البحث عن الفلسفة بين ثنايا التاريخ

 تكوين

  عندما نقف عند حافَّة الزمن، تغتمرنا أبعادٌ ثلاثة: الماضي بما يحتويه من أحداثٍ خاصةٍ وعامةٍ، الحاضر الذي ينزلق، فبالكاد نستشعر مروره العابر، والمستقبل المفتوح على احتمالاتٍ منها ما يتمُّ احتسابه، ومنها ما يتخطَّى قدراتنا الشعورية أو العقلانية على التنبؤ به أو تلمُّس معرفته.

الأسهل التقاطًا سعيًا وراء التمحُّص في التفاصيل، هو البعد الأول الذي سنتناوله ضمن هذه الدراسة، تاريخًا من منظورٍ فلسفي، فنبحر معًا في أنواره وظلماته، عارضين لأبرز مؤرِّخي التاريخ القديم والوسيط والحديث والمعاصر، ومتمحِّصين في بعض الجوانب الفكرية والفلسفية في تأريخهم. توصُّلًا إلى استجلاء الفلسفة ومحاولة تلمُّسها بين ثنايا التاريخ.  

أولًا: المؤرِّخون الإغريق

  1. هيرودوتس Herodotus (نحو 484- نحو 425 ق.م.)

  مؤرِّخ إغريقي كبيرٌ. لقَّبه الفيلسوف ورجل الدولة والكاتب الروماني شيشرون Cicéron (106-43 ق.م.) بـ “أبو التاريخ” بفضل أهمية مؤلَّفِهِ “التاريخ” وقيمته.

وبما أنَّ “هيرودوتس” لم يكن ساردًا للأحداث التاريخية فحسب، وإنما في سعي دؤوبٍ وراء محاولة إدراك أسبابها ومكامنها، فإنه أسهم في الفكر الفلسفي عن طريق تأريخه. هو فَلْسِفَ التاريخ على رغم غياب نظريةٍ فلسفيةٍ خاصة به، وذلك حين عرض لرؤيته طبيعة الأحداث التاريخية قاصدًا التعمُّق في علاقتها بقضايا الأخلاق والمسائل الميتافيزيقية.

في هذا الإطار، غالبًا ما ربط بين الوقوع في الخطأ الأخلاقي، وتلقِّي العقاب الإلهي. فالفعل البشري ليس متفلِّتًا من العلاقة الحتمية بين الإنسان والإله المؤدِّية حكمًا إلى عقابٍ يُفرض على الأفعال التي تتخطَّى حدود الأخلاق. وفي هذا المجال، نَصَحَ الإنسان بالركون إلى التواضع والابتعاد عن الغرور في علاقاته، ما يقرِّبُه من الفضائل في شكلٍ ملموس. فالتاريخ مصدرٌ للدروس الأخلاقية المنبثقة من الأزمات الحادَّة والمصائب التي ترافق الصراعات والحروب.

وكان يأبى، في تسجيله المعلومات الإتنوغرافية والجغرافية المتصلة ببعض الخرافات، أن يُصْدِرَ أحكامًا قاطعة، وبخاصةٍ في حالة الروايات المتضاربة. واعتمد في دراساته -وبطريقة حاسمة- على الملاحظة والتجربة والتحقيق الميداني، وهي من الأسس العلمية لفلسفةٍ ناجحة، كما قارب مسألتي الهُوية الإنسانية والتعددية المجتمعية.

صحيح أنَّ “هيرودوتس” أرَّخَ الأحداث، إلا أنه كان من الطبيعي أن يتأثَّر بعصره العابق بأثمن ما قدَّمه فلاسفة كبار ومذاهب فلسفية مؤثِّرة.

  1. ثوسيديدس Thucydides (460-395 ق.م.)

مؤرِّخ وسياسيٌّ إغريقي، “الأعظم” كما وصفه البعض. صاحب كتاب “تاريخ حرب البيلوبونيز”، وهو سردٌ تاريخيٌّ للحرب التي اندلعت بين كلٍّ من اليونان القديمة وتمثِّلُها أثينا، والرابطة البيلوبونيزية وتمثِّلُها إسبرطة، والتي انتهت بانتصار الإسبرطيين بعدما تمكَّنوا من احتلال أثينا. ولا شكَّ في أنَّ هذا الكتاب أوضح رؤيته الخاصة بخصوص طبيعة السياسة ومرتكزاتها، والحروب ونتائجها، والسلطة ومطامعها.

لم يكن “ثوسيديدس” فيلسوفًا، لكنَّ تحليلاته في السياسة والتاريخ قدَّمت للفكر الإنساني رؤىً فلسفية مُهمة عن طبيعة البشر، والعلاقات بين الدول، لا سيما أنها اتَّسمت بالواقعية، لتكونَ منهجًا مُتَّبعًا في التركيز على الأحداث كما على الظواهر الملموسة، بدلًا من الذهاب نحو التفسيرات ذات الطابع الأسطوري أو الأخلاقي. وهذا ما دفع بعض الناظرين في تأريخه إلى وصفهِ مُتشائمًا وذا رؤيةٍ أخلاقيةٍ مأساوية. وكان معروفًا عنه أنه لم يكن يكشف عن مصادره.

وفي نظرةٍ تقييميةٍ عنما كتب، نلاحظ تأثُّرَهُ بالفيلسوف والطبيب الإغريقي “أنكساغوراس” Anaxagore (نحو 500- 425 ق.م.)، وبالفيلسوف الإغريقي “ديمقريطس” Démocrite (نحو 460- نحو 357 ق.م.) تحديدًا في آرائه التجريبية والواقعية عن الطبيعة، وكذلك بالتعاليم السفسطائية بخصوص منحاه الشكوكي فيما خصَّ الجانب الأخلاقي1.

وذهب الفيلسوف والمؤرِّخُ الكندي “تشارلز نوريس كوكرين” Charles Norris Cochrane (1889-1945) إلى رؤية أنَّ “ثوسيديدس” تنبَّأ بظهور مذهب الفلسفة الوضعية في القرن التاسع عشر، نظرًا إلى دقِّته الملحوظة في توصيف الظواهر والتركيز على الأسباب والنتائج ومعالجته المتقدِّمة للأدلة، إضافةً إلى تأثُّرِهِ بالأساليب العلمية التي اعتمدها الأطباء القدماء، مثل “أبيقراط” Hippocrate (نحو 460-377 ق.م.).2

من جهةٍ أخرى، شاع مصطلح “فخّ ثوسيديدس” Thucydides’s trap مع عالِم السياسة الأمريكي “غراهام تي أليسون” Graham T. Allison (1940-) الذي استخدمه في كتابه “الاتجاه نحو الحرب” Destined for War. ويشير المصطلح إلى النظرية القائلة بأنه عندما تُهَدِّدُ إحدى القوى العظمى بإزاحة قوى عظمى أخرى، تكون الحرب بينهما حتميةً. وأعطى “غراهام” في الكتاب نموذجًا عن هذه النظرية يتمثَّلُ في المسار التصادمي الحالي بين الصين والولايات المتحدة الأميركية.3

لم تكن الأحداث التاريخية عنده نتيجة تدخّلٍ إلهي، بل حصيلة قوانين عامة تحكم العالم. فعندما كان يصف كسوفًا للشمس أو للقمر، كان يفعل ذلك بأسلوب عالِم، وإذا ما تحدَّث عن الآلهة فباسم معتقدات عصره، مقارنًا إيَّاها بضعف البشرية، هذا الضعف الذي لا يمكن للإنسان أن يتعافى منه ومن تبعاته إلا باعتماده العقل قولًا وفعلًا.

وربما كانت النفحة الفلسفية الأكثر وضوحًا عنده في رؤيته أنَّ سرَّ السعادة يكمن في الحرية، وسرَّ الحرية في الشجاعة.

  1. ثيوبمبوس Theopompus (380- 320 ق.م.)

  مؤرِّخٌ وسياسي وخطيب إغريقي. هو لم يكن فيلسوفًا بالمعنى التقليدي والمباشر، لكنه في تأريخه الأحداث، تناول موضوعاتٍ فلسفية، وبحث في مسائل السياسة والأخلاق.

تلقَّى تعليمه على يد “إيسقراط” Isocrate (436-338 ق.م.) الذي كان أستاذًا في البلاغة، كما كانت له مدرسته الخاصة في هذا المجال، ورأيه الخاص في التعليم الذي اعتبر أنَّ جَذْرَهُ مرٌّ لكنَّ ثمارهُ حُلوة.

متأثّرًا باللغة من جهة، وبالسياسة القائمة في عصره من جهةٍ أخرى، فقد عمد “ثيوبمبوس” إلى استخدام التاريخ أداةً لتحليل المسائل المتَّصلة بالسلطة والسياسة، كما بالفضيلة والعدالة، مشدِّدًا على أهمية الأخلاق في السياسة، والأسلوب الواجب على الحكُّام اتِّباعه لحكمٍ صالح، والتزام المواطنين بمبادئ معيَّنة. وهو وجَّهَ انتقاده، في هذا السياق، إلى الفيلسوف الإغريقي “أفلاطون” Platon (نحو 428- نحو 348 ق.م.) بسبب آرائه السياسية والمجتمعية. ومن يطَّلعُ على كتاباته، يُدرك أنها كانت تؤدِّي غرضها المطلوب في فهمٍ أعمق للعلاقة بين التاريخ والفلسفة.

  1. سترابون Strabo (68 ق.م.- 23 ب.م.)

  مؤرِّخٌ وفيلسوف وجغرافي إغريقي. درس الفلسفة والعلوم على يد ثلاثة:

  • الفيلسوف الإغريقي “إكسينارخوس” Xénarque de Séleucie (100-20 ق.م.) الذي رفض “الأثير” ورأى، كما الفيلسوف الإغريقي “تيوفراست” Théophraste (372-288 ق.م.)، والرواقيين لاحقًا، أنَّ النار هي العنصر الوحيد في تكوين النجوم. وقد انغمس في تأمُّلاتٍ مستفيضة في عدَّة مسائل تأثَّر بها “سترابون”، نذكر منها: دراسة فراغ الكون، وخِفَّةِ الأجرام السماوية وثِقَلها وحركتها وعملية خلقها، كما كان مهتمًّا بالحركة الطبيعية في الفكر الأرسطي.
  • كذلك درس على “تيرانيون” Tyrannion (توفي 26 ق.م.)، الفيلسوف وعالِم النحو واللغات المولود في أميسوس التركية Amisos والمعروفة اليوم باسم سامسون  Samsun .
  • وأريستوديموس Aristodème (القرن الأول ق.م.)، وكان مؤرّخًا وخطيبًا إغريقيًا.

تعرَّف “سترابون” على الفيلسوف والمؤرِّخ الإغريقي الرواقي “بوسيدونيوس” Posidonius (135-51 ق.م.)، وذلك في رودس حيث كان يعطي دروسه الفلسفية، ويحاول التوفيق بين المدرسة الرواقية والفكر الأفلاطوني. و”سترابون” بذاته اعتنق الرواقية مؤمنًا بمبادئها، وبدعوتها إلى العيش وفق الطبيعة، وبتشديدها على أهمية عاملي العقل والفضيلة. كما عمد إلى تحليل الظواهر البشرية والطبيعية في دراسته الجغرافيا، وفي وضعه كتاب “الجغرافيا” الذي قَدَّمَ فيه تفسيراتٍ شاملة للظواهر الجغرافية وحاول تصحيح أخطاء من سبقوه. وقد ظهر في كتابه بُعْدٌ فلسفيٌّ واضح، لأنه حاول تفسير النظام الكوني، وتحديد موقع الإنسان فيه، وأسباب المتغيِّرات التي قد تطرأ في العالم… فأتت نظرته الجغرافية شموليةً، تناول فيها تاريخ الشعوب وأصولهم وهجراتهم، معتمدًا منهجيةً متكاملة ركَّز بواسطتها على العلاقة بين الظواهر الإنسانية والظواهر الطبيعية.

  1. أريانوس Lucius Flavius Arrianus (86-160)

  مؤرِّخٌ وفيلسوف ورجل دولة روماني ذو أصولٍ عرقية يونانية. كان ينتمي إلى عائلةٍ ثرية، وكمثل أبناء الأثرياء يومذاك، درس الأدب والبلاغة. كان تلميذًا للفيلسوف الرواقي المعروف “إبيكتيتوس” Epictète (50-130)، وهو من دَوَّنَ كتابات أستاذه تحت عنوان “مقالات إبيكتيتوس”، وكان عمله هذا دون شكٍّ من أهمِّ ما قدَّمه في مسيرته التأريخية، نظرًا إلى أنه عرَّفَ العالم الفلسفي على رواقيٍّ كبير طبع المذهب الرواقي بفلسفته الحكيمة حتى اليوم.

كتب “أريانوس” مادته باللغة الأتيكية. وتُعد “أنباسة الإسكندر” أو “حملات الإسكندر” التي وضعها أحد أفضل المصادر لفتوحات الإسكندر المقدوني المعروف بالإسكندر الأكبر Alexandre le Grand (356-323 ق.م.)، فهو أرَّخَ الأحداث بدقَّةٍ مُركِّزًا على الوقائع العسكرية.

إقرأ أيضًا: العدالة ومسار الإنصاف في التاريخ والفلسفة: التعدد الثقافي أو إعادة الحقوق الرمزية

ولا شكَّ في أنَّ الفلسفة كانت حاضرة في كلِّ ما دوَّن وكتب، فتأثَّر بالرواقية بما احتوته من نظرياتٍ فائقة الأهمية في مجالات المنطق والفيزياء والأخلاق، كما تأثَّر بالإسكندر الذي كان تلميذًا للفيلسوف الإغريقي “أرسطو” Aristote (384-322 ق.م.) منذ أن بلغ عامه الثالث عشر. وقد نقل “أريانوس” في بعض الأحيان عن مخطوطاتٍ بلغ عمرها أكثر من خمسمائة سنة. ويكفي أنه نقل لنا آراء “إبيكتيتوس” الذي رسَّخَ الفلسفة الرواقية الأخلاقية، فتعرَّفنا بفضله على رؤية “إبيكتيتوس” في فلسفة الحياة والموت، وتقبُّل أحكام القدر، والتصالح بين النفس والطبيعة.

وعلى رغم ذلك، فإنَّ انتقاداتٍ عِدَّةٍ وُجِّهَت في الواقع إلى “أريانوس”. وممَّا قيل إنه أراد أن يجعل من حياة الإسكندر أسطورةً، لكثرة ما استخدم من عباراتِ تمجيدٍ وإطراء، إضافةً إلى أنه اعتمد في تأريخه حقبة الإسكندر على ما كتبه “بطليموس الأول” (367-283 ق.م.)، الذي كان حاكمًا لمصر وأحد رفقاء ومؤرِّخي الإسكندر. وفي رَدِّهِ على هذه الانتقادات، قال: “مهما أكن أنا الذي أدَّعي ما ذُكِرَ هنا (أي في الكتاب)، فلا حاجة لي أن أذكر اسمي، رغم أنه (أي الاسم) غنيٌّ عن التعريف في هذا العالم، ولا حاجة لي أن أذكر اسم بلدي وعائلتي، أو أيَّ منصبٍ رسميٍّ كنت قد ملأته أو نلته. وعوض عن ذلك، فاسمح لي أن أقول ما يلي: بأنَّ هذا الكتاب الذي كتبته، ومنذ طفولتي المبكرة، كان أغلى عندي من وطني وعشيرتي وجميع المنازل الاجتماعية المتمنَّاة، فهو كلّ هذه الأمور مجتمعة بالنسبة لي.”4

إلى ذلك، لم ينفِ “أريانوس” يومًا تأثُّرَهُ بمؤرِّخين آخرين، نذكر منهم “هيرودوتس” و”ثوسيديدس”، وكذلك الفيلسوف والمؤرِّخُ الإغريقي “إكسينوفون” Xénophon (نحو 430-نحو 355 ق.م.) الذي كان أحد تلامذة “شهيد الإنسانية” الفيلسوف الإغريقي “سقراط” Socrate (470- 399 ق.م.)، والذي دوَّنَ حياة أستاذه في “الميمورابيليا” أو “ذكريات عن سقراط” (فيما دوَّنها أفلاطون في كتاب “الدفاع عن سقرط”.)

  1. ديو كاسيوس Lucius Claudius Cassius Dio (نحو 163-235)

مؤرِّخ روماني من أصلٍ إغريقي. من مواليد مدينة نيقية في شمال غرب آسيا الصغرى. هو ابن حاكم كيليكيا ودالماسيا في عهد الإمبراطور الروماني والفيلسوف الرواقي “ماركوس أوريليوس” Marc-Aurèle (121-180).

دَرَسَ البلاغة والفلسفة عند السفسطائيين، والقانون الروماني في مدينة برغامس Pergame . وعلى رغم مواطنته اليونانية، تعلَّق كاسيوس بإيطاليا وبالتحديد روما.

عُرِفَ بوضع كتابه “التاريخ الروماني”، وقد ضمَّ ثمانين كتابًا تَتَبّع فيها 973 عامًا من حياة روما. وبفضل خبرته السياسية، يُعَدُّ “كاسيوس” شاهدًا بارزًا على عصره، ومُعَلِّقًا قيِّمًا على الجوانب السياسية للتاريخ. ويمكن لروايته الأحداث أن تُلقي الضوء أحيانًا على تقليدٍ اندثر عند مؤرِّخين آخرين. لذا يُعَدُّ كتابه أحد المصادر الرئيسة للتعرِّف على الحقبة الامبراطورية بغالبية تفاصيلها.

من الناحية الجمالية، يستعير “تاريخ” “كاسيوس” بعض ما تميَّز به “ثوسيديدس” من استخدام الأسلوب الأتيكي وتكرار البنية الثنائية. إلا أنَّ إظهاره ميلًا إلى المعجزات والعجائب والنبوءات في كتاباته جعل أعماله محطَّ نقدٍ تقييميٍّ علمي، لا سيِّما عن الشهادات المُستقاة من مصادر ثانوية.6

إذًا لم يكن “كاسيوس” فيلسوفًا بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنَّ كتابه “التاريخ الروماني” يكشف عن تأثيرٍ قويٍّ للفلسفة، وبخاصة الرواقية والأفلاطونية. هو استخدم التاريخ للتعليق على القضايا السياسية والأخلاقية في عصره، وكانت تأمُّلاته تستند استنادًا كبيرًا إلى الفكر الفلسفي. وكونه كان عضوًا في مجلس الشيوخ الروماني، وحيث كانت الرواقية فلسفةً شائعة بين النُخب الرومانية في تلك الحقبة، فقد أبدى في أعماله إعجابًا بالأباطرة الذين اتَّبعوا مبادئ المدرسة الرواقية في العقل والواجب والفضيلة، وانتقد الأباطرة الذين يستسلمون للاستبداد والطغيان، مشيدًا بأولئك الذين يتحلَّون بالحكمة والاعتدال. كذلك بدا تأثُّره بأفلاطون، لا سيِّما في مفهومه السياسة ودور التاريخ، وشدَّد على أنَّ المجتمع المثالي هو المجتمع الذي يحكمه رجال فاضلون ومستنيرون، مستلهمين الأفكار الأفلاطونية عن الخير والعدالة.

ويُمكن الاستنتاج أنَّ ما كتبه “كاسيوس” كان زاخرًا بالتأمُّلات الأخلاقية والسياسية عن الطبيعة البشرية والقوة والفضيلة. فكان التاريخ عنده مدخلًا للإضاءة على مشكلات عصره، ولتقديم دروسٍ في الحكمة. لذا، هو لم يكتفِ بنقل الحقائق، بل عَمِدَ إلى تفسيرها وتحليلها وفق قناعاته الفلسفية الخاصة.

ثانيًا: المؤرِّخون العرب

  1. اليعقوبي (أبو العباس أحمد بن إسحق بن واضح) (القرن التاسع ميلادي-897)

  مؤرِّخٌ وكاتب وجغرافي، وُلِدَ في بغداد وتُوفِي في مصر، وعاش في زمن الدولة العباسية. قامت شهرته على كتابَين: “تاريخ ابن واضح أو تاريخ اليعقوبي” و “كتاب البلدان”. في الأول عرض لتاريخ الشعوب ما قبل الإسلام، كما لتاريخ الإسلام حتى العام 872م.، وفي الثاني تحدَّث عن المدن الكبرى في البلاد الإسلامية.

وعلى الرغم من أنه لم يكن فيلسوفًا، إلَّا أنَّ جوانب فلسفية عِدَّةٍ تُسَجَّلُ في مؤلَّفاته ومخطوطاته. فقد تأثَّر بالمنهج العقلاني للمعتزلة، ما انعكس في وضوحٍ في أسلوبه التأريخي المرتكز على التحليل والتركيب في عرض الأحداث، وعلى العقل والمنطق في فهم المسائل والبحث عن عللها وأسبابها، وتظهر كذلك في تناوله قضايا القدر والاختيار الالهي. فتبيَّن في بعض كتاباته اهتمامه بمفهومي الظلم والعدالة، واستمرَّ في تناوله التاريخ بوصفه مسارًا للأحداث يقوده العقل والتدبير الإلهي.

  1. المسعودي (أبو الحسن علي بن الحسين بن علي) (896-957)

  مؤرِّخٌ وعالِم وجغرافي ورحَّالة. وُلِدَ ونشأ في بغداد وتُوفِي في مصر. “أمضى شبابه في التجوال، فطاف الشام وفلسطين ومصر وفارس والهند وسيلان ومدغشقر وأذربيجان وما وراء النهر حتى الصين، وأقام في أنطاكية ودمشق والفسطاط”7 وفيها تُوفِي.

حَمِلَ لقب “هيرودوت العرب”، وعُرِفَ بغزارة إنتاجه في ميادين التاريخ والجغرافيا والفلسفة والعلوم الطبيعية، وعلوم الطبّ والفلك، والفقه وعلم الكلام. كان رائدًا لنظرية “الانحراف الوراثي” أو ما يُسمَّى بـ “الانحراف الأليلي” (Genetic drift)، وهو قوةٌ تطوُّرية تعمل مع الاصطفاء الطبيعي عن طريق تغيير خصائص الأنواع مع مرور الزمن، ينتقل جزءٌ معيَّن فقط من مجموع الأليلات (أو الجينات) الموجودة في جيل الآباء إلى جيل الأبناء. “فالأليلات الموجودة عند الأبناء هي عيَّنة من الأليلات الموجودة عند الآباء، ويكمن دورها في تحديد ما إذا كان الفرد سينجو ويتكاثر.”8

اهتمَّ المسعودي بالفلسفة في سياق أعماله التاريخية والجغرافية، وطبَّق المنهج العلمي والتفكُّر الفلسفي في دراسة التاريخ، فكان اعتماد العقل والمنطق من أولوياته، وكان قريبًا من المعتزلة، لا بل كان يُعَدُّ واحدًا منهم. وقد جمع في كتابه “مروج الذهب ومعادن الجوهر” بين علمي التاريخ والجغرافيا، القائمَين على العلم والسيَر الذاتية والتعليقات الاجتماعية. وفي الكتاب وصف البحر الميت، وطواحين الريح، وظاهرة الزلازل… كما قَدَّمَ معلوماتٍ أنتروبولوجية خاصة بالشعوب ذاكرًا أصولهم وعاداتهم وتقاليدهم ومِهنهم، وتأثير المناخ والبيئة فيهم. وقد لعب دورًا مُهمًا في رسم خرائط أدرج فيها القارة الأميركية تحت اسم “القارة المجهولة”. ويُقال إنَّ الرحَّالة الإيطالي “كريستوفر كولومبوس” Christopher Columbus (1451-1506) استعان بتلك الخرائط الموجودة في إسبانيا (الأندلس سابقًا) في أثناء مسيرته نحو اكتشاف أميركا.9  

أراد “المسعودي” فهم التاريخ فهمًا أعمق بعيدًا من السردية السطحية، فعكس اهتمامه بظواهر المجتمع والأخلاق والطبيعة رؤيته الفلسفية للعالم والمجدولة في الأصل على التأثُّرِ بالتراثَين الإغريقي والإسلامي.

  1. ابن خلدون (أبو زيد عبد الرحمن بن محمد، ولي الدين) (1332-1406)

مؤرِّخٌ وفيلسوف اجتماعي. وُلِدَ في تونس من أسرةٍ أندلسية أقامت في إشبيلية. وفي كتابه “المُقدِّمة” وصف فنَّ التأريخ بقوله إنه “فنٌّ عزيز المذهب، جَمُّ الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضِين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سِيرهم، والملوك في دُولهم وسياستهم، حتى تتمُّ فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعدِّدة ومعارف متنوّعة وحُسن نظر وتثبّتٍ يُفضيان بصاحبهما إلى الحق…”10   

وشدَّد على أهمية الثقافة عند المؤرِّخ الذي ينبغي أن تتوفَّر في شخصه صفات فطرية وأخرى مُكتسبة. من الصفات الفطرية:

  • أن يمتلك مقدرة الحكمة، كي يُنْعِمَ النظر في الأمور التاريخية ويدخلها ضمن فلسفةٍ اجتماعيةٍ شاملة.
  • أن يتحلَّى بذكاءٍ مُتَّقِدٍ، كي يُطبِّقَ الأحكام وأقيستها على أشباهها تطبيقًا معقولًا.
  • أن يُحسن التعليل، بمعنى قوة تحليل الأحداث لإدراك أبعادها الكامنة.
  • أن يكون نزيهًا، متجرِّدًا عن الميول ليتمكَّن من تتبُّع سَيْر الحدث ظاهرًا وباطنًا.

وأمَّا في إطار الثقافة المكتسبة، فذكر الشروط الآتية:

  • العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات ونواميس العمران.
  • فهم اختلاف الأمم في العادات والمذاهب والأخلاق باختلاف المكان والزمان.
  • إدراك أسباب قيام الدول وظروف ازدهارها وموجبات انحلالها، إضافةً إلى أحوال القائمين عليها وسِيَرهم وأخبارهم.

  من جهةٍ أخرى، كانت “لابن خلدون” مآخذ على المؤرِّخين الذين سبقوه، وهو ما سمَّاهُ “مغالط المؤرِّخين”. وأتت مقاربته هذه المسألة من باب العلم التوجيهي المنبثق من فلسفة الأخلاق، فاتَّهم بعض المؤرِّخين السابقين بأنهم كانوا يتقصَّدون تضخيم الأخبار، كما كانوا يميلون إلى التشيُّع للآراء والمذاهب، فينحازون لقومٍ على قوم، ويفقدون بذلك صفتي الصدقية والموضوعية الأساسيَّتَين لكلِّ تأريخ. وهذا إلى جانب جهلهم بطبائع العمران والذهول عن تبدِّل أحواله، وهو ما وصفه بالداء الدفين، الذي غالبًا ما يترافق مع مراعاة ذوي السلطان طمعًا بالكسب، والمبالغة في رواية الأحداث بقياس الماضي على الحاضر قياسًا مطلقًا.

إقرأ أيضًا: ابن خلدون: من الولادة البيولوجية لابن خلدون إلى الموت الأنطولوجي للحضارة العربية

إلى ذلك، وإذا أردنا تحديد موقف “ابن خلدون” من الفلسفة عمومًا، على رغم اعتمادها في بحوثه الاجتماعية والتاريخية، مع أنه صَرَّحَ في “مُقدِّمته” بإبطالها وفساد منتحلها، نستطيع أن نستنتج رؤيته ثلاثة ميادين فلسفية أثَّرت في نظرته إلى التاريخ: المنطق، وعلم الطبيعيات، والعلم الالهي. فالمنطق، كما كان يعتقد، قانون صادق يعصم الذهن من الخطأ، ما دام يجمع الكُلِّيات بعضها إلى بعض وينظِّمُ المقاييس… لكن عند انتقاله من المعقولات المجرَّدة إلى البحث في تطبيقها على المحسوسات، فلا يُؤمَنُ غَلَطُهُ. وأمَّا الطبيعيات “فوجه قصورها أنَّ المطابقة بين الأحكام الذهنية التي تُستخرج بالحدود والأقيسة، وما في الخارج من الأعيان ليست يقينية.”11 وكذلك الإلهيات ذواتها مجهولة ، لا يمكن التوصُّل إليها أو البرهان عليها، لأنها من طورٍ يفوق طور العقل.

وخلاصة القول إنَّ “ابن خلدون” فَلْسَفَ التاريخ وفق قناعاته، فكان منهجه وضعيًّا، وكان منطقه واقعيًّا، وأتى تأريخه، تبعًا لذلك، استثنائيًّا في ناحيتي الأسلوب والمضمون.

  1. الطهطاوي (رفاعة بن محمد بن علي رافع) (1801-1873)

هو إمام النهضة العلمية في مصر الحديثة والبلاد العربية، و”مؤسِّسُ علم التربية العربي الحديث، وعلم التاريخ العربي الحديث.”12 من مواليد “طهطا” في صعيد مصر.

كان أستاذًا لجيلٍ من الكُتَّابِ والأدباء والصحافيين والمترجمين. أتقن اللغة الفرنسية، وكان على اتِّصالٍ بعديدٍ من العلماء المستشرقين، وتأثَّر بهم لجهة منهجية البحوث العلمية. اهتمَّ بدراسة الفلسفة والأدب والتاريخ والجغرافيا. وضع كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” في فرنسا، واصفًا فيه رحلاته ومشاهداته.

برزت فلسفته الاجتماعية مُزدانةً بنظرةٍ عقليةٍ ثاقبة في كتابه “المرشد الأمين للبنات والبنين”، فقد آثر التركيز على أسسٍ ثلاثة ينبغي أن تقوم عليها الدولة الحديثة: الحرية، والمساواة، والعدل: الحرية أولًا بأنواعها كافة: الحرية الطبيعية المتأصِّلة في ذات الإنسان منذ ولادته، والسلوكية المتمثِّلة في الأخلاق الكريمة، والدينية القائمة على المعتقد الحرِّ، والمدنية الضامنة للحقوق، والسياسية المدافعة عن الرأي الآخر… على أن تترافق هذه الحريات مع التزام المواطن التزامًا تامًا بمصالح وطنه واستقلاله. وتأتي المساواة لتتكامل مع الحرية، وهي مساواة بين المواطنين في حقوقهم وواجباتهم، بغضِّ النظر عن اختلافاتهم في القدرات العقلية أو القوة البدنية أو الثروة المادية، ما يضمن للجميع حياةً كريمة، إضافةً إلى أنه شدَّد على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وبخاصَّة في مجالي التعليم والعمل13. وأمَّا العدل فهو صفة تدفع الإنسان إلى الاستقامة في أقواله وأفعاله، والإنصاف مع الآخرين.

ولا تستقيم هذه الركائز الثلاث إلا في إطار دولة القانون والمواطنة والتمدُّن، الأمر الذي كان غائبًا إبَّان حكم الخلافة العثمانية. وقد أراد “الطهطاوي” أن يتعزَّز في الشرق كُلَّهُ الشعور بالانتماء الوطني والقومي، وأن يواكب تقدُّم الغرب وينفتح على ثقافاته وحضاراته، مع التمسُّك بالفكر النقدي العاقل والهادف، والحفاظ على أصالة الهُوية العربية.

لم يكن الطهطاوي إذًا ناقلًا للفلسفة الغربية فحسب، وإنما سعى في إطار توجُّهٍ تنويري مُميَّزٍ، إلى استخدام ما نقله بهدف تطوير الفكر في مصر والبلدان العربية كافة.

  1. فيليب خوري حتّي (1886-1978)

  مؤرِّخٌ لبناني، من مواليد بلدة شملان في جبل لبنان. حصل على دكتوراه من جامعة كولومبيا في الولايات المتّحدة الأميركية، كما أسَّسَ قسمًا لدراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون، حيث أنشأ مكتبةً عربيةً إسلامية جَمَعَ فيها عددًا كبيرًا من المخطوطات والوثائق العربية.

صحيح أنه لم يكن فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمي للكلمة، إلَّا أنه كانت لكتابه “تاريخ العرب” بأقسامه الستّة إسهامًا بالغَ الأهمية في مجال الفكر والفلسفة، قَدَّمَ فيه تحليلاته العميقة لتاريخ العرب وحضارتهم، الأمر الذي ترك أثرًا كبيرًا في رؤية الغرب للمنطقة العربية وثقافتها، إذ إنه ركَّز على الاحاطة في الكتاب بمختلف النواحي المجتمعية والثقافية والسياسية، مُستقيًا مصادره التي قاربت الألف من مؤلَّفاتٍ في التاريخ بلغاتٍ متعدِّدة.

إقرأ أيضًآ: ضغط التاريخ العربي الإسلامي على واقعنا المعاصر

كذلك وضع مؤلَّفه “لبنان في التاريخ”، وعرض في أقسامه الخمسة للتاريخ اللبناني على مدى خمسة آلاف سنة، حتى قيل إنه كرَّس القومية اللبنانية في الكتاب، جغرافيًا وتاريخيًا وحضاريًا. ومن مؤلّفاته أيضًا: “أصول الدولة الإسلامية”، “أصول الشعب الدرزي وديانته”، “أميركا في نظر شرقي”14… ويمكن القول أخيرًا إنَّ “حتّي” لم يرَ يومًا في التاريخ سردًا للأحداث، على أهميتها، بل محاولة لدراسة التحوُّلات الكبرى في حياة الأمم والشعوب، بطريقةٍ موضوعيةٍ وبعيدًا عن أيِّ انحياز.

ثالثًا: المؤرِّخون في الغرب المعاصر

  1. أوسفالد شبنغلر Oswald Spengler (1880-1936)

  فيلسوف ومؤرِّخ ألماني، وُلِدَ في مدينة بلاكنبورغ وتُوفِي في ميونخ. كان مهتمًّا بعلم الرياضيات الذي درَّسه إلى أن توقَّف عن مهنة التعليم للتركيز على بحوثه وكتاباته في فلسفة التاريخ. دَرَسَ اللغتَين اليونانية واللاتينية، وأبدى اهتمامه بالفنون وبخاصة الموسيقى والشعر.

اشتُهر بكتابه “أفول الغرب”Le déclin de l’occident  المؤلَّف من مجلَّدَين، الذي عرض فيه نظريته عن ازدهار الحضارات ثمَّ سقوطها في شكلٍ دوري، وقد رأى أن عُمْر الحضارات محدودًا، ولا بُدَّ أن يكون مصيرها الأفول. بدأ بخطِّ القسم الأول من الكتاب العام 1911 في وقتٍ تأثَّر فيه بـ “أزمة أغادير” أو ما يُعرف بـ “أزمة المغرب الثانية” (وكانت تلك الأزمة عالمية نتجت عن المنافسة الألمانية لفرنسا في المغرب). فقال عن تلك المرحلة: “في ذلك الوقت، بدت لي الحرب العالمية وشيكةً، واعتبرتها ضرورةً حتميةً للأزمة التاريخية التي تعانيها أوروبا، وكان هدفي هو فهمها عن طريق دراسة تاريخ القرون السابقة. وبعد ذلك بسنواتٍ قليلة شاهدت تلك الحرب وأحداثها، وكانت عبارة عن خليطٍ من الحقائق التي أجَّجتها المشاعر الوطنية أو التأثيرات الشخصية أو الميول الاقتصادية عن طريق مخطّطٍ سياسي تاريخي.”15

  أُنجز الكتاب العام 1914، لكنه نُشِرَ لاحقًا العام 1918، قبل وقتٍ قصيرٍ من نهاية الحرب العالمية الأولى، محقّقًا نجاحًا كبيرًا. وفيه جَزَمَ “شبنغلر” بأنَّ التاريخ ليس ذا طابعٍ ميكانيكي، ومن ثم لا يُمكن حصره ضمن أُطرٍ زمانيةٍ ومكانيةٍ مُحدَّدة، فكلُّ إنسانٍ يعيش الأحداث ويفسِّرها تبعًا لسياق عصره. من هنا كان ركونه إلى الفيسيولوجيا في إطار التكوِّنِ التاريخي المقارن. فهناك قوة خلَّاقة تُجسِّدُ جوهر الحضارة، وبما أنَّ الحضارات تتشابه مع الإنسان، فإنَّ لها كذلك مسارًا مماثلًا من الولادة إلى الطفولة إلى الشباب فالهِرَمِ فالموت، في عوداتٍ متكرِّرة، وفي سياق مسارٍ حتمي.

إذًا، لا يُقسم التاريخ منطقيًا إلى فترات، بل إلى حضاراتٍ تطوَّرت كما تتطوَّر الكائنات الحيَّة. وقد ذكر “شبنغلر” ثماني حضارات: “البابلية، المصرية، الصينية، الهندية، المكسيكية (المايا والأزتيك)، الكلاسيكية القديمة (اليونانية/الرومانية)، العربية، والغربية أو الأوروبية-الأميركية.”16 تخضع كلَّ حضارةٍ لدورة حياةٍ بيولوجية، وتكمن مُهمَّة فلسفة التاريخ في فهم البناء المورفولوجي للحضارة، في مرورها بربيعٍ وصيفٍ وخريفٍ وشتاء. ربيعها هو زمن بطولاتها، صيفها هو قيام المدن إلى جانب الريف، خريفها هو تدفُّق ينابيعها الرُوحية ونموّ المدن وازدهارها… وأمَّا شتاؤها فيتَّصف “بظهور المدن العالمية وطبقة العمُّال (البروليتارية)، وقيام الدول الرأسمالية، وحكومات الأثرياء، وتزايد الشكّ، وهو عصر الإمبريالية والاستبداد السياسي المتزايد والحروب المستمرَّة.” 17 وفي اختصارٍ، في شتائها، تفقد الحضارة رُوحها وتغدو إنجازاتها محضُ إدارية. ولا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ بعض النقّاد رأى نظريته فيما يخصُّ تدهور الحضارة الغربية تشاؤمية، إلَّا أنها عَرَفَت أصداءً واسعة بعد الحربَين العالميّتَين الأولى والثانية.

وفي كتابه “الإنسان والتِقْنية: إسهام في فلسفة الحياة” (L’homme et la technique: contribution à une philosophie de la vie) الصادر العام 1931، تَفَكَّرَ “شبنغلر” في تأثيرات الحضارة التِقْنية المرتكزة إلى النمو الديمغرافي المتواصل. وقال في هذا المجال: “ستؤول هذه التِقْنيات الآلية إلى نهايتها بصحبة الحضارة الفاوستية، ويومًا ما ستستلقي في الفُتات منسيَّةً – ميتةً هي سككنا الحديد وبواخرنا كالطرق الرومانية والسور الصيني، خربةٌ هي مدننا الضخمة وأبنيتنا التي تنطح السحاب كممفيس وبابل البائدتَين. يقترب تاريخ هذه التِقْنيات إلى نهايته الحتمية سريعًا.”18  وقد رأى المُفكِّرُ اللبناني “مشير عون” (1964-) أنَّ “شبنغلر” استبق هنا تحليلات الفيلسوف الألماني “هايدغر” Martin Heidegger (1889-1976) “الذي انتقد هيمنة التِقْنية المعاصرة على الكائنات والكينونة.” 19 كما أشار “عون” إلى إنَّ “شبنغلر” حذَّرنا من “غثيان الآلات” التي لن تطيق احتمال التهوُّر الاختراعي المُسرف الذي سيقبض على كِيان الإنسان المخترع عينه، ويحبس على وجدانه، ويغلق على وعيه إغلاقًا مُطبقًا.” 20

وفي الواقع، أراد “شبنغلر” في هذا الكتاب أن يستنهض عند الإنسان شعوري الشجاعة والعظمة. “لقد ولدنا في هذا الزمان، وعلينا اتِّباع السبيل إلى النهاية المقدَّرةِ بشجاعة. ما من طريقٍ آخر. واجبنا أن نتشبَّث بالوضع الخاسر، بلا أمل، بلا عون، كما الجندي الروماني الذي وجدت عظامه قبالة بابٍ في بومبي، والذي مات في مكانه إبَّان ثوران فيزوف لأنهم نسوا أن يغيثوه.”21  هذه هي العظمة، هذه هي فلسفة الأصالة وتقبُّل النهاية المشرِّفة التي لا يمكن أن تُسْلَبَ من الإنسان. 

  1. ويليام جيمس ديورانت (William James Durant ) (1885-1981)

فيلسوف ومؤرِّخٌ وكاتب أميركي، وُلِدَ في “نورث آدمز” الأميركية وتُوفِي في كاليفورنيا، وتلقَّى تعليمه في مدارس منطقته، وكانت هذه المدارس تتبع الكنيسة الكاثوليكية. تخصَّصَ في علم الحياة وفي الفلسفة، ونال شهادة الدكتوراه من جامعة كولومبيا العام 1917. وضع في العام ذاته كتاب “الفلسفة والمشكلة الاجتماعية”. وفي نيويورك، ألقى محاضراتٍ في الفلسفة والأدب، وأخرى عن القادة الذين تركوا أثرهم في حياة الشعوب، فكانت تلك المحاضرات بمنزلة نقطة انطلاق له لوضع مؤلَّفَيه “قصة الفلسفة” العام 1924، و “قصة الحضارة” في عشرة مجلَّدات بين العامَين 1935 و 1967. وقد تعاون مع زوجته أرئيل في إنجاز هذا العمل، وكان يقرأ مئات الكتب من أجل كتابة جزء واحد منه. وفي الجانب الاجتماعي، ناضل ديورانت من أجل المساواة في الأجور بين الرجال والنساء، وحقّ المرأة في التصويت، وتحسين ظروف عمل العمّال الأميركيين.

وما جعل فلسفته وتأريخه يتماهيان طوال حقبات عطائه الفكري، هو أنه لم يُرد أن يستخدم قلمه ليَخُطَّ أفكاره فحسب، وإنما ليضعها حيِّزَ التنفيذ هادفًا إلى جعل الفلسفة في متناول الجميع.

في “قصة الفلسفة” عرض “ديورانت” لحياة أبرز فلاسفة العالم ولنظرياتهم، من “أفلاطون وأرسطو” حتى “نيتشه” Friedrich Nietzsche (1844-1900). وخصَّصَ الفصلَين الأخيرين للفلاسفة الأوروبيين ومن ثَمَّ الأميركيين، من الفيلسوف الفرنسي “برغسون” Henri Bergson (1859-1941)، حتى الأميركي “ديوي” John Dewey (1859-1952). وسعى في تقديم المحتوى الفلسفي بمنهجيةٍ سهلة وأسلوبٍ مُبسَّطٍ، مُبتعدًا عن التعقيد في المصطلحات والتعابير المستخدمة. ورأى أنَّ الفلسفة تُمثِّلُ رؤيةً كُلِّيةً للأشياء، كما شدَّدَ على الربط بين الفيلسوف بكلِّ ما يتميَّز به في شخصه وطبعه والحياة التي عاشها، وبين الفلسفة التي أطلقها أو المذهب الفلسفي الذي تبنَّاهُ وانتمى إليه، فكان الفيلسوف وفلسفته وَحْدةً متكاملة، وكانت كلُّ فلسفةٍ، لا سيِّما في “قصة الفلسفة” “تنبض بحياة فيلسوفها وتنفعل بانفعالاته، وتتفاعل ومجتمعه.”22  

وأمَّا “قصة الحضارة”، فعملٌ ضخمٌ  قال “ديورانت” في مقدِّمته: “لقد أحسستُ منذ زمنٍ طويل بأنَّ طريقتنا المعتادة في كتابة التاريخ مجزأً أقسامًا ينفصل بعضها عن بعض، ويتناول كلُّ قسمٍ ناحيةً واحدة من نواحي الحياة: “فتاريخ اقتصادي، وتاريخ سياسي، وتاريخ ديني، وتاريخ للفلسفة، وتاريخ للأدب، وتاريخ للعلوم، وتاريخ للموسيقى، وتاريخ للفن… أحسستُ أنَّ هذه الطريقة فيها إجحاف بما في الحياة الإنسانية من وَحْدة، وأنَّ التاريخ يجب أن يُكْتَبَ عن كلِّ هذه الجوانب مجتمعة، كما يكتب عن كلٍّ منها مُنفردًا، وأن يُكْتَبَ على نحوٍ تركيبي، كما يُكْتَبَ على نحوٍ تحليلي، وأنَّ علم تدوين التاريخ في صورته المُثلى، لا بُدَّ أن يَهدف في كلِّ فترةٍ من فترات الزمن إلى تصوير مجموعة عناصر ثقافة الأمة مشتبكة بما فيها من مؤسّساتٍ ومغامراتٍ وأساليب عيش.”23   وقد أبرز في الكتاب نشأة الحضارة في “الشرق الأدنى والهند وجيرانها، وكذلك الصين واليابان بوصفها شرقًا أقصى وحياة اليونان… مرورًا بقصة قيصر والمسيح، وصولًا إلى أوروبا في عصور نهضتها وثورتها وإصلاحها الديني.”24 كما تَتَبَّع في جميع أقسام الكتاب جذور الفكر الفلسفي وإسهاماته في تغيير مجرى التاريخ في بعض الحالات والحقبات الزمنية. وللمؤرِّخ أيضًا مؤلَّفات أخرى نذكر منها: “قصور الفلسفة”، “قضية الهند”، “مباهج الفلسفة”، “مغامرات في العبقرية”، “برنامج للأميركيين”، “معنى الحياة”، “مأساة روسيا”، “دروس التاريخ”، “تفسيرات الحياة”، و “أبطال من التاريخ”.

وليس التاريخ أخيرًا، وفق رؤية “ديورانت”، إلَّا موكبَ الدول والحضارات التي تنشأ وتزدهر، ثمّ تضمحلُّ وتفنى، ولكنَّ كلًا منها يُخَلِّفُ وراءه تراثًا من العادات والأخلاق والفنون تتلقّاه عنه الحضارات التي تأتي من بعده، “فهي كالعدَّائين في سباق يُسلِّمُ كلٌّ منهم مصباح الحياة إلى غيره.”25

  1. أرنولد جوزف توينبي Arnold Joseph Toynbee (1889-1975)

  فيلسوف ومؤرِّخ بريطاني. وُلِدَ في لندن وتُوفِي في مدينة يورك. قرأ “تاريخ حرب البيلوبونيز” لثوسيديدس، المؤرِّخُ الإغريقي المذكور في القسم الأول من الدراسة، وشهد مآسي الحربَين العالميّتَين، فأصابته حالة من القلق المختلط بالحزن الشديد، ولم يتقبَّل ما تحمله ذات الإنسان من قسوةٍ وأنانية. أثار إعجابه “أفول الغرب” لـ “شبنغلر” دون أن يتخلَّى عن آرائه ومشروعه الشخصي.

عُرِفَ بوضع مؤلَّفاتٍ مُميَّزةٍ في فلسفة التاريخ، أبرزها على الاطلاق موسوعته التاريخية “دراسة للتاريخ” (A Study of History) التي رأت النور بين العامَين 1934 و 1961 ، وتألَّفت من اثني عشر مجلَّدًا، إضافةً إلى “الحضارة في الميزان”، “الوَحْدة العربية آتية من النيل إلى النيجر”، “تاريخ البشرية”، “فلسطين جريمة ودفاع”، “العالم والغرب”… أتقن اللغات اليونانية واللاتينية والفرنسية والايطالية والألمانية واليونانية الحديثة، كما كان مُلِمًّا باللغتَين العربية والتركية.

وضع توينبي نظرية “التحدِّي والاستجابة” (Challenge and Response) في كتابه “دراسة للتاريخ”، مؤكّدًا فيها أنَّ الحضارة لا تنشأ إلَّا حيث تكون البيئة صالحةً لتحدِّي شعبٍ ما، وإلَّا عندما يكون هذا الشعب مستعدًّا تمام الاستعداد للاستجابة لذاك التحدِّي، وأنَّ الحضارات يُصيبها الانهيار عندما تتلاشى عبقرية “الأقلية المبدعة”. وقال إنَّ ما ألهمه لإطلاق نظريته هذه هو علم النفس السلوكي، وتحديدًا عالِم النفس ومؤسِّسُ علم النفس التحليلي “يونغ” (Carl Gustav Jung) (1875-1961)، الذي كان يرى أنَّ الفرد الذي يتعرَّض لصدمة قد يفقد توازنه لفترة من الوقت، “ثمَّ قد يستجيب لها بنوعَين من الاستجابة: الأولى النكوص إلى الماضي لاستعادته والتمسُّك به تعويضًا عن واقعه المرّ، فيصبح انطوائيًا، والثانية، تقبُّل هذه الصدمة والاعتراف بها ثمّ محاولة التغلُّب عليها، فيكون في هذه الحالة انبساطيًا”26. وتُعد الحالة الأولى استجابةً سلبية، أمَّا الثانية فإيجابية عند علم النفس. وقد أعطى مثلًا على ذلك هو الآتي: إنَّ صدمة العرب من حرب فلسطين العام 1948 أدَّت إلى اندلاع الثورة المصرية في الثالث والعشرين من يوليو العام 1952.

وتتحرَّك فلسفة الحضارة، في رأيه، في ثلاثة مجالات: المسار التاريخي الكُلِّي للحضارات البشرية، الحضارة الغربية والتحدّيات المعاصرة، ثمَّ المصير الإنساني والمحيط الحيوي. وفي ذلك يقول إنَّ مجالات الدراسة التاريخية هي المجتمعات التي تملك امتدادًا أكبر، “في كلِّ من المكان والزمان، من الدول القومية أو دول المدن، أو أيّ مجتمعٍ سياسي آخر… المجتمعات، وليس الدول، هي “الجزئيات الاجتماعية” التي يتعيَّن على طلاب التاريخ التعامل معها.”27  إذًا، هو اتَّخذ المجتمع وليس الأمة لدراسة التاريخ، وحدَّد “عدد الحضارات عبر التاريخ بثلاثين حضارة دون تَحيُّزٍ لواحدة أو نكرانٍ لأخرى، وعدَّ إحدى وعشرين حضارة أتمَّت نموُّها، خمس منها مُجمَّدة، والأربع الأخيرة حضارات مُجْهَضَةٌ لم يبقَ منها إلَّا سبعُ حضارات قائمة بوصفها مجتمعات حيَّة هي: الأرثوذكسية المسيحية، الأرثوذكسية الروسية، الإسلامية، الهندوسية، الصينية، الكورية، اليابانية، الغربية.”28

شرح “توينبي”، بداءةً، كيف تنشأ الحضارة، وكيف تنمو إلى أن تنهار، مُشدِّدًا على أنَّ وعي الإنسان هو الذي أدَّى إلى قيام الحضارات الكبرى القديمة، والتي تَميَّزت بالفلسفة والفنون والأنظمة السياسية والاجتماعية. ورأى أنَّ من الخطأ الركون إلى عامليّ العِرق والبيئة لتفسير ولادة الحضارة. فبخصوص العِرق، لم تعرف القرون الوسطى أيَّ عقليةٍ عنصرية ولم تغرق في مظالمها، فكان التقسيم بين مسيحيّ ووثنيّ وليس بين إنسان أبيض وآخر من لونٍ مختلف. وكذلك كان الأمر عند الشعبَين الإسباني والبرتغالي، وفي أميركا الجنوبية حيث سيطرت الرُوحية المسيحية، بخلاف أميركا الشمالية التي تلوَّثت بالعنصرية. ونجح المسلمون في عدم الوقوع في فخِّ العنصرية، إذ كانت نظرتهم إلى الناس بحسب ما إذا كانوا مؤمنين أم لا. إضافةً إلى أنَّ اللون الأبيض لم يكن يومًا، في رأيه، دليلًا على التحضُّر، ففي جبال ألبانيا وكردستان وجبال القوقاز نماذج بدائية من العِرق الأبيض. وفي استنتاجه أنَّ النظرية العِرقية ساقطة في المستويَين العقلي والأخلاقي. أمَّا بخصوص البيئة، فالأمر ذاته، فإنَّ بيئات عِدَّةٍ قد تكون متشابهة، لكنها قد لا تؤدِّي إلى الوضع الحضاري نفسه. في هذا المجال، ردَّ “هيرودوتس” الحضارة الزراعية المصرية إلى طبيعة وادي نهر النيل، ووصف كيف أنَّ فيضان النيل كان يُغذِّي الأراضي الزراعية، وكيف كان المصريون يستفيدون من هذه الظاهرة الطبيعية لزراعة محاصيلهم في سهولة. كذلك كانت الحضارة السومرية في وادي دجلة والفرات. لكنَّ أحواض الريو الكبير وكولورادو، النهر الذي يروي ولاية كاليفورنيا ويصبُّ في خليجها، تشبه بطبيعتها وإلى حدٍّ بعيد واديَيّ النيل ودجلة والفرات، ومع ذلك، لم تقم هناك حضارة زراعية. فالبيئة ليست وسطًا جغرافيًا فحسب، وإنما “جيو إنساني”، يكون للإنسان فيه الدور الأكبر والأكثر أهميةً.

من هنا، تنشأ الحضارة بعملية تحدٍّ واستجابة. والإنسان هنا هو الفاعل الأكبر في هذه العملية، والشعوب هي التي يعود لها الفضل في بناء حضارةٍ بعد تخطِّي جميع المعوِّقات، تمامًا كما فعل المصريون والسومريون واليونانيون والفينيقيون الذين أسَّسوا حضاراتٍ عريقةٍ في التاريخ. كذلك تُبنى الحضارة بتخطِّي المِحَن وتحويلها إلى فرصةٍ للاستجابة للتحدِّيات، فاليهود مثلًا ردُّوا على اضطهادهم في المجتمعات الغربية بالبراعة في ميادين التجارة والعلم، والمسيحيون الأرثوذكس ردُّوا على تحدِّي استبعادهم من الوظائف الكبرى في ظلِّ حكم السلطنة العثمانية بالتميُّز في الأعمال الصغيرة وبإتقان اللغات، ما دفع الدولة العثمانية إلى استخدامهم في إداراتها. كذلك نجحت الفئات النسطورية (التابعة لنسطور، بطريرك القسطنطينية العام 428) عند لجوئها إلى الدولة الفارسية في العلوم وبخاصة الطبّ، ما جعل منها عناصر مميّزة خلال حكم الدولة العبّاسية وما بعدها.

وأمَّا نمو الحضارة فيتكوَّن “من التقدُّم التدريجي والتراكمي الداخلي في تقرير المصير أو التعبير الذاتي”29 ، ويعتمد استمرار هذا النمو على قدرة الرد على التحدِّيات المتوالدة، ويحتاج هذا الرد إلى قدرةٍ إبداعية. وقد أعطى مثلاّ على ذلك من تاريخ الهلينية حيث استطاعت المدن اليونانية أن تأتي بحلولٍ للمشكلات الزراعية والصناعية والتجارية، في حين أخفقت في ردِّ التحدِّي الناشئ عن التعددية السياسية. هذا العجز عن الاستجابة للتحديات الداخلية أفضى إلى تدخُّلاتٍ خارجية، مقدونية ورومانية.

بعد مرحلتيّ النشوء والنموِّ، يبدأ الانهيار الناتج عن قصورٍ في الطاقة الابداعية. فعندما تتدهور الأقلية المُبدعة في تاريخ أيِّ مجتمع، “تتحوُّل إلى محض أقلية مُهيمنة تحاول الاحتفاظ بالقوة بمنصبٍ لم تَعُدْ تستحقّه، وهذا التغيير القاتل في شخصية العنصر الحاكم يستثير، من ناحيةٍ أخرى، انفصال البروليتاريا (الأغلبية) التي لم تَعُدْ مُعجبة بطريقةٍ عفوية بالعنصر الحاكم، وما عادت تُقلِّده باستقلالية، والتي تثور ضدَّ اختزالها إلى مرتبة “المستضعف””30   وعند تحوُّل النخبة الخلاقة إلى قلّةٍ تحكم بالاستبداد، تحدث عملية التفكّك الداخلي، ويكون الانقسام الاجتماعي وجهاّ خارجيًا لانقسامٍ رُوحي.

وتبقى الاستجابة الكبرى التي قد تُنْقِذُ البشرية مُحدَّدةً بتلاقي الحضارات، في رأي “توينبي”، الذي تحلَّى برُوحٍ فلسفيةٍ حُرَّة وصادقة، والذي كان يُردِّدُ دومًا أنَّ ولاءه الأسمى هو للبشر، وليس لمؤسِّسةٍ أو لدولة، وأنَّ حُلْمَهُ الأكبر كان التوصُّل إلى نظامٍ سياسيٍّ إنسانيٍّ شامل، يُسيطر فيه السلام.  

  1. فرنان بروديل Fernand Braudel (1902-1985)

  مؤرِّخٌ فرنسي، وُلِدَ في قريةٍ صغيرة في منطقة “اللورين”، وظلَّ مُرتبطًا بأصوله، فكان يُردِّدُ دومًا: “أنا مؤرِّخ من أصلٍ فلاحي”. يُعَدُّ أحد مؤسِّسي “مدرسة الحوليات”31 (L’école des annales)، المدرسة الفرنسية الجديدة في كتابة التاريخ. وقد أطلق مجلَّةً تحت عنوان “الحوليات الاقتصادية والاجتماعية” وكان مديرًا لها، وذلك بعدما تعرَّف على المؤرِّخ الفرنسي “فيفر” Lucien Febvre (1878-1956) الذي كان من مؤسِّسي هذه المدرسة.

نشر مؤلَّفاتٍ عِدَّة أبرزها: “المتوسط والعالم المتوسطي في عصر فيليب الثاني (1558-1598)” العام 1949، وهو في الأصل الأطروحة التي قدَّمها لنيل شهادة الدكتوراه، وتُرْجِمَ إلى لغاتٍ عديدة، ولطالما ردَّد أنَّ المتوسط هو “بطل التاريخ”، “قواعد لغة الحضارات” العام 1963، “الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية” العام 1979…

دخل الأكاديمية الفرنسية العام 1985، لكنه تُوفِي في السنة ذاتها. وصدرت له بعد وفاته الكتب الآتية: “حركية الرأسمالية” العام 1986، “هُويَّة فرنسا” العام 1987، كما أُعيد نشر كتابه “قواعد علم الحضارات” العام 1987.

كان “بروديل” يشعر بالقلق الذي كان مصدره “”حوار” التاريخ المقطوع مع العلوم “الدقيقة”، العلوم الصرفة، مثل الفيزياء والرياضيات، التي أحدثت نظريات أينشتاين نوعًا من “إعادة صياغتها” فيما يتعلَّقُ بنسف الأفكار المتعلَّقة بالزمان والمكان اللذَين كان المؤرِّخون “يتحرَّكون” في مجالهما حتى ذلك الوقت.”32 وقد رأى أنَّ التاريخ “منذورٌ دائمًا لإعادة الكتابة، فهو في حال صنعٍ دائمٍ لنفسه، وفي حالة تجاوزٍ مستمرّة.”33  وعَمِدَ إلى تقسيم التاريخ في كتابه “المتوسط والعالم المتوسطي…” إلى ثلاثة مستوياتٍ متدرِّجَةٍ: الأول هو التاريخ الجغرافي الذي يُعبِّرُ عن علاقة الإنسان بالوسط المحيط به، وهو تاريخ راكد على تماس مباشر بالأشياء الجامدة، والثاني هو التاريخ الاجتماعي وهو بطيء الإيقاع ويشمل الاقتصاد والدول والمجتمعات والحضارات، وأمَّا الثالث فهو التاريخ التقليدي أو الفردي الذي يتحدَّد عن طريق الفرد فقط.33 وبذلك يكون قد مَيَّز بين ثلاثة أزمنة للتاريخ: “زمن جغرافي وزمن اجتماعي وزمن فردي.”34 يتوافق الأول مع تاريخٍ بنيوي طويل الأمد، والثاني مع تاريخٍ ظرفي، والثالث مع تاريخٍ تقليدي… فنكون أمام الزمن الطويل والزمن الدوري والزمن القصير.

  ولا يُمكن فهم الزمن الطويل كما ينبغي إلَّا بطرح مفهوم “البنية”، ذلك أنَّ تاريخ الأمد الطويل هو “تاريخ بنيات جغرافية واقتصادية واجتماعية وذهنية متأصِّلة وبطيئة التطوُّر.”35 وهذه البنيات أساسية لدراسة الحياة بجميع مفاصلها، مع تحديد إيقاع ثباتها وتطوُّرها من القرن الخامس عشر وحتى القرن الثامن عشر، فقد دخل “بروديل” في تفاصيل عدَّة: السكان وتقاليدهم، السهول والجبال، الفلاحون والفقراء وكبار الملاكين، السواحل والموانئ والمناخ…

أمَّا الزمن الدوري فيدلُّ على تاريخ الظروف والدورات التي يمرُّ فيها الاقتصاد، وهو قائم على أساس الأرقام والجداول والرسوم البيانية. وقد عمد “بروديل” إلى الجمع بين الزمن الطويل والزمن الدوري، بين البنيات والظرفيات، بطريقةٍ جدليةٍ عميقةٍ وهادفة. والجدير بالذكر في هذا المجال هو “أنَّ الدورات وما بين الدورات والأزمات إذا تكرَّرت باستمرار، ولم تُسفر عن تحوّلٍ نوعيٍّ، تندرج في البنية وتصير مكوِّنًا أساسيًا من مكوّناتها.”36

ونأتي إلى الزمن القصير الخادع والمتقلِّب، الذي يدخل الحدث في التاريخ بسرعة، ثمَّ لا يَلْبَثُ أن يخفت ويغيب. وهنا ميَّز “بروديل” بين التاريخ الحدثي والتاريخ السياسي، لأنَّ في إمكان هذا الأخير أن يتخطَّى التركيز على الأفراد ليصبَّ اهتمامه “في الآليات الاجتماعية للسلطة والعلاقات بين الدولة والمجتمع.”37

وإذا كان التاريخ أداةً “لمعرفة الإنسان في الزمان عبر المكان”38، كما يقول، فلدراسة هذا التاريخ، في شكلٍ مُعمَّقٍ وشاملٍ في آن، ينبغي أن تُطرح مسألة الحضارة لأنها تحمل في طيَّاتها كمًّا من الوقائع والحقائق التي تخترق الزمن على المدى الطويل. فالحضارة هي كلُّ شيء، وعلى رغم ذلك هي لا تُمَثِّلُ التاريخ بأكمله. ويمتلك كلُّ مجتمعٍ بشري حضارةً نوعية مهما كانت درجة رقيّه في سُلَّم التاريخ والزمن التاريخي. ويجب، في رأيه، أن يأخذ المؤرّخ في حسبانه الجوانب المادية والاقتصادية والسياسية والدينية والثقافية للحضارة، كي تكون الدراسة توليفيةً شاملة، غير محصورة في دولةٍ واحدة أو حضارةٍ معيَّنة. من هنا كانت دعوته إلى رفض الانغلاق على التاريخ القومي أو الوطني، بهدف إنجاح عملية الانفتاح التام على التاريخ العالمي، وبخاصة أننا نشهد، كما رأى، على انتشار الانجازات الثقافية المشتركة لكلِّ البشرية في عالم اليوم، وهذه ظاهرة بيَّنة يُشهد لأهميتها، مع العلم للأسف أنَّ التصادم العُنْفِي المأساوي والعديم الفائدة بين الحضارات استمرَّ لقرونٍ طويلة.

إلى ذلك، أشار “بروديل” إلى أنَّ المتوسط يشمل ثلاث حضارات: الحضارة اليونانية، الحضارة الغربية (اللاتينية الرومانية)، والحضارة العربية الإسلامية. وفي مؤلَّفه “تاريخ وقواعد الحضارات”، ميَّز بين مفهوميّ الحضارة والثقافة، معتبرًا إيّاهما مترابطَين، لكن غير متطابقَين، فالحضارة هي الكلُّ الأكبر الذي يشمل الثقافة إلى جانب العوامل التي تمَّ ذكرها، فيما الثقافة هي الجزء الذي يعبِّرُ عن القيم والمعتقدات والآداب والفنون التي تميُّز مجتمعًا عن آخر. وفي الكتاب، ردَّ تألُّق الحضارة الغربية واختلافها عن غيرها منذ عصر الفكر الإغريقي وإلى اليوم، إلى تصميمها على اعتماد التوجّه العقلاني. وقدَّم نظرةّ شاملة لتاريخ الحضارات الإنسانية، محلِّلًا دور الاقتصاد في التطوُّر الحضاري، وتأثير عنصريّ الدين والثقافة في المجتمع، وأهمية العلاقة بين الإنسان والبيئة، إضافةً إلى حالتيّ الصراع بين الحضارات والتعايش بينها. وفيما يخصُّ الحضارة الإسلامية، فقد سجَّلت ازدهارًا بين القرنَين الثامن والثاني عشر، قبل أن تبدأ بالانحسار تدريجًا منذ القرن الثالث عشر، مع فقدانها موقع الريادة في العالم.

وفي تقييمه نظرية “التحدِّي والاستجابة” لـ “توينبي” في الكتاب نفسه، تساءل “بروديل”: هل إذا نحن أخذنا بهذه النظرية، “فهل نخرج منها بأنَّ التحدِّي كُلَّما زاد من جانب الطبيعة للإنسان ازداد ردَّ فعله إزاءها؟ قطعًا ذلك يَبعث بنا إلى الشكِّ في تقبُّل هذه النظرية تقبُّلًا تامًّا، إذ على الرغم من الفوائد التي لا جدال فيها كاستخراج الذهب والنفط، فلم يستطع الإنسان إنشاء حضارات حولها.”39 إذًا، على رغم وجود التحدِّي وردود الفعل في شأنه، قد لا يخلق هذا المناخ بالضرورة حضارةً ما، إلَّا في حال وجد الإنسان يومًا وسائل تِقْنية حديثة يواجه بها تلك التحدِّيات.

ويمكن أن نرى “بروديل” أخيرًا فيلسوفًا للحضارات، وقد أراد أن يؤكِّد لنا أنَّ عصر الحضارات اكتمل، وأنَّ البشرية في صدد انتقالٍ شموليٍّ إلى حضارةٍ قادرةٍ على تغطية العالم بأسره.

رابعًا: فلسفة التاريخ

  تبحث فلسفة التاريخ “في العوامل الأساسية المؤثِّرة في سَيْر الوقائع التاريخية، وتدرس القوانين العامة المسيطرة على نموِّ الجماعات الإنسانية، وتطوُّرها على مرِّ العصور.”40  تلك العوامل والقوانين تناول دراستها عدد من الفلاسفة، فكانت لهم مباحثهم وآراؤهم الخاصة في هذا المجال.

فقد رأى الفيلسوف واللاهوتي الروماني القديس “أوغسطينوس” Saint Augustin (354-430) أنَّ التاريخ ليس سلسلة من الأحداث العشوائية فحسب، وإنما هو مسارًا تصاعديًا يَهْدِفُ إلى بلوغ هدفٍ إلهي يتمثَّلُ في تجسيد مملكة الله على الأرض. وطرح الجدل بين “مدينة الله” و “مدينة الإنسان” في كتابه “مدينة الله” La Cité de Dieu الذي رصد فيه معالم تطوُّر المدينتَين. وإذا كان “مؤسِّس مدينة الأرض هو قاتل أخيه”، وهي مدينة قائمة على حبِّ الذات، فمدينة الله تقوم بخلافها على محبَّة الله، ويكون التاريخ في فلسفته جزءًا مركزيًا من خُطَّةٍ إلهية ترمي إلى هداية الله للأحداث التاريخية والإنسان إلى الله… فخارج “مدينة الله” لا يُمكن للإنسان بلوغ السعادة الحقيقية.  كانت فلسفة التاريخ منعقدةً عنده على فكرة الله، هو الذي كان يُناجي الله في كلِّ ما كتب قائلًا له: “اسمح لي يا رب أن أتوسَّع في بحثي، أنت رجائي، ولا تدع شيئًا يُعرقل سعيي.”41

وفي مؤلَّفه الشهير “الأمير” Le prince ، كان للفيلسوف والمفكر السياسي الإيطالي مكيافللي Niccolo Machiavelli (1469-1527) أيضًا إسهاماته الفاعلة في فلسفة التاريخ، ذاك التاريخ الذي يُقَدِّمُ دروسًا للحكُّام وللقادة حول تحقيق النجاحات والحفاظ على السلطة، ضمن سياسةٍ واقعيةٍ مرتكزة إلى القوة والبراغماتية بوصفهما عنصرَين أساسيَين في الحكم وفي اتِّخاذ القرارات الصائبة وفق مقولته الشهيرة “الغاية تبرِّر الوسيلة”.

وحاول الفيلسوف والسياسي الفرنسي “بودان” Jean Bodin (1530-1596) أن يتمحَّص في القوانين التي تحكم تطوُّر المجتمعات عبر التاريخ، محاولًا في كتابه “منهج لتيسير فهم التاريخ”  la Methodus ad facilem historiarum cognitionem أن يستكشف العوامل التي تقف وراء صعود الحضارات وانهيارها. واستكمل فلسفته التاريخية السياسية بتوصيفه الدولة كائنًا قائمًا بذاته، مقدّمًا نظريةً شاملة حولها في كتاب “الجمهورية” La République ، ومشدّدًا على أهمية السيادة لضخِّ القوة في الدولة القومية عبر مراحل الزمن التاريخي. وما كان يميَّزَهُ عن “مكيافللي”، هو أنَّ هذا الأخير مارس السياسة وتمتَّع بحسِّ ملاحظةٍ حادّ، إلَّا أنه لم يُعِرْ اهتمامًا كبيرًا لإرساء منهج علمي، أما “بودان” فعاش في عصرٍ شهد اتِّساعًا مستمرًّا في الآفاق الفكرية وسعى، منهجيًا، في تحقيق توليفةٍ شاملة في مجالات السياسة والقانون والتاريخ.

ورأى رجل الدين والخطيب الفرنسي “بوسويه” Jacques-Bénigne Bossuet (1627-1704) في فلسفته للتاريخ أنَّ التاريخ يتخطَّى كونه محض سلسلة من الأحداث والمصادفات، وإنما هو تجسيدًا لمشيئة الله ولخُطَّةٍ إلهيةٍ متكاملة. ولأنَّ الله هو المحرِّك الرئيس للتاريخ، فعلى الملوك أن يحكموا بالحقِّ الإلهي، وأن يكونوا مسؤولين أمام الله وليس أمام أيِّ سلطةٍ بشرية. وهذا ما شدَّد عليه بخاصةٍ في كتابه “خطبة في التاريخ العام” Discours sur l’histoire universelle الصادر عام 1681.

وأمَّا “لوك” John Lock (1632-1704)، المُفكِّرُ السياسي والمُمثِّلُ الأبرز للتجريبية الإنكليزية، فجاء، مع عنوانٍ عريض هو “الحكومة المدنية” لينقض “الحقَّ الإلهي للملوك” وينتقده، مؤكِّدًا أنَّ مصدر شرعية الحكومة وقوُّتها إنما ينبثق من إرادة الشعب وموافقته. ويمتلك الشعب حقوقًا طبيعية من الحياة إلى الحرية والملكية، وهي حقوق تؤسِّس لنظامٍ سياسيٍّ شرعي، وقد شرحها ضمن “عقدٍ اجتماعي” بين الحاكم والمحكوم. وممَّا قاله في هذا السياق: “إنَّ الغاية العظمى والرئيسة التي يبتغيها البشر لأنفسهم عندما يتَّحدون في جماعة ويخضعون لحكومة، هي أن يحافظوا على ما يمتلكون.”42  وكان لآرائه “بخصوص الدولة والتسامح الديني والتربية الأثر البارز في عصر الأنوار وفي الليبرالية السياسية.”43

وانطلق الفيلسوف والمؤرّخ الإيطالي “فيكو” Giambattista Vico (1668-1744) في منهجه الفلسفي لدراسة التاريخ من خلفيّته الثقافية المتمثِّلة بإلمامه بعلم اللغة وبالأساليب البلاغية المختلفة. وبنى نقده فلاسفة السياسة بوصفهم فسَّروا التاريخ تِبعًا لمصالحهم وأهدافهم، ورفض رؤيتهم المجتمع ثابتًا لا يتبدَّلُ من عصرٍ إلى آخر، داعيًا إلى استخدام المنهج التكويني التاريخي بدلًا من المنهج التركيبي الفلسفي في تتبُّع تطوُّر الجماعات، ولا سيِّما في كتابه “العلم الجديد” La science nouvelle (1725-1744)، (الذي يُرجِّحُ أن يكون استوحاه من كتاب “الأورجانون الجديد” Le nouvel organon لفرنسيس بيكون Francis Bacon (1561-1626)). ورأى، في إطار نظريته في التعاقب الدوري، أنَّ للحضارات أعمارًا مُحدَّدةً، تمامًا كما عند الكائنات الحيَّة، وأنَّ التاريخ يسير في صيرورةٍ دائرية تخضع لها الحضارات التي تعود وتتكرَّرُ عبر ثلاث مراحل: عصر الآلهة وعصر الأبطال وعصر البشر، دون إغفال  مركزية دور العناية الالهية في توجيه التاريخ.

وفي كتابه الأكثر شُهْرةً في العلم السياسي والقانوني “روح الشرائع” De l’esprit des lois الذي نُشِرَ عام 1748، أطلق الفيلسوف والمفكِّر السياسي الفرنسي مونتسكيو Charles Louis de Secondat dit Montesquieu أفكارًا ونظريات أسهمت لاحقًا في تطوير دراسة التاريخ في شكلٍ علمي، عن طريق التشديد على العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية كافة التي تؤثِّر في تطوِّر المجتمعات. ولا شكَّ في أنَّ أبرز ما دعا إليه كان الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ليكون شرطًا أساسيًّا لتحقيق الحرية السياسية. كما صنَّف الحكومات إلى ثلاثة أنواع رئيسة: الديكتاتورية، المَلَكية، والجمهورية، “الديكتاتورية وهي قائمة على مبدأ الخوف، المَلَكية وترتكز على الشرف، وأمَّا الجمهورية فهي إمِّا ديمقراطية وإمِّا أرستقراطية، وتتأسّس على الفضيلة.”44  وتحدَّث “مونتسكيو” عن مبدأ يصبغ كُلًّا من هذه الحكومات ويميَّزه، مُضيفًا أنَّ “المَلَكية الدستورية هي أفضل أشكال الحكم.”45 

وطرح السياسي والاقتصادي الفرنسي “تورغو” Anne Robert Jacquis Turgot (1727-1781) فكرة التقدُّم في التاريخ، وذلك في كتابه “مراجعة فلسفية للتطوُّرات المتوالية للعقل البشري” Tableau philosophique des progrès successifs de l’esprit humain الصادر عام 1750. فعند العقل البشري، في رأيه، القدرة على التقدُّم المتواصل في مجالات العلوم والفنون والأخلاق والقوانين والاقتصاد والاجتماع واللغة، وبذلك هو يؤثِّرُ تأثيرًا كبيرًا في قيام الحضارات. وهو لم يتصوَّر التاريخ بوصفه سلسلة من الأحداث المنعزلة، بل بوصفه عملية مستمرِّةً تنبثق فيها كلُّ مرحلةٍ من المرحلة السابقة وتهيئُ الطريق للمرحلة التالية. والثورة هي من عوامل هذا التقدُّم، والصراع بين الحكُّام والشعوب هو جزء من هذه العملية. كان “تورغو” يعتقد في البداية بأنَّ المسيحية هي النور الحقيقي، لكنه عمد بعد ذلك إلى الفصل بين التنوير والدين، وتوجَّه “نحو اعتناق الدين الطبيعي، أي العقلاني، الذي دعا إليه في كتابه… “رسائل حول التسامح”، وراح ينقلب على مواقفه السابقة ويقول مثلًا: “يُخشى أن يحصل صراع دائم بين الخرافات والتنوير.”46  

ورأى “فولتير” François-Marie Arouet (1694-1778) أنّ المؤرِّخَ يُركِّزُ اهتمامه على عملية سرد الوقائع وضبطها وفق الزمان والمكان اللذين “يردان في المتن التاريخي بصيَغٍ جزئية، في حين يجب إجراء النظر الفلسفي لفهم مسار تلك الوقائع بوضعها في سياقٍ كُلِّي.”47  وعلى هذه العملية أن يرافقها دور مركزي أولًا للعقل بوصفه قوةً دافعة نحو تطوُّر الحضارة وتحقيق التقدُّم بالتوازي مع التحرُّر من ربقة الجهل والخرافات، وتاليًا للحرية في الفكر والتعبير والمعتقد، المؤدِّية إلى انفتاح المجتمع. وقد عَبَّرَ في كتابه “بحث في الأخلاق ورُوح الأمم” Essai sur les mœurs et l’esprit des nations العام 1756 عن فكرته هذه مؤكّدًا أنَّ من يجب أن يكتب التاريخ هم الفلاسفة، لأنهم قادرون على التبصِّر في رُوح العصر المستخلص من السياق الثقافي الكُلِّي.

من جهةٍ أخرى، تميَّز الفيلسوف الألماني “ليسينغ” Gotthold Ephraim Lessing (1729-1781) بنزعته التفاؤلية عن مستقبل البشرية، وبخاصة إذا ما اعتمد الإنسان العقلانية في التفكير، والخير على مستوييّ النظر والتطبيق في الحياة. وهذا ما يؤدِّي إلى التنوير ضمن فلسفةٍ تاريخيةٍ قائمة على التسامح الديني والالتقاء بين الاختلافات من جهة، ووجوب البحث عن الحقيقة بوصفها جوهرًا لتجربتنا الإنسانية من جهةٍ أخرى. (علمًا أنه قال كذلك “بالاستعاضة عن دين الوحي بدينٍ طبيعي أو بنوعٍ من الإلهانية Déisme المؤمنة بإلهٍ مهندسٍ للكون ومبدعٍ، وليس بإلهٍ يَرْعَى الكون ويحفظه ويَقِيه شرَّ العَثَرَاتِ.”48 ).

أمَّا الفيلسوف الألماني “هردر” Johann Gottfried Herder (1744-1803)، فتعمَّد، في إطار فلسفته للتاريخ، أن يخرج برؤيةٍ بديلة لفلسفة الأنوار، لا سيِّما الفرنسية، التي كانت سائدة في عصره. فقد صاغ “نقدًا لاذعًا لتلك الفلسفة، وللنظريات التي أطلقها فلاسفة التنوير مثل “فولتير” عن معنى التاريخ.”49  الذي صوَّره عمليةً عضويةً ومُعقَّدة تتكون وتتطوَّر عن طريق التفاعل بين اللغات والثقافات المختلفة. فلكلِّ أمَّةٍ ثقافتها الخاصة ولغتها الفريدة، وهذان العاملان هما جوهر الهُوية الوطنية، ويعود للشعوب الدور الأول في تكوين التاريخ، كما يعود للعاطفة وليس للعقل الدور في قيادة السلوك الإنساني.

وفي الفلسفة الهيجيلية (هيجل Georg Wilhelm Friedrich Hegel (1770-1831)) للتاريخ رفض للتجزئة وبحث عن نبض الفكر في قلب التاريخ، عبر مسارٍ شاملٍ جوانب النشاطات الإنسانية كافة، وهو مسار عقلي لأنَّ “العقل يحكم التاريخ”. فهو رفض اعتبار التاريخ ضربًا من العبث، ذلك أنَّ ما يحكمه هو العقل الكُلِّي، كما أنَّ حركة التاريخ ليست بتاتًا تنفيذًا لإرادةٍ إلهية. فالإنسان كائن عاقل، والله لا يرضى أن نكون جاهلين به، والعقلي يدرك بالضرورة العقلي. وتُعد رؤيته للتاريخ تقدُّميةً، “على إدراكٍ بتطوّر المجتمع البشري بوصفه صيرورةً ديناميكية تُصبح بواسطتها قدرتنا العقلانية أكثر تهذُّبًا وصِقَلًا.”50 هكذا، وعلى رغم تضمُّن كتابه “محاضرات في فلسفة التاريخ” Leçons sur la philosophie de l’histoire الصادر عام 1822 كمًّا كبيرًا من المعلومات التاريخية عن الحضارات القديمة، الهندية والصينية والفارسية واليونانية القديمة والرومانية والأوروبية، وصولًا إلى عصر التنوير والثورة الفرنسية… فما كان يعنيه حقيقةً من فلسفة التاريخ هو “التأمُّل العميق” فيه، مُشدِّدًا في كلِّ ذلك على حقيقةٍ جوهريةٍ مفادها أنَّ الناس جميعهم أحرار، وأنه لا بُدَّ لشمس الحرية أن تَبْزُغَ عند كلِّ الشعوب وتدخل مجال التاريخ. بذلك، مع تماهي الارادتَين الذاتية والموضوعية، تكتمل الصورة العقلية للواقع الإنساني.  

وأولى السياسي والمؤرِّخُ الفرنسي “غيزو” François Guizot (1787-1874)، على غرار “فولتير”، أهميةً لمفهوم التقدُّم في التاريخ، مع تركيزه على دور الطبقات الاجتماعية التي تُعَدُّ تفاعلاتها المحرِّك الرئيس للتاريخ، حتى إنَّ الصراع بين هذه الطبقات هو الذي يدفع عملية هذا التاريخ إلى الأمام، لا سيِّما أنه قدَّمه بوصفه علمًا مرتكزًا على وثائق وأدلِّة وتحليل منهجي للأحداث والظواهر، مُعتبرًا الأحداث أعظم ممَّا يدركه البشر. ويكمن تأثير “غيزو”، بحسب آراء النقَّاد، في أنه في فلسفته التاريخية، “لم يكن مهتمًّا بتفكيك سلسلة الأسباب والنتائج متخطّيًا سرد الأحداث إلى عملية إلقاء دروسٍ بَنَّاءةٍ في التاريخ.”51  وكان له تأثيره المهم في الفكر السياسي والفلسفي في عصره، وبخاصة في مقاربته الليبرالية ودورها في التربية، وكذلك في تركيزه على فكرة المجتمع المتنوِّر.

خاتمة

  مفهومان يتلاقيان عندما نقول “تاريخ”: المعرفة وما تستجرِّهُ من رغبةٍ متجدِّدة ومتواصلة في حبِّ الاطِّلاع على أحداثٍ وأفرادٍ غمرهم الزمن الجاري بصيرورةٍ لا مَلَكَة لأحد على إيقافها، والنوستالجيا، ذاك الشعور الذي يجتاحنا بكلِّ ما يحتويه من تناقضاتٍ وتبايناتٍ تختلج في ذواتنا وترمي بنا في حيرةٍ مُربكةٍ بين الألم والأمل…

على هذا الأساس، ومع جمعنا التاريخ بعظمته والمؤرِّخين بحكمتهم وبأبعاد رؤاهم الفكرية، منذ القدم وحتى اليوم، فقد آثرنا أن نبحث عن الفلسفة بين ثنايا التاريخ، مدركين مُسبقًا وحكمًا أننا سنجدها، كما في سائر العلوم والآداب، نابضةً في قلب الأحداث وواهبةً إيَّاها الوجود المعرفي الذي نتلمَّسه في “فلسفة التاريخ”، فنشعر في آن أنه يمتلكنا لعمق الوقائع وغزارتها واستمرار تردّداتها في حياتنا، وأننا نمتلكه كذلك لرغبتنا الجامحة في تخطّي قراءة السطور وما بين السطور، إلى استحضار ما مضى ليكون درسًا ضاربًا في العمق لما سيحدث مستقبلًا.. آملين أن يرافق التاريخ الآتي ويتفكّر فيه فلاسفةٌ يمتلكون كسابقيهم الجرأة لتوصيف الأحداث والوقائع موضوعيًا، وبعيدًا عن أيّ انتماءٍ آخر سوى… الفلسفة!

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1] زاغورين بيريز، ثوسيديدس، مطبعة جامعة برينستون، 2015، ص. 152.

[2] تشارلز نوريس كوكرين، ثوسيديدس وعلم التاريخ، مطبعة جامعة أكسفورد، 1929، ص. 179.

[3] Allison Graham, Destined for war: can America and China Escape, Thucydides’s trap, New York, 2017.

[4] Andrea Falcon, Aristotelianism in first century, Xenarchus of Seleucia.

[5] Arrian, The campaigns of Alexander, Trans, Aubrey de Sélincourt, Penguin Books.

[6] Bope Katal Shaminga, La justice de Néron d’après Tacite, Presses universitaires du Septentrion, 2000, p.7.

[7] عدد من المفكّرين والمحرّرين، الموسوعة الفلسفية العربية، المجلّد الثالث، أعلام الفكر الإنساني، مقدّمة وملاحظات منهجية، معهد الانماء العربي، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان 1997، ص. 595.

[8] Futuyma Douglas, Evolutionary Biology, Sinauer Associates, 2022.

[9] مريم المير، الأندلس بين ضفّتَين، دار كتوبيا للنشر والتوزيع، الجزء الأول، ص.47.

[10] ابن خلدون، المقدّمة، دار الجيل، بيروت، ص.10.

[11] جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1981، ص.628.

[12] عدد من المفكّرين والمحرّرين، الموسوعة الفلسفية العربية، المجلّد الثالث، مرجع مذكور، ص.435.

[13] سامي محمد نصّار، رفاعة رافع الطهطاوي، رائد التنوير العربي المبكر، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، 2014، ص.20-23.

[14] عدد من المفكّرين والمحرّرين، الموسوعة الفلسفية العربية، المجلّد الثالث، مرجع مذكور، ص.288.

[15] Oswald Spengler, The Decline of the west, V.1, Alfred A. Knopf, 1926, p.46-47.

[16] كتاب تدهور الحضارة الغربية، ar.Wikipedia.org

[17] مكتبة نور، www.noor-book.com

[18] مقطع من “الإنسان والتقنية: إسهام في فلسفة الحياة”، ahmadphilo.wordpress.com

[19] مشير عون، تشخيص الحضارة الغربية في فلسفة الألماني أوسفالد شبنغلر، www.independentarabia.com

[20] المرجع نفسه.

[21] ahmadphilo.wordpress.com, op.cit

[22] عبد الرحمن حبيب، ويل ديورانت بين قصّة الحضارة والفلسفة.. أبرز أعمال الكاتب الأميركي بذكرى ميلاده، 5 نوفمبر 2023.

[23] ول ديورانت، قصّة الحضارة، فهارس – الأول والثاني، الطبعة الأولى، دار الجيل، بيروت، لبنان، 1992، ص.16.

[24] عبد الرحمن حبيب، ويل ديورانت بين قصّة الحضارة والفلسفة.. ، مرجع مذكور.

[25] ول ديورانت، قصّة الحضارة، المجلّد 9 و 10 ، قيصر والمسيح أو الحضارة الرومانية، ترجمة محمد بدران، الطبعة الخامسة، ص.312.

[26] أرنولد توينبي، ar.Wikipedia.org.

[27] Arnold Toynbee, A Study of History, Oxford University Press, Vol.1, 1934, p.45.

[28] شخصيات غربية، توينبي (أرنولد جوزف)، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، “قسم الاستغراب”، www.iicss.iq.

[29] بيتريم سوروكن، فلسفة التاريخ عند أرنولد توينبي، ترجمة د. عارف فضل، atharat.net .

[30] المرجع نفسه.

[31] مدرسة الحوليات ( Annales): هي مدرسة فكرية تاريخية فرنسية من القرن العشرين. وهي تختلف عن المدرسة المنهجية التي تجسّدها بخاصة المجلّة التاريخية التي أسّسها مونو Gabriel Monod العام 1876 ، وهي تؤكّد على التاريخ الاجتماعي الطويل الأمد. سُمّيَت باسم مجلّتها العلمية “حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي”. وكان لها تأثير كبير في استخدام المؤرّخين “الأساليب العلمية الاجتماعية، مع التركيز على الموضوعات الاجتماعية والاقتصادية بدلًا من الموضوعات السياسية أو الدبلوماسية.” (مدرسة الحوليات، ar.Wikipedia.org).

[32] إيف لوموان، فرناند بروديل، طموحات مؤرّخ وأشكال قلقة، البيان، www.albayan.ae. ، 2011.

[33] فرنان بروديل، حركية الرأسمالية، منشورات عيون، ترجمة محمد البكري ومحمد بولقيش، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 1987، ص.86.

[34] Fernand Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II (1558-1598), Ed. A. Colin, Paris, 1949, p.14.

[35] بحر بروديل، ribatalkoutoub.com., 2011

[36] المرجع نفسه.

[37] المرجع نفسه.

[38] “Magazine littéraire”, Rencontre avec Fernand Braudel, Nº 212, 1984, p.21.

[39] فرنان بروديل، تاريخ وقواعد الحضارات، ترجمة وتعليق د. حسين شريف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999، ص.10.

[40] جميل صليبا، المعجم الفلسفي، بالألفاظ العربية والفرنسية والانكليزية واللاتينية، الجزء الأول، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، 1982، صز229.

[41] القديس أغوسطينوس، اعترافات القديس أوغسطينوس، نقلها إلى العربية الخوري يوحنا الحلو، الطبعة الثالثة، دار المشرق، بيروت، 1986، ص.252.

[42] John Locke, Traité du gouvernement (1689), Chap.9, Traduit par D. Mazel, Coll. Flammarion, 1992.

[43] Peter Kunzmann, Franz-Peter Burkard…, Atlas de la Philosophie, Librairie générale française, Paris, 1993, p.119.

[44] Ibid, p.131.

[45] عدد من المفكّرين والمحرّرين، الموسوعة الفلسفية العربية، المجلّد الثالث، مرجع مذكور، ص.616.

[46] هاشم صالح، مسيرة التنوير الفرنسي من تورغو إلى فولتير، www.ahewar.org ، الحوار المتمدّن، العدد 281، 2002.

[47] الطيّب بو عزة، كيف يقرأ الفيلسوف التاريخ؟، مركز نهوض للدراسات والبحوث، nohoud-center.com ، فبراير 4، 2021 .

[48] عدد من المفكّرين والمحرّرين، الموسوعة الفلسفية العربية، المجلّد الثالث، مرجع مذكور، ص.569.

[49] Pierre Pénisson, Johann Gottfried Herder, dans Dictionnaire du monde germanique sous la direction d’Elisabeth Décultot, Bayard, Paris, 2007, p.473-475.

[50] جاك فوكس ويليامز، فهم هيجل للتاريخ، ترجمة كريم محمد، منصّة معنى الثقافية، mana.net .

[51] Entre histoire et politique, www. Guizot.com., Association François Guizot, une vie dans le siècle (1787-1874).

 

 

 

   

 

 

 

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete