تكوين
قبل أن نبدأ:
مثَّلت عملية تجديد الخطاب الديني المسيحي محورًا إشكاليًا في التاريخ الجدلي بين الكنائس، وداخل الكنيسة الواحدة، خصوصًا مع أجيال من الآباء والرهبان ممن شهدوا متغيرات اجتماعية وفكرية وسياسية. وفي السياق المسيحي الشرقي، تحديدًا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ينبعث النقاش بشأن قضية تجديد الخطاب بوصفها تحديًا مفاهيميًا ويصطدم بِنيويًا بمسارات كنسية وهيئات أو شخوص تضع موانع لتسييل الوضع من الحالة السكونية إلى لحظة تطورية، لأن الذاكرة المسيحية ما تزالُ تقع تحت وطأة ارتباط المحاولات التجديدية أو النقاشات اللاهوتية بـ “الهرطقة”. ولهذا، يظل الوضع الكنسي قائمًا بين تيارين، أحدهما يقف عند عتبة التقليد، والآخر يسعى في فهم النص وتطبيقه برُوح متجددة من دون قيود القراءة الحرفية للنص المؤسِّس، لا تُعيق الإيمان بل تسمح له بأفق منفتح ولا محدود أو نهائي.
غير أن هذا الطرح المنفتح والتجديدي يواجه مواقف كنسية تقليدية، ترى بأنّ المسيحية قطعًا وحكمًا “ثابتة” ولا تعترف بـ “تجديد الخطاب الديني”، كما سبق وقال البابا تواضروس الثاني، وأنّ التعليم في الكنسية له “نظام ثابت”، بما يكشف عن موقف نهائيٍّ وقطعي ورسمي ليس فقط بشأن مسألة التجديد، وإنما تعقيدات المسألة كنسيًا مع التيار المبارز والخلاف بخصوص ماهية “التجديد” وحدوده (1).
ومن ثم، فإنّ الصراع أو الجدل العقائدي والفكري اللافت بين اثنين أو قطبين مهمين في تاريخ الكنسية القبطية بالقرن الماضي، هما: البابا شنودة الثالث، و”الأب متَّى المسكين”، ليس طارئًا أو عرضيًا، بل يعكسُ أحد الجوانب أو الانعطافات المؤسِّسة لمسار التحول في الخطاب الديني المسيحي المعاصر، وذلك بين البابا شنودة، والاحتماء برؤية تقليدية، تتبنى مركزية السلطة بكل ما تشمله تحت مظلتها الدينية والإيمانية، فضلًا عن اضطلاعه بمسألة الدفاع العقائدي، ومن ثم، استمرار الآليات والوسائط الإدارية والرعوية التي تحقق الجوانب السابقة. بالمقابل، كان الأب المسكين، يقف على الضفة الأخرى التي تلتمس رؤية إحيائية وربما نهضوية لا تنفصل عن الإيمان إنما تعمل على تشغيل أبعاده الرُوحانية ومن دون تموضع مؤسساتي، بما يجعل التجربة تتجاوز حدود التبعية للتقليد إلى فكرة العودة الراديكالية للنص المؤسس أو ما يوصف بالأصول النسكية، وبما يعمق التجربة الرُوحية الفردانية، كما في المسيحية الأولى.
البابا شنودة أو نظير جيد، المولود في صعيد مصر مطلع عشرينيات القرن الماضي، لم تتكون شخصيته القيادية وحمولاتها الثقافية وأثره الرمزي المعنوي كما المادي المهم في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية على النحو البالغ، هكذا بصورة عفوية أو تلقائية، بل أسهمت عوامل عديدة في جانب منها قدراته ومهاراته إلى جانب ما راكمته السياقات المختلفة في بيئة النشأة ومراحل التكوين، في تقوية ملامح البطرك وسماته الذي سيكون على قمة الهرم الكنسي، إذ التحق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، وحصل على ليسانس الآداب في قسم التاريخ بتقدير ممتاز عام 1947. ثم التحق بالكلية الإكليريكية، ليتخرج فيها بعد ثلاث سنوات، ويعمل مدرسًا للغتين العربية والإنجليزية.
هذا التنوع برز كذلك في عمله بالصحافة وكتابة الشعر، بما حقق شخصية كاريزماتية، فقد عمل محررًا ثم رئيسًا لتحرير مجلة “مدارس الأحد” لفترة وجيزة، وهي المجلة التي كانت نواة تأسيسية لحركة كنسية مؤثرة. ولهذا، كانت مرحلة مدارس الأحد حاسمة في مساره وتكوينه، ولعبت دورًا غير محدودٍ في صياغة وعيه وقدراته بشأن قدراته التعليمية والتبشيرية وصناعة الخطاب، خصوصًا مع دوره الديني والرُوحي في ريادته لهذه الحركة الكنسية في تثقيف الشباب المسيحي القبطي. عام 1954، انتمى إلى الرهبانية باسم أنطونيوس السرياني في دير السريان، وقضى فترة من حياته في التوحد بمغارة، لكنه لم يترك ديرًا لمدة 10 سنوات كاملة، ثم أصبح سكرتيرًا للبابا كيرلس السادس نهاية الخمسينيات. ثم في مطلع الستينيات، رُسِّمَ أُسقفًا للتعليم المسيحي، ليكون أول أسقف في الكنيسة القبطية يتولى هذا المنصب. من هنا، يمكن التماس الشروط المختلفة التاريخية والاجتماعية والثقافية واللاهوتية التي كوَّنت لاهوت البابا شنودة الثالث، وجعلته متصديًا ودفاعيًا ضد الانحناءات أو الانعطافات التي يُمكن عدُّها “هرطقات” أو أفكار وافدة تزعزع العقيدة الأرثوذكسية. هذا اللاهوت الدفاعي عند البطرك، لم يكن أمرًا خفيًا، إنما يبرز على نحو واضح في مواقفه وكتاباته، ومنها “اللاهوت المقارن”. والذي يخوض جدالات لاهوتية مع مذاهب وطوائف وأفكار أخرى بغرض تأكيد “استقامة التعليم” الأرثوذكسي.
وعليه، فإن الكتابات اللاهوتية للبابا شنودة، ارتكزت على مجموعة من الأفكار والمفاهيم الرئيسة التي تتكون في مدار يُريد أن يصعد به خارج نطاق أي جاذبية تفقد التعاليم الأرثوذكسية ثباتها ومركز جاذبيتها، فناقش على نحو لافت لاهوت “الكلمة” (اللوجوس) وبنوة المسيح الفريدة للآب. واعتمد في منهجه التفسيري وليس التأويلي، قراءةً دقيقة وحرفية للنصوص الكتابية الآبائية، ولم يتردد في بناء لاهوت صلب قادر على الشمول والرعائية، ويتصدى للمجال التأويلي الذي قد يؤدي للخروج عن الأفكار التقليدية. من ثم، تجسدت رؤية البابا شنودة للكنيسة في أنها “مؤسسة شاملة تقدم حلولًا لكل المشاكل”، كما في موسوعة “اللاهوت المقارن”، هذه الرؤية المؤسسية تمنح الكنيسة، مُمثلة في رأسها البابا والمجمع المقدس، سلطة كاملة على جميع أعضائها، من الكهنة إلى الرهبان والمؤمنين. وفي هذا الإطار، رأى الرهبنة تتجاوز كونها حياة انعزال، إلى “حياة فضيلة” تتطلب الانضباط والطاعة الكاملة. فالرهبنة ليست في “القلنسوة والجلابية السوداء” أو ببساطة في “حبس النفس في قلاية”، وإنما إتقانُ الفضائل، والتدقيق في الحياة الرُوحية، ومحبة الله التي كانت السبب الأول لدخول الرهبنة (2). لذلك، قال القديسون: إذا أردت أن تحيى في هذه الحياة الرهبانية ينبغي أن تُغلق باب القلاية وباب الحواس. وما معنى “باب الحواس”؟ الحواس هي أبواب الفكر، ما تراه تُفكِّر فيه، ما تسمعه تُفكِّر فيه، ما تشمُّه تُفكِّر فيه، ما تذوقه تُفكِّر فيه. حينما تغلق الحواس يصبح الفكر ليس فيه شيئًا جديدًا. تقول: أنا أعمل هذا، ولكن في آخر النهار. أقول لك: وما علاقتك بالله طوال النهار؟ والوضع نفسه نقوله عن الليل والنهار. أي أن الذي يقضي الليل مع الله، الذي له صداقة الليل يستطيع أن يكون صديقًا لله في النهار، لأن قلبه طول الليل كان مع الله. وهكذا يصير الصباح بالطريقة نفسها(3).
البابا والراهب:
إذًا، تتعدد الرؤى والتفسيرات التي تشتبك مع الخطاب المسيحي الأرثوذكسي لكل من البابا شنودة الثالث بابا الكنيسة المُتنيح في العام ٢٠١٢، والأنبا “متَّى المسكين” المُتنيح في العام ٢٠٠٦. فثمة من يذهب إلى أننا بصدد خطابين متوازيين، كلٌ منهما ينطلق من قاعدة تختلف عن الأخرى، بدعوى أن الأول شغل كرسي البطريرك، وتحمل عبء المسؤولية الكنسية والرعوية في ظروف تاريخية صعبة ومعقدة، سواء مع تصاعد خطاب الإسلام السياسي، أو ارتفاع أزمات العنف الطائفي، فضلًا عن توتر العلاقة مع السلطة الزمنية رئيس الدولة آنذاك الرئيس الراحل محمد أنور السادات. بينما يرى آخرون أن تلك المسافة التي تفصل بينهما: البابا والراهب، مسافةٌ فكرية فلسفية تأويلية للنص الديني، ما أسَّسَ لخطاب مسيحي جديد ارتبط بالأنبا “متَّى المسكين” ورهبانه جميعًا “دير الانبا مقار”، بشأن جُملة من الأفكار، سواء تلك التي ارتبطت بأمور لاهوتية، أو تفاعلت مع قضايا الكنيسة والسياسة، والكنيسة والدولة، ومفاهيم الطائفية.
البابا والراهب مسارات الخلاف والتقاطع:
إلى ذلك، يبدو الحفر عميقًا وراء مسارات الخلاف والتقاطع بين البابا شنودة الثالث والأنبا “متَّى المسكين”؛ يشي بمشاهد ولحظات تاريخية حاسمة، بدت فيها المحددات اللاهوتية والرؤى الكنسية والسياسية حاضرةً بقوة.
البابا
من جهة، كان البطريرك البابا شنودة الثالث منذ لحظة جلوسه على كرسي مارمرقس الرسول في العام ١٩٧١، امتدادًا للتوجهات التي انطلق منها عند دخوله عالم الرهبنة وتراتبية الإكليروس؛ إذ يُجسِّد رؤيةً مركزية للكنيسة الأرثوذكسية تقوم على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وضبط علاقتها بالدولة والمجتمع، وتحصينها في مواجهة التحديات، لا سيما صعود الإسلام السياسي في عقد السبعينيات وما تلاه، وما صاحب ذلك من تصاعد في الأحداث الطائفية.
البابا والكلية الإكليريكية
البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية رقم 117، وفرت له دراسته للتاريخ الاطلاع على فصول متعددة من التاريخ الفرعوني والإسلامي والحديث، وقد حصل على الليسانس بتقدير ممتاز عام 1947م. كما حضر فصولًا مسائية في كلية اللاهوت القبطي، وكان تلميذًا وأستاذًا في الكلية ذاتها في الوقت نفسه. وكان من الأشخاص النشطين في الكنيسة وخدم في مدارس الأحد. كما خدم بجمعية النهضة الرُوحية التابعة لكنيسة السيدة العذراء مريم، ثم بكنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا.
الخدمة العسكرية
تطوع وهو لا يزالُ طالبًا في الجامعة. وقضى ثلاث سنوات في التدريب العسكري اليومي في منطقة سيدي بشر أولًا، ثم في المندرة بالإسكندرية. وكان في الجيش الأول بين الخريجين في مدرسة المشاة، ثم أصبح ضابطًا برتبة ملازم. وفي الفترة بين عامي 1956 و1962 عاش حياة العزلة في مغارة تبعد حوالي 7 أميال عن مبنى الدير، مُكرسًا وقته للتأمل والصلاة. كما قام نيافة الأنبا ثاؤفيلس بإسناد المكتبة الاستعارية والمخطوطات في دير السريان إليه وهو راهب، بعد أن تركها القس مكاري السرياني (الأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة). وعمل سكرتيرًا خاصًا لقداسة البابا كيرلس السادس عام 1959.
الأسقفية
رُسِّمَ أُسقفًا للمعاهد الدينية والتربية الكنسية، وكان أول أسقف للتعليم المسيحي وعميد الكلية الإكليريكية، وذلك يوم الأحد 30 سبتمبر 1962. وقد سامه البابا كيرلس السادس أسقفًا للتعليم والمعاهد الدينية مع الأنبا صموئيل أسقف الخدمات.
بعد وفاة البابا كيرلس السادس، اختارت العناية الإلهية (الأنبا أنطونيوس المتوحد) عن طريق القُرعة الهيكلية في 31 أكتوبر 1971، ليصبح البابا شنودة الثالث بابا وبطريرك الكرازة المرقسية الـ117. ونُصِّبَ بطريركًا في 14 نوفمبر 1971. تنيَّح قداسة البابا شنودة الثالث يوم السبت 17 مارس 2012 (الساعة الخامسة والربع بعد الظهر)، عن عمر يناهز 89 عامًا. وأُقيمت صلاة الجناز على جسده الطاهر يوم الثلاثاء 20 مارس 2012 (4).
الراهب
“الأب متَّى المسكين” سارع إلى حياة الرهبنة، وقد باع وهو ما يزالُ في العقد الثاني من عمره أملاكه واختار “السير في طريق الله”، فاعتزل في دير ناءٍ وفقير في الصحراء. أسَّسَ تيارًا إصلاحيًا في الكنيسة القبطية، وكان يدعو إلى فصل الكنيسة عن الدولة، لأن مُهمتها الأولى والوحيدة هي التركيز على التربية الرُوحية. ولذلك انتقد الخدمات الاجتماعية التي تقدّمها الكنيسة، وعدَّها منافسةً للدولة وابتعادًا عن رسالة المسيح الأساسية وهي دعوة الخطاة. ثم انتقد أيضًا الطائفية والتعصّب الديني، ورآهما مرضًا فرديًا وجماعيًا، ووباءً يُفسد جوهر الكنيسة. قد رُشِّحَ مرتين للبابوية، لكن استُبعد بسبب عدم انطباق الشروط عليه، إذ لم تُحتسب سنوات اعتزاله ووحدته ضمن سنوات الرهبنة. اللافت أنه عمل –تحت ضغط من البابا يوساب الثاني قبل ثورة يوليو/تموز 1952– وكيلًا للبطريركية في الإسكندرية. وفي عام 1969 كُلِّفَ بالإشراف على دير الأنبا مقار بوادي النطرون، فحوّله من دير متهالك منسي إلى دير منتج لعديدٍ من المنتجات الزراعية والصناعية، إذ كان يؤمن بأن على الرهبان تأمين احتياجاتهم بأنفسهم، بعيدًا عن الاعتماد على عطايا الناس وهباتهم.
الميلاد والنشأة
وُلد يوسف إسكندر يوسف في 20 سبتمبر/أيلول 1919 بمدينة بنها شمال القاهرة. كان والده، إسكندر يوسف، موظفًا في السكة الحديدية وصاحب شخصية مهيبة في العائلة والعمل. أما والدته فكانت متديّنة جدًا، إذ كانت تعتكف في غرفة خاصة للصلاة لساعات طويلة، وعلَّمت ابنها منذ صغره أن يصلّي ويحافظ على عباداته. أصيبت الأم بشلل نصفي وظلت طريحة الفراش سبع سنوات، ورغم مرضها لم تتوقف عن الصلاة حتى في جوف الليل وهي جالسة على السرير، وتوفيت عام 1934.
قبل وفاتها انتقل يوسف للعيش في الإسكندرية مع شقيقه الأكبر نجيب حيث قضيا ثلاث سنوات. عاش منعزلًا، بلا مصروف تقريبًا ولا ألعاب، وهو ما ترك أثرًا في شخصيته.
المسار التعليمي
تلقَّى المرحلة الابتدائية في مدرسة المنصورة الأميرية، ثم أكمل التعليم الابتدائي والكفاءة في الإسكندرية. وفي عام 1935 التحق بمدرسة شبين الكوم الثانوية، وكان يسافر يوميًا من منوف إلى شبين بالقطار مجانًا بفضل عمل والده في السكك الحديدية. كما شارك في الفرقة الموسيقية للمدرسة وتعلَّمَ العزف على الكمان، كما اشترك في فرقة الرسم وبرعَ فيه. والتحق بكلية الصيدلة بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) عام 1938، وتخرّج عام 1944، وكان والده يرسل له خمسة جنيهاتٍ شهريًا لتغطية نفقات السكن والطعام والكتب.
بعد تخرّجه عُيِّنَ بالتكليف العسكري في مستشفى الملك بجوار القصر العيني، ثم عمل في القطاع الخاص حيث أدار صيدلية في الإسكندرية، قبل أن يفتتح صيدلية خاصة به في دمنهور، وحققَ نجاحًا ملحوظًا.
ومضى في طريق الرهبنة، فقد ظلَّ في شبابه حائرًا بين الانشغالات الدنيوية وبين التفرّغ لعبادة الله، فحسم أمره ببيع ممتلكاته واختيار طريق الرهبنة. فالتحق عام 1948 بدير الأنبا صموئيل في صحراء القلمون، لأنه أفقر وأبعد الأديرة عن العمران. وكان بذلك أول جامعي مثقّف يلتحق بالرهبنة في جيله. قضى ثلاث سنوات في صلاة ليلية متواصلة حتى أصيب بمرض في عينيه، فانتقل إلى دير السريان للعلاج. هناك رُسِّمَ قسًّا في 19 مارس/آذار 1951 باسم “متَّى المسكين”، على اسم القديس “متَّى المسكين” مؤسس دير بأسوان في القرن الثامن الميلادي.
طلب الإذن ليصير راهبًا متوحدًا، فحفر مغارة تبعد عن الدير نحو 40 دقيقة سيرًا واعتزل فيها ثلاث سنوات، قبل أن يعيِّنَهُ البابا يوساب الثاني وكيلًا للبطريركية بالإسكندرية عام 1954. أُعفِيَ من المنصب عام 1955 فعاد إلى مغارته، ثم إلى دير الأنبا صموئيل حيث قضى ثلاث سنوات أخرى.
في عام 1957 رُشِّحَ للكرسي البابوي لكن استُبعد لعدم توافر الشروط. وبعد عام أنشأ بيتًا للشباب الراغبين في الخدمة بحدائق القبة ثم في حلوان. ثم في عام 1960 عزله البابا كيرلس السادس من الرهبنة والكهنوت، فاتجه مع مجموعة من الرهبان إلى صحراء وادي الريان، حيث حفروا مغارات وعاشوا تسع سنوات في عزلة، يتلقَّون الطعام كل شهرين عبر قوافل من الإبل. وفي عام 1969 استدعاه البابا كيرلس للمصالحة وإعادته للرهبنة، وألحقه مع 12 راهبًا بدير الأنبا مقار بوادي النطرون. كان الدير قديمًا شبه مهجور لا يضمُّ سوى خمسة رهبان مسنِّين، فعمل “الأب متَّى” على إعماره وتوسعته حتى تضاعفت مساحته ستة أضعاف، وزاد عدد رهبانه إلى نحو 130. كما استصلح أكثر من ألفي فدان من الأرض الصحراوية وحوَّلها إلى مزارع نموذجية لتربية الماشية والأبقار.
“الأب متَّى” والرئاسات الكنسية
عاصر “الأب متَّى المسكين” ثلاثة آباء بطاركة: الأنبا يوساب الثاني، الأنبا كيرلس السادس، والأنبا شنودة الثالث. ولعل من الأمور المُهمة في حياته، هو الحرصُ التام على عدم إقحام نفسه في مجال السياسات الكنسية. وكان مثالًا يُحتذى في الالتزام الكامل بتكريمهم والخضوع لهم وعدم المساس بالكلام أو التعليق أو الشكوى من أي تصرف منهم ولو بدا قاسيًا متسرعًا. ومع أن “الأب متَّى المسكين” كان يؤمن بالرهبنة لأجل الرهبنة؛ إلا أنه من أجل طاعة البابا يوساب قَبلَ مضطرًا أن يذهب، ليكون وكيلًا بطريركيًا في الإسكندرية بناء على تزكية المجلس الملي. ويشهد تاريخ الرجل أنه خضع لقرار البابا كيرلس السادس سنة 1960 بمغادرة القاهرة، فذهب مع مجموعة من الرهبان لبرية وادي الريان. كذلك موقفه الداعم لتقليد الكنيسة والمدافع عن الأنبا شنودة الثالث إبان أحداث سبتمبر سنة 1981 الشهيرة، وما تبع ذلك من تأويلات واتهامات وأحكام متسرعة من البعض دون وجه حق، وجميعها تقبَّلها أبونا متى باستسلام وهدوء كامِلَين، كأنها من يد المسيح نفسه” (5).
السلطة السياسية والدينية عند “الأب متَّى المسكين”
رأى “الأب متَّى المسكين” أن العلاقة بين السياسة والدين من أعقد القضايا وأخطرها في التاريخ، إذ صاحبت نشوء الأديان وقيام السلطات على السواء. ومن ثمَّ دعا بوضوح إلى الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية، مستندًا إلى قول المسيح: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» (متى 22: 21). ومن هذا المنطلق ميَّزَ بين قوتين متعارضتين: الزمنية، التي تختص بالحكم والسيطرة على العالم المادي. والرُوحية، التي مصدرها الرُوح القُدُس وغايتها الملكوت السماوي. ويرى أن اجتماع هاتين القوتين في يد الكنيسة يفضي إلى ضعف تأثير الرُوح القدس، إذ تميل الكنيسة بطبيعتها إلى السلطة الزمنية على حساب رسالتها الرُوحية. ومع ذلك، لم يكن “الأب متَّى” داعيًا إلى الاستهانة بالسلطة الزمنية، بل حذَّرَ من ذلك بوصفه تهديدًا للنظام العام وتشجيعًا للفوضى والتعصب.
وفي رؤيته لمفهوم الوطن، فرَّقَ بين الوطن الأرضي، الذي يوفِّرُ للإنسان مقومات الكمال الجسدي، لكنه زائلٌ ومتغيرٌ. والوطنُ السماويُ، الذي يهب للإنسان حياة رُوحية أبدية وسلامًا دائمًا. وعلى خلاف أوغسطين، الذي جعل الأول أدنى منزلة من الثاني، أكَّد “الأب متَّى” ضرورة التكامل بينهما، فخدمة الوطن الأرضي لا تتعارض مع خدمة الوطن السماوي، بل تساندها. ومن هنا دعا إلى تنشئة الشباب على الاعتدال والاتزان، فلا يُلغى البُعد الرُوحي لصالح الأرضي، ولا يتم التنكّر للوطن الأرضي باسم السماء.
أما فيما يخص موقع الكنيسة في الحياة العامة، فقد شدَّد على أن الكنيسة ليست مسؤولة عن الشؤون السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، بل عن التربية الرُوحية والإرشاد الأخلاقي فقط. أما المواطن المسيحي، فله الحرية الكاملة في ممارسة دوره السياسي والوطني، شريطة أن يظل سلوكه مُنسجمًا مع رُوح الله. وهكذا أعطى “الأب متَّى” الأولوية لصفة المواطنة، لأن المسيحي شريكٌ في الوطن أولًا، ثم يأتي إيمانه ليهديه في اختياراته. وبذلك حرَّرَ الكنيسة من أن تكون سلطة زمنية موازية للدولة، وأسند للمسيحيين مسؤولية شخصية وأخلاقية في المجال العام.
وأخيرًا، ربط “الأب متَّى المسكين” بين الأخلاق والسياسة، لأن السياسة لا تستقيم إلا إذا تأسست على منظومة أخلاقية راسخة، وأن فساد الأخلاق هو أساس فساد المجتمع. فالفضيلة في نظره ليست محض قيمة فردية، ولكنها نظامٌ اجتماعي واقتصادي وسياسي، تتوقف عليه نهضة المجتمع بأسره.(6)
البابا والراهب:
بدأ طريق الآلام في رحلة البابا والراهب مُرتكزًا على جدارية التاريخ الذي شهد متغيرات مركزية أثرت بعمق في مسيرة الكنيسة الأرثوذكسية عبر أزمنة متعاقبة وأحقاب سياسية متباينة، سواء ما قبل ثورة تموز/يوليو 1952، أو ما تلا زمن الرئيس جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس، أو ما بعد أزمة البابا شنودة والرئيس الراحل أنور السادات فيما عُرف باعتقالات سبتمبر/أيلول، واعتكاف البابا في الدير حتى مطلع الثمانينيات إبَّان فترة الرئيس الراحل محمد حسني مبارك.
إذ بدا للبعض أن تفجير الأزمة بين البابا والراهب كان عقب اختيار الرئيس السادات الأنبا “متَّى المسكين” ضمن مجموعة اللجنة الخماسية التي تولت مهام الكنسية، على خلفية قرار رئاسي. من هنا يُبصر البعض أن الخلاف الذي نشب بين البابا والراهب يتجاوز مجرد الاختلاف بين شخصين، فكلٌّ منهما كان يتمتع بثقة وقدر لافت، غير أن ما حدث يكشف عن اختلاط المفاهيم وتداخل الأمور.
فيما يرى كثيرٌ من المدققين، أن منشأ الأزمة يعود أساسًا إلى السياسات التي تبنتها الدولة تجاه قضايا الأقباط وحقوقهم، والتي بلغت إحدى ذُراها المأساوية في عهد الرئيس الأسبق السادات، وإن كانت بذورها قد نُثرت في أرض مصر قبله بعقود، وربما منذ التاريخ المنظور، مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 بشعاراتها ومبادئها المعلنة، وما تولَّدَ عنها من تنظيمات وجماعات راديكالية عنيفة ومتطرفة أو ما صاحب ذلك من حركة احتجاج على ما آلت إليه الأوضاع الكنسية.
من جانبه يرى أبو سيف يوسف في كتابه “الأقباط والقومية العربية”، أن حركة الاحتجاج على الأوضاع الكنسية اتخذت في مجتمع الأقباط عمومًا صيغتين: سنُبرز الأولى منها لارتباطها بموضوع الدراسة، فيقول:
الأولى، كانت إصلاحية في جوهرها ومن “داخل الكنيسة”، والثانية كانت سياسية ومن “خارج الكنيسة”.
الاتجاه الأول برزَ فيه منذ عام 1898 حبيب جرجس، الذي أصبح مديرًا للمدرسة الإكليريكية عام 1918. ثم اتجهت حركة الإصلاح الكنسي إلى تحقيق نهضة قوية للرهبنة، وهي النهضة التي يُقدَّر أنها انطلقت عام 1948 تحت تأثير نواة محدودة من الرهبان، سيكون منهم فيما بعد الأنبا شنودة الثالث و”الأب متَّى المسكين”، وغيرهما من خريجي الجامعات، فيما عُرف بظاهرة “الرهبان الجامعيين” (7).
لم يكن حديث البابا شنودة عن الأنبا “متَّى المسكين” حديثًا عاديًا، بل مسألة مهمة واستثنائية ولافتة، وذلك يعود لعددٍ من الأسباب والمبررات:
أولى تلك الأسباب، أن البابا شنودة الثالث كان تلميذًا للأنبا “متَّى المسكين” إبان رهبنة الأول.
وثاني تلك الأسباب، ما عبَّرَ عنه البطريرك البابا شنودة الثالث ذات مرة حين قال: “هناك عوامل نفسية جعلت “متَّى المسكين” يخالف الكنيسة”، فقد أصدر كتابه “الكنيسة والدولة” في العام 1963، عقب اختيار البابا كيرلس السادس مجموعة من الرهبان ليكونوا أساقفةً عمومًا لأول مرة في تاريخ الكنيسة، دون أن يكون بينهم الأنبا “متَّى المسكين”. وقد رأى ذلك علامة على الأزمة بينهما، خاصة وأن الطبعة الثانية والثالثة للكتاب صادفت أيضًا أحداثًا تاريخية؛ سواء في العام 1977 أو في العام 1981 مع الطبعة الثالثة.
في المقابل، قال المسكين عن البابا في تصريح لمجلة تايم الأمريكية عام 1981: “أفضلُ بابا متعلم في تاريخ الكنيسة”، بَيْدَ أنه قال أيضًا في اللقاء ذاته: “كان تعيين شنودة بداية المشكلة، فالعقل حلَّ محل الإلهام، والتخطيط محل الصلاة.”
من خلال ذلك، لخَّص البابا شنودة حديثه عن الأنبا “متَّى المسكين” عبر سيطرته التامة والمطلقة على دير الأنبا مقار ومجموعة الرهبان داخله، حين قال في محاضرة بالكلية الإكليريكية في شهر أبريل/نيسان 1991 عن رهبان دير الأنبا مقار: “هم يطيعون “الأب متَّى المسكين” أكثر من طاعتهم للكنيسة وللمجمع المقدس.”
في المحاضرة ذاتها قال البطريرك البابا شنودة الثالث: «القصة لم تَتَمَّ فصولها». ويبدو أن ذلك لم يحدث إلا عقب وفاة “الأب متَّى المسكين” بثلاث سنوات، حين قام البابا بزيارة دير الأنبا مقار —رمز الرهبنة وعلامة قوّتها— إذ كان مُستقلًا ماليًا وإداريًا عن بقية الكنيسة، وكان رهبانه يرتدون زيًّا مختلفًا عن رهبان الكنائس الأرثوذكسية. وقوَّضَ البابا شنودة حينها مسألة الاستقلال المالي والإداري للدير، ووحَّدَ قلنسوةَ الرهبان كما هو الحال في باقي الكنائس، وجعل تبعيةَ الدير مباشرةً له بعد استقالة رئيسه قبل الزيارة بشهرين (8).
تفاقمت الأزمة مع أمرين:
الأول، اختزال الدولة للأقباط في الكنيسة، واختزال الكنيسة في الإكليروس، واختزال الإكليروس في شخص البابا، وَفْق تحليل الدكتور ميلاد حنا.
الثاني، تفريغ المجلس الملي من جدواه وصلاحياته، بعد قرارات الدولة بين 1955 و1962 المتعلقة بضم المدارس والمستشفيات إليها، وتقليص الأوقاف خاصة الزراعية بقانون الإصلاح الزراعي، وقبل ذلك إلغاء المحاكم الشرعية والمليّة وإحالتها إلى القضاء المدني، وكانت تحت إدارة المجلس. وهكذا صار مجلسًا بلا صلاحيات، سوى مراقبة أموال الكنيسة، وحتى هذه تقلصت عمليًا برسامة أعضاء المجلس شمامسة.
بهذا الفقدان تلاشى الصوت القبطي المدني الذي كان يتصدى للشأن العام والسياسي، ويجنّب الكنيسة التورط في السياسة، ويرفع الحرج عن أطراف المعادلة الوطنية، إذ ينطلق دوره من أرضية المواطنة لا من خلفيات دينية مذهبية.
كان من الطبيعي -والأمر كذلك- أن يصير البابا رجلَ دينٍ ورجلَ سياسةٍ معًا، وأن يصبح الناطق السياسي باسم الأقباط. وهنا برز السؤال: هل كان ردُّ فعل البابا نابعًا من صفته الدينية أم من موقعه السياسي؟
ولم يكن غريبًا في هذه الأجواء أن يأتي موقف الشارع القبطي -المُستبعَد سياسيًا- مرحبًا بمواقف الاحتجاج: الامتناع عن إقامة قداس عيد القيامة في الكاتدرائية بالقاهرة، وعدم استقبال المهنئين الرسميين، واعتكاف البابا بديره بصحراء وادي النطرون، إضافة إلى عوامل شخصية عند الرئيس والبابا. لكن ذلك كله لا يُلغي أنها كانت تجليات لخلط ما هو لله وما هو لقيصر، كنسيًا، فقد انحاز البابا إلى السياسة، وانحاز الراهب إلى الدين.
غير أن هناك من يرى ـ كما أوضحت بعض التعليقات ـ أن العكس هو الصحيح؛ إذ يرون أن موقف البابا انطلق من كونه راعيًا يذود عن رعيته بحكم مسئوليته الرعوية، خاصة حين يكون الخطر قادمًا من السلطة السياسية مدعومًا بمحاولة اختطاف الشارع إلى المربع الديني الأحادي الرافض لقبول الآخر. بينما يرون أن موقف الراهب كان سياسيًا بامتياز، إذ طوَّع النص الديني لترسيخ مفهوم العزلة والانسحاب، والنأي عن مواجهة الأحداث التي تُهدد حياة الأقباط وسلامتهم بل ووجودهم ذاته.
لكلٍّ منهما إذن مبرراته، لكن السياسة كانت حاضرةً بقوة في كل الأحوال.
وأظن أن غياب آليات الدولة المدنية، وخاصة المؤسسات النيابية الفاعلة التي تكبح انفراد السلطة التنفيذية بالقرار، وانخفاض سقف الحوار وانتقاله من التفاعل إلى الصوت الواحد، وتراجع أنساق التعددية لحساب الحزب الواحد والرأي الأوحد، وشيوع مناخ الخوف، واختزال المؤسسات ـ الدولة والكنيسة ـ في شخص واحد؛ كل ذلك هو الأزمة الحقيقية. إذ تضافرت هذه العوامل لتخلق مناخًا طائفيًا خانقًا، وتنقل المؤسسة الدينية، وبخاصة الإسلامية، من دوائرها الرُوحية والدعوية إلى موقع الموجه الفاعل للفضاء العام وسياسته.
وفي ظل هذا الفراغ قفزت المؤسسات الدينية -بتعددها- لتملأ الساحة، وليجد أتباعها عندها الملاذ والتحقق، ويتعمق الفرز ومن ثم الشرخ، فلا يعود الوطن هو الكِيان الحاضن والموحِّد، القادر على قبول التعدد والتنوع واستثمارهما بوصفهما قوتين تحميان أرضه ونهره وناسه، وتضمن تقدمه وازدهاره (9)
من هذا المنطلق بدا خطاب البابا شنودة الثالث أقرب إلى إدماج الجماعة القبطية في المؤسسة الكنسية، بوصفها كِيانًا حافظًا لتماسك الجماعة ويحظى عن طريقه بحضور اجتماعي وسياسي ينبغي أن يُصان. في المقابل، تموضع الأنبا “متَّى المسكين” من منطق فلسفي رُوحي-لاهوتي تأويلي يضع النصَّ المقدَّسَ وممارسات الحياة الرهبانية في قلب التجربة المسيحية، بعيدًا عن المواقف السياسية المباشرة. ومن هنا بدت دعوته ومؤلفاته وتجربته في دير الأنبا مقار دعوةً نحو تجديد الخطاب المسيحي.
كان “الأب متَّى المسكين” قد نجح في تحويل دير الأنبا مقار ببرية شيهيت إلى قلعة للفكر الديني والريادة العقلية للرُوح والإيمان، واستطاع أن يؤسس مدرسة فكرية وبحثية متقدمة في قضايا الإيمان واللاهوت. وقد ترابط أعضاء هذه المدرسة ترابطًا متسقًا، كالتماسك في هارمونية، لإبداع بحوث معمقة، فتتابعت الكتب المرجعية الموثقة في الصدور لتشبع نهم المتعطشين إلى البحث العلمي اللاهوتي والديني الرصين. وراحت رفوف المكتبة القبطية تزخر بأعمال تمتاز بالجدية والعمق، بدءًا من حياة الصلاة الأرثوذكسية (١٩٥٢)، مرورًا بـالقديس أثناسيوس الرسولي (١٩٨١)، وانتهاءً بـشرح الرسالة الأولى للقديس بطرس الرسول (٢٠٠٤)، ومع المسيح (أربع مجلدات صدرت في الفترة ما بين ٢٠٠٥ إلى ٢٠٠٦). وكان يُوظف تلامذته النبهاء من الرهبان في تجهيز الترجمات والتوثيق والمباحث اللازمة لإعداد هذه الكتب، التي يضع هو عليها في النهاية بصمته الفكرية المميزة في الصياغة اللفظية، والمنطق الكتابي، والرؤية الرُوحية، والإدراك اللاهوتي، والرسالة العقلية، والتصحيف والتبويب(10).
بَيْدَ أن ذلك كله لا يعني أن الاختلاف بين البابا شنودة والأنبا “متَّى المسكين” يقود إلى قطيعة تاريخية بينهما؛ فثمة مناطق تقاطع يصعب إغفالها، من أهمها الإيمان العميق بدور الكنيسة في الحفاظ على المسيحية، وإن اختلفت الوسائل. كما اجتهد كلٌ منهما في تقديم نموذج خاص للتعامل مع السلطة السياسية والمجتمع: البابا شنودة الثالث عن طريق موقعه القيادي البطريركي، الذي مارَس السياسة أحيانًا عبر مهارات التفاوض والضغط؛ والأنبا “متَّى المسكين” عن طريق تجربته في دير الأنبا مقار، التي عمل من خلالها على تعريف علاقة الكنيسة بالعالم عبر خطاب تأملي. وهكذا تبدو رحلة الكنيسة المصرية عبر تجربتي “البابا شنودة” والأنبا “متَّى المسكين” أعمق من محض خلاف في الرؤى؛ إنها تجربة زمنية وتاريخية متداخلة.
المسيحية عند “الأب متَّى المسكين”
في كتابه «الكنيسة والدولة»، يُشير “الأب متَّى المسكين” إلى ثلاثة أبعاد تحدِّدُ اختصاص المسيحية، والغرض من ذلك –كما يوضح– هو: «معرفة اختصاص المسيحية بوصفها ديانةً تحتاج إلى خدمة وكرازة (تبشير)، ومن ثمَّ معرفة اختصاص الكنيسة بصفتها المسؤولة عن المسيحية. ثم على ضوء معرفة اختصاصات الكنيسة نبحث في حدود نشاطها مقارنة بالدولة، والغاية أن يعرف المواطن المسيحي ما له وما عليه تجاه الكنيسة والدولة».
- البعد الأول: لمن جاء المسيح؟
يُجيب المسكين بأن المسيح جاء إلى الخطاة. ويضيف: «إن أخطر عدو يهدِّدُ كِيان المسيحية بالانحلال هو أن يهتم الكارزون (المبشرون) في الكنيسة بموضوع آخرَ غير خطية الإنسان، فيتركوا دعوة المسيح للخطاة –وهي مهمته الأولى والعظمى– وينشغلوا بالإنسان من جهة حياته الاجتماعية. هذا ليس خروجًا عن المسيحية فحسب، ولكنَّهُ مقاومةٌ لها».
- البعد الثاني: غاية المسيح من خلاص الخطاة
الغاية –وَفْق المسكين– هي الدخول في ملكوت الله. وهذا الملكوت ليس زمنيًا، بل روحيٌ، يجده الإنسان في داخله. ويذكِّر بأن المسيح لم يقبل أن يكون ملكًا، ولذلك يقول: «محاولة الكنيسة الاهتمام بالأمور الزمنية باسم المسيح هو بمنزلة تنصيب المسيح ملكًا على الأرض».
- البعد الثالث: وسيلة خلاص الخطاة
الوسيلة الوحيدة هي المناداة بالتوبة. ويرفض “الأب متَّى” أي وسيلة أخرى، فيقول: «كل وسيلة أخرى مثل ترغيب الناس بالهدايا أو بالطعام أو بالملابس أو بالمسليات، تُعَدُّ وسائل غير مشروعة».
ويُشير إلى أن هذه الوسائل قد نشطت فيها أسقفية الخدمات الاجتماعية، وهو ما أفرد له موضوعًا منفصلًا.
الخدمة الاجتماعية في الكنيسة
حذَّرَ “الأب متَّى المسكين” من خطر الصدام بين الدولة والكنيسة بسبب أسلوب الخدمة الاجتماعية، إذ يقول: «الخدمة الاجتماعية لا تقف عند حدود، فهي تنازع الحكومة في كل الميادين. فهي تشمل رعاية الشباب اجتماعيًا وتوجيههم، وتثقيف العمال وفحص أحوالهم ومطالبهم، والعناية بالطلبة الغرباء، وإقامة النوادي والمعسكرات المحلية والدولية، وترتيب المؤتمرات لبحث المشاكل الداخلية والخارجية للشباب، ومعالجة التعطّل والفقر، وإقامة الملاجئ ،والمستشفيات، والجامعات.
فإذا علمنا أن أي نظام حكم لا بُدَّ أن يكون له اتجاه خاص ومخطط معين في التوجيه الاجتماعي لهذه الفئات، نرى أنه يتحتم في جميع هذه الأحوال أن تكون الكنيسة دارسة لنظام الحكم، حتى يكون مخططها غير متعارض مع مخطط الحكومة، وإلا فالصدام بين الكنيسة والحكومة أمرًا لا مفرَّ منه».
من هنا عبَّر “الأب متَّى المسكين” عن هذه الرؤية بطريقة مفصَّلة في كتابه «الكنيسة والدولة»، فقد عرَّفَ مفهوم الطائفية بقوله: «أن يستيقظ في الإنسان وعيٌ استقلالي بجنسه أو دينه أو عقيدته، تحت دوافع صحيحة أو غير صحيحة، تجعله يسلك مسلكًا سلبيًا تجاه من لا يشاركه في جنسه أو دينه أو عقيدته. ثم تحت إلحاحات هذه الدوافع والإثارات؛ إمَّا أن ينطوي على نفسه ليتفادى المصادمة، وإمَّا أن ينطلق فيهاجم ويصادم، بوعي أو دون وعي، المصدر الذي يستشعر عدوانه والذي يُثير قلقه باستمرار.
ونستطيع أن نقول إن سلاح التهديد الاقتصادي في إثارة الفتنة الطائفية أقوى بكثير من سلاح التهديد الديني الخالص» (11)
البابا والراهب: أزمة سبتمبر
جاء نصّ مقال “الأب متَّى المسكين” في مجلة مُرقس التي تصدر عن دير الأنبا مقار، عدد سبتمبر (أيلول) سنة 1981، تحت عنوان: «تصحيح».
وقد كتب “الأب متَّى المسكين” هذا المقال في افتتاحية المجلة، عارضًا فيه أحداث تلك الأيام، ومقدّمًا رؤيته عبر قراءة كتابية كنسية في فهم المتاعب والضيقات، وكيفية التعاطي الكنسي معها، وعن طريق ثنائية: الصليب والقيامة.
جاء ذلك في توقيت كانت الكنيسة تمرُّ فيه بأزمة عاصفة، عقب صدور قرار الرئيس أنور السادات بسحب قرار رئيس الجمهورية باعتماد انتخاب وتعيين قداسة “البابا شنودة” الثالث بابا وبطريركًا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وهو القرار الصادر عن المجمع المقدس. وقد عنى ذلك عمليًا عزل البابا من منصبه. وقد كُتب المقال عقب فشل مساعي “الأب متَّى المسكين”، الذي قام بدور الوسيط بين الرئيس والكنيسة عبر اتصالات هاتفية مع رئاسة الدولة، انتهت بلقائه الرئيس في مقر رئاسة الجمهورية. وعلى الجانب الآخر كان على تواصل مباشر مع قداسة “البابا شنودة” الثالث في مقره بدير الأنبا مقار، متنقلًا بين دير الأنبا مقار ودير الأنبا بيشوي، حيث كان الأخير يحتوي على خطٍّ هاتف أرضي وحيدٍ استعمله “الأب متَّى” لنقل ردود البابا خُطوة بخطوة، لعدم توفر مثيله في مقر إقامة البابا حينها.
وقد جرت هذه المساعي في محاولة لإيجاد مخرج للأزمة التي نشبت بعد قرار البابا (الذي وافق عليه المجمع المقدس تمريرًا)، والقاضي بعدم إقامة قداس عيد القيامة (الأحد 26 أبريل 1981) في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، والامتناع عن استقبال المهنئين الرسميين من الدولة، والاكتفاء بالصلاة مع رهبان الدير.
رأى الرئيس السادات في هذا الموقف نوعًا من الاعتصام الاحتجاجي، مما وضعه في مأزق في أثناء زيارته للولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، ضمن مساعيه لإقناع الإدارة الأمريكية بالتخلي عن معارضتها للاتصال بمنظمة التحرير الفلسطينية، في سياق جهود ما بعد اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية (الموقعة في واشنطن 26 مارس 1979).
ويُذكر أنه عقب إعلان قرار الكنيسة، جرت اتصالات رفيعة المستوى بين مؤسسة الرئاسة وسكرتارية البابا، الذي كان قد اعتكف بديره. أول هذه الاتصالات جاء من السيد حسني مبارك (نائب الرئيس حينها)، والثاني من السيدة جيهان السادات. وحمل الاتصالان مضمونًا واحدًا: رجاء إقامة قداس العيد بالكاتدرائية رفعًا للحرج عن الرئيس، مع وعد بتسوية الأسباب التي أدت لاعتكاف البابا فور عودته من الولايات المتحدة، شرط إلغاء القرار وإقامة القداس بالكاتدرائية.
تلقَّى هذه الاتصالات سكرتير البابا وقتها، الراهب القس أغاثون الأنبا بيشوي، الذي توجَّه –وفق رأي الأنبا صموئيل أسقف الخدمات وتوجيهه– إلى الدير لعرض الأمر على البابا. إلا أن البابا أصرَّ على موقفه، رافضًا وساطة “الأب متَّى المسكين” ورجاءات مؤسسة الرئاسة.
نشرت جريدة الأهرام لاحقًا صورة استقبال الرئيس السادات للأب “متَّى المسكين” في القصر الجمهوري، فقد أبلغه السادات بقراره عزل البابا وتعيينه (أي “متَّى المسكين”) بديلًا له. لكن “الأب متَّى” أوضح أن قوانين الكنيسة تمنع إقامة بطريرك جديد في حياة البطريرك القائم، وتحرِّم من يقبل ذلك. غير أن الرئيس أصرَّ على موقفه.
وأمام شدة غضب السادات، لم يجد “الأب متَّى” إلا أن يقترح تخفيف القرار بتعيين لجنة من مطارنة الكنيسة الأتقياء لتصريف شؤون علاقة الكنيسة بالدولة، مُشترطًا ألا يكون اسمه ضمن اللجنة. وهو ما تم بالفعل، إذ صدر قرار بتكوين لجنة بابوية من المطارنة:
الأنبا مكسيموس مطران القليوبية، الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي، الأنبا يوأنس مطران الغربية، الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف، الأنبا صموئيل أسقف الخدمات (الذي اُغتيل في حادث المنصة 6 أكتوبر 1981، وخلفه الأنبا باخوميوس مطران البحيرة).
قُوبل قرار تعيين اللجنة الخماسية بغضب شعبي واسع، لكن مذكرات أفراد اللجنة تُشير إلى أنهم كانوا يعودون بقراراتهم قبل إصدارها إلى البابا في ديره. وقد تصدت اللجنة لبعض المشكلات العالقة، ساعية في حلها داخل الكنيسة فيما رأتهُ أمورًا تنظيمية لا تستلزم عرضها على البابا (12).
القس سامح موريس: تأثير “الأب متَّى المسكين” على رهبان دير القديس أنبا مقار
إنّ التأثير الذي أحدثه -“الأب متَّى المسكين”- في حياته، وفي كتاباته، وفي ديره – دير الأنبا مقار– تأثير فريدٌ لا نظير له. ولا أظن أنَّ هناك ديرًا في العالم يُماثله. تبلغ مساحة الدير نحو 2500 فدان، استُصلح منها ما يُقارب 1500 فدان، والبقية أراضٍ غير صالحة للزراعة. ويضمُّ الدير رهبانًا على قدر عالٍ من العلم والخبرة في مجالات الزراعة وتربية الحيوانات، ليصبح الدير نموذجًا متقدّمًا في التنمية الزراعية والرهبانية في آنٍ واحد.
وعند زيارة هذا المكان، يشعر المرء بحضورٍ إلهيٍّ مميِّزٍ، إذ يختبر معنى المحبة المسيحية الشاملة التي لا تعرف تعصبًا ولا انقسامًا مذهبيًا؛ فلا يُنظر إلى المؤمنين هناك على أنهم إنجيليون أو أرثوذكس أو كاثوليك، بل بوصفهم مسيحيين يجمعهم حبُّ الله. وعلى الرغم من هُوية الدير الأرثوذكسية، فإنه يتَّسمُ بانفتاح فريد، ويمتاز ببيتٍ مفتوح للجميع وأفق واسع في التعامل مع الآخر.
ويضمُّ الدير واحدة من أهم المكتبات الرهبانية في الشرق الأوسط، تحتوي على مخطوطات نادرة وقيمة، إضافةً إلى ما يتداول من تقاليد محلية عن وجود رفات يوحنا المعمدان والنبي إليشع، مصحوبةً بقصص إعجازية يرويها الرهبان. كما أنَّ أغلبَ الرهبان يتقنون عددًا من اللغات، مثل: العربية والعبرية واليونانية والإنجليزية، وهو ما يمكِّنهم من دراسة الكتاب المقدَّس بلغاته الأصلية. ومن هنا يُعَدُّ الدير مدرسةً لاهوتية متكاملة، قد تفوق في تأثيرها عديدًا من الكليات والمعاهد المتخصّصة.
ومن يَطَّلِعُ على سيرة الأب المؤسِّس للدير -“الأب متَّى المسكين”- يلحظُ أنَّهُ كان شخصية فريدة تبدو وكأنها آتية من صفحات العهد الجديد؛ فقد جَسَّدَ حياة التوحُّد والتقشُّفِ، إذ لم يكن مُقيمًا دائمًا داخل أسوار الدير، بل عاش فترات طويلة في الصحراء مُتنسكًا. وعلى الرغم من التطوُّر العمراني والزراعي الذي شَهِدَهُ الدير، فقد رفض أن يُرهق الرهبان أو أن يعيشوا في ضيقٍ ومشقَّة، مؤكدًا أنّ الهدف هو تمكين الراهب من التفرغ للصلاة والدراسة والتأمل: “لا أريد أن أرهقه، بل أريد أن أوفِّرَ له مكانًا صالحًا وراحةً جسدية تساعده على العبادة”.
لقد قَدَّمَ المؤسس هذا النهج، ليكون خدمة حقيقية لأبنائه الروحيين، دون أن ينسب ما أنجزه لنفسه، قائلًا: “ما فعلته إنما كان من أجل أولادي”. وهكذا غدا الدير شاهدًا حيًّا على رُوح المحبة والتجديد، ومَعْلَمًا رُوحيًا وثقافيًا فريدًا في تاريخ الكنيسة(13).
الرهبنة في دير القديس أنبا مقار: تجربة مختلفة حافظت على قلب الكنيسة النابض وعقلها الحي
- الواقع الحالي
ليس ثمة شك، أن نقدًا عنيفًا طال التحولات الطارئة على واقع الرهبنة في هذه الأيام، والتي فقدت أهم خصائصها، أي نذورها الثلاثة: الطاعة، والفقر، والبتولية. فاهتزَّت أعمدتها، وأضحت الطاعة طاعةً لأهواء الذات، والفقر مَظهرًا لاستدرار عطف الأغنياء، والبتولية ثوبًا ممزّقًا يكشف جراح المجروحين بسهام الشهوة. رغم تعدُّد العوامل، إلا أنَّ السببَين الرئيسين الجوهريين هما: انفتاح الأديرة على العالم، وعدم التدقيق في اختيار مَن يتقدَّم للرهبنة.
أولًا: انفتاح الأديرة على العالم
انفتاح الأديرة على العالم تمّ بمختلف الطرق والأساليب: بدءًا من فتح بوابات الأديرة للزائرين، وانتهاءً بالموبايل والإنترنت والأقمار الصناعية. وقد أثّر ذلك بالسلب في الرهبنة والرهبان كما يظهر في واقعنا الأليم. ومن نتائجه:
- نسيان الراهب للهدف الذي خرج من أجله
إن انفتاح الأديرة على العالم توغُّلِ العلمانيون في أعماقها حاملين همومهم ومشاكلهم، فشاركهم الرهبان وجدانيًا –وأحيانًا عمليًا– في حلِّها. وهكذا نسوا أنفسهم وسط دوامة تبدو في ظاهرها عطفًا ورحمة، لكنها في حقيقتها تحوير لدور الراهب، إذ إن دوره هو الصلاةُ من أجل العالم كله لا التورّط في تفاصيله.
فلنضع أمامنا مثلاً أنبا بولا، الذي حين التقى أنبا أنطونيوس لم يسأله عن أشخاص أو مشاكل بعينها، بل عن حال النيل والعالم في عمومه.
- تغُلغل شهوة الكهنوت بين الرهبان
بسبب كثرة اختلاط العلمانيين بالرهبان، بدأت شهوة الكهنوت تتسرَّب إلى قلوبهم: رغبةً في إقامة القُداسات، وسماع الاعترافات، والرشم بالزيت، والتعميد، والأكاليل، والجنازات. لكن الكهنوتَ دعوةٌ للخدمة والرعاية، لا للرهبنة. الراهبُ بلا رعية، والكاهن مُقام على شعبه. فلماذا يطلب الراهب الكهنوت؟
أما في عهد أنبا باخوميوس، فقد كان آلاف الرهبان يعيشون في الصحراء، ويستحضرون كاهنًا من القرية المجاورة ليقيم لهم قداس الأحد. حتى أن أنبا باخوميوس نفسه، عندما جاء البابا أثناسيوس ليزوره، هرب لئلا يُسام كاهنًا. وقد مدحه البابا قائلًا لتلاميذه:
“عظيم هو أبوكم، لأنه هرب من المجد الباطل والعظمة الزائلة، واختبأ بالرب يسوع.”
وكذلك أنبا أنطونيوس مؤسس الرهبنة لم يكن كاهنًا. ومكسيموس ودوماديوس لم يكونا كاهنين. وأنبا مقار رُسِّمَ كاهنًا رغمًا عنه وهو بعد علماني، لكنه ترك الرتبة وفضَّل الهروب، وكان يسير أميالًا إلى نتريا ليحضر القداس. حتى أنبا أرسانيوس معلِّم أولاد الملوك لم يكن كاهنًا، بل كان يذكِّرُ نفسه قائلًا: “أرساني، تأمَّل فيما خرجتَ من أجله.”
- انفراط عقد الحياة المجمعية
من نتائج الانفتاح أيضًا أن بعض الرهبان بنوا قلالي ومضايف خارج نطاق المجمع، بحجة محبة الوحدة، لكنهم استقبلوا فيها من يشاؤون بلا ضابط. هناك ينفرد الشيطان بالراهب، حتى قد يُوهمه بأن له مواهب إخراج شياطين وشفاء مرضى، فينحدر به إلى الهاوية.
وبعضهم يبني كنائس خاصة ويقيم قداسات للزوار، متخذًا مظهر الناسك الزاهد ليجتذب العطف والأموال. لكن إن كان متوحدًا حقًا، فلماذا يستقبل العالم في قلايته؟
هكذا فقد الرهبان وحدتهم المجمعية وقلبهم الواحد. في حين أن المطلوب هو قُداس واحد يجمعهم جميعًا، ومائدة محبة واحدة يلتقون حولها. أليست الوحدة –في الدير والكنيسة عامة– هي ما يجعل العالم يؤمن بالمسيح، كما قال الرب: “ليكون الجميع واحدًا… ليؤمن العالم أنك أرسلتني” (يو 17: 21).
- تسرُّب محبة المال
ولاحتياج بعض الرهبان لمزيدٍ من المال لخدمة من يترددون عليهم، صاروا يأخذون ريع مشاريع الأديرة، فيعطون الدير جزءًا ويحتفظون بالباقي. بل ربما أقاموا مشاريعهم الخاصة دون استئذان. ثم يتدرَّجون لقبول عطايا وصدقات العلمانيين لأنفسهم. فصار بيننا رهبان أغنياء، يملكون سيارات حديثة وهواتف متطورة، ويرتدون أفخر الملابس، ويفقدون فقرهم الذي نذروه.
في البستان قال الأب زينون: “الراهب الذي يأخذ صدقة سيعطي عنها جوابًا.” وقال القديس يوحنا القصير، عندما رأى أخًا يضحك وهو يأكل من مال الصدقة: “كان الأجدر به أن يبكي”.
فماذا نفعل والخمير قد يخمّر العجين كله؟
- طواف الرهبان في شوارع العالم
ألف بعض الرهبان النزول إلى المدن، يزورون معارفهم، يشاركونهم في أفراحهم وأحزانهم، ويبيتون خارج الأديرة أيامًا بحُجة العلاج. ومع هذا، إذا حاول المسؤول إصلاح سلوكهم، رفضوا الطاعة وكسروا نذرهم الثاني. فليحفظ الله الرهبان من أن يصل بهم الأمر إلى كسر نذر البتولية.
ثانيًا: عدم التدقيق في اختيار المتقدّمين للرهبنة
وهؤلاء يُمكن تقسيمهم إلى ثلاث فئات:
- غير المدعوّين:
دخلوا الأديرة عن جهل بدعوتهم الحقيقية، وظنوا أن الرهبنة طريقهم. وهذه مسؤولية الدير أن يكتشفها ويوجّهها.
- صغيرو النفوس:
فشلوا في حياتهم الاجتماعية أو النفسية أو الدراسية أو المادية أو العاطفية، فلجأوا إلى الأديرة هربًا من واقعهم، بحثًا عن تعويض.
- المنتفعون:
دخلوا الأديرة طمعًا في كرامات ومناصب، لا حبًا في المسيح أو طلبًا للصلاة. وهذه الفئة أخطر الفئات، لأنها تُجيد التمثيل والرياء.
لذلك، فثمّة حاجة إلى معادلة إصلاح للرهبنة من العطب الذي تعرضت له، عبر وسائل وآليات ومحددات واضحة: منها تقنين زيارات العلمانيين للأديرة، مثلًا: إغلاق الأديرة في الأصوام كلها، وتحديد يوم أو يومين فقط في الأسبوع للزيارة، بأعداد وساعات محددة، وبإشراف راهب مشهود له، يشرح للزوار معالم الدير ويعطيهم كلمة رُوحية، ثم يودِّعهم دون أن يتركهم يتجولون في أروقته. ثم التدقيق في اختيار طالبي الرهبنة.
أ – من جهة المتقدِّمِ
أن يرضى أن يعيش راهبًا حتى آخر أيامه دون أن يطلب الكهنوت، إلا إذا دعاه الدير أو الرئاسة الكنسية.
ألا تكون له ملكية شخصية، فالدير يكفله.
ألا يُطالب بلقاء أقاربه وأصدقائه إلا في أوقات الزيارة المقررة.
ألا ينزل من الدير لأي سبب إلا بتكليف من رئيس الدير.
ب – من جهة الدير
غير المدعوّين: يجب أن يتولى اختبارهم شيخ مُجرَّب ذو إفراز، كما أوصى أنبا موسى الأسود.
صغيرو النفوس: ينبغي التحرِّي عنهم بدقة، بالرجوع إلى آباء اعترافهم وكنائسهم وبيئاتهم.
المنتفعون: الحل معهم أن تُفرغ الرهبنة من كل مظاهر المجد والكرامة، فتبقى موتًا حقيقيًا عن العالم لا يجذب إلا المريدين الصادقين.
ج – من جهة الطرفين معًا
كقاعدة عامة، لا تقل فترة الاختبار عن ثلاث سنوات، مع إمكان تسريح طالب الرهبنة في أي وقت، رحمةً به وبالرهبنة.
إذًا، نحن بصدد جُملة من الأسباب المركبة والمعقدة المُتسببة في الانحراف بمسار الرهبنة، بما يعكس الخلل المؤسسي (سياسات الضيافة، إدارة الأموال، قواعد الوصول إلى التكنولوجيا، آليات المحاسبة الرُوحية والمادية)، الأمر الذي أسهم في تهيئة بيئة غير مواتية لحياة الرهبنة وفلسفة البتولية والانقطاع عن العالم المُتخم بالإغراءات. وبالعكس، دخول أفراد غير مدعوين أو منتفعين يكشف عن قصور في نمط الاختيار والتكوين. ذلك ما يتطلب إجراءات مزدوجة، تتعلق بضوابط هيكلية وتعميم ثقافة تكوينية صارمة ومرافقة نفسية ورُوحية. إذ ينبغي الأخذ في الاعتبار أن انفتاح الدير لا يعني بالضرورة فسادًا، فالتاريخ الرُوحي حافل بخدمة الرهبان للعالم وليس انقطاعًا بمعنى الاستدارة التامة وتجاهل ما هو خارج أعتاب الرهبنة وحدودها بالمعنى الملموس، إنما عدم التقاطع مع الجوانب المادية أو الانخراط فيما يشغل العقل والوجدان ويتسبب في إهدار الجانب الإيماني الرُوحي المتعمق وتصفيته بالانعزال والصلاة والبتولية. فالخطر يتمثلُ في كون أن يَضْحى الانفتاح بمنزلة استيعاب للعالم داخل الدير، بما يترتب عليه إلغاء الحد الفاصل الذي يجعل من الرهبنة جغرافية تأملية غير محدودة تتشظى معها النفس في فضاء لا نهائي، في مقابل كونها خدمة اجتماعية لها عوائدها وفوائضها وفوائدها. عندما يتحول الدير إلى مركز خدمات اجتماعية ومشروعات دون ضوابط، يفقد طاقته الخلاصية.
من اقتصاد الهبة إلى السوق
تسرُّب محبة المال ليس سلوكًا فرديًا عرضيًا أو طارئًا ومؤقتًا، بل ظاهرةٌ اقتصاديةٌ تتوغل وتتغلغل في جوانب عديدة، موارد الأديرة تخضع لضغوط خارجية (تبرعات سياحية، مشاريع استثمارية)، ومع غياب الشفافية أو المسائلة قد تنشأ خروقات تؤدي إلى استغلال الموارد. هذا يحوِّلُ الفقر النذري إلى مظهر محض، وتتحوُّل الثروة إلى وسيلة سلطة ومكانة.
الفتور الطقسي والهُوية الرهبانية
انفراط عقد الحياة المجمعية يهدِّدُ الوظيفة الأساسية للرهبنة: صلاة الجماعة والقداس والمائدة المشتركة. عندما يُشتَّتُ الرهبان بين قلال خاصة وزيارات متكررة للعالم، يُقلص من الخبرة الطقسية الموحدة التي تلد التعرف المشترك إلى المسيح، ولتكوين رهبانية واحدة ومتجانسة.
وعليه، فالنذور الثلاثة تعمل نظامَ هُوية، فالطاعة تُحلّل الأنا، كما الفقر يُنهي التعلق بالمادة وإغراءاتها بما فيها الشهوات المختلفة، والبتولية تؤكد الطاعة التامة والميل إلى الله والخلاص مع المسيح. فقدان أي من هذه الشروط أو ضعفها في نطاق محدود وعدم تبيئتها، يؤدي إلى تمظهرات لا تتعلق بمفهوم الرهبنة، والراهب بوصفه مدبرًا للحياة البتولية الداخلية إلى محض عامل خدمي أو قائم بأعمال استثمارية ضمن منظومة لها اقتصادياتها وبتابع إدارتها والحصول على امتيازاتها فضلًا عن حمايتها. فعندما تُصبح الرهبنة منصة اجتماعية أو اقتصادية، يدخل إليها المنتفعون.
ويُمكن توصيف المطلوب لتعديل المسار بفكرة التوازن العادل أو الانفصال البناء، التي يظل فيها الدير منفصلًا ومنقطعًا بصلاحية رُوحانية (مكان للصلاة، الصمت، التأمل) لكنه يشرع أبوابه لخدمة موجهة ومحددة (استقبال حاجات رُوحية ــ اعتراف، كلمة رُوحية، ملاذٌ مؤقت)، أي أن يظلَّ مستحيبًا للحدود الأخلاقية لفكرة الرهبنة وفلسفتها، وليس ضد الطبيعة الرُوحية التي تفرض أن تكون لها خدماتها في هذا النطاق وبالدرجة ذاتها، بعيدة بالكلية عن الجوانب المادية التي هي ليست من جنس عمل الراهب والرهبنة والدير.
من ثمَّ، فالرهبنة لا تعدو كونها محض مشهدية ثابتة وسكونية من الممارسات والتقاليد، بل حياة لها دينامياتها بالصلوات والطقوس البتولية والتأملية في فضاء غير محدد بما يؤدي إلى تطور المعنى الفلسفي والوجودي للراهب وصلاته بالعالم الأخروي والمقدس. بناء على ذلك، فثمة ضرورة ملحة للإصلاح، بتبني وعي نقدي، ثم إجراءات إصلاحية قابلة للتطبيق بالمسائلة والوضوح، وإيمان بأن القدرة على الإصلاح موجودةٌ عندما تتفق الرؤية المؤسسية مع الشهادة الخلاصية. هذه الحكمة الرُوحية والعملية تضع الحدود، كما تحمي القداسة، وتُعيد إلى الرهبنة وظيفتها الأصلية وتردُّ لها اعتبارها، بأن تكون مدرسة الصلاة والقداسة وشاهدًا حيًّا أمام العالم.
خاتمة:
في المحصلة، فإن مسارات “البابا شنودة” بخلاف الراهب “متَّى المسكين”، يُمكن تحديدها وتعيينها بتحليل الخطاب، والذي كان واضحًا مباشرًا ويعكس قرارات وسياسات دينية كنسية ورؤيته الكلية الشمولية، إذ برزت لهجته وخطابه الكنسي حازمًا مؤسسيًا قويًا، وهي كانت استجابة أو رد فعل على جوانب مزدوجة سياسية وفكرية في آنٍ، فتبنى رؤية تقوية الكنسية بالمعنى الرعوي الإداري الشمولي، وعدِّها كِيانًا ينبغي أن يظل قائمًا على خطاب عقائدي متماسك وثابت، ليظل الكِيان الذي يُحافظ على استقرار الجماعة والأمة القبطية. وفي المقابل، لم تكن هذه المركزية تتعامل أو تتلقى أي محاولات أخرى على النقيض بمرونة أو انفتاح إنما بانقباض ومواجهة صريحة، ورفض أي “تعبير لاهوتي خاطئ” أو “خروج/تمرد على الأفكار التقليدية” للآباء، ومن هنا، اتخذ إجراءات إدارية واضحة ومباشرة منها حَظْرُ تدريس آراء “الأب متَّى المسكين” ومواجهته بإصدارات وكتب للرد على أفكاره. بمقولة أخرى، نجح البطرك في ألا يترك أي فرصة لفراغ، وهو يُعْمِلُ معول الهدم في الأفكار التي يرى أنها قد تخرق منظومته المركزية في السلطة واللاهوت والإيمان، وتدشين الشرعية اللاهوتية، وقد تجاوزت الأمور عنده محض جدل فكري لاهوتي مؤقت، إلى بناء مركزية قائمة ومستقرة ويضمن لها الاستمرار من دون مزايحات طارئة في المستقبل. وأن تظل صياغته للخطاب الديني اللاهوتي الدفاعي مُحافظة على ثباتة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
أما “الأب متَّى المسكين” فقد ظل مشغولا كما البدايات التي انطلق فيها بمغامرة محفوفة برغبة لا تنطفئ نحو صحراء القلمون بحثًا عن الله، متسائلًا: “أين أجدك يا الله؟”، كما ورد في مذكراته، حيث ترهب في دير الأنبا صموئيل عام 1948، بعدها انتقل إلى دير السريان، وقضى فترة في حياة التوحد في مغارة تبعد عن الدير بسبعة أميال )14(.
نتيجةً لذلك، فالمسكين هو شخصية تتكوَّنُ قبل الاكتمال، وكأن مساراتها مرتسمة في أفق ويذهب لها لتؤطر نفسها ليس في الواقع إنما في التاريخ وتفارق الواقع لتبقى في نقطة بحاجة إلى الاستعادة في لحظة ما، هي التي بحاجة إلى التكوُّنِ. هذا نمط من الأشخاص الذي يختلط فيه الواقعي بالميثولوجي، يحظى بجدل ورفض بقدر ما يكتسب شرعية وقوة ونفوذ وتتعدد تأثيراته. فالمسكين كوَّنت عزلته وبحثه “الحرية في الله”، الرحم الذي تدفق منه فكره اللاحق. فبرأيه الرهبنة تتجاوز المعنى التقليدي المباشر بالخروج من العالم، إلى خروج من رُوح العالم لأجل العالم، وهي رؤية خلاصية تلامس موقف المسيح كما في الإنجيل على الصليب، وتأسيسُ معنى الفداء بالإيمان المسيحي. ويقول: “الخروج من طبيعة العالم والمادة، الذي يؤهل للدخول إلى طبيعة الله، حيث الغلبة هنا هي العبور المنتصر فوق العالم”. نهاية الستينيات، كَلَّفَهُ البابا كيرلس السادس بإحياء الحياة الرهبانية في دير القديس أنبا مقار بوادي النطرون، وقد بَرُزَ بوصفه أحدَ أقطاب الرهبنة(14).
من هنا، يُمكن القول إن أحد المرتكزات اللاهوتية والفكرية عند “الأب متَّى المسكين”، هي امتثالُ التقليد الآبائي والآباء الروحيين الشرقيين بالقرون الأولى. في حين يختلف لاهوته عن “البابا شنودة” بأنه لم يكن يرتكز على فكرة الدفاع، بل كان يُعنى بالجانب الاختباري والرُوحاني الوجودي الذي يتحقق معه الإيمان بعمق يرتكز على القلب والوجدان، لتكون دائرته الرُوحية التي يتلقى فيها “كلمة الله”. بالتبعية، لم ترق له القراءة الحرفية للنص والكتاب المقدس، إنما بصفاء رُوحي كان يميل إلى المعنى الرمزي والتأويلي الذي يخضع فيه الكتاب المؤسس لما هو أبعد من فكرة النطاق التفسيري واستلهام أحكام قانونية صارمة، بل تتكون مسارات أكثر استقامة لمعرفة الله، تضع الإنسان أمام مسارات تصحيحية دائما بالتواضع والنقاوة.
غير أن موقفه من “النقد الكتابي/النصي”، بعث بجدالات عنيفة، وأن “علم النقد النصي متغير ولا يؤثر في العقيدة المسيحية”، الأمر الذي حدا بـ “البابا شنودة” أن يصفَ “متَّى المسكين” أنه “راهب أمين، لكنه لا يُدرك خطورة التعبير اللاهوتي الخاطئ”. التأويل الرمزي اصطدم بتيار التفسير الحرفي، ومركزية السلطة تعارضت تعارضًا كليًا مع طبيعة الإيمان العفوي والرُوحي الذي لا يبحث عن مؤسسة وكِيان رعوي، بقدر ما يسعى في المعرفة الإيمانية في أجزائها المنشطرة بثنايا وتكوينات الكون كما في كل كنيسة داخل الإنسان، وضميره، ووعيه. فالرهبنة عند المسكين حالة وهي قلب الكنيسة، وقد سعى في أن تكون هي القوة الدينامية للتجديد الفكري واللاهوتي والرُوحي. وذلك بإعادة الاعتبار لها وإحيائها. فالكنيسة ليست بناءً أو نحتًا جداريًا فحسب، وإنما هي جسدُ المسيح وحقيقةُ المسيحية التي قد تتعين في أعمق صورتها بحياة الراهب. وعزا الانقسامات الطائفية والمذهبية إلى غياب تلك الصيغة التي تؤدي إلى الوَحْدة المسيحية الحقيقية (15).
وما بين المعنى أو الفكرة أو بناء الحقيقة والمعرفة وبين السلطة والإدارة والمبنى، نشأ النزاع بين قطبي الكنيسة الأرثوذكسية بالقرن العشرين والذي امتدَّ حتى وفاة المسكين عام 2006 وشنودة عام 2012. وهذا النزاع تعددت جوانبه ومحطاته التي كان سببها تباين الرؤى، فالخدمات الكنسية الإدارية أو التنموية والاجتماعية في نطاق رؤية “متَّى المسكين” لم تكن مرفوضة في ذاتها، وإنما كان يتخذ مسافة من استعمالها في جوانب وظيفية بعيدًا عن مبدأ “التوبة” و”الخلاص”. فوسيلة الخلاص عند المسكين في المناداة بالتوبة والأعمال الصالحة، ما عَدَّهُ البعض بمنزلة نقد لـ “أسقفية الخدمات الاجتماعية” التي كان يُمثلها الأنبا صموئيل، وهو ما جعل “البابا شنودة” يتحسس من هذا الموقف بوصفه تشكيكًا، وتوصيفها بخدمات “ليست رُوحية، بل كانت شخصية”. كما دار الخلاف بين الطرفين بشأن قضايا نظرية وفلسفية لاهوتية، منها تأليه الإنسان والذي له جذور في الفكر الفلسفي المشرقي، وقد صاغ المسكين رؤيته المُنحازة لهذا المبدأ على أساس صوفي تأويلي يرتكز على التماثل مع المطلق بالمحبة والنعمة، لكن، وعلى الرغم من أنها فكرة ليست مباغتة، كان “البابا شنودة” يتخوف من “التعبيرات اللاهوتية الخاطئة” التي قد تؤدي إلى “الهرطقة” والخروج عن الإيمان وصوابية العقيدة الأرثوذكسية، ومن الضروري توفير الشروحات اللاهوتية بدقة(16).
وقد كان المرتكز الآبائي والرُوحي هو ما يُكَوِّنُ عقلَ “متَّى المسكين” باستعادة تراثهم، ورد الاعتبار لحياة الصلاة والاعتراف والرهبنة. وقد وضع الأولوية للتجربة الدينية والمعرفة اللاهوتية والاختبار الوجودي الدائم، الأمر الذي يتحقق بواسطته الإيمان من دون حاجة إلى بنية مؤسسية، بل تجربةٌ حيةٌ وشاقة ومستمرة. كما أن الانفتاح النقدي مع الثبات العقيدي، تسبب في نشوء الخلاف الحاد مع التيار المناوئ وعلى رأسه “البابا شنودة”. فرغم اعتماد المسكين على الآباء، إلا أنه كان يلتمسُ أفكاره من الدراسات اللاهوتية المعاصرة وبعض تيارات الفكر الغربي الأرثوذكسي. في المقابل، أسَّسَ “البابا شنودة” للشرعية المؤسسية والرعوية، عبر الكنيسة في صورتها وبعدها المؤسسي، بوصفها الكِيان الذي بمقدوره تحقيق الوَحْدة العقائدية والحفاظ على الهُوية والأمة القبطية، فضلاً عن كونه المُمثل لجماعة أمام الدولة والمجتمع. لذلك تكوَّنت عنده ثلاثة أسس مركزية؛ أهمية النظام، التعليم الرسمي، ووحدة الوعظ. وبرز مع ذلك، تنامي المهام الرعوية والاجتماعية، للحفاظ على وَحْدة المؤمنين ضد تفكك الهوية في سياق أقلوي. وقد غلب على منهجه الجانب الانضباطي في إدارة الخطاب العام. لهذا تجسد الصراع الإداري في استقلالية دير الأنبا مقار، الذي كان يعمل “خارج سلطة الكنيسة”، وهو ما رآهُ “البابا شنودة” تمردًا على سلطة البابا والمجمع المقدس.
_________________________________________
قائمة المراجع:
1-تجديد الخطاب الديني المسيحي الفريضة الغائبة عن الكنيسة الأرثوذكسية.. الكنائس العالمية حدثت خطاباتها والكاتدرائية المرقسية ترفض.. والبابا تواضروس: المسيحية لا تعترف بذلك والنظام في الكنيسة ثابت، تحقيق صحفي، صحيفة اليوم السابع (النسخة الإلكترونية)، سارة علام، بتاريخ 22 يناير/ كانون الثاني 2016
2- “البابا شنودة” الثالث و”الأب متَّى المسكين”.. قصة التلميذ والأستاذ، مقال، الجزيرة، عمران عبد الله، بتاريخ 8 آذار/ مارس 2021
3- ما هي الرهبنة، موقع دير القديس أنبا مقار الكبير، مقال.
https://st-takla.org/Saints/Coptic-Orthodox-Saints-Biography/Coptic-Saints-Story_1686.html
4- سيرة “البابا شنودة”، المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي.
5- القمص “متَّى المسكين”، دير القديس الأنبا مقار الكبير.
https://www.stmacariusmonastery.org/old/f_matta06.htm
6 عايدة نصيف: السلطة السياسية والدينية عند “الأب متَّى المسكين”، البوابة نيوز ، ٢٢ مايو ٢٠١٦
7- أبو سيف يوسف: الأقباط والقومية العربية دراسة استطلاعية، مكتبة الأسرة ،٢٠٠٦ ، ص ١٣٩ ، ١٤١
8- أبونا “متَّى المسكين”: السيرة التفصيلية”، إعداد رهبان دير الأنبا مقار، الطبعة الأولى 2008، صفحات 338-340
9- كمال زاخر ، مقابلة شخصية.
10- ماهر عزيز ،”الأب متَّى المسكين” بين التشويه والتكريم.
11- الكنيسة والدولة: الطائفية والتعصّب، دير القديس أنبا مقار، ط 6، 2006، ص ص 36-45.
12- كمال زاخر ، قراءة في مقال “الأب متَّى المسكين”: “تصحيح” ، موقع الأقباط متحدون
https://www.copts-united.com/Article.php?I=6031&A=838369
13- القس سامح موريس: تأثير “الأب متَّى المسكين” على رهبان دير القديس أنبا مقار، مقطع فيديو، يوتيوب.
https://www.youtube.com/watch?v=DpK3peAgUe0
14- الباحث، الرهبنة القبطية: تاريخ متجذر وتحولات معاصرة وواقع مختلف تأويله، بحث منشور .
15- من مذكرات “الأب متَّى المسكين”.
16- رحل متى وشنودة.. لكن الصراع استمر، مقال، جريدة الشروق، عماد الدين حسين، 8 آب/ أغسطس 2018.
https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=08082018&id=c14e3532-9288-478b-9b4e-108f300c3702