البعد الإبستمولوجي في مشروع محمد عابد الجابري: قراءة تحليلية نقدية

تسعى هذه المقالة إلى توضيح ثلاثة نقاط أساسية: أولاً، أن الهاجس الإبستمولوجي قد استحوذ على اهتمام الأستاذ الجابري على مدى السنوات بشكل لافت، حيث أصبح له مكانة خاصة في هيكلية فكره. ثانيًا، يُظهر اهتمام الجابري بالإبستمولوجيا من نوع “الإبستولوجيا للإبستمولوجيا”، حيث لم تكن محورية لذاتها بل كانت وسيلة لتحقيق هدف معين، وهو نقد العقل العربي – الذي يعد مشروعه الأساس. إذا كانت الغاية هي نقد العقل العربي، فإن الوسيلة المستخدمة هي المنهج الإبستمولوجي، وذلك من خلال استخدامه بشكل متأمل في تحليل وفهم فكر الجابري. ثالثًا، يبرز أن الجابري لم يكن يهتم بالإبستمولوجيا كمفهوم عام، بل كان يركز على كيفية توظيفها في سياق مشروعه الخاص، حيث توجه نحو الإبستمولوجيا الفرنسية وفكر مفكرين إبستمولوجيين محددين، وتناول مفاهيم إبستمولوجية معينة. بدايةً، يمكن القول إن الهاجس الإبستمولوجي لم يكن هدفًا في حد ذاته بالنسبة للجابري، بل كان له طابع إجرائي ووظيفي، حاول من خلاله العمل على مشروع نقد العقل العربي الذي يتناول تكوين العقل وبنية العقل العربي، وكذلك دور السياسة والأخلاق في العقل العملي.

أولاً: في البعد الأداتي للإبستمولوجيا

إذا ركزنا على الجانب الإبستمولوجي، الموضوع الرئيسي لهذا الفصل، نجد أن تعاطي الأستاذ الجابري مع فلسفة العلوم قد تجلى، وفقًا لرأي الأستاذ سالم يفوت، من خلال عدة جوانب. يظهر أبرز هذه الجوانب في تخصيص الجابري لمؤلف واحد فقط لفلسفة العلوم، وهو العمل المعنون “مدخل إلى فلسفة العلوم” (1976)، الذي يأتي في جزأين. بالإضافة إلى ذلك، فقد أثر بشكل كبير في مجال فلسفة العلوم بكتابه “نحن والتراث” (1980). ورغم أنه لم يكن عملًا مختصًا في الإبستمولوجيا بالمعنى الدقيق للمصطلح، إلا أنه كان يعتبر جسرًا يربط بين قضايا الإبستمولوجيا النظرية وقضايا التراث العملية.

تبرز السؤال الرئيسي هنا حول أبعاد تجليات الممارسة الإبستمولوجية في كتابات الأستاذ الجابري، وكيف قام بتوظين بعض المفاهيم الإبستمولوجية المستمدة من حقول معرفية غربية في سياق قراءته للتراث الفلسفي العربي الإسلامي؟

  1. سؤال المنطلقات

تعتبر ظهور التفكير الإبستمولوجي في المغرب، خاصة في بداية السبعينات، غير قابلة للاستيعاب إلا من خلال الإشارة إلى المرجعيات والمصادر الغربية. هذه المرجعيات شكلت جهازًا مفاهيميًا أصبح أكثر انتشارًا في مجالات مختلفة من الفكر الفلسفي المغربي المعاصر، حيث اعتمدت كآليات ومفاهيم إجرائية لتحليل بعض القضايا المتعلقة بالتراث الفلسفي. يمكن رؤية تأثير هذه المرجعيات في كيفية تعاطي محمد عابد الجابري مع الإبستمولوجيا بشكل خاص. وقد جعل هذا الاتجاه مفاهيم الإبستمولوجيا تظهر كعناصر مؤسسة ضمن الإشكالية التراثية.

تركز الاستفسارات هنا على العوامل التي شكلت الإطار النظري لظهور التفكير الإبستمولوجي في المغرب وكيف تم تبيئة المفاهيم والأدوات المستمدة من الحقل الإبستمولوجي الغربي داخل فضاءات المعرفة في الثقافة المغربية عامة وفي مجال التراث تحديدًا[1].

من اللحظات الرئيسية التي شكلت أساسًا للممارسة الإبستمولوجية في المغرب وتعامل الجابري الوسيلي مع الإبستمولوجيا، يظهر أن الأعمال الفلسفية للإبستمولوجي الفرنسي روبير بلانشي كان لها تأثير كبير. هذا تجلى خاصة في مشروع “عقلانية معاصرة[2]” مقابل “العقلانية الكلاسيكية”. قام بلانشي بانتقاد “الفلسفة الواقعية” من خلال مؤلفين محددين، وسعى إلى بناء فلسفة عقلانية جديدة تأخذ في اعتبارها القيم المعرفية الجديدة للثورة العلمية المعاصرة. يتسم الموقف العقلاني الجديد لبلانشي بانتقاده لتيارات فلسفية معينة، وهي العقلانية الكلاسيكية والواقعية والوضعية، محاولًا تجاوزها جميعًا. تظهر حضور فلاسفة آخرين مثل باشلار وبرانشفيك في مشروع بلانشي كدليل على تداخل مفهومي في الحقل الفلسفي والإبستمولوجي[3].

لحظة التأريخ للعلوم: شكّل الإهتمام بعلاقة تاريخ العلوم بالإبستمولوجيا أهمية خاصة، وذلك لما لهذين الميدانين من علاقة تقاطع وانسجام من حيث الموضوع والأهداف معا. فتاريخ العلوم والإبستمولوجيا يدرسان معا المعرفة العلمية، وتاريخ العلوم يمارس دائما مصحوبا بتصور إبستمولوجي معين. وحيث يكون من اللازم لاستخلاص القيم الإبستمولوجية للمعرفة العلمية وإبرازها أن نعتبر تاريخ هذه المعرفة، فإنه يصبح من الضروري للابستمولوجي أن يعتمد على تاريخ العلوم. ومن بين المشاريع التي عرفت انتشارا واسعا في هذا المجال يمكن استحضار، على سبيل المثال لا الحصر، فلسفة غاستون باشلار. وقد عايش هذا المفكر العلمي الفذ الثورة العلمية التي بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين، مثلما عاين الهزة التي أحدثتها في المفاهيم العلمية والفلسفية على حد سواء، وقد لاحظ بعد ذلك أن هناك فرقا في التقدم الحاصل في المجالين: فهناك، من جهة، حركية في تاريخ العلم، يقابلها، من جهة أخرى، سكون في تاريخ الفلسفة. وقد عمل باشلار على إبراز القيم المعرفية التي ساهمت في تجاوز التصورات المطلقة في الفلسفة العقلانية الكلاسيكية. إذ لم تصبح المعرفة عبارة عن قوالب ومقولات عقلية ثابتة يمكن استنباطها خارج الزمن، بل انخرطت في الديمومة والتاريخ وأصبحت قابلة للتغير بمقتضى التحولات التي طرأت على العلوم.

والحق أن المشروع الباشلاري، باستعماله لبعض المفاهيم الأساسية التي أحدثت هزات على مستوى تاريخ العلوم شأن مفهوم “التجاوز” و”القطيعة الإبستمولوجية”، كان محط اهتمام وتأويل واسع من طرف معاصريه، مثل المفكر الماركسي ألتوسير الذي استعار مفهوم “القطيعة” واستخدمه من أجل فهم وتطوير فكر ماركس. ذلك أن قراءة ألتوسير لماركس طرحت إبراز المفاهيم المكونة للإشكالية التجريبية أو الاختبارية، للنقد والمراجعة، فالغالبية العظمى من الفلسفات قد استغلت العلوم لأهداف تبريرية تخرج عن أهداف الممارسة العلمية[4]. والحال أن التأويلات الفلسفية لنتائج العلوم بغاية التدليل على بعض القيم الخارجة عن مجال العلم لا تعكس الحقيقة العلمية كما هي بل تعكس منها أعراضا إيديولوجية عملية. ومن مهام الفلسفة، بحسب ألتوسير، رسم الحدود بين ما هو للإيديولوجيا، من جهة، وما هو للعلم من جهة أخرى؛ أي إبراز صور وألوان تسرب الإيديولوجية النظرية والعملية إلى الممارسة العلمية، وفهم العلماء لما يفعلونه.

لحظة ميشيل فوكو: تميزت أعمال فوكو بأهمية بالغة في الفلسفة المعاصرة، وذلك على اعتبار أنها كانت تمثل “آخِر الإتجاهات الفلسفية التي انتهى إليها الفكر الإنساني بعد تعلق طويل باتجاهين: اتجاه إلى الذات المشخصة واعتبارها محور التأمل الفلسفي، واتجاه مضاد لا يعنى بغير الظواهر المحسوسة ويؤدي إلى ظهور الفلسفة الوضعية ثم الوضعية المنطقية بصورها المختلفة”[5]؛ فأهمية فوكو تكمن في استحداثه تساؤلا فلسفيا جديدا عن البنية المعرفية السائدة في حقبة معينة والتي تبرر ظهور العلم والتفلسف في تلك الحقبة، إذ اعتبر كتاب “الكلمات والأشياء” أول تطبيق للإتجاه البنيوي في مجال البحث الإبستمولوجي. وبه أصبحت البنيوية سيدة البحث الفلسفي.

ومن بين المفاهيم التي شكلت أهمية خاصة في كتاب “الكلمات والأشياء” هذا مفهوم “الإبستميي”Epistémé  الذي يكشف عن الإمكانيات والشروط التاريخية لظهور المعارف ودراستها في صورها التجريبية وأن ما تدرسه “الإبستميي” هو “مجموع العلاقات التي بإمكانها أن توجد في فترة معينة بين الممارسات الخطابية التي تفسح المجال أمام أشكال إبستمولوجية وعلوم”[6]. وعليه، فالإبستمي، وفق تحليل فوكو، هي مجموع العلاقات التي يمكننا الوقوف عليها في فترة ما بين العلوم حينما نحلل مستوى انتظاماتها الخطابية. قد نقف هنا على نوع من التماثل بين الإبستمي والبنية، وخاصة في نقطة العلاقات. فالإبستيمي ليس بنية ساكنة. إنها متغيرة وذلك لعلاقتها بالتاريخ، فكل مرحلة تاريخية محكومة بإبستمي معين، تقطع مع سابقتها وتكون مقدمة لإبستميي لاحق، لذلك فإنها: “ليست شكلا ساكنا ظهر يوما ليختفي فجأة، بل هي مجموعة من الانقسامات والتفاوتات والإنزياحات والتطابقات المتحركة باستمرار والتي تنشأ ثم تنحل”[7].

هكذا؛ يتبدى لنا من خلال إبراز مصادر الفكر الإبستمولوجي بالمغرب أن لحظات تشكل الخطاب الإبستمولوجي تتحدد من خلال المناحي الجديدة في الفكر الغربي وعلى أساس المرجعيات التي أطرت عمليات إنتاج التصورات والتفكير في المفاهيم. وهو الأثر الذي وسم بميسمه الفكر المغربي ابتداءً من السبعينيات. إن صورة مواءمة وتكييف الجهاز المفاهيمي الغربي مع خصوصيات الفكر العربي المعاصر تعكس الجهود التنظيرية لتوطين المفاهيم ضمن سياقات فكرية جديدة. فكيف تمت تبيئة المفاهيم والأدوات المستقاة من الحقل الإبتسيمي الغربي داخل حقول ومجالات معرفية في الثقافة المغربية عامة وفي مجال التراث تحديدا؟

  1. توظيف مفاهيم الإبستمولوجيا

دشن محمد عابد الجابري البحث الإبستمولوجي في بداية السبعينات من خلال مؤلفه “مدخل إلى فلسفة العلوم” في جزأين سنة 197 [8]. وقد يضم مجموعة من النصوص والأبحاث التي قام بترجمتها في مجال إبستمولوجية الرياضية والفيزياء. هذا وقد ركز الجابري على أهمية الدراسات الإبستمولوجية بالنسبة إلى تطور الفلسفة. وذلك: “باعتبار أن البحث في قضايا متعلقة بتعريف العلم وبيان موضوعه ومناهجه وغايته، وتحديد علاقاته بغيره من العلوم (…)، الخ. هو من جملة الأبحاث التي تنتمي بشكل أو بآخر إلى عالم الفلسفة. ومعروف كذلك أن عزل شيء ما عن الفلسفة لاتخاذه ميدانا لبحث مستقل، لهو من أصعب الأمور، خصوصا إذا كان موضوع هذا “الشيء” ينتمي إلى عالم الفكر والنظر، لا إلى عالم المادة والواقع. ذلك لأن من خصائص الفلسفة أنها تظل دوما تلاحق موضوعات وتطاردها في بيوتها الجديدة، فتتلون بلونها، وتتطور بتطورها وتغتني بتقدم البحث فيها, إن هذا بالضبط هو سر بقاء الفلسفة حية على الدوام، متجددة باستمرار”[9].

يترجم هذا الاهتمام الخاص بأهمية الاستيعاب الفلسفي للعلوم عن المكانة التي خصصها الجابري في جزء كبير من كتابه لنصوص روبير بلانشي حول “المنهج التجريبي” فضلا عن الإبستمولوجية التكوينية لجان بياجي، وفلسفة النفي عند باشلار …الخ. فالفلسفة، حسب الجابري، كانت تستند دوما إلى علوم عصرها لتستوحي منها قضاياها ومبادئها. وقد عبر في موضع آخر عن الإكراهات التي يطرحها تخلف الدراسات في الوطن العربي عن ركب مثيلاتها في الغرب في الوقت الذي نحن أحوج ما نكون فيه إلى “تحديث العقل العربي” و”تجديد الذهنية العربية”. وقد أكد بذلك أن هناك: “رؤية موجهة، سواء في العرض أو التحليل أو في النقد وإبداء الرأي، رؤية تستمد مقوماتها ومؤشراتها من الفكر التقدمي المعاصر، الفكر الذي يكرس العلم والمعرفة العلمية لخدمة الإنسان، لتطوير وعيه، وتصحيح رؤاه”[10].

هذا وقد اعتبر الأستاذ سالم يفوت أن حضور هذه الرؤية الموجهة هو ما يؤسس التعامل الوظيفي والوسيلي والغرضي مع الإبستمولوجية لدى الجابري. وقد تجلى ذلك في الكيفية التي جمع بها بين اهتمامه الأصلي بالفلسفة الإسلامية وانشغاله بفلسفة العلوم. وهي كيفية تقوم، أساسا، على اعتبار أن هذه تمدنا بمفاهيم وأدوات إجرائية تساعد على قراءة التراث قراءة معاصرة واستثمار عناصره الإيجابية في تطلعاتنا الراهنة[11]؛ وإذا ما نحن حققنا هذا الأمر ألفينا أن اهتمامات الجابري الإبستمولوجية تأتي كمقدمة لإبراز الملامح التوسيلية لاختياره الفكري، فإن هذا الأمر يبدو جليا في تعامله مع جملة من المفاهيم الكاشفة لطبيعة المشروع الذي انتدب نفسه للدفاع عنه. وهو المشروع الذي يروم، في جملته، الدفاع عن الحداثة كأفق في النظر والعمل المفتوح على مكاسب التاريخ المعاصر، وذلك انطلاقا من مدخل نقد التراث ونقد آليات الفكر السائدة في الثقافة العربية[12]. ولعل مقدمة مؤلف “نحن والتراث” تبرز المقاربة المنهجية للتراث كما يقترحها المؤلف حيث يستثمر مجموعة من المفاهيم الإبستمولوجية شأن مفهوم “القطيعة” (التخلي عن الفهم التراثي للتراث) وإحداث قطيعة مع بنية العقل العربي في “عصر الانحطاط”. والمفهوم نفسه نجده في الدراسة التي ساهم بها في ندوة “ابن رشد ومدرسته في الغرب الإسلامي” حيث أعلن عن وجود قطيعة إبستومولوجيا بين مدرستين فلسفيتين، إحداهما مغربية ويتزعمها ابن رشد، والثانية مشرقية ويتزعمها ابن سينا. إضافة إلى اقتراحه قراءة موضوعية للتراث تتوسل بفصل الموضوع عن الذات باعتبارها عملية ضرورية تتمكن الذات بواسطتها من استرجاع فاعليتها الحرة لتشرع في بناء الموضوع بناء مستأنَفا وفي أفق جديد[13].

إن اختلاف المنطلق الإيديولوجي للقراءات التي مورست على نصوص التراث لا يمنع، مع ذلك، من وجود وحدة بينهما من حيث الفعل العقلي المنتج لها جميعا حيث نقرأ في نحن والتراث: “ما يهمنا من عرض القراءات السائدة للتراث، في الفكر العربي المعاصر، ليست الأطروحات التي تقررها أو تتبناها أو تكتشفها هذه القراءة أو تلك، وإنما يهمنا فيها جميعا طريقة التفكير التي تنتجها، أي الفعل العقلي فهو وحده الذي يمكن أن يكتسي الصبغة العلمية ويمهد الطريق، بالتالي لقيام قراءة علمية واعية”[14]. يبرز الجابري، إذن، أن النقد الذي يبدو ضروريا هو نقد معرفي وليس نقدا إيديولوجيا، فإذا كان هناك عائق إبستمولوجي يتمثل في الرجوع إلى سلف ما، رغم اختلافه، فهذا العائق لا يمكن الوقوف على حقيقته إلا بنقد معرفي. هناك فعلان عقليان تتحدد من خلالهما علاقة المعرفة بالإيديولوجية: الفعل العقلي الأول هو ما ينبغي لنا من أجل فهم علمي للتراث أن نقطع مع منهجه، هو الفعل الصادر عن العقل العربي في واقعه الراهن، وهو ما يصفه الجابري إذ يتحدث عن: “بنية ساهمت في تشكيلها عناصر متعددة على رأسها أسلوب الممارسة النظرية النحوية والفقهية والكلامية التي سادت في عصر الانحطاط، الأسلوب الذي قوامه القياس منهجا علميا”[15]. أما الفعل العقلي الجديد الذي يجعل الذات هي التي تحتوي التراث وليس العكس، فهو يصدر عن منهج جديد يعتمد على نزعة نقدية كما كشف عنها من خلال مشاريع كل من ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون، وذلك: “لأنهم جميعا ينطلقون، كل في ميدانه وحسب نوع اهتمامه، من نقد أيبستمولوجي لطريقة التفكير السائدة ومبادئها المؤسسة (…) ومن نزعة عقلانية، لأن البديل الذي طرحوه كان بديلا عقلانيا… مفاهيم علمية تحرر العقل من سلطة اللفظ وسلطة الأصل، مفاهيم الإستقراء والإستنتاج والكليات والمقاصد وهي مفاهيم تشكل مع مبدأ السببية بنية عقلية أخرى هي ذات البينية التي قام عليها الفكر الحديث في أوربا ولا زالت تؤسس التفكـــــير العلمي إلى اليوم”[16].

واضحة هي إذن منهجية الجابري في قراءة التراث. انطلقت دراسته الإبستمولوجية للتراث العربي من إدراكه لمشكل رئيس في الفكر العربي الإسلامي، وهو مشكل القياس: قياس الغائب على الشاهد (…) هذا العنصر الإبستمولوجي في بنية الفكر العربي هو الذي يفسر في رأيه خلل هذا الفكر وتخلفه، بغض النظر عن الأساس العلمي الذي ينبني عليه مبدأ القياس (…) ويتضح ذلك جليا في طرحه لمقاربة منهجية في مقدمة كتابه “نحن والتراث”، وأيضا في بعض صفحات “التراث والحداثة” وعلى فقرات من مقدمات أجزاء “نقد العقل العربي” يتطرق فيها باختصار إلى بعض المفاهيم المعرفية مثل “البنية” و”الإبيستيميي” و”القطيعة” و”الذات” و”الموضوع” إلخ. كما يمكن الوقوف على بعض التفصيل فيما قاله عن مقاربته المنهجية المؤلفة من ثلاث مقاربات: بنيوية وتاريخية وإيديولوجية.

والحال أنه يتبين منذ الوهلة الأولى أنه لا يمكن أن نشكل مادة متكاملة عن التصور الإبستمولوجي النظري، بل يمكن ملامسة عُدة نظرية تأتي كمقدمة لإبراز الملامح الوسيلية أو الأداتية لاختياره الفكري. ويبدو هذا الأمر جليا في تعامله مع جملة من المفاهيم الإبستمولوجية الكاشفة لطبيعة المشروع الذي انتدب نفسه للدفاع عنه، هذا المشروع الذي رام، في جملته وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، الدفاع عن الحداثة كأفق في النظر والعمل المفتوح على مكاسب التاريخ المعاصر، وذلك انطلاقا من مدخل نقد التراث ونقد آليات الفكر السائدة في الثقافة العربية. هكذا رسم الرجل مسارا تحديثيا للبحث العلمي في ميدان التراث وإعاد تأسيسه على قواعد ومناهج جديدة. ومن ثمة رام الربط بين هموم الإبستمولوجيا وهموم التراث.

على أن هنا يطرح إشكال كبير: وهو أنه عندما نحاول أن نكوّن صورة واضحة متماسكة عن تصوره الإبستيمولوجي فإن الأمر يصعب ولا يهون. ذلك أن مقاربته المنهجية هذه والمفاهيم والطرق التي عالج بها التراث الفكري العربي تبين –في رأيي– أن حضور الإبستيمولوجيا في فكره كان بالأولى حضورا ذرائعيا (بالمعنى العادي للكلمة) انتقائيا لم يصدر عن نظرية معرفية له متماسكة. بل أكاد أقول: إن قراءته للتراث تنبني على حسّه السياسي (الخارق) أكثر مما تنبني على نظرية معرفية ما. إنه في قراءته، ليس للفكر السياسي فحسب بل وحتى الفكر الفلسفي والفقهي والأخلاقي (…) وحتى الفكر الطبي إلخ، لا ينطلق عادة من البحث عن بنية معرفية ما، بل إنه يستحضر في ذهنه أولا الصراعات المصلحية والسياسية (القوة والحكم) والمذهبية إلخ. وهكذا بعد إدراكه لهذه الشبكة من الإشكالات السياسية والإيديولوجية يسير إلى البحث عن تصميم (شكل) إبستيمولوجي ليضع فيه هذه الإشكالات كما تصورها حتى يحقق لخطابه نوعا من المصداقية العلمية. هو ذا ما يشي بأولوية السياسي على المعرفي في كتابات الأستاذ. على أن هذه الملاحظة لا تسعى إلى الإنتقاص من عمل هذا المفكر المغربي القدير، بل هي وصف له، وهذا الوصف ينطبق على عمل الكثير من المفكرين وخاصة المصلحين الفكريين ذوي الحدوس القوية، والجابري قوي الحدس.

وعلى العموم لم يكتب الجابري أبدا نظيمة نظرية خالصة يناقش فيها، بوصفه فيلسوفا، المفاهيم الإبستيمولوجية الرئيسة مثل مفهوم “الذات” و”العقل” و”المقولات” و”المعرفة” و”الشعور” و”البنية” و”التاريخ” ـ وهل رغب يوما من الأيام في ذلك؟ إنما اعتبر الرجل نفسه دوما (في تواضع جم) بأنه كان في الإبستمولوجيا مُصَنِّفا وليس مؤلفا ـ كل ما هناك هو أنه مارس الإبستمولوجيا – بشكل من الأشكال– في نصوصه وقراءته للفكر والمجتمع العربيين. فهل لنا أن نستخلص نظريته الإبستيمولوجية من هذه النصوص؟ لكن هنا يطرح مشكل آخر. وهو أنه عندما نقف على المفاهيم الإبستيمولوجية التي وظفها في كتبه، مثل مفهوم “البنية” أو “الإبيستميي” و”القطيعة” و”اللاشعور” و”الفعل العقلي” و”الذات” و”الموضوع” إلخ.، عندما نتتبعها بدقة في جميع نصوصه نجد أنه يوظفها كما قلنا توظيفا براغماتيا سياقيا، إذ يطبق نفس المفهوم على حالات ولا يطبقه على أخرى، ويرفضه في جانب ويقبله في جانب آخر، ويخفف منه تارة ويقويه تارة أخرى. وبالتالي نجد في نصوصه إحالات صامتة على فوكو وضده في الوقت ذاته، وعلى ألتوسير وضده، وعلى بياجي وضده (…) فلا نكاد نقف على نظرية إبستيمولوجية نسقية وراء النص.

على أن ما شدني إلى نص الجابري هو هذا التوظيف الصامت لمفاهيم كبار المفكرين الإبستمولوجيين الفرنسيين في أعماله. وبعد؛ هل بقي لي مكان ههنا أن أذكر بالأطروفة التي تحكى عن ميشيل فوكو لما سئل: لماذا لا تذكر إسم “ماركس” في كتبك؟ فكان أن أجاب: إن المفكرين الذين شغفت بهم أوظفهم حتى من غير ما حاجة إلى أن أذكرهم أسماءهم. هذه أحجية من فوكو إلى الجابري، التقطها أستاذنا جيدا وفك طلاسمها، وأحسن توظيفها! فلتطب نفسه بهذا، كما طابت أنفسنا بمفكر من حجمه؟!

ثانيا: الحداثة، المعرفة، والإيديولوجيا

يمكن وصف العمل الفكري الذي بسطه محمد عابد الجابري في كتاب “نحن والتراث”، والذي ينجز فيه قراءة للفكر الفلسفي العربي، بأنه يتأطر بثلاثة تصورات مركزية: تصور “الفلسفة”. وتصور “المشروع”. وتصور “القراءة”.

1- تصور الفلسفة: حين يتحدث الأستاذ محمد عابد الجابري عن “الفلسفة”، فإنه يقول عنها أمرين اثنين:

  • أولا؛ الفلسفة، عنده، أمران: “مادة معرفية” و”مضمون أيديولوجي”.
  • وثانيا؛ مهما كانت الفلسفة وعيا مجردا يحاول إخفاء مضمونه الأيديولوجي، فإنها تبقى، في نهاية المطاف، أيديولوجيا.

يعتبر الجابري أن: “الفلسفة شكل من أشكال الوعي، ما في ذلك شك. وهي، كجميع أشكال الوعي الاجتماعي، تعكس العلاقات السائدة في المجتمع وتعبر بطريقة أو بأخرى عن مطامح اجتماعية معينة”[17]. ويقر بأن المضمون الإيديولوجي لا يُقَدَّم تقديما “فجا” و”مباشرا”، اللهم إلا في ما ندر: “المضمون الإيديولوجي للفلسفات لا يقدم نفسه بصفة “المباشر” إلا في حالات نادرة جدا، وهي الحالات التي تعي فيها الفلسفة نفسها أنها أيديولوجيا، أي في حالة الوعي الصحيح من طرف الفيلسوف بأنواع التمويه والقلب الأيديولوجيين. أما في الحالات المقابلة، وهي الغالبة حتى في عصرنا الحاضر، عصر النقد الإيديولوجي، فإن الفلسفات تحاول إخفاء مضمونها الإيديولوجي عبر سلسلة عمليات التجريد والتمويه. وبقدر ما تنجح في هذه العملية بقدر ما تحقق في ذاتها “الشروط” التي تجعل منها في نظر نفسها، “فلسفات” وليس “أيديولوجيات”[18]؛ ولذلك يصرح محمد عابد الجابري بالأمر التالي: “إن الفيلسوف الذي لا ينتج الأيديولوجيا، هو أخطر فيلسوف”[19]. ويستدعي هذا التعريف إبداء الملاحظات التالية:

أ ـ يوجد في هذا التعريف ما يسميه المناطقة تعريف الشيء بمكوناته.

ب ـ من لازم هذا التعريف أن قراءة أية فلسفة من شأنها أن تكون “قراءة مزدوجة”: شق منها ينصب على المادة المعرفية؛ وتلك هي “القراءة الإبستمولوجية”. وشق يعنى بالمضمون الأيديولوجي؛ وتلك هي “القراءة الأيديولوجية”. ويبدو أن الجابري يهتم بالأولى بالقراءة الأيديولوجية اهتماما بالغا؛ إذ كيف لا يكون الأمر كذلك وهو يحكم على قراءته لفلسفة الفارابي السياسية والدينية بأنها “قراءة أيديولوجية ولا شك”[20]؟ أم كيف لا يكون كذلك وهو يتساءل سؤال الإنكاري التالي: “لكن، هل توجد قراءة بريئة حقا؟” ويجيب: “إنه لأفضل ألف مرة أن نحاول قراءة تراثنا قراءة أيديولوجية تريد أن تكون واعية، من أن نستمر في قراءته قراءة أيديولوجية غير واعية، قراءة مزيفة مقلوبة”[21].

ج ـ هذا مع تقدم العلم أن محمد عابد الجابري لا يورد ـ في كتاب “نحن والتراث” (1980) الذي نركز عليه ههنا ـ تعريفا مباشرا لا لمفهوم “الإبستمولوجيا” ـ اللهم إلا حديثه عن الإبستمولوجيا الحديث الكانطي عن أنها تهتم بأمر “طريقة التفكير” وليس بثمرة التفكير[22] ـ ولا لمفهوم “الإيديولوجيا”، وإنما التعاريف هنا تستنتج على نحو غير مباشر. ومن الملاحظ أن محمد عابد الجابري ما يفتأ يقرن دوما بين “المعرفة” و”الإبستمولوجيا”، وذلك بالقدر نفسه الذي يقرن فيه بين “الإيديولوجيا” و”المستقبل”. يقول الجابري محدّدا “الإيديولوجيا” على نحو غير مباشر: “الإشكالية الإيديولوجية لكل فكر نظري، اجتماعي تاريخي، هي الهروب من الحاضر، المعقد دوما، للبحث عن “مستقبل” أكثر بساطة وأكثر معقولية”[23]. فإذن، ما من فيلسوف عربي إلا وكان هو عند محمد عابد الجابري هاربا من الحاضر غير الملائم ساعيا نحو مستقبل مأمول. ولذلك أنت تلفيه يقول في مدخل كتابه هذا الذي نحن بصدد تحليله ـ نحن والتراث ـ: “الأيديولوجيا زمانها “مستقبل” فهي تعيش مستقبلها في حاضرها ولكن في صورة حلم”[24].

د- هذا التعريف بالمكونات تعريف عام، وهو ينطبق، بالتبع، على الفلسفة الإسلامية؛ إذ لا خصوصية لها على هذا الصعيد. وإن كان لنا أن نبحث لها عن “خصوصية” تنفرد بها، فإنما ينبغي أن يتم ذلك لى مستوى آخر هو مستوى يتمثل في ما يلي:

إذا ما نحن رُمنا تعيين خصوصية الفلسفة الإسلامية، فإن ذلك سوف يتم عن طريق منهج المقارنة؛ أي عن طريق استخراج هذه الخصيصة بالمقارنة مع الفلسفة الغربية قديما وحديثا. وإذا ما نحن فعلنا ذلك، أدركنا ما يلي: “الفلسفة الإسلامية، في نظرنا، لم تكن قراءة متواصلة ومتجددة باستمرار لتاريخها الخاص، كما هو الشأن بالنسبة إلى الفلسفة اليونانية والفلسفة الأوربية الحديثة، بل كانت قراءة مستقلة لفلسفة أخرى هي الفلسفة اليونانية”[25]. وليس يعني هذا سقوط محمد عابد الجابري في نظرة القراءة الاستشراقية للفلسفة الإسلامية التي “تُرجع” كل فكرة فلسفية عربية إلى “أصلها” اليوناني المفترض، وهي القراءة التي يسميها الجابري “القراءة اليونانية الإرجاعية” والتي كل همها ـ كما يقول ـ هو تفكيك الفكر العربي إلى أجزاء، ورد هذه الأجزاء إلى “أصلها” اليوناني؛ مما من شأنه أن يفقد الفكر العربي وحدته وأصالته، وأن يعزله، بالتالي، عن الواقع العربي الإسلامي بكل أبعاده التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية[26].

تستدعي هذه الفكرة إبداء الملاحظات التالية:

أ ـ ملاحظة ما تسكت عنه: يسكت محمد عابد الجابري هنا عن “الفلسفة اليهودية” و”الفلسفة المسيحية” في العصر الوسيط، فلا يذكر مقامهما سواء أكانتا أيضا، شأن الفلسفة الإسلامية، قراءة لفلسفة أخرى لا لذاتيهما، أم كانتا قراءة لذاتيهما (…) وذلك حتى تصير المقارنة أكمل وأوفى.

ب ـ ملاحظة ما تذكره: يحدد محمد عابد الجابري “الفلسفة الإسلامية” على جهة السلب وليس على جهة الإيجاب؛ أما من جهة السلب فالفلسفة الإسلامية لم تكن قراءة موصولة ومتجدّدة لتاريخها الخاص؛ مما يعني أن لها تاريخا ـ هذا إن كان لها حقا تاريخ ـ وهو تاريخ من “الانفصالات” لا من “الاتصالات”. ومن ثمة، يجوز عند محمد عابد الجابري الحديث عن “قطيعة إبستمولوجية” داخل الفلسفة الإسلامية، ولا يجوز الحديث، عنده، عن “قطيعة إبستمولوجية” داخل تاريخ الفلسفة بعامة[27]. إذ كان من شأن كل فيلسوف مسلم أن يقرأ الفلسفة اليونانية، لا سيما الفلسفة الأرسطية، القراءة أوفاها. ولكن، هل يقرأ الفيلسوف الفلسفة الإسلامية السابقة عليه؟ هذا ما يشكل إشكالا عند محمد عابد الجابري. فالرجل يقر بأن كل فيلسوف مسلم قد قرأ سابقه، لا شك في هذا، على أنه سرعان ما يضيف: “لكن القارئ من هؤلاء لم يكن يقرأ موضوعه لذاته، بل كان يقرأ من خلاله الفكر اليوناني”[28]. أما من جهة الإيجاب فإن الفلسفة الإسلامية هي “قراءات مستقلة لفلسفة أخرى هي الفلسفة اليونانية”.

وإذن، لا خصوصية للفلسفة الإسلامية في ما يتعلق بالنقطة الأولى ـ القائلة بأن ما من فلسفة إلا وهي تتكون من “مادة معرفية” ومن “مضمون أيديولوجي” ـ وبالتالي؛ فإن الفلسفة الإسلامية تتكون بدورها من “مادة معرفية” ومن “مضمون أيديولوجي”. أكثر من هذا، يقول محمد عابد الجابري: “إن الفلسفة في المجتمع الإسلامي لم تكن مجرد متعة فكرية ـ ومتى كانت كذلك؟ ـ بل كانت، وبشكل مكشوف، مظهرا من مظاهر الصراع الأيديولوجي، المظهر الأقوى الذي كان يعكس بشكل يكاد يكون مباشرا الصراعات السياسية والاجتماعية و”العرقية” داخل هذا المجتمع”[29] .

على أنه قد تعامل الفلاسفة المسلمون مع الفلسفة اليونانية، حسب ما يذهب إليه محمد عابد الجابري، بوصفها “مادة معرفية”، ووظفوها لأغراض أيديولوجية[30].

يبدو أن في هذه “المقدمة” التي ينطلق منها الجابري في قراءته للتراث الفلسفي العربي أيضا ما صرح به، وما سكت عنه:

وما سكت عن الجابري هو أنه ما دام أن كل فلسفة عبارة عن “مادة معرفية” وعن “مضمون أيديولوجي” ـ حسب المقدمة الأولى ـ وما دام هذا التعريف بالمكونات تعريفا عاما، فإن الأمر أحرى أن ينطبق على الفلسفة اليونانية. إذ ما كانت هذه الفلسفة بدعا من الفلسفات. والسؤال، بالتبع، هو: أين الجانب الإيديولوجي من الفلسفة اليونانية؟ وهل قرأه فلاسفة الإسلام؟

أما ما صرح به الجابري فهو أن الفلسفة الإسلامية قراءةٌ للمادة المعرفية للفلسفة اليونانية ـ هل كانت يا ترى قراءة إبستمولوجية؟ ـ وذلك فضلا عن أنها أيضا توظيف أيديولوجي لهذه المادة المعرفية.

والحق أن هذا الأمر يفترض ما يستنتجه محمد عابد الجابري بالذات. وهو أن “المادة المعرفية”، في الفلسفة اليونانية، ظلت داخل الفلسفة الإسلامية “هي هي” لم تتعرض لأي “تغيير جذري” ـ لا في موضوعاتها ولا في مفاهيمها. وإنما التغيير يجب أن يُلتمس البحث عنه في المضمون الأيديولوجي الذي وظفت فيه[31]. ومن ثمة، يستنتج محمد عابد الجابري أن: “الجديد في الفلسفة الإسلامية يجب البحث عنه لا في جملة المعارف التي استثمرتها وروجتها بل في الوظيفة الأيديولوجية التي أعطاها كل فيلسوف لهذه المعارف”[32].

حسنا، ما الذي يقصده محمد عابد الجابري بالأهداف الأيديولوجية؟ الذي عندي أنه يقصد ما يلي: “إن إشكاليتها [=الفلسفة الإسلامية] الرئيسية إشكالية إيديولوجية بالأساس [هي] إشكالية التوفيق بين النقل والعقل، بين الدين والفلسفة، بين ما لله وما لقيصر (…) بين الشاهد (الدنيا) والغائب (الآخرة)”[33].

وسؤالي هنا الذي أوجهه إلى هذه القراءة هو:

  • أولا، هل هذا ـ الإشكال الأيديولوجي بتعبير الجابري [إشكال العلاقة بين العقل والنقل] ـ هو كل ما تناولته الفلسفة الإسلامية من إشكالات؟
  • وثانيا؛ هل حقا حافظت الفلسفة الإسلامية على المادة المعرفية اليونانية كما هي ولم تطورها أو تغيرها أو تعدلها؟

هذا أمر يحتاج إلى وقفة طويلة، ليست هذه مناسبتها، لكن لا بد من الإلماع إليها ببعض الإشارات:

في ما يخص السؤال الأول، الحق أن مواضيع الفلسفة الإسلامية لا تكاد تنحصر بحصر. فقد تجاوزت مجرد النظر في العقل والنقل إلى النظر في أمور أخرى أغنى وأكثر. في ما يتعلق بأمر “موضوعات” هذه الفلسفة و”مفاهيمها” ومسألة التجديد أو الجمود الذي طالها، أظن أن الأمر يقتضي منا عدم حصر هذه الموضوعات. وهو ما دأبت كتب التأريخ للفلسفة الإسلامية على مخالفته مجترة اجترارا ـ أكاد أقطع في هذا ولا أستثني ـ موضوعات بعينها باحثة فيها حد أنها قتلتها قتلا ذريعا، وذلك بعد أن حصرت هذه الموضوعات في موضوعات مخصوصة وفي أسماء بعينها؛ هذا بينما موضوعاتها لا تكاد تنضبط بضابط: الذات والغير والعالم والوجود واللذة والسعادة، فضلا عن مواضيع شأن “الانتحار” مثلا، أو “الحزن”، أو “العشق” (…) وموضعات أخرى لا تكاد تجول في خاطر حتى من شاخوا في اجترار موضوع العقل والنقل. وهنا من حق المرء أن يتساءل: أي توظيف إيديولوجي لهذه الموضوعات؟ بل حتى كيف يمكن توظيفها توظيفا أيديولوجيا؟

وفي ما يخص السؤال الثاني: ثمة التقاليد العلمية والفلسفية العربية التي شاغبت على التقليد العلمي والفلسفي الإغريقي. فلم تقبله كما هو، ولم تبجّل المادة المعرفية في هذه الفلسفة ولم تقدسها، وإنما عمدت  إلى نقدها نقدا مهما تأثرت بها غاية التأثر. وأنا ذاكر منها ههنا نموذجا: وهو تقليد كتب الشكوك: الشكوك على جالينوس للرازي، والشكوك على بطليموس لابن الهيثم.

يكتب أبو بكر الرازي في مقدمة كتاب “الشكوك على جالينوس” ما يلي: “إني لأعلم كثيرا من الناس يستجهلونني في تأليف هذا الكتاب، وكثيرا منهم يلومونني ويعنفونني (…) على مناقضة رجل مثل جالينوس في جلالته ومعرفته وتقدمه في جميع أجزاء الفلسفة ومكانه منها. وأجد لذلك ـ يعلم الله ـ مضضا في نفسي؛ إذ كنت قد بليت بمقابلة من هو أعظم الخلق عليَّ منة، وأكثرهم لي منفعة، وبه اهتديت وأثرَه اقتفيت ومن بحره استقيت، بما لا ينبغي أن يقابل العبد سيده والتلميذ أستاذه والمنعَم عليه ولي نعمته.

وبودي ـ يشهد الله ـ أن هذه الشكوك التي ذكرتها في هذا الكتاب لم تكن في كتب هذا الرجل الحبر الفاضل العظيم قدره (…) لكن صناعة الطب والفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساء والقبول منهم ولا مساهلتهم وترك الاستقصاء عليهم، ولا الفيلسوف يحب ذلك من تلاميذه والمتعلمين منه (…) وكان أكثر ما جرأني وسهل عليَّ أن هذا الرجل لو كان حيا حاضرا لم يلمني على تأليف هذا الكتاب، ولم يُثقل ذلك عليه (…)

وأما من لامني وجهَّلني في استخراج هذه الشكوك والكلام فيها، فإني لا أرتفع به ولا أعده فيلسوفا؛ إذ كان قد نبذ سنة الفلاسفة وراء ظهره وتمسك بسنة الرعاع من تقليد الرؤساء وترك الاعتراض عليهم؛ فإنه لم تزل سنة المتفلسفين جارية بإعلاء الرؤساء والتشدد في شدة المطالبة وترك المساهلة (…)”[34].

ويقول أبو علي الحسن بن الهيثم في مدخل كتابه “الشكوك على بطليموس”:

“والواجب على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل من نفسه خصما لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتّهم أيضا نفسه عند خصامه، فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه (…)

ولما نظرنا في كتب الرجل المشهور بالفضيلة، المتفنن في المعاني الرياضية، المشار إليه في العلوم الحقيقية؛ أعني بطليموس القلوذي، وجدنا فيها علوما كثيرة (…) ولما خصمناها وميزناها، وتحرينا إنصافه وإنصاف الحق منه، وجدنا فيها مواضع مشبهة، وألفاظا بشعة، ومعاني متناقضة، إلا أنها يسيرة في جنب ما أصاب فيه من المعاني الصحيحة. فرأينا أن الإمساك عنها هضما للحق، وتعديا عليه، وظلما لمن ينظر بعدنا في كتبه في سترنا لذلك عنه. ووجدنا أولى الأمور ذكر هذه المواضع، وإظهارها لمن يجتهد من بعد ذلك في سد خللها، وتصحيح معانيها، بكل وجه يمكن أن يؤدي إلى حقائقها”[35].

وفي هذين النموذجين من نقد العلم الإغريقي ما يُغنى عن ذكر باقي النماذج، وما أكثرها !

2- تصور المشروع

يُعمل محمد عابد الجابري كثيرا مفهوم “المشروع”. وهو يوظفه بدلالتين اثنتين: المشروع بمعنى “المشروع الإيديولوجي”، والمشروع بمعنى “المشروع المعرفي القرائي”.

أولا؛ بالنظر، يفترض محمد عابد الجابري أن لكل فيلسوف مشروعا.

ثانيا؛ يفترض محمد عابد الجابري أن وراء كل مشروع فلسفي ثمة مشروع آخر سياسي ـ مشروع المشروع. وهكذا، فإنه ما من مشروع للفيلسوف، عنده، إلا ووراءه مشروع الرجل السياسي، سواء وعى صاحب المشروع الفلسفي بذلك أم لم يع به.

وبالتطبيق، يفترض محمد عابد الجابري أن مشروع القراءة هو المشروع الذي يعي مشروع الدولة الذي وجه مشروع الفيلسوف. وهكذا، لدينا هنا مشروع مشروع المشروع.

ومن ثمة، نجد أنفسنا مع هذه المشاريع ـ بلغة ابن سينا ـ من الوضع الأول ومن الوضع الثاني بل حتى من الوضع الثالث، وكأننا أمام لعبة الدمى الروسية: فكما أنه في الدمى الروسية داخل كل دمية تجد دمية أخرى، فكذلك في كل مشروع يدخل ضمن مشروع آخر: مشروع من الدرجة الأولى، ومن الدرجة الثانية، ومن الدرجة الثالثة، ولربما الرابعة:

ثمة، أولا، مشروع الفيلسوف، مثل مشروع الفارابي أو مشروع ابن سينا أو مشروع ابن باجه أو مشروع ابن رشد (…) وثمة، ثانيا، مشروع الدولة الذي وجّه الفيلسوف من حيث يعي أو لا يعي/ وهما المشروع المعي والمشروع الضدي. وثمة، ثالثا، مشروع قراءة مشروع الفيلسوف على ضوء مشروع الدولة، وهو مشروع محمد عابد الجابري نفسه. وهكذا، مثلا، يثبت محمد عابد الجابري أن وراء مشروعي ابن طفيل وابن باجه مشروع سياسي ـ هو مشروع الدولة الموحدية. ومشروع الدولة الموحدية مشروع (المشروع المعي) إنما قام بدوره ضد منافسه الذي هو مشروع الدولة الفاطمية الباطنية (المشروع الضدي)، وهي الدولة التي كانت هي “الخصم العنيد والمنافس الخطير للسلطة القائمة في الأندلس منذ الأمويين حتى الموحدين”؛ وذلك على أساس أن لكل مشروع مشروع مضاد. يتساءل محمد عابد الجابري، مثلا، عن سر سكوت ابن طفيل عن التيار الباطني الإشراقي وهو يؤرخ للفلسفة في المغرب والأندلس، ويجيب: “إنه العامل السياسي، إذن، هو الذي أسكت ابن طفيل، ومن دون شك سيكون العامل السياسي هو الذي أنطقه هو وسلفه ابن باجه”. ويجد محمد عابد الجابري أن هذا المشروع السياسي قد تمثل في: “الدولة الموحدية التي أرادت أن تتجاوز بأيديولوجيتها الجديدة الصراع بين الشيعة والسنة بدعوتها إلى الرجوع إلى “الأصول” ضدا على المرابطين “السنيين المتزمتين” من جهة، وبتوظيفها لمقولة “المهدي” وتفتحها على الفكر العقلاني ضدا على العقيدة الإسماعيلية وفلسفتها الباطنية من جهة أخرى”[36]. بل يذهب محمد عابد الجابري إلى حد الحديث عن “ثورة ثقافية” أحدثها ابن تومرت[37]، بل إن الحديث عن ابن تومرت يصير ممكنا من حيث إنه: “عمل على نشر أيديولوجيا ليبرالية نسبيا، أيديولوجيا عقلانية الطابع”[38].

وبالجملة، الذي عند محمد عابد الجابري أن لا فلسفة إلا ووراءها مشروع، ولا مشروع إلا وهو مشروع سياسي بالأولى والأجدر والأحق، وأن لا مشروع سياسي إلا وهو يقوم بالضرورة ضد مشروع آخر، وأن لا مشروع سياسي قام ضد مشروع آخر إلا وكان المشروع الثاني مثله بالضرورة مشروعا سياسيا.

والحال أنني لست أجدني أنكر، بأي وجه من الوجوه، صلة الفلسفة بالسياسة ـ وهل يمكن للمرء أن ينكر ذلك؟ ـ ولكن أجدني أرى في ما يذهب إليه محمد عابد الجابري ضربا من التسييس الفائق للفلسفة العربية الإسلاميةUne surpolitisation ليست تحتمله الفلسفة. أن تكون الفلسفة ذات بعد سياسي، فهذا مما يُعتبَر، لكن أن تكون كل فلسفة فلسفة سياسية بالمعنى الأيديولوجي المباشر الفج، فذاك أمر فيه نظر.

3- تصور “القراءة”

يميز محمد عابد الجابري بين “البحث الوثائقي” و”الدراسة التحليلية” و”الأعمال التجميعية” للفلسفة الإسلامية وبين ما يسميه ـ تأسيا بمفهوم ساد في عصره. وقد كان المفكر الماركسي الفرنسي لوي ألتوسير أحد أهم مروجيه [في قراءته لرأسمال ماركس] ـ “القراءة”. وذلك من حيث إن “القراءة”، عند محمد عابد الجابري، هي أساسا “تأويل”. وبالتطبيق، القراءة عنده وقراءته هو بالذات: “تأويل مقترح لتراثنا الفلسفي”[39]. والتأويل لديه هو إعطاء معنى للفلسفة الإسلامية. وهو معنى مزدوج: معنى بالنسبة إلى المحيط الفكري والاجتماعي والسياسي لهذه الفلسفة، ومعنى بالنسبة إلينا نحن القراء.

وإذا ما نحن رمنا حصر سمات القراءة، ألفيناها على النحو المقتضب التالي:

هي قراءة معاصرة: أي أنها قراءة تعمل على جعل المقروء معاصرا لزمنه (الفصل)، من جهة، وعلى جعله معاصرا لزمننا نحن (الوصل)، من جهة أخرى.

تأسيسا عليه، يهاجم محمد عابد الجابري ضربين ـ أو ثلاثة ـ من القراءة للتراث الفلسفي:

أ ـ القراءة السلفية التي تعتمد على آلية الإسقاط[40]، على اعتبار أنها “قراءة أيديولوجية سافرة” قائمة على إسقاط صورة المستقبل المنشود على الماضي. وهي عنده قراءة غير تاريخية. وهي فهم تراثي للتراث.

ب ـ القراءة الليبرالية الاستشراقية التي تدعي أن ما يهمها هو فقط الفهم والمعرفة وليست لها دوافع أو أهداف أيديولوجية[41]. ومحمد عابد الجابري يعتبر هذه القراءة قراءة استلابية. هذا فضلا عن القراءة الماركسية التي هي بدورها قراءة سلفية. وبهذا تكاد كل القراءات للتراث العربي، في رأي الجابري، قراءات سلفية.

يميز الجابري قراءته عن القراءتين أعلاه بكونها قراءة تتخذ منحيين -على نحو ما أوضحناه سابقا فلا فائدة في تكراره: قراءة إبستولوجية /قراءة إيديولوجية. إنها قراءة تطمح إلى أن تتجاوز “الجزئية” إلى “الكلية”، وتروم أن تتخطى “الخصوصية” ساعية إلى “العمومية”. وهكذا، فأنت واجد محمد عابد الجابري يتحدث عن “الصورة العامة التي يطمح هذا الكتاب إلى رسمها عن وضعية الفلسفة الإسلامية وتاريخها”[42]. لكن، ما هي ملامح هذه الصورة؟ إنها أقرب إلى توظيف آلية Parchwork وWork in progress؛ أي أنها بمثابة “ورشة” مفتوحة لا زال الجابري يحول أن ينشئ فيها كل مرة إنشاءً. ويسمي محمد عابد الجابري قراءته للتراث ـ بصيغة الجمع ـ “قراءات معاصرة”[43]. وهي قراءات أنجزت بمعزل عن بعضها البعض، دونما مخطط مسبق. لكن مع ذلك تصدر عن منهج واحد وعن رؤية واحدة. ثم، أخيرا، هي قراءات غير نهائية[44].

خلاصات

إذا ما صح قول كانط في كتاب نقد العقل الخالص: “نحن لا نعرف قبليا من الأشياء إلا ما نضعه فيها”، فإنه يحق القول عن مشروع محمد عابد الجابري لقراءة الفلسفة الإسلامية أنه لم يجد فيها إلا ما وضعه فيها مسبقا؛ أعني الأيديولوجيا. لست ترانا ننكر الإيديولوجيا ـ وهل لنا من سبيل إلى ذلك بأي حيلة؟ ـ فلا مندوحة عن الإيديولوجيا، ولكننا ننكر ما نسميه “الأدلجة الفائقة”.

وبعد، قلما تُنُبِّهَ إلى أن الجابري، في فقرة معينة من مدخل كتابه “نحن والتراث”، كان قد ألمح إلى “الحدس” ـ الحدس الذي وجه قراءته للفلسفة الإسلامية ـ وكان أن حدد هذا الحدس على أنه “رؤية مباشرة ريادية استكشافية”[45] . ولست ترانا نجد هذا الحدس إلا أيديولوجيا. لقد انتهيى مشروع الجابري إلى:

  • أدلجة الفلسفة الإسلامية، بل الأدلجة الفائقة sur-idéologisation للفلسفة الإسلامية، بحيث تمسي الفلسفة الإسلامية “تعبيرا أيديولوجيا” عن قوتين اجتماعيتين وسياسيتين:

أ ـ ثمة فلسفة تعبر عما يسميه “القوى النامية في المجتمع”[46] . وقد كانت في المشرق “القوى الحاكمة ذات الميول “البرجوازية الليبرالية الأرستقراطية”[47]. هذه القوى كانت لها حاجة إلى الفلسفة: “لقد كانت حاجة هذه القوى إلى الفلسفة والعلم والمنطق تمليها عليها حاجة المجتمع نحو مزيد من الهيكلية والتنظيم الاجتماعيين في وقت أخذ فيه ذلك المجتمع ينتقل من مرحلة هيمنت فيها العلاقات القبلية ـ الإقطاعية، إلى مرحلة أخذت تسيطر فيها شيئا فشيئا العلاقات التي يفرضها الاقتصاد البضاعي، علاقات ذات طبيعة ليبرالية وعقلانية”[48]. وهي القوة التي تقف وراء فلسفة الفارابي مثلا. ذلك أن: “الفارابي قد عبر بصورة لا واعية ـ أي أيديولوجية ـ عن مطامح قوى التقدم في عصره، مطامحها في “قيام حكم مركزي يسود فيه العقل ويكون قادرا على الإمساك بجميع السلطات، وبالتالي توجيه المجتمع العربي الإسلامي وتوحيده فكريا وسياسيا واجتماعيا”[49]. وفي الغرب الإسلامي، فإن الدعوى الموحدية (…) تحولت إلى ثورة منظمة تحمل عقيدة “ليبرالية”، تنادي بـ “ترك التقليد والرجوع إلى الأصول” الأمر الذي يعني فتح باب الاجتهاد وإطلاق حرية الفكر. وهو الثورة بقواها الاجتماعية التي تقف وراء فلسفة ابن باجه مثلا[50].

ب ـ وثمة قوة أخرى يعتبرها يسميها ـ تلقاء القوى الجديدة “قوى التقدم والاندفاع” ـ “القوى القديمة” التي هي عنده “تيار النقل الإقطاعية وشبه الإقطاعية وغيرهما من القوى المتخلفة ماديا وفكريا في البادية والحاضرة”[51] .

والحال أن هذا عندي من غرائب الرجل. أُنظر إليه وهو يؤول كلام الفارابي :”ما في الدين مثالات لما في الفلسفة”، فيقول: “ويمكن أن نقول أيضا: عالم الأرستقراطية العقارية مثالات لعالم الأرستقراطية التجارية”[52] !

  • لماذا هذه الأدلجة الفائقة؟ هي مبنية على اعتقاد الرجل الراسخ بأن: “المحتوى المعرفي في الفلسفة الإسلامية، بل في كل فلسفة سابقة لمرحلتنا المعاصرة يشكل في معظمه مادة معرفية ميتة غير قابلة للحياة من جديد، أما بالنسبة إلى المضمون الأيديولوجي فالأمر يختلف. إن له، بشكل من الأشكال “حياة أخرى” يظل يحياها على مر الزمان في صور مختلفة”[53].
  • ينتهي محمد عابد الجابري إلى هذه النتيجة المفارقة والمخيبة للآمال: أما المعرفة فماتت، وأما الأيديوجيا فهي وحدها التي بقيت حية. أتساءل بدوري ضد جلل هذه المفارقة: لماذا لا نعتبر جانب القيم ـ الصداقة، العشق، الجود (…) ـ الذي لا يزال حيا في التراث العربي الإسلامي أمرًا ميتا؟

أعتقد أن مشروع محمد عابد الجابري يبقى مسكونا بالمناخين السياسي والثقافي لمغرب ما بعد الاستقلال وصراعاته الأديولوجية الطاحنة التي  لم يكن له منها من مُخلِّص.

ثالثا: المنهج الإبستمولوجي في “نقد العقل العربي”

منذ كتاباته المبكرة، ميز الراحل محمد عابد الجابري بين أمرين أساسيين في اعتبار “فعل” أو “عملية” “المعرفة”:

  • اعتبار المعرفة من حيث هي “مُنتَج” نهائي للتفكير البشري؛ أو قل “ثمرة” للتفكير البشري؛ أي من حيث هي مجمل المعارف التي ينتجها العقل البشري إنتاجا، فتصير “مادة معرفية” منتَجة.
  • اعتبار المعرفة من حيث هي “طريقة في التفكير” أو “آلية في التفكير”، وليست “مضمونا فكريا” أو “محتوى فكريا”.

يسمي محمد عابد الجابري الاعتبار الأول “المادة المعرفية”، ولا يحظى بعنايته الخاصة إلا بحسبانه طريقة للإستدلال على كيفية إنتاج المعرفة. ويسمي الاعتبار الثاني “طريقة إنتاج المعرفة”، ويجعل مهمة “الاستقصاء الإبستمولوجي” النظر فيها. وهذا يعني أن “الإبستمولوجيا” اقترنت، ومنذ البداية في تفكير الجابري، بطريقة التفكير ومنهجيته وليس بثمرته أو مادته.

ولا شك عندي أن هذا التصور هو ـ في جزء أساسي منه ـ ناتج عن التأثر الخفي للمرحوم محمد عابد الجابري بالفيلسوف الألماني إمانويل كانط (1724-1804) الذي كان من أوائل فلاسفة نظرية المعرفة الذين ميزوا في “فعل المعرفة” بين “مادة المعرفة” وبين “طريقة المعرفة”، بين “المادة” و”الآلة”، بين “الطريقة” و”المادة”. وهو ما عبر عنه ذات مرة الفيلسوف الوجودي الفرنسي ـ غابرييل مارسيل (1889-1973) ـ بالقول: C’est la manière et pas la matière؛ فما يهم هو “الكيفية” أو “الطريقة” التي يتم بها إنتاج المعرفة، وليس “المنتوج” أو “المادة” أو “الثمرة” المعرفية.

إن هذا التصور للإبستمولوجيا من حيث إنها تهتم بطريقة المعرفة لا بثمرة المعرفة هو ما نجد آثاره الأولى واضحة للعيان في كتاب محمد عابد الجابري “نحن والتراث” (1980) حين يذكر أن من شأن الإبستمولوجيا أنها تهتم بأمر “طريقة التفكير” وليس بأمر ثمرة التفكير أو إنتاجه[54].

  1. المنهج الإبستمولوجي في كتاب “تكوين العقل العربي” (1984)

لم تكد تمض إلا أربع سنوات على صدور كتاب “نحن والتراث” (1980) حتى أعقبه محمد عابد الجابري بإصدار كتاب “تكوين العقل العربي” (1984) ـ الجزء الأول من مشروعه الضخم في “نقد العقل العربي”. وفي هذا الكتاب أيضا جدد محمد عابد الجابري قوله في معنى “الإبستمولوجيا” عنده. وذلك بالتأكيد، أولا، على أنه إنما يركز اهتمامه كله، بالأولى والأجدر والأحق، على “الجانب الإبستمولوجي” من التراث العربي. وذلك بيّنٌ في إلحاحه على أن غرضه من الكتاب إنما هو: “رصد الأساس الإبستمولوجي لإنتاج المعرفة داخل الثقافة العربية”[55] ، واصفا وِفْقَ ذلك مجهوده الفكري في هذا الكتاب المؤسِّس على أنه: “انصراف إلى الجانب الإبستمولوجي وحده؛ إلى البنية الداخلية للثقافة العربية”[56]. وقد أوضح غرضه من هذا الكتاب بحديثه عن سعيه إلى: “البحث في ما يؤسس المعرفة داخل الثقافة العربية”[57].

ولَئِنْ كان محمد عابد الجابري قد أعمل مفهوم “القطيعة الإبستمولوجية” على نحو واسع في كتاب “نحن والتراث”، مؤكدا على وجود “قطيعة إبستمولوجية” بين الفلسفة المشرقية والفلسفة المغربية ـ وهي الأطروحة التي أسالت الكثير من المداد ولا تزال ـ فإنه ها هنا أعمل مفهوما إبستمولوجيا آخر في تحليل الثقافة العربية الإسلامية ـ هو مفهوم “العوائق الإبستمولوجية”. وقد عنى بهذا المفهوم ـ”القطيعة الإبستمولوجية” الذي اقتبسه مثل سالفه من العالم الإبستمولوجي الفرنسي غاستون باشلار (1884-1962) حين طبقه على الثقافة العربية الإسلامية معنى “التصنيفات والتصورات السائدة” حول هذه الثقافة. ومن بينها هاجس بحث الباحثين العرب عن “الوجوه المشرقة” في هذه الثقافة، وذلك سواء باسم نشدان “الأصالة” أو باسم طلب “العناصر التقدمية” في هذه الثقافة[58]. والحال أن السعيين معا يشكلان، في تصور محمد عابد الجابري، “عوائق إبستمولوجية” أمام تحليل هذه الثقافة وفهمها في بنيتها ـ التحليل البنيوي ـ وفي تاريخيتها ـ التحليل التاريخي.

وفضلا عن هذا، يعود محمد عابد الجابري إلى تمييزه في الفلسفة العربية الإسلامية بين “المادة المعرفية” و”المضمون الأيديولوجي” ليرى هذه المرة، وقد عمم الحكم على الثقافة العربية الكلاسيكية برمتها، على أن ثمة “علاقة عضوية” بين “الأيديولوجي” و”الإبستمولوجي” في الثقافة العربية، وذلك على مستوى ما يسميه “الصعيد التكويني”، وأن هذه الثقافة إنما تعرضت إلى “صراع أيديولوجي” وإلى “صدام إبستمولوجي”[59]، مشيرا بذلك إلى مختلف الصراعات التي تفاعلت داخل هذه الثقافة بين مختلف نظمها المعرفية.

هذا، مثلما يعود مرة أخرى إلى التمييز بين ما يسميه “التحليل الأيديولوجي” وما يسميه “البحث الإبستمولوجي” . فأما المضمون الذي يتناوله التحليل الأيديولوجي ـ نعني مضمون الثقافة العربية ـ فإن الجابري يقصد به: “الآراء والنظريات والمذاهب وبعبارة عامة الأيديولوجيا”. وهو المجال الذي لا يريد الجابري الخوض فيه، وإنما يفضل الخوض في ما يسميه “المجال الإبستمولوجي” وحده[60]. والمقصود من ذلك أن ما يروم الجابري فحصه ليس هو “المحتوى” وإنما “الأداة”، ليس “مضمون” الفكر العربي، من حيث هو آراء ونظريات ومذاهب تم إنتاجها، وإنما هو الفكر العربي من حيث هو “أداة” للإنتاج النظري، ليس الفكر العربي بوصفه “ثمرة”، وإنما “الفكر العربي بوصفه أداة للتفكير”[61]. وبالجملة، ليس “النتاج” أو “الإنتاج نفسه” أو “المنتوج”، وإنما “الآلة” و”الأداة” و”الطريقة” و”الوسيلة”[62]؛ نعني الفكر العربي بوصفه “أداة” وليس بوصفه “محتوى”[63].

ها هنا يظل محمد عابد الجابري وفيا لتصور الإبستمولوجيا كما بلوره من قبل في كتاب “نحن والتراث”، لكنه ينقل التصور من “المعرفة” بعامة إلى “العقل” العربي. ومرة أخرى، يلح على أن ما يهمه ليس هو “العقل كبنية ميتافيزيقية”، وإنما “العقل كأداة للإنتاج النظري”[64].

والحق أن هذا النحو من البحث هو ما يسميه محمد عابد الجابري “البحث الإبستمولوجي”. ويعرف “البحث الإبستمولوجي” ـ وفاء منه لتصور الإبستمولوجيا الكانطي الهوى؛ أي من حيث هي نظرية معرفة تعنى بالمنتِج [الأداة = العقل] وليس بالمنتَج ـ بأنه: “البحث الذي يتخذ موضوعا له أدوات الإنتاج الفكري، لا منتَجات هذه الأدوات”[65]، مميزا مرة أخرى بين “المادة المعرفية” وبين “طريقة إنتاج المادة المعرفية”، مفضلا البحث في “الطريقة” لا في “المادة”.

وفي مفاضلته بين “التحليل الأيديولوجي” و”البحث الإبستمولوجي” يفضل محمد عابد الجابري المنحى الثاني، بل يعتبر أن “خطوة الإنتقال” من المنحى الأول إلى المنحى الثاني إنما هي “خطوة إلى الأمام”. ذلك أننا نجد، حسب اعتباره، في “البحث الإبستمولوجي”، وعلى خلاف “التحليل الأيديولوجي”، أن لا مجال للتحيز إلى منظومة معرفية بعينها ـ منظومة البيان أو منظومة العرفان أو منظومة البرهان ـ دون أخرى، ولا مجال لإصدار أحكام قيمة؛ أي إصدار أحكام مفاضلة بين المنظومات الثلاث. ومن هنا يعتبر الجابري هذا “التحليل الإبستمولوجي” الذي يقوم به للمنظومات الثلاث بأنه “تحليل علمي”. على أنه ليس تحليلا للمعرفة ـ كما كان الأمر عليه في كتاب “نحن والتراث” ـ وإنما هو تحليل علمي “لعقل” تَشَكَّلَ من خلال إنتاجه لثقافة معينة ـ وهنا “العقل” هو من يفكر ـ طريقة التفكير ـ وليس ما يُفَكَّر فيه؛ أي المضمون[66].

غير أن محمد عابد الجابري سرعان ما يتحفظ على توصيف “علمي” هذه، فيضعها بين مزدوجتين؛ وذلك لأنه يميز بين البحوث التي تحدث في مجال الرياضيات والفيزياء، والقائمة في نظره على فصل “ذات العالم” عن “الموضوع” المعلوم، وبين البحث في موضوع “العقل العربي”، حيث عربي يبحث في ما هو عربي، وبحيث أن “الذات” هنا مندجة في “الموضوع”، وبحيث أن العقل العربي يفحص العقل العربي: “إن الموضوع هنا [الثقافة العربية الإسلامية] هو شيء منا، أو نحن شيء منه، فنحن أبينا أم رضينا مندمجون فيه”[67].

وفي كتاب “بنية العقل العربي” لا يكاد محمد عابد الجابري يفصل بين “الإبستمولوجيا” و”نظرية المعرفة”. فهو يعتبر ما يسميه “الثورة الإبستمولوجية” هي نفسها: “الثورة في نظرية المعرفة وبالتالي في نظرية العقل”. وهو يُرجع فضائل هذه “الثورة الإبستمولوجية”، التي يتحدث عنها، إلى ظهور “نظرية النسبية” و”نظرية الكم”[68].

على أنه، وكما أسلفنا، يخطو محمد عابد الجابري هنا ـ وبالقياس إلى كتاب “نحن والتراث” ـ خطوة إلى الأمام في تدقيق الطرح الكانطي، بحيث لا يتعلق الأمر في كتاب “تكوين العقل العربي”، وعلى عكس ما كان يتعلق الأمر به في كتاب “نحن والتراث”، بالمعرفة، وإنما يتعلق الأمر بالعقل. وإذ ينعطف محمد عابد الجابري بالتحليل الإبستمولوجي ـ الذي ظل وفيا له منذ كتاب “نحن والتراث” على الأقل ـ هذا المنعطف ـ من “المعرفة” إلى “العقل” ـ فإنه يؤرخ لما يسميه “الثورة العلمية الجديدة” التي أثرت في تصور “العقل” ببداية القرن العشرين. وقد تأدت هذه الثورة، في نظره، إلى إعادة النظر في مفهوم “العقل” ذاته. إذ لم تعد تنظر إلى “العقل” من حيث هو “محتوى” (“قوانين العقل” عند أرسطو مثلا، أو “الأفكار الفطرية” عند ديكارت، أو حتى “صورتا الزمان والمكان” و”المقولات” عند كانط …)، وإنما صارت تنظر إليه بوصفه “أداة” و”فاعلية” و”نشاطا”. يقول محمد عابد الجابري: “لم يعد العقل في التصور العلمي المعاصر مجموعة من المبادئ، بل إنه “القدرة على القيام بإجراءات حسب مبادئ”، إنه، أساسا، نشاط منظم، ولنقل “لعب حسب القواعد””[69].

وتلك هي “النزعة الأكسيومية” ـ أي النزعة الفرضية – الاستنتاجية ـ التي يرى محمد عابد الجابري أنها: “تجتاح الآن العلوم “الناضجة” والتي بدأت انطلاقتها من الرياضيات في منتصف القرن الماضي”[70]. غير أننا نود أن ننبه هنا إلى أن محمد عابد الجابري سبق له ـ في كتاب “نحن والتراث” ـ أن وجد هذه النزعة متجسدة في الفلسفة الرشدية، وذلك في دراسته الشهيرة عن الفيلسوف ابن رشد.

يختم الجابري كتابه ـ تكوين العقل العربي ـ بالتذكير بالنتائج التي انتهى إليها بعد إعمال التحليل الإبستمولوجي للعقل العربي، فيقول:

“قد انتهينا من دراستنا لمكونات العقل العربي داخل الثقافة العربية إلى التمييز بين ثلاث نظم معرفية [البيان والعرفان والبرهان] يؤسس كلاَّ منها آليةٌ خاصة في إنتاج المعرفة مع ما يرتبط بها من مفاهيم وينتج عنها من رؤى خاصة”.

ويستأنف الكلام ، في كتاب اللاحق “بنية العقل العربي” (1986) ـ بما كان قد انتهى إليه في تحاليله، في كتاب “تكوين العقل العربي”، فيقول راسما لمعالم برنامج كتابه الجديد:

“والخطوة التالية التي تنتظرنا هي تحليل هذه النظم المعرفية الثلاثة [البيان والعرفان والبرهان] وفحص آلياتها ومفاهيمها ورؤاها، وعلاقة بعضها ببعض، مما يشكل البنية الداخلية للعقل العربي كما تكون في عصر التدوين، وكما استمر إلى اليوم ـ ذلك هو موضوع الجزء الثاني من هذا الكتاب”[71].

  1. المنهج الإبستمولوجي في كتاب :”بنية العقل العربي” (1986)

في كتابه ـ بنية العقل العربي (1986) ـ وعلى غرار ما فعل في كتاب “تكوين العقل العربي” (1984) يواصل محمد عابد الجابري عنايته بالجانب الإبستمولوجي من الفكر العربي القديم، أو بالأحرى يواصل اهتمامه بالعقل العربي لا من حيث “ما” أنتجه هذا العقل، وإنما من حيث “كيف” أنتج هذا العقل ما أنتجه؛ أي من حيث أن هذا العقل ما كان “منتَجا” وإنما هو “مُنتِج”؛ أي “أداة إنتاج”؛ بمعنى من حيث أنه: “جملة المبادئ والقواعد التي تقدمها الثقافة العربية الإسلامية للمنتمين إليها كأساس لاكتساب المعرفة وتفرضها عليهم كنظام معرفي؛ أي كجملة من المفاهيم والإجراءات التي تعطي للمعرفة في فترة تاريخية ما بنيتها اللاشعورية”[72]. ومرة أخرى، لا يَنْكَفُ محمد عابد الجابري عن الإقرار بأن اهتمامه ببنية العقل العربي إنما هو اهتمام إبستمولوجي بالأَوْلى: “إن اهتمامنا مركز على الجانب الإبستمولوجي وحده”[73]، وذلك بما يجعله وفيا للنهج التي انتهجه لنفسه ـ نهج توظيف الدرس الإبستمولوجي في الدراسات التراثية ـ على الأقل منذ بواكير أعماله “نحن والتراث” (1980).

والذي ينتهي إليه محمد عابد الجابري من تحليله الإبستمولوجي للعقل العربي هو أن ثمة ثلاثة قطاعات معرفية ـ البيان والعرفان والبرهان ـ يشكل كل واحد منها “حقلا معرفيا” متميزا؛ أي يكون عالَما من التصورات والمعارف يقوم على الاكتفاء الذاتي؛ بمعنى يكفي نفسه بنفسه، أو على الأقل يقدم نفسه على هذا النحو، ويدخل في علاقة مع نفسه وصدام مع عوالم أخرى[74].

وهكذا، مرة أخرى يحضر الهاجس الإبستمولوجي ـ تصورا ومنهجا ـ في الجزء الثاني من مشروع محمد عابد الجابري لنقد العقل العربي؛ إذ يرى الجابري أن نظره في هذه الحقول المعرفية الثلاثة ـ المنظومة البيانية والمنظومة العرفانية والمنظومة البرهانية ـ لا يتم من خلال “مضمونها الأيديولوجي”، ولا من خلال “محتواها الميتافيزيقي” ـ أي من خلال “ثمرة” التفكير في هذه المجالات الثلاثة ـ وإنما من خلال “نظامها المعرفي ـ أي أن بحثه في العقل العربي ما كان هو “تحليلا أيديولوجيا”، ولا “استقصاء ميتافيزيقيا”، وإنما كان هو “بحثا إبستمولوجيا” بالأَوْلى والأحرى والأجدر. فالجابري يعلن مرة أخرى أنه تعامل مع المحتوى المعرفي وليس مع المضمون الأيديولوجي أو السياسي أو الديني أو الفلسفي[75]. ويقول في مكان آخر: “إن مركز اهتمامنا لم يكن تحليل العقائد أو المذاهب الفكرية والمقارنة بينها بل تحليل الأسس التي تستند عليها عملية تحصيل المعرفة وترويجها داخل كل حقل [يعني “كل حقل معرفي” = البيان والعرفان والبرهان]”[76].

هذا ويقوم التحليل الإبستمولوجي الذي ما فتئ يتبناه محمد عابد الجابري في أمر تحليل العقل العربي ونقده على الخطوات المنهجية التالية:

  • الخطوة المنهجية الإبستمولوجية الأولى: تسمية حقول المعرفة التي أنتجها العقل العربي تبعا لما يسميه الجابري “الفعل المعرفي” الأساسي الذي يؤسس عملية المعرفة داخل هذا الحقل، إِنْ كان هو “البيان”، فذاك هو “النظام المعرفي البياني”، وإِنْ كان هو “العرفان”، فذاك هو “النظام المعرفي العرفاني”، وإِنْ كان هو “البرهان”، فذاك هو “النظام المعرفي البرهاني”. وقد سعى الجابري، في إطار مزاوجته بين المنهج الإبستمولوجي والمنهج التاريخي، إلى المحافظة على الترتيب التكويني التاريخي لهذه المنظومات الثلاث [البيان والعرفان والبرهان] داخل الثقافة العربية الإسلامية.
  • الخطوة المنهجية الإبستمولوجية الثانية: شرع محمد عابد الجابري بعد ذلك في تحليل كل واحد من هذه النظم المعرفية تحليلا إبستمولوجيا من خلال التعريف بطبيعة “الفعل المعرفي” المؤسس له. على أن هذا الضرب من التحليل كان تحليلا إبستمولوجيا جوانيا [داخليا] endogène، بالاستناد إلى معطيات الحقل الواحد وفي ذاته وداخله وجوانيته، متعرفا على الحقل من داخل ـ من جَوَى ـ أهل الحقل نفسه (أهل البيان، أهل العرفان، أهل البرهان)، وليس من خارجه وبرانيته.
  • الخطوة المنهجية الإبستمولوجية الثالثة: عمد محمد عابد الجابري بعد ذلك إلى إعمال التحليل الإبستمولوجي للعناصر الأساسية التي يتشكل منها كل واحد من هذه النظم المعرفية داخل نفس البنية: أزواج المفاهيم التي يسميها “الأزواج الإبستمولوجية”[77]، بحيث تبين أن النظام البياني يقوم على الأزواج الإبستمولوجية الثلاثة (اللفظ/المعنى، الأصل/الفرع، الجوهر، العرض)، وأن النظام العرفاني يقوم على الأزواج الإبستمولوجية (الظاهر/الباطن، الولاية/النبوة)، وأن النظام البرهاني يقوم على الأزواج الإبستمولوجية (الألفاظ/المعقولات، الواجب/الممكن).

أخيرا، لقد تتبعنا في هذا الفصل خيطا ناظما ألف بين اهتمامات محمد عابد الجابري المتعلقة بنقد العقل العربي النقد الإبستمولوجي، هو خيط التمييز في العقل العربي بين “المنتوج” و”أداة الإنتاج”. وقد أثمر جهد محمد عابد الجابري على إعمال جملة من المفاهيم الإبستمولوجية شأن “القطيعة الإبستمولوجية”، “الحقل الإبستمولوجي”، “النظام المعرفي”، “الحقل المعرفي”، “الثورة الإبستمولوجية” … وكانت تلك هي حصيلة المفاهيم الإبستمولوجية الأساسية التي عمل الجابري على “ترحيلها” من مجال الدراسات الإبستمولوجيا إلى مجال الدراسات التراثية. فهي بعبارة الكتاب الجماعي الذي أشرفت عليه الفيلسوفة الإبستمولوجية البلجيكية إيزابيل ستينغرز Isabelle Stengers “مفاهيم رحالة” des concepts nomades[78]. والحال أن الجابري لم يَدَّعِ في يوم من الأيام أنه ذو نزوع طهراني puriste يسعى إلى الحفاظ على المفاهيم الإبستمولوجية في “نقائها” و”صفائها” و”طهرها”، وإنما ما يفتأ يؤكد أن ما يهمه من إِعمال هذه المفاهيم الإبستمولوجية إنما هو أمران: “إجرائيتها” و”قابليتها للتوظيف”، أو قل بلغة أحد أقرب الفلاسفة إلى قلبه ـ من خلال إفادته منه في إعمال منهج “الحفريات” الإبستمولوجي المنزع ـ ميشيل فوكو: إنها “صندوق أدوات” une boite à outils. لقد تعامل الجابري مع الإبستمولوجيا كما دعا ميشيل فوكو إلى التعامل مع كتبه. قال ميشيل فوكو:

« Mon discours est évidemment un discours d’intellectuel, et, comme tel, il fonctionne dans les réseaux de pouvoir en place. Mais un livre est fait pour servir à des usages non définis par celui qui l’a écrit. Plus il y aura d’usages nouveaux, possibles, imprévus, plus je serai content. Tous mes livres […] sont, si vous voulez, de petites boîtes à outils. Si les gens veulent bien les ouvrir, se servir de telle phrase, telle idée, telle analyse comme d’un tournevis ou d’un desserre-boulon pour court-circuiter, disqualifier, casser les systèmes de pouvoir, y compris éventuellement ceux-là mêmes dont mes livres sont issus… eh bien, c’est tant mieux »[79].

تأسيسا عليه، يقر محمد عابد الجابري في ما يخص توظيفه للمفاهيم الإبستمولوجية ـ لا سيما منها مثلا مفهوم “القطيعة الإبستمولوجية” ـ بأنه: “صحيح أن “القطيعة الإبستمولوجية” مفهوم باشلار، استعمله باشلار في تاريخ العلم، حيث أعطاه معنى محدودا بحدود هذا التاريخ؛ ولكنني أخذت هذا المفهوم واستعملته في مجال آخر هو تاريخ الفلسفة، وفي تاريخ فلسفة خاص هو تاريخ الفلسفة العربية – الإسلامية التي بينتُ طبيعتها كما أفهمها، باعتبارها قراءات مستقلة متوازية لفلسفة معينة، وبذلك فلا تاريخ لها. هكذا وظفت المفهوم توظيفا جديدا في مجال آخر، هو بالنسبة لي مفهوم إجرائي مكنني من أن ألاحظ أشياء لم أكن ألحظها من قبل طرحه كأداة عمل”[80].

هو ذا الأساس الذي يقيم عيه الجابري تمييزه بين “الدرس الإبستمولوجي” وبين “التوظيف الإبستمولوجي”. ويعرف الدرس الإبستمولوجي على النحو التالي: “الدرس الإبستمولوجي هو أن ندرس الإبستمولوجيا وأن نحاول أن نقيم منها علما”، بينما التوظيف الإبستمولوجي هو توظيف إجرائي لمفاهيم الإبستمولوجيا لا داخل العلوم الحقة، وإنما أساسا داخل العلوم الإنسانية. إذ ما يصح من حيث “الدرس الإبستمولوجي” ـ وهو أن الإبستمولوجيا تعنى أساسا بالمعرفة العلمية، قد لا يصح من حيث التوظيف الإبستمولوجي ـ من حيث أن الباحث ليس مضطرا للتقيد بجميع المؤطرات التي تكون خلف المفاهيم الإبستمولوجية[81].

إن من بين هذه المفاهيم الإبستمولوجية الموظفة من كان مصيره سعيدا فلقي نجاحا كبيرا، مثل مفاهيم “الحقل المعرفي” و”النظام المعرفي” و”الثورة الإبستمولوجية”، ومنها من كان حظه أقل سعادة، شأن مفهوم “القطيعة الإبستمولوجية” التي أثار ولا يزال يثير الكثير من الجدل شرقا وغربا.

على أن من المفارقات العجيبة التي وسمت نظر الأستاذ محمد عابد الجابري أنه لاحظ ـ المرار العدة ـ أن الفلسفة الغربية ارتبطت بالعلم ارتباطا وثيقا، ولكن الفلسفة العربية الإسلامية شكلت استثناء في تاريخ الفلسفة، بحيث أن السياسة عوضت فيها العلم، فلم تحفل بالعلم ولم تواكبه وإنما كانت مشروعا سياسيا بالدرجة الأولى، وظل العلم فيها على الهامش[82]. والسؤال الذي يطرح هنا هو: كيف يمكن أن نُعْمِل المنهج العلمي في دراسة فلسفة يفترض أنها لم تحتفل بالعلم؟

 

المراجع:

[1] -Robert Blanché, La méthode expérimentale et la philosophie de la physique, Paris: 1969

[2]– Robet Blanché, La science actuelle et le rationalisme. Paris: 1967.

[3] –  أنظر مقال سالم يفوت ضمن أعمال ندوة الفكر الفلسفي بالمعرب المعاصر، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط.

[4] – Louis Althusser, Philosophie et philosophie spontanée des savants, Ed. fr, Maspirou, 1967, p. 83

[5] –  زكريا إبراهيم، مشكل البنية، القاهرة، مكتبة مصر، 1972، ص. 14

[6] – ميشيل فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، الدار البيضاء المركز الثقافي العربي، 1986.

[7] –  ميشيل فوكو، حفريات المعرفة، ص. 183.

[8] – د. محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، مطبعة دار النشر المغربية، ج. 1 تكون الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة، ج. 2، المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي.

[9] – د. محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، مطبعة دار النشر المغربية، ج. 1، ص. 11-12.

[10] – د. محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، ج. 1، ص. 6.

[11]– أنظر مقال سالم يفوت ضمن أعمال ندوة الفكر الفلسفي بالمغرب المعاصر- منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ص. 74

[12]– أنظر د. كمال عبد اللطيف، أسئلة الفكر الفلسفي في المغرب، المركز الثقافي العربي، 2003، ص. 78

[13] – محمد عابد الجابري، نحن والتراث، المركز العربي (الدار البيضاء)، ودار الطليعة (بيروت)، 1980، ص. 23.

[14] – محمد عابد الجابري، نحن والتراث، ص. 12.

[15] – د. محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ( المركز الثقافي العربي) الدار البيضاء، 1986

[16] – د. محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ص. 582.

[17] محمد عابد الجابري: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي. مركز دراسات الوحدة العربية، طبعة مزيدة ومنقحة، بيروت، 2006، ص. 204.

[18] المصدر نفسه، ص. 204.

[19] المصدر نفسه، ص. 205.

[20] المصدر نفسه، ص. 134.

[21] المصدر نفسه، ص. 134.

[22] المصدر نفسه، ص. 25.

[23] المصدر نفسه، ص. 286.

[24] المصدر نفسه، ص. 54.

[25] المصدر نفسه، ص. 10.

[26] المصدر نفسه، ص. 134.

[27] المصدر نفسه، ص. 270.

[28] المصدر نفسه، ص. 141.

[29] المصدر نفسه، ص. 202.

[30] المصدر نفسه، ص. 11.

[31] المصدر نفسه، ص. 11.

[32] المصدر نفسه، ص. 11.

[33] المصدر نفسه، ص. 12.

[34] أبو بكر الرازي: كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس في الكتب التي نسبت إليه، تحقيق مصطفى لبيب عبد الغني، دار الكتب والوثائق، القاهرة، 2005، ص. 39-41.

[35] ابن الهيثم: الشكوك على بطليموس، تحقيق عبد الحميد صبرة ونبيل الشهابي، دار الكتب المصرية، 1996، ص. 3-4.

 

[36] المصدر نفسه، ص. 233.

[37] المصدر نفسه، ص. 270 و294.

[38] المصدر نفسه، ص. 294.

[39] المصدر نفسه، ص. 59.

[40] المصدر نفسه، ص. 16.

[41] المصدر نفسه، ص. 18.

[42] المصدر نفسه، ص. 10.

[43] المصدر نفسه، ص. 15.

[44] المصدر نفسه، ص. 59.

[45] المصدر نفسه، ص. 30.

[46] أنظر، مثلا، المصدر نفسه، ص. 203.

[47] المصدر نفسه، ص. 203.

[48] المصدر نفسه، ص. 203.

[49] المصدر نفسه، ص. 150-151.

[50] المصدر نفسه، ص. 233.

[51] المصدر نفسه، ص. 129.

[52] المصدر نفسه، ص. 131.

[53] المصدر نفسه، ص. 53.

[54] محمد عابد الجابري: نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي. مركز دراسات الوحدة العربية، طبعة مزيدة ومنقحة، بيروت، 2006، ، ص. 25.

[55] محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة العاشرة، بيروت، 2009، ص. 333.

[56] محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي، ص. 333.

[57] محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي، ص. 333.

[58] محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي، ص. 333.

[59] المصدر نفسه، ص. 7.

[60] المصدر نفسه، ص. 14.

[61] المصدر نفسه، ص. 15.

[62] المصدر نفسه، ص. 14.

[63] المصدر نفسه، ص. 15.

[64] المصدر نفسه، ص. 29.

[65] المصدر نفسه، ص. 14.

[66] المصدر نفسه، ص. 14.

[67] المصدر نفسه، ص. 14.

[68] المصدر نفسه، ص. 24.

[69] المصدر نفسه، ص. 24.

[70] المصدر نفسه، ص. 52.

[71] المصدر نفسه، ص. 351.

[72] محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة التاسعة، بيروت، 2009، ص. 555.

[73] المصدر نفسه، ص. 566.

[74] محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، ص. 555.

[75] المصدر نفسه، ص. 556.

[76] المصدر نفسه، ص. 555.

[77] المصدر نفسه، ص. 559.

[78] Isabelle Stengers (éd.), D’une science à l’autre: Des concepts nomades, coll. Science ouverte, Editions du Seuil, Paris, 1987.

[79] Michel Foucault, « Des supplices aux cellules », in Dits et écrits, T. II, p. 720.

[80] محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1991، ص. 262.

[81] المصدر نفسه، ص. 284.

[82] محمد عابد الجابري: التراث والحداثة، ص. 245.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete