الانتقال إلى الديمقراطية في العالم العربي.. تصوراتٌ ومآلاتٌ!

 تكوين

فكرنا العربي الحديث والمعاصر فكر إشكالي. الحداثة والعلمانية والديمقراطية والعقلانية كما الهُوية والتراث والتقدم والغرب، جميعها أسئلة اشكالية لم ينتهِ الفكرُ العربي ازاءها إلى موقف حاسم يُبددُ حال المراوحة والضياع وشقاء الوعي، التي خلّفتها صدمة الغزو الأوروبي لديار العرب مطلع القرن التاسع عشر، وما طرحته حركة التحديث على مدى القرنين الماضيين من تحديات وجودية وجوهرية. إلا أن السؤالَ الإشكالي الأكثرُ إرباكًا يبقى في كيفية تصوّر السبيل إلى تجاوز رُوح القرون الوسطى الاستبدادية وتأسيس مجتمع عربي ديمقراطي يتفق مع ديمقراطية العصر وتوجهاته الليبرالية.

إزاء هذا السؤال تجاذبت الفكر العربي تصوراتٌ أيديولوجية إصلاحية أو اشتراكية أو قومية أو ليبرالية.

توجّه الفكرُ الإصلاحي النهضوي إلى تأصيل الحداثة في التراث عن طريق توفيق قيم الحداثة وأفكارها مع المقولات التراثية بوصفها الوجهَ الآخرَ للحداثةِ التي يُمكن البناء عليها لتحديث المجتمعات العربية ومواجهة التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتمثلة في الغزو الأوروبي للعالم العربي. وهكذا زعم إصلاحيو النهضة العربية أن الشورى التراثية هي الديمقراطيةُ في الفكر الحداثي وأن أهلَ الحِل والعَقْد، هم أعضاءُ المجالس النيابية وَفْق مفاهيمِ العصر السياسية ومؤسساته التمثيلية. وعلى هذا، فالتحوّل الديمقراطي ممكن من دون الخروج من أيديولوجيا التراث ومفاهيمه وأطرُوحاته.

لكن الأصولياتِ المعاصرةَ منذ حركة الإخوان المسلمين مع حسن البنا عام 1928، وبعدها مع سيد قطب وشقيقه محمد، وضعت حدًا لإمكان التوفيق الإصلاحي النهضوي لمصلحة أحادية النص وهيمنته المطلقة، الأمرُ الذي أسقط تصورَ التحول الديمقراطي بالتوفيق بين التراث والحداثة على نحو يُبقي على مقوّمات كل منهما وحضوره الأيديولوجي.

ولم يكنْ التصورُ الاشتراكي للتحوّل الديمقراطي أقل بؤسًا من التصوّر التوفيقي، فقد دأبَ الاشتراكيون على رؤية الديمقراطية البورجوازية الليبرالية، ديمقراطيةً مُخادعةً تُخفي أنماطًا من الاستغلال الطبقي تحت لافتة الحرية السياسية، فيما هي تمعنُ في استباحة حقوق الفئات الفقيرة والكادحة في المجتمع. ومن هنا ذهب التصوّرُ الاشتراكي إلى أن الديمقراطيةَ الحقيقية هي من مُهمات الطبقة العاملة، لا يُمكن أنْ يضطلع بها سواها، لأنَ هذه الطبقةَ هي وحدها صاحبةُ المصلحةِ في تحوّل المجتمع نحو الديمقراطية. في هذا السياق يقول جورج حنا:

“إن عالمًا تحمي قوانينه استثمار الإنسان للإنسان، ولا تحمي الإنسانَ من الفقر والجوع والمرض. إن عالمًا هذا شأنه، من سَفَهِ القولِ أنْ يُطلقَ عليه اسم العالم الحر.”

لكن الواقعَ خيَّبَ ويُخيِّبُ أطرُوحات الاشتراكيين وتصوراتهم، فأنّى قيّض لهؤلاء أن يقيموا دولتهم، استشرت التسلطية وساد الانتهاك الصارخ لحقوق الانسان، وتبرهن مذكراتُ الشيوعيين العرب بصدد الممارسات الداخلية لأحزابهم عن مدى التسلطية وعبادة الفرد في هذه الأحزاب وتعامل قياداتها الفوقي والديكتاتوري مع قواعدها وازدراء هذه القيادات بالمحازبين واحتقارها لهم، حتى أن بعضها لم يتورّعْ أحيانًا عن وصف هؤلاء بـ “الحمير” وإهانتهم، فيما هي تتعامل معهم من عليائها.

فضلًا عن ذلك، ليست في العالم العربي في رأي هؤلاء، طبقة عاملة ذات وعي طبقي مُميز يجعلها قادرةً على الاضطلاع بإقامة الديمقراطية وحمايتها، فالتحوُّل الديمقراطي العربي لا يُمكن أنْ يكونَ إلا نتيجةَ نضالِ كل فئات المجتمع وطوائفه وجماعاته الطبقية والدينية والإثنية. وإذا كان التصوّرُ الاشتراكي قد أناط دمقرطة المجتمع العربي بالدور الرسولي للطبقة العاملة، فإن ثمة تصوّرًا ثقافويًا رأى هذه المسألة من مهمات “المثقف” بصفته حاملَ لواء الاستنارة والدفاع عن التقدم والحق والحرية. ولكنْ لم يقلْ لنا أصحابُ هذا التصور، كيف سيستطيع المثقف تحويل المجتمعات العربية من الاستبداد إلى الديمقراطية في معركة غير متكافئة مع الأمية وقوى التسلط والاستبداد والأزمات الاجتماعية والاضطرابات الأمنية وبأية وسائل؟ بينما هو يفتقد عوامل القوة والتغيير وليس له من يؤازره ويقف إلى جانبه؟

وثمة تصوّرٌ للتحوّل الديمقراطي العربي يُمكن وصفه بـ “القومي”. ففي هذا التصوّر أن أمةً عربية مجزأة، لا يُمكن أنْ تتقدمَ وتتحررَ، بل ستبقى مُرتَهِنَةً إلى الخارج الذي يُمعن نهبا في ثرواتها وتقييدًا لحرياتها، بالتحالف مع القوى والمرجعيات الوطنية التي لها مصلحة في استمرار التجزئة القطرية. إن الانسانَ العربي وَفْق هذا التصور، لا يُمكن أنْ يكونَ حرًا إلا في دولة الوَحْدة، إذ إن الديمقراطيةَ مستحيلةٌ خارج هذه الدولة وقبل قيامها الميمون، لكن التجارِبَ الوَحْدوية العربية لم تفعل سوى إسقاط الديمقراطية والتمهيد للدولة التسلطية العربية التي مارست ضروبًا موصوفة من التنكيل بالحرية وحقوق الإنسان، فأعاقت أي أمل في التقدم نحو مجتمع ديمقراطي عربي يُراعي الحدَّ الأدنى من شروط العدالة السياسية أو الاجتماعية، حتى أن بعض التصورات القومية ذهبت إلى حد تبرير العنف لتحقيق الوَحْدة، الأمر الذي أدى إلى نتائج كارثية.

وفي الفكر الأيديولوجي العربي تصوّرٌ ليبرالي تغريبي للتحوّل الديمقراطي يذهب إلى حد الدعوة إلى تبني قيم الغرب وأفكاره الليبرالية بالكامل، ما دام أن هذا الغربَ هو صاحبُ الريادة في مجال الحريات السياسية والاجتماعية والإنسانية، فمقولاتُ الديمقراطية والعقلانية والتقدم والحداثة والأنسنة والعلمنة وحرية الفرد، هي ثمرةُ التنوير الغربي، وهذه حقيقة لا يُمكن إنكارها ويجب الإفادة منها، في رأي علي حرب، في موازاة إنسانيتنا التي تولّد الفقر والتفاوت والاستبداد والنزاع والعنف والاختلاف الوحشي. وكان طه حسين في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” عام 1938، قد رأى أن على العربِ إذا أرادوا أنْ يمضوا قُدمًا في مواكبة العصر، أنْ يتصرفوا كما يتصرف الأوروبي وأنْ يقتدوا به من دون تردد أو مراجعة. وكذلك ذهب ياسين الحافظ إلى أن أخلاقَ الغربي وتحرره من التقاليد هي سببُ تقدمه وفلاحه، وهذا ما يجب أنْ نقتبسه منه من دون أدنى مواربة.

ألا إن هذا التصورَ الليبرالي ما لبث أنْ أسقطتَهُ عُدوانية الغرب ومؤازرته الصهيونية، فضلًا عن استحالة تمثّل القيم الغربية بعقل لما يتجاوز ثقافة القرون الوسطى وتقاليدها الاستبدادية.

ويبقى التصوّر الذي ساد مرحلة ما سُمي “الربيع العربي” الخطر والأكثر التباسًا وإثارة للقلق، فقد كان قوام هذا التصوّر تفكيك عُرَى الدولةِ والعبث بالستاتيكو التاريخي القائم بين مكوناتها الطائفية والإثنية والدينية يقودان إلى الديمقراطية المُرتجاة، لكن النتيجةَ المُربكة والمأسوية كانت انهيار العقد الاجتماعي العتيد أيًا تكن أسبابه ومبرّراته وشرعيته، لمصلحة الفوضى وانفلات الصراعات السياسية والاجتماعية من كل الضوابط التي كانت تحكم توازناته، وتبقى ولو على الحد الأدنى من الأمن والاستقرار، الأمر الذي وصفه بعضهم بحرب الكل على الكل، على ما جرى في لبنان وما جرى في ليبيا والعراق وسوريا، مما يؤكد من دون ريبٍ، أن الفوضى ليست هي سبيلُ الديمقراطية وأن الحشدَ الطائفي أو المذهبيَ أو الإثني، مآله الاشتباك مع حشد آخر مُشابه وليس التأسيس لديمقراطية لا يُمكن تصوّرها على أسسٍ قبلية أو طائفية أو سوى ذلك من التكوينات ما دون الوطنية وما دون القومية.

لقد أثبتت مآلات “الربيع العربي” البائسة وهم الرهان على ديمقراطية تنبعث من ركام الحروب الأهلية والصراعات القبلية والعصبوية، مؤكدة أن الديمقراطيةَ والدولة الوطنية صِنوان لا يُمكن افتراقهما، فلا ديمقراطية خارج إطار الدولة الوطنية. وفي اعتقادنا أنه آن الأوان لمواجهة رهاناتنا الأيديولوجية بصدد التحوّل الديمقراطي العربي، والكفّ عن الانزلاق إلى تصورات عبثية تُمعن في تعميق الشرخ بيننا وبين الانخراط في حركة عصرنا الليبرالية. فقد حصدنا كثيرًا من الخيبات والمآسي نتيجة تلك التصورات الخائبة، ولم يَعُدْ من المعقول أو المجدي الاستمرار في المراهنة عليها، في وقت باتت كُلْفة هذه المراهنة باهظة ومهلكة وتكادُ تقضي على ما تبقى من أمل في النهوض من جديد.

آفةُ كل هذه التصورات في رأينا أنها كانت دائمًا على اختلافها وتناقض توجهاتها تنيط دمقرطة المجتمعات العربية بفئة محددة ذات دور رسولي، فيما الديمقراطية هي أو يجب أنْ تكونَ قضيةَ المجتمع كله، لأنها تعني كل فئة من فئاته وكل فرد من أفراده ومستقبل هؤلاء جميعًا وليس فئةً مُعينة أو أفرادًا دون سواهم، ومن هنا يجب أنْ يتوجَّهَ العملُ نحو المجتمع بكل مكوّناته والبحث عن السُبل المُمكنة لتقويض دعائم الاستبداد من دون تصوراتٍ رسولية أو أوهامٍ مُسبقة تُبعدنا عن الديمقراطية المنشودة أكثر مما تقرّبنا منها.

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete