يكتشف من يطالع كتاب الدكتور فالح مهدي عن البؤس الأنثوي عمق البحث النظري وسعة الاطلاع التاريخي على موضوعة الهيمنة الذكورية على المرأة، ويجد القارئ بعد القراءة المتأنية بأنه أحد المصادر المهمة لأي بحث فكري وقانوني واجتماعي عن وضع المرأة، نظرا لما جمع فيه _بشكل مكثف _ معلومات هامة من المصادر المتوفرة قديمها وحديثها، فهي مصادر تشكل مكتبة متنوعة تشمل البحوث التاريخية والفلسفية والنفسية والطبية، ولم يكتفِ الكاتب بعرض تلك المصادر بل اخذ منها مايخدم البحث وناقشه واستخلص منه نتائج فكرية هامة .
لم يكتف ِالكاتب بوصف الظواهر المعاصرة، بل سبر جذورها عبر التاريخ: من عصر الصيد والرعي، إلى العصر الزراعي، مرورًا بتشكّل النظم العائلية والاختلافات الثقافية بين المجتمعات، مما يعطي الدراسة كثافة تحليلية واسعة. فقد مزج بين الأنثروبولوجيا، علم الاجتماع، الفلسفة، الثقافة، اللغة، القانون، بل والفكر الديني، مما يمنح الكتاب طابعًا شموليًا قادرًا على استيفاء زوايا متعددة لفهم الهيمنة الذكورية.
يبدأ من تجربة شخصية وذاكرة تأملية(حديث عائلي في بغداد)، مما يجعل الانطلاق مثيرًا ومؤثرًا، ثم يعمّق الفكرة عبر تحليل فكري ومنهجي. هذا الأسلوب يجذب القارئ لأنه يبدو أن الكاتب يستفز الفكرة المستوطنة الهادئة،ولا يخشى التحدي الفكري والاجتماعي.
رغم أن هدف الكاتب ليس الدفاع المباشر عن المرأة بطريقة شعاراتية، إلا أن الكتاب يُعد إضافة مهمة للأبحاث التي تحاول فهم كيفية عمل الأيديولوجيات، وكيف يُعاد إنتاجها، وتأثيرها على المرأة عبر العصور، ويوفر للباحثين اعمدة فكرية اصيلة يستطيعون بها من تقعيد بحثهم ومفاهيمهم على أسس متينة .
كما لم يقدم الكتاب صورًا مسبقة فقط، بل يدعو إلى التساؤل: ما هي الأيديولوجيات التي ورثناها؟ كيف نستطيع تفكيكها؟ هل يمكن أن تكون هناك قطيعة حقيقية مع ما يسميه (الحيز الدائري) للأفكار والعادات؟ هذه الأسئلة تحفّز القارئ على التفكير بعيدًا عن التسطيح، و تحفزه على التفكير النقدي وإثارة الأسئلة الجوهرية .
أكد الكاتب بأن وصف الحالة بعد تقشيرها من قدسيتها هو نقد لها، وبه يضع مسؤولية على القارئ في إيجاد الطرق المختلفة لمناهضة تلك الحالات والأفكار التي اكل عليها الدهر وشرب .
حاول د.فالح مهدي في كتابه البؤس الأنثوي أن يقرأ المنظومة القَبَلية – العائلية وما تفرّع عنها من أنماط اجتماعية ودينية، من خلال مقاربة أنثروبولوجية تضع العلاقة بين المرأة والنظام الأبوي في قلب التحليل. وانطلق المؤلف من فرضية أساسية مؤداها أنّ الإسلام لم يقطع جذرياً مع النظام القبلي التاريخي والديني والعرفي، بل ورث جانباً كبيراً من بنيته الأبوية، وأعاد إنتاجها في صورة مؤسسة دينية–اجتماعية ذات قداسة، بحيث أصبح الزواج والعائلة ركيزة مقدسة يصعب تفكيكها.
تُحسب للكتاب جرأته في الاقتراب من موضوع شديد الحساسية في الثقافة العربية الإسلامية، وهو موقع المرأة داخل منظومة القرابة والدين معاً. إذ يحاول د. فالح مهدي أن يربط بين نصوص المؤسسة الدينية وبين البُنى الاجتماعية التي تعكسها، مع استحضار البعد الجغرافي–المناخي (شبه الجزيرة، الصحارى، شح الموارد) بوصفه عنصراً مؤثراً في إنتاج القيم القبلية المتشددة تجاه المرأة والجسد.
من الناحية الفكرية، يمكن وضع هذا الكتاب في سياق النقد العلماني للأبنية الدينية الذي اشتهر به الكاتب في مؤلفاته الأخرى. فالمؤلف يرى أنّ المقدّس يُستخدم تاريخياً لتثبيت السلطة الأبوية وقمع المرأة، ومن هنا يأتي عنوان الكتاب البؤس الأنثوي. غير أنّ الجلوس في هذا الحقل يتحول إلى نزعة اختزالية تجعل “الدين” مجرّد أداة قمع، من غير التفات كافٍ إلى الأبعاد السياسية والاقتصادية والجندرية .
إجمالاً، يمثل الكتاب مساهمة مهمة في فتح النقاش حول الجدلية بين النصوص المؤسسة والبنى الاجتماعية القديمة، لكنه يظل محتاجاً إلى مزيد من التدقيق التاريخي والمنهجي حتى لا يقع في فخ التعميم أو التحامل. إنّ قيمته تكمن في إثارة الأسئلة الصعبة أكثر من تقديم أجوبة نهائية، وهذا بحد ذاته إسهام في الحقل الفكري العربي المعاصر.
العصر الأمومي
ان قول الكاتب بعدم وجود عصر أمومي صحيح جزئيا، إذ لا يوجد إجماع أنثروبولوجي على وجود عصر أمومي عالمي سابق على النظام الأبوي.
إن نظرية الأمومة البدائية التي طرحها (باخوفن) في القرن التاسع عشر تم تجاوزها علميًا، ولم تكن جميع المجتمعات أبوية بنفس الدرجة، كما أن الطبيعية البيولوجية لم تكن حتمية تاريخية . ان الأمومية الكاملة : (حكم نساء مطلق) – نادر جدًا أو غير موجود، لكن النسب الأمومي : انتقال النسب عبر الأم – موجود في عشرات المجتمعات، كما أن الاكتشافات الأثرية في منطقة السكيثيين بآسيا الوسطى وجدت قبوراً لنساء محاربات مدفونات مع أسلحة وجروح قتالية، وكانت دراسات DNA على رفات من هذه المناطق أكدت أن بعض المحاربين كانوا نساء، وهناك أمثلة على نساء محاربات في ثقافات مختلفة، ولم تكن المرأة في المجتمعات الزراعية قابعة في البيت، وكانت ومازالت عاملة أساسية في الحقول، وكان العزل المنزلي غالباً امتيازاً طبقياً لنساء النخبة، أما نساء الطبقات الشعبية فكن يعملن خارج البيت، وكانت المرأة في مجتمعات كثيرة تاجرة، حرفية، كاهنة، وكان المجتمع السومري فعلاً مجتمعاً أبوياً في الأساسيات السياسية، وللنساء في نفس الوقت حقوق قانونية معتبرة(ملكية، تجارة، كهانة)وكانت الإلهة الأم (ننخرساج) والآلهة الإناث كن مركزيات في الديانة، لكن وجود إلهات قوية لا يعني بالضرورة أن المجتمع أمومي، لكنه يدل على أن المرأة لم تكن دائماً في أدنى السلم الاجتماعي.
وتوجد أمثلة أخرى مثل مجتمع (الموسوو) في الصين: وهو مجتمع أمومي واضح بسلطة نسائية كبيرة، وفي (المينانغكاباو) في إندونيسيا يوجد أكبر مجتمع أمومي معاصر، وفي الهند(الخاسي)وغيرها ما زالت مجتمعات لاتضع المرأة في أدنى السلم الاجتماعي.
إن الاستنتاج بأن جميع المجتمعات تظهر تفوقاً ذكورياً يخدم فكرة حتمية السيطرة البيولوجية للرجل، وبالتالي نقع في فخ ايدلوجي يجعل الأمر طبيعي أو حتمي، وبالتالي لا يمكن تغييره، وذلك هو جوهر الفكر الديني والعرفي . والتناقض بين القوة الرمزية (للآلهات) والضعف الاجتماعي (للنساء) يحتاج تفسيراً أعمق من مجرد المجتمع الأبوي.
الذكاء
تناول الكاتب موضوع اختلاف ذكاء الرجل عن المرأة، وتوصل الى نفس الإجماع العلمي الحالي الذي يقول أن لا فرق معتبر في متوسط IQ بين الذكور والإناث، ولم تظهر فروقات جوهرية، حيث تظهر أحياناً فروقات أصغر من الفروق داخل كل مجموعة (بين الذكور أنفسهم أو الإناث أنفسهن)، حيث ان الذكاء وعدمه في المتوسط بين الرجال والنساء متساوي . وهي نتيجة توصل إليها الكاتب من خلال بحوث حديثة اهالت التراب على الفكر والفلسفة القديمة التي تعطي الرجال هيمنة لا لسبب بايولوجي بل بسبب الوضع الاجتماعي الذي تعيشه المرأة وهو وضع متغير أكدته العلوم والحضارة المعاصرة .
لقد اعتذر الكاتب عن تناول موضوع الجندرة في بحثه القيم هذا، ولو تناوله لاظهر أمثلة من الواقع تفكك الأسباب والايدلوجيات للهيمنة الذكورية التي تعشعش في المفاصل الثقافية والدينية للمجتمع . فقد أظهرت الدراسات الحديثة عدم تخلف المرأة في الرياضيات مثلا، ولو اطلعنا على منجز صوفي كوفاليفسكايا، وإيمي نويثر، ومريم ميرزاخاني (أول امرأة تفوز بميدالية فيلدز في الرياضيات) لظهر تأثير العوامل الاجتماعية والايدلوجيات المتخلفة في تلك البحوث العلمية التي تؤكد الهيمنة الذكورية، حيث ان قلة النساء في مجال معين لا يعني أنهن أقل قدرة، والفروق الصغيرة عندما تظهر هي فروقات ثقافية وليست بيولوجية .
الشرف
تناول الكاتب مفهوم الشرف من جوانب مختلفة، وتوصل إلى أن مفهوم الشرف في المجتمعات المعاصرة يصبح فعالًا عندما يتم قبوله اجتماعيًا، وهو بالتالي عرف من الأعراف يتغير تاريخيا وهو مختلف في المجتمعات المختلفة، وهو بالتالي ليس قيمة مطلقة، بل قيمة تتأثر بنظرة الجماعة لها في حيز معين من الزمن .
ويقترح الكاتب وضع مفهوم للشرف مستمد من السلوك، يرتكز على الأفعال الداخلية المستدامة(النزاهة، الأمانة، الدفاع عن الحقوق، المسؤولية الاجتماعية)، وكلما رجعنا الى الماضي والدين والقيم العشائرية نجد أن المفهوم المركزي للشرف يدور حول المرأة التي لا تتساوى مع الرجل في هذا المضمار،وهي المسؤولة الوحيدة عن شرف العائلة، ومنها يستمد الرجل شرفه، وينقلب الأمر بخلافه ويتحول الى عار لابد من غسله، ويواجه مفهوم الشرف التقليدي تحديًا، وقد يتغير المفهوم بتغير المجتمع ومفاهيمه، ليصبح مرتبطًا بـالكرامة الإنسانية الشاملة والالتزام بالحقوق الأساسية (كحقوق المرأة، وحرية التعبير، والعدالة الاجتماعية)بدلًا من أن يظل مقصورًا على مفاهيم ضيقة مثل العرض والشرف العائلي المرتبطة بالقيود المفروضة على جزء معين من المجتمع (غالبًا النساء).
بنت العم
إن مفهوم بنت العم الذي أفرد له الكاتب فصلا وعنوانا هو فصل مهم من الكتاب، ولا نجد له في المؤلفات الأخرى تحليلا وربطا بالتاريخ القديم ولا بالمسيحية، فهو نظام سابق على المسيحية استطاعت القبائل القديمة توطينه نظرا لقربه من نظام الاخوة المانع من الزواج، وهو نظام قائم على ضم الغريب، وأشار الكاتب الى نقطة مهمة وهي أن (الإسلام لم يدعو للزواج من بنت العم، إنما الايدلوجية القبلية في شبه الجزيرة العربية وهنا اقصد البدو بالذات كانت اقوى من هذا الدين فيما يتعلق بنظام الزواج)(ص218) وهي اشارة مهمة، حيث نجد ذلك في القانون الجعفري، فقد ذكر القرآن( ولهن الربع إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم)( النساء 12)، وهي آية مطلقة في(مما تركتم)، لكن القانون الجعفري يسلب حق ماتركتم من الأرض عينا وقيمة، ونلاحظ في نفس الوقت غلبة القيم العشائرية والأعراف على الدين نفسه فلم نسجل وجود زيجات من بنات العم في صدر الإسلام، لكن القانون العشائري المستند الى اقتصاد العشيرة هو العامل الأكبر في صياغة المدونات الفقهية، ولا نجد فتوى بتحريم الزواج من الفصلية الا بعد ان خفت في العقود الاخيرة، حيث افتى السيد السيستاني بحرمة هذا الزواج.
يستغرق الكاتب في بحث نظري يستمر حوالي 233 صفحة ليصل الى نتيجة منطقية متكونة من 27 صفحة في نهاية الكتاب، هي البرهنة على تلك المقدمة الفكرية الطويلة المتعلقة بكيفية تطبيق تلك المقدمة على الشريعة الدينية الخاصة بالمرأة، ويستطيع القارئ من خلالها معرفة أصول تلك الشريعة في الماضي قبل الابراهيمي وبعده، وفي الأعراف المختلفة لمختلف القوميات والطوائف، فقد دخل الكاتب في متحف الآثار الثقافي، وقرأ محتوياتها، وصور لنا تلك الآثار، بحيث نستطيع من اقامة الصلة العضوية معها، ونكتشف صلة القربى التي تسللت للجزيرة العربية والمذاهب الإسلامية ومنها المذهب الشيعي بالذات. وركز الكاتب خلال هذه الفترة التي شهدت مناقشة قانون الاحوال الشخصية الجعفري على تلك الشرائع المسطورة في الرسائل العملية للفقهاء، فقد بدأ من مفهوم الطاعة الذي لا يبقى دين حي بدونه وهي العمود الفقري للأيديولوجية الدينية، و انتقل بعدئذ الى مفهوم الزواج الاسلامي وخصصه بالنكاح والمهر، وقام ببحث موضوعة زواج المتعة والحط من شأن المرأة في الثقافة الشيعية، وقد بحثت حفيدة المرجع الحائري شهلا الحائري هذا الموضوع بكتاب كامل، ارجعته الى حلقة قائمة بين العبودية والحرية، وكان قائما قبل الإسلام واستمر الى الفترة الأولى منه، حيث منع في زمن عمر بن الخطاب، وهو بالتالي (عُرف) احيته المدونة الفقهية، لكنها فرضت عليه شروطا منها امساك العدة، ويجري الدوران حول تلك الشروط إذا علمنا بأن العدة مرتبطة بالحيض، والمرأة الخمسينية التي ينقطع عنها حسب تعبير الشيخ المفيد تستطيع الزواج خمس مرات في اليوم( انظر فيديو أحمد الكاتب عن الشيخ المفيد).
أما عن تفخيذ الرضيعة فهو موضوع حديث نسبيا في الفكر الشيعي، فقد أفتى به السيد كاظم اليزدي المتوفى عام 1919م، في كتابه العروة الوثقى، ولا يوجد قبله في التراث الشيعي مثل ذا، ونجده عند الحنبلي ابن قدامة المتوفى عام 1223م في كتابه المغني، وانتقل من اليزدي الى تلميذه السيد ابو الحسن الاصفهاني في رسالته العملية وسيلة النجاة ص 302، وتبنى السيد الخميني هذه الرسالة تحت اسم تحرير الوسيلة، وانتقلت فتوى اليزدي الى 41 رسالة عملية بما فيها المسائل المنتخبة للسيد السيستاني فتوى رقم 8 من كتاب النكاح، لكنه الغى هذه الفتوى منذ عام 2018م . وعن ذلك وعن عمر عائشة والجوانب المختلفة حول النكاح وتفخيذ الرضيعة يمكن الرجوع إلى المقالة المنشورة في المدى بعنوان تفاسير فظيعة في تفخيذ الرضيعة .
وفي الختام اشكر الكاتب على هذا الجهد المعرفي الهام، وأقول بأن كتاب البؤس الأنثوي للدكتور فالح مهدي هو كتاب مهم وبحثي، يقدم مساهمة نوعية في فهم جذور الهيمنة الذكورية بشكل مركّب وتاريخي. وهذا الكتاب مناسب جدًا إذا كان القارئ مهتمًا بفهم كيف تشكّلت الأيديولوجيات الاجتماعية والثقافية التي تُقيّد حرية المرأة، وكيف يمكن نقدها وبالتالي العمل ضدها
حسين سميسم