الإيمان بالنموذج العالَمي في “العصيان المعرفيّ”

 تكوين

[I]

أو في الخلط بين [الإيمان- بـ – …] وإنتاج المعرفة العِلميَّة والفلسفية؛ هكذا علينا أن نستشكل: نبني إشكاليَّة عن موضوع العصيان الإبستيمولوجي. فلا بُدَّ من أنْ نتساءل عن “العصيان المعرفيّ” من جهة التَّساؤل عن مضمونه الأصليّ، أي عدم الطاعة للنموذج العالَمي في المعرفة. إنَّ الـ[لا- طاعة] هذه إنَّما هي تنطوي على ثلاث مسائل دفعة واحدة: رفض حدود المعرفة العالَميَّة، ورفض شروط إمكان المعرفة العالَميَّة، ورفض مصادر المعرفة العالَميَّة. وفي هذا المعنى، يعني الرفض عند أصحابه، من دون أدنى شك، البحث عن البديل. ما هو البديل؟ إنَّه الحدود الجديدة للمعرفة العالَميَّة، وشروط الإمكان الجديدة لها، والمصادر الجديدة لها. هذا هو البديل في كُليَّتِهِ، متى صار الهدف البحث عمَّا يوازي النموذج العالَمي في المعرفة، في الفلسفة وحقول الفهم فيها، وفي علوم الإنسان والمجتمع. لكن تفكيرًا من هذا النوع، التفكير الديني الذي يقع على الضدِّ من المعرفة العالَميَّة أو يؤسس لذلك، أو تفكير اليسار العالَمي الذي يقع في البحث عن الأقطاب المتعدِّدَة التي تقسِّم السيطرة على العالَم فيما بينها (ضمن نظام متعدد الأقطاب، أو فوضى متعدِّدَة الأقطاب)، أو تفرض ذلك، أو تفكير منتقد- وليس ناقدًا واعيًا بأن النقد إنَّما هو معرفة أخرى تتكامل مع المعرفة السابقة- لا يعرف إلاّ قول كلمة “لا” في وجه كل شيء تقريبًا، إنَّما هو يقوم على الخلط بين مستويات مختلفة من التَّساؤل الفلسفي- العلميّ، من حيثُ إنَّه تساؤل علمي- فلسفي. لماذا؟ لأنَّ [الإيمان- بـ -…]، متى فُهِمَ من جهة [الاِعتقاد- بـ – …]، إنَّما هو يقوم، في الطابع البنيوي الذي من شأنه، على الضدِّ من [التَّساؤل- عن- …]، والتساؤل بعامَّةٍ، في كل المحطات التي من شأن بناء التَّساؤل بعامَّة. فلأنَّ ماهيَّة العقل الحديث، لهي الحُرِّيَّة، أو لا يكون؛ فإنَّهُ ينبغي النَّظرُ إلى التَّساؤل على أنَّه الوظيفة الأعلى شأنًا التي من شأن العقل الحديث. لكن ما هو التَّساؤل بعامَّةٍ؟ وهل نحن تعرَّفنا على التَّساؤل، في البحث العلميّ الحديث وما بعد الحديث، في الفلسفة وحقول الفهم فيها، والعلم بالمجتمع والإنسان، وحقول الفهم فيه؟

[II]

في الذِّهاب نحو [البحث- عن- المسألة]، متى فُهمت المسألة Problem من جهة التَّساؤل Question عن المفهوم داخل المسألة- باِعتبار أن المسألة إنَّما هي المضمون النظريّ الذي يقدِّمَ إجابة، في كل مرَّة، عن التَّساؤل [عمَّاذا- نبحث؟]، بوصفه جملة مفاهيم وعلاقات معينة بينها- علينا أن نميِّز جملة من المُكَوِّنات المتشابكة والمتكاملة فيها. إنَّها، ضمن تخصيص بنيوي يعي الاِنفتاح على العالَميَّة، أي التعدُّد في إنتاج العالَميَّة، تفهم التَّساؤل لا من حيثُ إنَّه تركيب ذهني، أو عمليَّة ذهنية، أو ضربٌ من بناء نظري لا يبحث عن تعالق (بناء علاقة واعية بالتاريخ: تاريخ المسألة، وصيرورتها) مع العالَميَّة التي من شأن المسألة The Globalization of the Problem، من جهة كونها مُعَوْلَمة، والعالَمية التي تخصُّ  المسألة The Worldness of the Problem، من جهة كونها تنظر إلى العالَم من [رؤية- إلى- العالَم] بعينها؛ بل من جهة كونه نمطًا من أنماط التموضع Objectivation في العالَم؛ وبالتالي فإنَّ التَّساؤل، لأنَّه يتعلَّق بذاتٍ هي موضوعُ ذاتِها، من جهة أن الإنسان في التَّساؤل إنَّما هو الإنسان في ضرب من التموضع هو يجعل من ذاتِ نفسه، في أفق ما يتناوله أو يستفهم عنه أو يتساءل فيه، في موضوع الاِنفتاح والمساءَلَةِ؛ لكن أيضًا إنَّه ينفتح في التَّساؤل، بتوسُّطِ ما ينكشف منه بَعْدِيَّاً. إنَّ التَّساؤل إنَّما هو نمطٌ من أنماط [الإنوجاد- في- العالَم]؛ لكن أيضًا هو يكونُ لأنَّ الذَّاتَ إنَّما هي صانعةٌ لـ [الكينونة- التي- لها]. وهكذا، تُصبِح المُكَوِّنات الأساسية للتساؤل، الأشياء التي يتضمنها التَّساؤل، في صلب البحث عن العلاقة بين التَّساؤل و[الإيمان- بـ -…] الدينية، باِعتباره اِعتقاد؛ شرط أن نميز الاِعتقاد (المعتقد) عن الآيديولوجيا من جهة أن الأول ميتافيزيقي- ثيولوجي يدخل في عمليَّة إنتاج المعرفة من جهة الدِّين والنص الديني، والثاني تعبير عن الأصول المجتمعيَّة والتاريخيَّة التي من شأن المعرفة، يمكن أن يتضمَّنُ المعرفة الدينية كجزء منه، لا كله. ولكن ما هي هذه الأشياء- المُكَوِّنات؟

[III]

إنَّها تلك الأشياء- المُكَوِّنات التي ترسم، على نحو أوَّلى اِنطلاق التَّساؤل، وتوجيهه، والأرضية التي عليها يقوم؛ وأيضًا، حقل الفهم الخاصّ به، على أقل تقدير. ومتى أردنا البحث في التَّساؤل، في مفهوم التَّساؤل الفلسفي والعلمي الحديث وما بعد الحديث، من حيثُ إنَّه هو، عن مفهوم [الإيمان- بـ – …]، وممارسة داخل عمليات إنتاج المعرفة، المعرفة العالَميَّة بموضوعات المجتمع والإنسان، يمكننا أن نميز، داخل [بِنيَة- التَّساؤل]، بين مكوِّنات أصليَّة فيه، تؤسس له وتقوِّمه، هي، على أقل تقدير، الآتية:

  • I – ما يَرسُم اِنطلاقةَ التَّساؤل أي [المُتساءَل- مِنه] الذي يتضمَّنُ معنى [حقل- الفهم]، ومحدِّداته النظريَّة والمَنْهَجيَّة، الذي يُطرح التَّساؤل من داخله، ويعني أنَّه يمكن أن يكون حقلاً من حقول الفهم الأصليَّة في الفلسفة، وعلوم المجتمع والإنسان الحديثة؛ أي: حقل الميتافيزيقا بموضوعه الأصليّ [القَبْليِّ Priori]، أو حقل اللوجيكا بموضوعه الأصليّ أي [الحقيقة]، أو حقل الإبستيمولوجيا بموضوعه الأصليّ أي [المعرفة] في أنها وفي كيف أنها، وفي لماذا هي كذلك، أو حقل الإثيقا بموضوعه الأصليّ أي [الأخلاق]، أو حقل البولتيكا بموضوعه الأصليّ أي [المجتمع]، أو حقل الاِسثتيكا بموضوعه الأصليّ أي [الجمال]؛ أو ضمن حقلين أو أكثر من حقول الفهم هذه. ولكن، يتضمَّنُ [حقل- الفهم] أيضًا معنى الاِتجاهات الفلسفيَّة والعلمية، والمدارس الفلسفيَّة والعلمية التي تجسّد هذه الاِتجاهات: أي اِتجاه العقلانية Rationalism، أو اِتجاه الإمبيريقية Empiricism.
  • II – و[المُتساءَل- به]، مَن يتساءَل؟ ما هو ذاك الذي يتساءَل؟ ما هي تلك الأشياء التي تبني التَّساؤل وبواسطتها وتوسُّطها نحن نبني تساؤلاتنا عن الكون، والعالَم، والخِلقة، والكينونة، والوجود، والمجتمع، والإنسان في المجتمع؟ إنَّ مَن / ما يَتساءَل إنَّما هو البراديغم السائد في المعرفة. نعني بالبراديغم السائد جملة نماذج الوعي العالَميَّة السائدة في عصر من العصور، والتي تتوفَّر على ثبات نسبي، بعد إجماع العلماء والفلاسفة والباحثين، حول مضمونها ومنظورها. بواسطة البراديغم السائد، وتوسُّطه، تجد التَّساؤلات الجديدة في كل مرَّةٍ، ومن جديد- هذه الجدة تأتي من تعريف سابق لها بوصفها مُعتبرةً، وفقَ اِعتبار محدد قبليَّاً، على أنها تختلف عمَّا هو قديم- طريقها إلى النهوض في البحث عن موضوعات العالَم، والأشكلة عمَّا هو جديد في العالَم، والكشف عمَّا هو كان قد اِعتُبِرَ جديدًا في العالَم.
  • III – و[المُتساءَل- عنه]، إنَّما هو الموضوع The Object، الذي على أساسه يتمُّ توجيه التَّساؤل ضمن أفق بعينه للتساؤل؛ وطريقٍ محايثة للمفاهيم الأصليَّة المستخدَمة في التَّساؤل.
  • IV – و[المُتساءَل- له]، النتيجة الأوَّلِيَّة المرسومة في الفرضيَّة الأساسيَّة، في التفكير في المسألة، أو عنها، أو بها، أو منها؛ بوعي أصليّ يتضمَّنُ معنى أن الفرضيَّةَ إنَّما هي قضية قابلة للدحض، أو لا تكون من جذرها.
  • V – [المُتساءَل- فيه] إنَّما هو حقل [موضوعيَّة- الموضوع]: The Objectivity Field of Object الذي يمكن تحديده وتعيين مضمونه ومنظوره اِنطلاقًا من [حقل- الفهم] الخاصّ بالموضوع؛ وجملة المحدِّدات النظريَّة والمَنْهَجيَّة التي من شأنه.

[IV]

بوعي ماهيَّة التَّساؤل، على هذا النحو، باِعتباره يفتح إمكان فهم بِنيَة [الإيمان- بـ – …] من جديد، يمكن أن نتوقف في المحطة الإبستيمولوجيَّة- والميثودولوجية الخامسة، ونبحث عن العلاقة بين الإيمان، والاِعتقاد، من جهة، والبحث عن بديل للنموذج العالَمي في المعرفة والعلم والفلسفة، من جهة أخرى. نفتح ههنا إمكان تفكيك إشكاليَّة الدِّين داخل بِنيَة المعرفة، بالاِعتماد على تساؤل جذري يقوم على طبيعة تناول الإيمان في المعنى الحديث وما بعد الحديث الذي من شأنه. أو ماذا نعني بالضبط حينما نريد أن نتساءل عن الفعل الإيماني تساؤلاً سوسيولوجيَّاً ينطلق من النظريَّات والمناهج العالَميَّة؟ حديثًا وعلى نحو ما بعد الحداثة؟

لا تُميِّزُ الغالبية الساحقة من الدراسات والأبحاث والكتب والمقالات والأوراق البحثية، بين ضربين من الفهم. فهم قائم على [الإيمان- بـ – …]، من جهة أولى، وفهم تحدِّدُهُ ضروب التَّساؤل والأشكلة والاِستشكال Problematization، من جهة ثانية، وضرب آخر من الفهم يتعيَّن عَبرَ الاِنطلاق من التَّساؤلات العِلميَّة والفلسفية الحديثة وما بعد الحديثة، من خلال التوقف عند الأرضيَّة الإبستيمولوجيَّة للبحث، ومحطات بناء الموضوع التي من شأنه، ومحطات بناء المنهج التي تخصُّه، من جهة ثالثة.

وتظهر معالم الخلط بين الإيمان وعملية إنتاج المعرفة، من جهة، وتتجسد أشكال معرفية مختلفة، ناتجة عن الخلط بين العقيدة والحقيقة، من جهةٍ أخرى، في إطار التَّساؤل عن أي ظاهرة مجتمعيَّة، أو واقعة مجتمعيَّة جديدة، لا تتوفَّر الاِتجاهات والمدارس الفلسفيَّة والعلمية على مفاهيم فاهِمَة لها، مفسِّرة إياها، ودالَّة إلى إشكالات وإشكاليات بناء الفهمِ بشأنها.

[V]

يُمارَس هذا الخلط، على ضروب مختلفة ومتعددة ومتنوعة، تظهر، في كلِّ مرَّةٍ، يصطدم الفكر باِستحالة تفسيره للواقع العالَمي، وبعجزه الصريح في بناء مفاهيم جديدة تتعلَّق بالعالَميَّة من حيثُ إنَّها تخصُّنا. إنَّها ضروب تظهر من خلال مقولات من قبيل: “إسلامية المعرفة”، “أسلمة المجتمع”، “الإسلام هو الحل”، “رفض النموذج الغربي”، “المفاهيم العِلميَّة أوعية فارغة نضع فيها ما نشاء من مضامين”، و”العصيان المعرفيّ”، أو “العصيان المنهجي”، أو “العصيان الإبستيمولوجي”، أو “العصيان الفكري”… وهكذا دَوالَيك[1]. من أين يستمد هذا الضرب من الممارسات معناه ومسوِّغ وجوده؟ وفي أيَّة معانٍ هو يبحث عن إمكانيّة التوفيق بين الإيمان الديني من جهة، والعقل الفلسفي والعلمي الحديث، من جهة أخرى؟

في الحقيقة، لا علاقة للإيمان الديني، في البحث العلميّ، بالعقل، في المعنى الحديث الذي له. يمكن للعقل في البحث العلميّ أن يكون متديِّنًا- مؤمنًا، ويمكنه ألاّ يكون كذلك. لا الإيمان ولا عدم الإيمان يمكن أن يكونا شرطًا ملزمًا لممارسة البحث العلميّ في علوم الفهم. أعني علوم المجتمع والإنسان، وحقول الفلسفة الستة. من يبحث عن التوفيق بينهما يبحث عن شيء آخر؛ وتتحكم به فرضيات مختلفة أخرى. نصنِّفها على الضروب الآتية، على أقل تقدير:

[VI]

الاِفتراض القَبْليِّ الأول: ضرورة الحفاظ على هُويَّة المجتمعات، واِفتراض تعرُّض الهُويَّة إلى تهديد خارجي. في هذا السياق، يمكن رصد العدد الكبير من المقالات والدراسات والأبحاث التي لا تبحث عن شيء علمي تقريبًا؛ بل ترفع، منذ أوَّل بدئها، شعار مواجهة المعرفة العالَميَّة، وضرورة التصدي لها؛ ويبدأ صراع معرفي[2] لا معنى له، لا يُقدِّمُ ولا يؤخر في أي مفهوم أو نظرية أو فكرة تنتج عن حقل العلم بالمجتمع والإنسان في العالَميَّة.

الاِفتراض القَبْليِّ الثَّاني: واجب الدفاع عن الدِّين في وجه النظريَّات والمفاهيم التي تحط من قيمته، أو تُفهم على هذا النحو لمَنفعة جماعة آيديولوجيَّة بعينها، أو تكشف عن تلك الجذور التاريخيَّة والمجتمعيَّة، التي تتناقض مع سلطة دينية راهنة، قائمة في الواقع، واقعةً من الأعلى على حياة الأفراد والجماعات. يندرج هذا الاِدِّعاء، وما على شاكلته، ضمن تلك الدعوات التي تنهض على تقسيم العالَم على نحو ثنائي الأقطاب؛ من منظار الآيديولوجيات الدينية- السياسية المغلقة.

الاِفتراض القَبْليِّ الثَّالث: أوَّلِيَّة الاِنتقاء بين معرفة علميَّة وفلسفية تتناسب مع القيم والأخلاق والتقاليد والأعراف في مجتمعاتنا العربيَّة، وتلك التي لا تتناسب مع القيم والأخلاق والتقاليد والأعراف في مجتمعاتنا العربيَّة. يُمارَس هذا الضرب من التنقيح الآيديولوجي للدراسات والأبحاث والنظريات والمناهج التي ينتجها حقل العلم في العالَم؛ ولا يختار بعد ذلك إلاّ ما هو متطابق مع ما تقوله الآيديولوجيا الأصليَّة للجماعات الهُوَوِيَّة المغلقة. من لديه المصلحة في ذلك؟ الجماعات الفكريَّة- الآيديولوجية، الفاعلة سياسيَّاً ومجتمعيَّاً، التي تجد في علوم المجتمع والإنسان، باِعتبارها تتوفَّر على إمكان الكشف عن مصادر السلطة، وإمكانات ممارسة السلطة في المجتمع، خطرًا حقيقيَّاً على اِستمرارها.

الاِفتراض القَبْليِّ الرَّابع: ضرورة الردِّ على كل ما هو علمي- فلسفي بما هو ديني ناتج عن ميتافيزيقا دينية متَّفق عليها بين رجال الدِّين. ينتج عن ذلك خلط عميق بين أخذ الدِّين كموضوع للممارسة العِلميَّة، من جهة أولى، وفهم الدِّين من منظار علوم المجتمع والإنسان من أجل التَّعرُّف إلى ماهيته وبنيته وصيرورته في الواقع المجتمعيّ المحسوس، من جهة ثانية، ووضع الدِّين كأرضية إبستيمولوجيَّة لأي معرفة، ولأيِّ إمكان معرفة في المجتمعات العربيَّة، من جهة ثالثة. وهذا إنَّما هو ضربٌ من الدفع بنا، بالإنسان والمجتمع في بلداننا العربيَّة، نحو الخروج عن العالَم، والدخول بِقُوَّةٍ في ظلام فكري مخيف.

[VII]

ولكن هذه كلها اِفتراضات لا يمكن التحقُّق منها إلاّ على نحو آيديولوجيا مغلقة تريد الاِنفصال عن العالَم؛ أو هي باحثة عن تلك الضروب من التصوف، الذِّهاب إلى العُزلة العالَمية، إزاء العالَم؛ أو الاِبتعاد عن العالَم في كهوف سلطوية.

إنَّ ضربًا من الاِنغماس في العالَم، لهو يُميِّزُ بين الإيمان من جهةِ كونِه خيارًا فرديَّاً، يمكن البحث عنه ودراسته، وبين الممارسة العِلميَّة كونها تبحث عن تفسير العالَم وتحليله وفهمه على نحو أعمق. ولكن ما هو الغرض والمغزى من فهمه؟ وأيُّ مصلحة مجتمعيَّة عُليا يمكن أن تتحقق من خلال هذا التمييز؟ إنَّها الاِنفتاح على المجتمع العالَمي؛ ووضع كل الإشكالات والإشكاليات الإنسانيَّة والمجتمعيَّة في حقل من الديالكتيك والنقاش والجدل، وفقَ بداهة [التعدُّد- في- الفهم][3] القائمة بالأساس في كل ضرب من ضروب التَّساؤل والتفكير والفهم في حقل العلم والفلسفة، حداثيَّاً أوَّلاً، وعلى نحو ما بعد حداثي، ثانيًا.

ولكن كيف يمكن أن نفهم النص الديني، والنصوص الدينية، من منظار الهرمنيوطيقا الحديثة، وعلوم الفهم ما بعد الحديثة، وفقَ [التعدُّد- في- الفهم]؟ أنفهمها كخطاب ثقافي حاله حال أي خطاب ثقافي آخر، أم كمصدر ميتافيزيقي للفكر والفعل كأي مصدر ميتافيزيقي آخر؟

علينا أن ننطلق من منظار إبستيمولوجي- سوسيولوجي. يحتِّم علينا في كتبنا، ودراساتنا، ومقالاتنا، وأبحاثنا فهم الدِّين من خلال تصنيفه تصنيفًا واقعيَّاً في ما يفعل؟ وكيف يعيَّن؟ وكيف يوجِّه؟ ولماذا يحدِّدُ على هذا النحو دون غيره؟ إنَّها التَّساؤلات الأكثر جذرية التي تتعلَّق بالدين والنص الدِّيني؛ متى فهمنا النص الديني في إطار الهرمنيوطيقا الحديثة، أعني علم الفهم المفسِّر، والتفسير الفاهم. ولكن، علينا أن نميز بين الدِّين والنص الديني. وفي هذا المضمار، يجب أن نتساءل عن النص الديني ببداهة جذرية هي الآتية: النص الديني، في المجتمعات العربيَّة، واقعة لا تتطلَّب أي تبرير، أو تسويغ أو نقاش أو جدل أو نقد أو نقد مضاد. أتكلم عن النص وليس أشكال التدين. الكثير من الباحثين والمفكرين والعلماء والفلاسفة في عالَمنا العربيّ يخلطون بين هذا وذاك: بين الدِّين، والتدين بوصفه فعلَ إتيان الدِّين إلى مستوى الفعل في الخارج المجتمعي، والنص الديني من حيثُ إنَّه مصدر فكر وفعل، وإتيان النص الديني إلى الواقع، وذهاب فهم معين من الدِّين نحو الخارج المجتمعيّ، و…إلخ.

ولكن، بدقة وبمباشرةٍ، على العقل العلميّ أن يتناول النص الديني كواقعة، أقول واقعة ولا أقول ظاهرة، تقع من الأعلى على الواقع المجتمعيّ المحسوس ضمن كل مفاهيمه وحقول وجوده وضروب تعيين الفعل فيها، وتنزل من الأعلى إليه. نقول إنَّ النص الديني إنَّما هو ذاك الحقل الميتافيزيقي الأكثر معنىً في حياة المجتمعات والأفراد، الذي يؤسِّس لِمَعْنَنَةِ حياتهم، ووجودهم، وكينونتهم، في كلِّ مرة ومن جديد.

هل نتساءل، والحال هذي، عن أصل النص الديني؟ لا؛ هذا ليس عمل العقل العلميّ. إنَّنا نتساءل عن النص الديني، ضمن التَّساؤل السُّوسيولوجيّ- الإبستيمولوجي اِنطلاقًا من مستويات أربعة؛ هي الآتية على أقل تقدير:

  • – I النص الديني من حيثُ إنَّه نص ديني فحسبُ.
  • – II النص الديني من حيثُ إنَّه واقعٌ وتاريخ وهوية.
  • – III النص الديني من جهة كونه يتوفَّر على إمكان فتح أفق فهمه من قِبَلِ الذَّوات الباحثة.
  • – IV النص الديني بوصفه السردية التاريخيَّة الضابطة لحياة الدول والأمم.

إذن ما الذي يجعله، يجعل النص الديني، منطلقًا لمقولة “العصيان المعرفيّ”، والحال هذي؟ ولماذا يستخدمه أصحاب “العصيان المعرفيّ”، ويوظفونه في خدمة مشروعهم؟ وما الذي يجده أصحاب هذه المقولة في الدِّين، ولا يجدونه في غيره، من أجل اِستخدامه في الرد على النموذج العالَمي في الفلسفة وعلوم المجتمع والإنسان الحديثة وما بعد الحديثة؟ ترتبط هذه التَّساؤلات، وما يتفرع عنها بإشكالية اِنتقال المعرفة العِلميَّة والفلسفية الحديثة إلى البلدان العربيَّة؛ وطبيعة هذا الاِنتقال وخصوصيته. إنَّه موضوع التَّساؤل في المحطة السادسة التي من شأن تفكيك مقولة “العصيان المعرفيّ”.

__________________________________________

المصادر:

[1] – أنظر من أجل التَّعرُّف إلى الشعارات والاِدعاءات اليسارية والإسلامية والقومية، كتابات وأدبيات هؤلاء في أي كتاب أو مقالة أو دراسة أو بحث، تقوم على إشكاليَّة الخُصوصيَّة؛ وهي كثيرة، كثيرة جدًا، بل هي الغالبية الساحقة من الأبحاث والكتب والدراسات في المكتبة العربيَّة.

[2] – أنظر: محمدحسين الرفاعي، إشكاليَّة التُّراث والحداثة في الفكر العربيّ المعاصر، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، ط1، الرباط، 2015.

[3] – أنظر: محمدحسين الرفاعي، بِنيَة البحث العلميّ في الفلسفة وعلوم المجتمع والإنسان… مركز دراسات فلسفة الدِّين، ودار التنوير، بغداد- بيروت، ط1، 2022.

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete