؟

هنا يجيبنا لوك فيري بأنّ هناك معطيات موضوعية لا يجب تجاهلها مهما كان موقف الإنسان من المسيحية:

  • أولا: لقد تم استبدال العقل الذي كانت سمته التوافق مع مقتضيات الكون والكوسموس عند الرّواقيين، بشخص جديد وهو المسيح الذي يجب أن يتماهى معه الإنسان بدل أن يتماهى مع النظام الكوني المفترض. بتعبير آخر كان التّثمين المسيحي لشخص المسيح، بوابة لنشر قيم وفلسفة حقوق الإنسان كما تجسدت في الواقع المعاصر.
  • ثانيا: استبدال مكانة العقل بالإيمان، وجعل العقل في خدمته.
  • ثالثا: لم تعد الحاجة ماسة وملحة بشكل كبير لفهم الفلاسفة، بل فقط تواضع البسطاء.
  • رابعا: ولَد التصور الجديد الذي اقترحته المسيحية اهتماما كبيرا بالتواضع والإيمان، والتفكير في الآخر، بدل الانشغال والتفكير بواسطة الذات. وهنا ستتغير ملامح الفلسفة من التفكير إلى خدمة الدين.
  • خامسا: تحولت الفلسفة من تلك الرؤية الموجهة لإيجاد التناغم الممكن بين الكائن الإنساني والكون المحيط به، إلى مجرد خادمة للدين. هذا التحول ستصبح فيه الفلسفة فلسفة مدرسية، وليست حكمة أو فنا للعيش.

المبدأ الإنسانوي:

قبل أن نتحدث عن المبدأ الإنسانوي في تاريخ الفلسفة لا بد من الإشارة هنا إلى أن التحول الذي أحدثته المسيحية في علاقتها بالفلسفة اليونانية، شكّل علامة فارقة في هذا التطور، حيث أصبح الفكر الفلسفي، وكل الإرث العقلاني اليوناني في خدمة العقيدة والإيمان. وما ساعد أيضا المسيحية على هذا الفتح والانتصار على الفلسفة اليونانية هو حملها لثلاث أفكار أخلاقية غير يونانية اعتبرت حينذاك بمثابة فتح جديد، أو انقلاب على مفاهيم سائدة في تلك المجتمعات. فإذا كان المجتمع اليوناني مجتمعا طبقيا أرستقراطيا، يؤمن بالتفاضلية والعبودية. فقد جاءت على النقيض من ذلك المسيحية بفكرة المساواة والعدالة والإنسانية والكرامة. وبالتالي تميز هذا الانقلاب بمجموعة من السّمات:

السمة الأولى: الحرية هي أساس الأخلاق سواء حرية فكر أو حرية اختيار.

الانقلاب الثاني: يقضي بالتّسليم على المستوى الأخلاقي، بأنّ الرّوح أهمّ من الحرف، وبأنّ الميدان الدّاخلي، أكثر حسما من التّطبيق الحرفي، لقانون المدينة الذي يبقى قانونا خارجيا.

التجديد الثالث: ظهور الفكرة الإنسانية الحديثة.

وإذا اعتمدنا الترتيب الذي جاء به لوك فيري في الأجوبة الخمسة للفلسفة، أو مراحل تطور الوعي الفلسفي الإنساني، فإننا سنصل هنا إلى أن في مرحلة الإنسانوية لم يعد العالم كونا يعمل بمبدأ الكوسموس أو التناغم والانسجام، وبالتالي أصبح عرضة للصراع والتنافر والتضاد، وهنا لن يعود بمقدور المعرفة أن تتخذ الشكل الخاص بالنظرية[8]. لأن النظام الكوني الذي كان قائما على التكامل والانسجام في الأدبيات الرواقية والأبيقورية، يصبح هنا نظام فوضى لا جامع له، ولا معنى له، إذ أنه لم يعد محلا وموضوعا للتأمل والتفكر، وقد اختفى فيه حسب هذه الرؤية كل مظاهر الألوهة. ومن هنا يتوجب على الإنسان أن يبحث له عن نظام وسط هذه الفوضى، ولو اقتضى الأمر أن ندخل النظام لهذا الكون الذي يبدو للنظرة الأولى أنه مفتقدا له. وهنا سينقلب كل شيء، إذ لم يعد معنى الجمال كما كان في السابق، أي في التأمل السلبي لمظهر هنا أو هناك. بل في فعل وفي سعي نحو بلورة قوانين تسمح بإعطاء معنى لكون خال من المعنى. هنا لم يعد الفكر والتفكر نظرا، بل فعلا يربط الظواهر بعضها ببعض، وتفسير بعضها البعض، وهذا ما يسمى بالطريقة التجريبية التي صارت المنهجية الأساسية لما سمي بالعلم الحديث.

نحن أمام ثورة نظرية ومعرفية لم تعد تنظر إلى الكون كما نظر له القدماء، بل إن هذه الثورة النظرية التي أرساها كانط ستفرز لنا نتائج صادمة، ومحيرة للعقل الإنساني ما دمنا نتحدث هنا عن الانقلاب في المفاهيم الإنسانية. فالعالم اليوم لم يعد هو ذلك العالم المتناغم والمنسجم كما هي نظرة القدماء، إذ الكون الذي صنعه لنا نيوتن لم يعد ذلك العالم الوديع والمسالم، إنه شيء آخر. عالم من الصدام والقوى المضادة. وكأننا أمام استبدال تاريخي سيقيم الإنسان ويعلو من مكانته، إلى درجة أنه سيزيح التناغم والانسجام الكوني من الساحة النظرية والفكرية. هنا تطرح أمامنا مجموعة من الأسئلة أهمها:

ما هو الجديد الذي يجعلنا نزيح الانسجام والتناغم ونقيم مكانه الإنسان؟

هذا السؤال يحلينا إلى البحث عن الفرق بين الإنسان والحيوان. وهو سؤال فلسفي يجعلنا نسائل كينونتنا مع أقرب الكائنات إلينا، خاصة تلك التي نشترك فيها معها بمجموعة من الخصائص النفسية والشكلية والاجتماعية. وحينما يطرح هذا السؤال في سياق المقارنة، غالبا ما نبحث عن الإجابة الأقرب، أي أن الفرق بين الإنسان والحيوان هو العقل، أو الجانب العاطفي والوجداني، أو كما يرى أرسطو هو العيش ضمن سياق اجتماعي. كل هذه الأجوبة يمكن أن نتلمس فيها قدرا من المعقولية أو الأحقية. غير أن لوك فيري يرحل بنا إلى فضاء آخر للتمعن في هذه الفوارق بين الحيوانية والإنسانية، وهو فضاء يستحق منا التأمل والتفكير. وإذا ما أردنا أن نبحث عن الجواب الأقرب، يلزمنا أيضا أن نشير إلى بعض ما ورد عند بعض الفلاسفة من خلال تمييزهم بين عالم الإنسان وعالم الحيوان. فمثلا ديكارت لا يأخذ فقط بمعيار العقل والذّكاء، ولا يتوقف عنده، بل يزيد عن هذا المعيار قضية الانفعال والإحساس. فهو يرى بتعبير أدق أن عالم الحيوان خالٍ من المشاعر والانفعالات، خلافا لعالم البشر. هذا النفي الذي قال به ديكارت بخصوص عالم الحيوان، والمتعلق بأن عالم البشر وحده من يتميز بالانفعال والإحساس. سيعارضه روسو، لأن العنصر المميز لعالم الإنسان هو ما سمّاه ب: ” قابلية التّحسين “، أو ” القابلية للتحسن “. أيْ أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي بمقدوره تحسين ذاته وحياته بشكل مستمر ودون توقف. وهذا ما يميز عالم الإنسان عن عالم الحيوان الساكن والجامد والخاضع لحتمية الطبيعة ونظامها الصارم. أما الإنسان فهو ذلك المتمرد على كل شيء بما في ذلك كينونته.

  • الفلسفة الشخصانية مع رونوفييه ومونييه:

قبل أن نتحدث عن مفهوم الشخصانية في الإسلام، أو هل هناك فلسفة شخصانية في هذا الدين، وجب التذكير بأن الفلسفة الشخصانية غير منزوعة عن السياق الذي ظهرت فيه، وبالتالي فلقد كانت فلسفة تحاول أن تعيد للشخص مكانته ضمن هذا السياق الكوني المترامي، ومن هنا يمكن أن نقرأ من الأعمال الفلسفية التي أعادت الروح لمفهوم الشخص والفرد لفلاسفة أثرَوا الحياة الفلسفية بأعمالهم ودراساتهم. ولا يمكن أن نخوض تجربة الشخصانية دون أن نذكر ما كتبه شارل رونوفييه، الذي يعتبر من الآباء المؤسسين للفلسفة الشخصانية، وقد تمركزت فلسفته على رد الاعتبار للفردانية أو مفهوم الفرد والشخص، حيث يتحول الفرد حسب هذا التوجه الفلسفي إلى كيان يتمتع بكامل الاستقلالية، والتفرد. وهذا ما جعل من فلسفته تنحو باتجاه يعارض باقي الفلسفات التي ترى بأن الشخصانية يمكن أن تتجسد من خلال ما هو اجتماعي، لأن الإنسان في نهاية المطاف هو كائن اجتماعي بامتياز، يعيش ضمن مجتمع، ويحتك ويحاكي أفرادا آخرين يؤسسون البناء الاجتماعي. وهنا يبدو بأن هناك نوعا من التباين الحاصل بين فلسفة رونوفييه وما جاءت به فلسفة كانط تحديدا، على اعتبار أن هذه الأخيرة أكدت على أهمية الجوهر، وهو مسألة معقدة لا يمكن أن نصل إليها، أو على الأقل هو شيء مفارق للحس والظاهر. لهذا أكد رونوفييه على أهمية المعرفة الظاهراتية، والوقوف عند ظواهر الأشياء. وإضافة إلى ما سبق فالمعرفة حسب فلسفة رونوفييه تصبح تلك المعرفة المتعلقة بالذات، أو بالشعور كما يسميه. وهنا سيحدث انقلاب مفاهيمي أساسه، افتراض وجود ذات شاعرة “وعي” وكل ذات أو شعور هو مجموعة من العلاقات المترابطة فيما بينها، هذه العلاقة مرتبطة بإضافة، والإضافة هي علاقة في الوقت نفسه، وهي ما يضيفه الشعور لنفسه، ولا ينظر إليها في إطار مجرد بل يربطها ب “مسرح امتثال حي “، أي هي قانون الشخصية، التي تشمل في وقت واحد على أنها أدواتها في المعرفة وشكلها: الزمان والمكان، والكيف، والكم، والعلية، والغائية[9].

كان رونوفييه من أشد الرافضين للجبرية، لأنها بالنسبة إليه تناقض وتنافي فلسفته الشخصانية القائمة على حرية الشخص والفرد. لهذا رفض أيضا فكرة النومين التي قال بها كانط، فالضرورة لا تقبل البرهنة عليها، والحرية أيضا لا تقبل البرهنة عليها. فهي تجمع احتمالات كبيرة لصالحها من الناحية التحليلية والبعدية للظواهر. والحرية في جوهرها تنتسب إلى الغريزة الإنسانية والعقل العلمي. والحرية وحدها هي التي تفسر وجود الخطأ في العالم. وهي وحدها التي تقرر الإمكان الأخلاقي لبلوغ الحق بالتطبيق المثابر لشعور مستيقظ دائما. ولإيضاح دور الحرية في التاريخ رسم رونوفييه مخططا تاريخيا للحضارة الأوروبية كما لم يحدث وكما كان من الممكن أن يحدث، وكانت رغبته من خلال هذه القصة أن يبين بأنه لو كان الناس آمنوا بتجربتهم في عصر من العصور، بدلا من الاقتراب من الإيمان بالحرية ببطء، وعلى نحو غير مشعور به، لكان وجه العالم قد تغير منذ ذلك العصر تغيرا مفاجئا.[10]

وإذا انتقلنا إلى الوجه الآخر من وجوه الشخصانية الفرنسية، وأحد كبار المنظرين للفلسفة الشخصانية، فسنجد مونييه من كبار الداعمين والمؤيدين لفكرة الشخصانية، وهنا نستحضر بعض ما ذكره محمد عزيز الحبابي حول هذا الفيلسوف وهذه الفلسفة التي كانت تعرف انتعاشة كبيرة في بدايات القرن العشرين. فالشخصانية عند محمد عزيز الحبابي[11] لم تكن منظومة فلسفية، بقدر ما كانت مجموعة من الانضواءات والمواقف التي يتخذها المرء أمام عالم اليوم. فهي مستوحاة من المسيحية الكاثوليكية عند مونييه، ومن البروتستانتية عند دونس دورجمون. لكن يمكن أن نختلف ولو بشكل جزئي مع الحبابي الذي رفض فكرة أن تكون الشخصانية منظومة فلسفية، وكأن الفلسفة ليست موقفا أو مواقف اتجاه العالم، بل هي في أساسها وأصلها حتى عند اليونانيين القدماء هي موقف من العالم، وقد تحدثنا عن بعض هذه المواقف سابقا. ويبدو أن الحبابي هنا يريد أن يؤكد على سياق الظهور، فالشخصانية جاءت حسب قراءته لها كردة فعل على سيطرة مجريات الحياة المعاصرة حينذاك على الشخص. وكأن الشخصانية تريد أن تقوم هنا بموقف خلاصي يحضر فيه الهاجس المسيحي بشكل كبير، حيث تريد أن تحرر الفكر من الانحطاط الجماعي لقوة النظام العالمي حينذاك، وأيضا تقي الفرد والشخص من الذوبان في هذا العالم المجهول الذي يدمر كل ما يأتي أمامه، خاصة في افتقاده للأبعاد الروحية، ومن هنا تكون الشخصانية ترتفع إلى مستوى لا يكون فيه المبحث المركزي علاقة الشخص بالإله، بل علاقة الشخص المؤمن بالذي لا يؤمن.

هكذا تبنى مونييه ولا كروا وغيرهما كثير الفكرة الماركسية القائلة بأن الفلسفة لم تقم إلا بتأويل العالم تأويلا مختلفا، في حين أنه ينبغي تغيير العالم. هذه هي خصائص التفكير عند مونييه ومن تبني طرح الشخصانية على شاكلته، فالأحداث التي مر بها العالم كانت من صلب اهتمام هذا الفكر، ولم تكن خارجه. وبالتالي تكون الشخصانية هنا جوابا من الأجوبة عن معضلة وأزمة العالم، وبالتالي فالشخصاني هو من يحاول أن يبحث عن الجواب، ويتخذ الموقف المناسب اتجاه كل الأزمات المعيشية التي تجابه أو تواجه عالمه ومجتمعه. فمونييه هنا يذهب مذهبا مخالفا لما كان يراه ألبير كامي الذي كان يعتبر بأن الحياة طاعون، بل على العكس من ذلك فمونييه كان يراها بأنها مجرد صراع على غرار ما كانت تراه الماركسية أيضا، وبالتالي هناك نوعا من التقارب الموضوعي بين الفكرين على الأقل في هذه الجزئيات المتعلقة بتفسير العالم أو تغييره، وأيضا بالنظرة إلى الحياة كمسرح للصراع. وهذا يدل على أن الشخصانية هنا ترتكز على النشاط، بغية توفيق الإنسانية مع ذاتها، بالقضاء على كل أنواع الحرمان. وبالرغم من التطابق الجزئي الحاصل هنا بين فلسفة مونييه والماركسية، فإن هذا لا يعني بأن هناك نوعا من الانسجام الكلي والتطابق التام، إذ أن الشخصانية تقترب بشكل كبير من الوجودية التي ترى اعتبارية الكائن الإنساني، وقيمة الحياة الذاتية للشخص، وهو موقف مضاد للماركسية.

هذا بشكل عام المنظور والسياق التي تشكلت فيه فلسفة مونييه الشخصانية، ولكن ما نريد التأكيد عليه هنا أْيضا هو ما أشار إليه محمد عزيز الحبابي[12]. فالأنا يحيا الحركة المشخصنة كفاعلية يحقق بها ذاته، وكتواصل وانخراط، إنها فاعلية واعية للذات. تعرف ذاتها في نشاطها. وهذه التجربة حسب مونييه ليست عامة، فلا يحياها بكيفية ممتازة إلا نخبة من الناس. لأن هناك أناس يرفعون التجربة إلى القمة، وينادون من حولهم، فيوقظون النائمين، وهكذا من نداء إلى نداء تستيقظ الإنسانية من أعماق نومها النباتي الذي ما زال يخمدها. فالحركة المشخصنة لدى مونييه ليست ميزة الكائن البشري فحسب، بل هي ميزة الحياة بصفة عامة. وهنا يمكننا أن نضع هذا السؤال: ما الشخص؟، يجيبنا مونييه بأنه حضور في الأنا. لكن في سياق آخر يطرح السؤال نفسه، فيجيب جوابا مختلفا حينما يقول إنه ما لا يمكن تعريفه. هذه الصعوبة في التعريف عند الشخصانيين تؤكد بأن الشخص لا يعطى دفعة واحدة، ولكنه يتحقق بقدر ما يتحقق. فالشخص فعالية وسير إلى الأمام يحدد خطواته إيقاع هذا التشخصن. فمونييه كان يرغب من خلال جعله الشخص قرينا بالتواصل أن يمحو كل غموض بين الفرد والشخص، بحيث إذا قبل التمييز بين الشخصانية والفردانية، انعدم الفرق بين الشخص والمعشر. وبالمجمل فالتعريف الأول الذي اقترحه مونييه للشخص يشبه ما أكد عليه هنري برجسون وتحديدا في مفهومه عن الأنا السطحي الذي يراقب ويعكر عن طريق العدوى، الأنا العميق. أما التعريف الثاني فيذكر بالمعارضة الكلاسيكية للروح السجينة في الجسد، حيث يكون الفكر توترا بلغ الحد الأقصى في الالتئام، بينما تصير المادة تفككا لهذا التوتر.[13]

  • الشخصانية الإسلامية: محمد عزيز الحبابي نموذجا

لا يمكن أن نتحدث عن الشخصانية في السياق الإسلامي دون بروز اسم محمد عزيز الحبابي باعتباره قامة فكرية نفضت الغبار عن هذا التوجه الفلسفي، وأدخلته إلى حقل التداول العربي والإسلامي، وعززت من وجود الشخص والفرد والإنسان، ضمن سياق يراعي المكانة الرفيعة للإنسان على الأقل من المنظور الديني والإسلامي. وقد أكد الحبابي نفسه على ضرورة تجاوز النظرية التي تجعل من الحرية مجرد حرية ذاتية، لأنه حينما نتصور بأن الحرية ذاتيه محض، خالية من أي محتوى مجتمعي وتاريخي، فأننا نحكم بذلك على الكائن الإنساني بالانحصار في شعوره الصرف كأنه لا علاقة له بالمجتمع الذي يعيش فيه. فهنا يعوض الحبابي فكرة الحرية الذاتية بفكرة التحرر، التي تشمل الحرية الباطنية. وهذا التحرر هو ما يميز الكائن الإنساني، ويخوله السيطرة على مقاليد الطبيعة، وفهم الكثير من أسرارها. وبالتالي السيطرة عليها بشكل كامل. وبهذا يصبح التحرر شيئا خاصا بالكائن الإنساني[14].

 لكن ما معنى التشخصن عند الحبابي؟

معناه أن يتحرر الإنسان من كونه كائنا خاما، إلى أن يصير كائنا متحركا، يعني انتمائه إلى المجتمع. فحسب محمد عزيز الحبابي هناك نقلتان للكائن البشري. الأولى: من الكائن إلى الشخص. والثانية من الشخص إلى الإنسان. النقلة الأولى من كائن معطى وموهوب، إلى كائن مبني ومكسوب. الثانية من مكسوب إلى أفق. فالنقلة الأولى إلى الشخصانية، والنقلة الثانية إلى الإنسانية، تلك هي النزعة الإنسانية التي يسميها الحبابي بالإنسانية الشاملة، أو الإنسانية الجديدة. فحسب الحبابي فالمذهب الشخصاني هو خطوة أساسية نحو المذهب الإنساني[15].

بالرغم من أن مفهوم الشخصانية غير متواجد في القرآن الكريم، أو الموروث الثقافي الإسلامي. غير أن الحبابي حاول أن يبحث عن تجليات هذا المفهوم في البناء الفكري للمنظومة الإسلامية. وهنا بدأ الحبابي شرح مفهوم الشخصانية انطلاقا من الواقع التاريخي الإسلامي. فلقد كان الشعور في المرحلة التي سبقت ظهور الإسلام مفعمة وممتلئة بقيم الأنانية القبلية، ومع ظهور الإسلام أخذ العربي يعي ذاته ووجوده كجزء من أمة، أي بوصفه فردا أو عضوا ضمن الجماعة المؤمنة، حيث أصبحت القيم المتعالية التي يتمتع بها بعد نزول الوحي، تتجاوز ما كان سائدا في المجتمع القبلي العربي قبل الإسلام، وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم حينما قال:” وأن هذه أمتكم أمة واحدة “، وبالتالي كان هذا الوعي بأنه جزءا لا يتجزأ من الأمة يمده بالطاقة الروحية، لتجاوز العقبات النفسية والعقدية والسلوكية التي أفرزها واقع ما قبل الإسلام. فنحن أمام مرحلة تشكل وعي جديد للفرد المؤمن بمعاني جديدة، وبنظرة مغايرة تمتح من أفق إنساني عالي. وهذا الامتداد الروحي المتجاوز لحدود الضيق القبلي، هو ما شكل عالمية الإسلام وشموليته. وهنا يصبح الإسلام حسب الحبابي، مجموعة أنماط مختلفة لكينونة الشخص، أي حينما يحي المسلم حياة إسلامية حقيقية، فإنه بذلك يصبح واعيا بذاته كشعور متجسم في العالم. هذا البحث الصادق عن الذات، والالتزام بقيم المجتمع الجديد يجعلنا نتغير بتغير العالم، وفق ما سنه الله تعالى في هذا الكون الفسيح من السنن والقوانين الناظمة. وهنا يحق لنا أن نطرح التساؤل العريض الذي ينبثق من هذا الأفق الذي تحدث عنه الحبابي في سياق برهنته على العالم الجديد الذي أحدثه ظهور الإسلام:

هل الإسلام شخصاني؟

قد يقول قائل بأن الإسلام لا علاقة له بالشخصانية كما تجسدت في الفلسفات التي اهتمت بالشخص، وكما رأينا سابقا مع الكثير من المفكرين والفلاسفة. غير أن الحبابي يريد أن يحملنا إلى عالم لا يهتم فيه بالبحث عن الجذر اللغوي لكلمة ” ش خ ص ” كي ندرك بأن الشخصانية من صميم هذا التحول الذي أحدثه الإسلام بالنسبة للفرد، الذي عاش المرحلة السابقة لظهوره بقيم تطبعها الأنانية والفردانية السلبية في أبشع صورها. هنا يضعنا الحبابي أمام بحث جديد لتجليات هذا المفهوم في السياق الإسلامي، وبالتالي الجواب عن شخصانية الإسلام من عدمها.

إذا فهمنا بأن المدلول الأساسي لكلمة شخص هي أنه قوة مبادرة واختيار، فإننا نقر بأن الشخص يلتزم ويندمج وينسجم، ويشعر، فيقبل أو يرفض. وهو ما يجعل الشخص مستقلا ذاتيا. وهنا سندخل معتركا آخر مع الحبابي، وهو المعترك العقدي، فالإيمان حسب هذا التصور، ينبثق من إيمان المسلم بوحدانية الله واستقلاليته المطلقة، وبالتالي فالأمر نفسه من خلال هذا الإقرار يعترف الإنسان لذاته بأنه واحد ومستقل ذاتيا. ومعنى ذلك أن الاستقلالية الذاتية هنا هو ذلك الشيء الخاص بكل شخص، نعني واقع الفردية المخصصة له. فالشخصانية معناها رفض الشخص الطاعة العمياء، كيفما كانت الجهة المطاعة هنا، وكذلك إعطاء مكانة كبيرة لمنزلة العقل والتفكير. لهذا رفض القرآن الكريم فكرة الاستبداد والإكراه:” لا إكراه في الدين “. ويذكرنا هنا كلام الحبابي بما كتبه كانط [16]أيضا في مقالته الشهيرة عن التنوير، الذي يعتبره مشروعا لإخراج القاصرين من حالة القصور والضعف، إلى حالة الراشدين، ورد الكل إلى مسؤوليتهم تجاه حال قصورهم، وامتلاك المرء شجاعة استخدام إدراكه وفهمه، ومنح الذات والآخرين وسائل البلوغ إلى امتلاك زمام النفس، واعتماد إعمال العقل علنا، وباشتراك مع الجماعة، في كل المجالات دون استثناء، وعدم اعتبار ما يصدر عن السلطة العمومية حقيقة منزلة.

هكذا فشخصانية الإسلام حسب منظور الحبابي تعتبر أن كل كائن إنساني شخص، بقطع النظر عما يميزه، أو يختلف به عن الآخر، من الأشياء المميزة كاللون واللغة، والعرق. فبالنسبة للإسلام، الاختلاف يجسد إرادة الله المطلقة، كما يعبر بشكل أو بآخر عن قدرة الله على خلق هذا العدد اللامحدود من مظاهر الاختلاف:” من آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم “. هذا الغنى في التعامل مع مظاهر الاختلاف، والأسلوب القويم في الإحساس والشعور به، يجعلنا نبحث بشكل أعمق في دلالات مفهوم الشخص كما هي متجسدة في التراث الإسلامي، بالرغم من أن الجذر اللغوي للشخص منعدم على الأقل في القرآن الكريم. ولكن هذا لا يعني عدم وجود كلمات لها تماس مباشر، واتصال قريب بدلالة مفهوم الشخص، وعلى قمتها نجد كلمة فرد. فماذا تعني؟

كلمة فرد نقيض للجماعة، سواء دلت على الأشياء أو الكائنات. والشخص في الإسلام لا يصبح فردأ إلا إذا انضمت إلى فرديته أبعاد. مثل:

العرض: الجانب المعنوي الذي يجب الدفاع عنه.

الحسب: القيمة والاستحقاق والنبل.

النسب: الأصل والانتساب بالوراثة لعشيرة أو جنس ما.

وهذا يدل على أن الإسلام تبنى مفهوم الشخص، وزاده عمقا، حيث أدخله في نطاق الفقه والعقيدة، وبالتالي أصبح الشخص مكلفا ومسؤولا، ومحملا بأمانة الدين، ملزما بأداء الواجبات والحقوق، ممتثلا للقيم العليا التي جاء بها الإسلام. وحتى حينما يريد الإسلام أن يفرق بين المؤمن وغير المؤمن، فهذا لا يعني أنهما لا يتساوون من حيث الكرامة والحق الإنساني، فكلاهما لهما استعداد فطري لقبول الألوهة، والقداسة على خالق العالم. كما أن الأنبياء أنفسهم حسب التصور الإسلامي هم بشر وأشخاص في نهاية المطاف، وهذا ما تم تأكيده من خلال مجموعة من الآيات:” وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ” ” لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم بالمؤمنين رؤوف رحيم “.

واستنتاجا من الآيات القرآنية حسب الحبابي يبدو أن جذر ” ش خ ص ” كان موجودا قبل الإسلام، ولكنها لم تعد معروفة بالصيغة الموجودة عليها الآن إلا مع مفكرين مسلمين من أمثال إخوان الصفا، وابن سينا. ففكرة الشخص بمحتواها القيمي تكونت في ميداني الأخلاق والسياسة. وهنا يمكننا أن نتحدث عن مفردة أخرى تعني نفس دلالة الشخص، وهي لفظة ” وج ه “. فالوجه في معناها المجازي تعني نظر، وبما أن الوجه يعد أشرف ما في الكائن، وهو المحدد لهويته الشخصية، فإنه صار يدل على الكائن كله. فعبارة:” أينما تولوا فثم وجه الله ” تدل على الذات الإلهية. كما تستعمل للدلالة على الشخص البشري.

وفي اللغة العربية مجموعة من المفردات القريبة من لفظ الشخص بالمنظور الإسلامي، وعلى رأسها نجد لفظ الذات. فهي تدل على الماهية والجوهر وأحيانا تدل في الفلسفة على الفرد. فلفظ الذات لفظ مشترك بين الكائن البشري، وغيره من الكائنات. كما أنه يستعمل للدلالة على الحيوانات والجمادات، وفي الاستعمال القرآني هناك العديد من الآيات التي توضح هذا الأمر فالله عليم بذات الصدور. وينعت القرآن السماء ب:” ذات البروج “، والنار” ذات اللهب “. فالذات هنا تعبير عن علاقة أو صفة، ولا علاقة لها بالماهية والجوهر. وهنا يخلص الحبابي إلى قضية جوهرية أن الشخصانية أعمق من الذاتية. فالشخص هي صفة مميزة للكائن البشري تحديدا، في حين أن الذات هي وصف لباقي الكائنات أيضا.

 

المراجع:

[1][1] – توماس، آرفلين. الوجودية مقدمة قصيرة جدا. ترجمة مروة عبد السلام. مؤسسة هنداوي، ط1، 2014، ص: 53.

[2] – المرجع السابق. ص: 54.

[3] – المرجع السابق. ص: 54.

[4] – سارتر، جون بول. الوجودية مذهب إنساني. ترجمة عبد المنعم الحفني. ط1، 1964. ص: 14.

[5] – فيري، لوك. تعلم الحياة. ترجمة سعيد الولي. دون دار النشر، أو طبعة أو تاريخ. ص: 50.

[6]–  أجمل قصة في تاريخ الفلسفة. ص: 24.

[7] – أجمل قصة في تاريخ الفلسفة. ص: 24.

[8] – لوك، فيري. تعلم الحياة, ص: 158 .

[9] – بدوي، عبد الرحمن. موسوعة الفلسفة. المؤسسة العربية للدراسات والنشر،ط1،1984. ص: 527.

[10] – المرجع نفسه. ص: 527.

[11] – الحبابي، محمد عزيز. من الكائن إلى الشخص. دار المعارف. ص: 122.

[12] – المرجع نفسه. ص: 126.

[13] – المرجع نفسه. ص: 130.

[14] – المرجع نفسه. ص: 5 .

[15] – الشيخ، محمد. محمد عزيز الحبابي الشخصانية والغدية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ص: 52.

[16] – أونفراي، ميشال. نفي اللاهوت. ترجمة مبارك العروسي. منشورات الجمل، ط1،2012. ص: 20.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete