تكوين
قبل أن نبدأ
تُمثّل جماعة الإخوان، المصنفة على قوائم الإرهاب في عدد من فروعها الإقليمية، واحدة من أكثر الحركات الإسلامية الحديثة تعقيدًا على مستوى البنية الفكرية والتنظيمية، إذ قامت منذ نشأتها على تداخل عضوي بين الدعوي والسياسي، وبين التربوي والحركي، بما جعلها تتجاوز كونها مجرد جماعة دعوية/ دينية/ وعظية أو إطار اجتماعي، لتضحى نموذجًا لتنظيم أيديولوجي شامل يسعى إلى إعادة تشكيل المجالين: الفردي والعام، وفق تصور ديني مسيّس ومؤدلج صلب وراديكالي. من ثم، برز مفهوم “البيعة” و”الولاء” باعتباره الآلية المركزية التي تضبط علاقة الفرد بالجماعة، وتعيد تعريف الانتماء داخلها بوصفه التزامًا عقديًا وتنظيميًا يتجاوز حدود العضوية التقليدية إلى نمط من الارتباط القائم على السمع والطاعة والانضباط الهرمي.
وقد تطور النظر إلى هذا المفهوم داخل الجماعة تبعًا لتحولات السياق السياسي والتاريخي، وما تعرضت له الجماعة من ضغوط وصدامات مع السلطة، فضلًا عن التغيرات التي أصابت الحركات الإسلامية عمومًا في الإقليم. فمنذ مرحلة التأسيس على يد حسن البنا، وحتى المراحل اللاحقة التي شهدت انخراط الجماعة في المجال السياسي والصراع على السلطة، ظل مفهوم البيعة يحتفظ بموقعه المحوري في ضمان تماسك التنظيم وإعادة إنتاج شرعيته الداخلية، وإن كان ذلك قد ترافق، في المقابل، مع إنتاج بنية مغلقة غير مرنة، شديدة الحساسية أو بالأحرى الممانعة تجاه الاختلاف الداخلي.
محددات الورقة
تنطلق هذه الورقة من فرضية رئيسية مؤداها أن مركزية مفهوم “البيعة والولاء” داخل جماعة الإخوان أسهمت في بناء تنظيم يبدو شديد الانضباط والتماسك ظاهريًا، لكنه يعاني داخليًا من هشاشة بنيوية ناجمة عن ضيق مساحات النقد والمراجعة والتباينات الأخرى، وهو ما جعل الانشقاقات تتكرر في لحظات الأزمات السياسية والتنظيمية الكبرى. وعليه، فإن الإشكالية لا تتعلق فقط بوجود انقسامات داخل الجماعة، بل بكيفية إنتاج البناء التنظيمي ذاته لشروط الانشقاق، رغم تأسيسه أصلاً لمنع التشظي والحفاظ على وحدة الصف.
كما تسعى، في هذا الإطار، الدراسة إلى تفكيك العلاقة بين الأيديولوجيا التنظيمية والممارسة السياسية داخل الجماعة، من خلال تتبع تطور مفهوم البيعة تاريخيًا، وتحليل وظائفه التنظيمية والرمزية، فضلًا عن بحث أثر التحولات السياسية الإقليمية والدولية في إعادة تشكيل بنية الجماعة وخطابها.
كما تحاول الورقة الإجابة عن جملة من الأسئلة المركزية، أبرزها: ما الموقع الذي يحتله مفهوم “البيعة” داخل البناء الفكري والتنظيمي للإخوان؟ وكيف جرى توظيفه في ضبط العلاقة بين القيادة والقاعدة؟ وما العلاقة بين صرامة التنظيم وتكرار الانشقاقات؟ وإلى أي مدى أسهمت التحولات السياسية، خصوصًا بعد عام 2013، في إعادة تشكيل التوازنات الداخلية للجماعة وخطابها التنظيمي؟
البيعة بوصفها آلية للضبط التنظيمي
يقع مفهوم “البيعة” في قمة العقل التنظيمي لجماعة الإخوان، إذ لا يُنظر إليه باعتباره مجرد إجراء رمزي للانضمام إلى الجماعة، بل باعتباره عقدًا أيديولوجيًا وأخلاقيًا يُعيد تشكيل علاقة الفرد بالتنظيم والقيادة. فالبيعة داخل الجماعة تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة تمنح العضو شعورًا بالانتماء إلى “الجماعة/ العصبة المؤمنة” الحاملة لمشروع إسلامي شامل، ومن جهة أخرى تفرض عليه التزامات صارمة تتعلق بالطاعة والانضباط والالتزام بخيارات القيادة.
وقد تجسد ذلك بوضوح في “رسالة التعاليم” التي صاغها حسن البنا، حيث أسس الأخير البناء التربوي والتنظيمي للجماعة على عشرة أركان: الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد، والتضحية، والطاعة، والثبات، والتجرد، والأخوة، والثقة.١
وتمثل هذه الأركان الإطار المرجعي الذي يُعاد من خلاله تشكيل وعي العضو وسلوكه، بحيث يصبح التنظيم ليس مجرد إطار سياسي، بل بنية شمولية تستوعب المجالين العام والخاص معًا. فيما تحتل “الطاعة” موقعًا مركزيًا ضمن هذه المنظومة؛ إذ تُقدَّم بوصفها شرطًا لازمًا لاستمرار الجماعة ووحدة صفها، لا سيما في ظل ما تعتبره الجماعة حالة “استهداف دائم” من قبل الأنظمة السياسية. ومن هنا، يتجاوز مفهوم الطاعة البعد القائم على إدارة الأفراد داخل التنظيم وتنظيم هذا المجال الحركي، ليأخذ بعدًا شبه عقدي، يجعل الاعتراض على القيادة أو التشكيك في قراراتها أقرب إلى الإخلال بالالتزام الأخلاقي والتنظيمي، لا مجرد اختلاف سياسي أو إداري.
صيغة البيعة :
وتكشف صيغة البيعة الواردة في أدبيات التنظيم والجماعة عن هذا البعد بوضوح، إذ تنص على “السمع والطاعة للقيادة في المنشط والمكره”، وهي صيغة تستبطن تصورًا هرميًا للعلاقة بين القيادة والقاعدة، قائمًا على مركزية القرار وتقييد مساحات الاختلاف الداخلي. وبهذا المعنى، تتحول البيعة إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة داخل التنظيم، عبر منح القيادة شرعية دينية وتنظيمية في آن واحد. كما أن تقسيم البيعة داخل الجماعة إلى “بيعة كلية” و”بيعة جزئية” يعكس الطابع السياسي العقدي للفكرة؛ إذ إن البيعة الجزئية للمرشد تُقدَّم باعتبارها مؤقتة إلى حين عودة “الخلافة” أو قيام “الإمام الجامع”، بما يعكس استمرار حضور الخيال السياسي الإسلامي التقليدي داخل البناء الفكري للجماعة، وربط التنظيم بمشروع يتجاوز الدولة الوطنية الحديثة.٢
الممارسة التاريخية
رغم أن مفهوم البيعة صُمم أساسًا لضمان وحدة الجماعة وتماسكها، فإن الممارسة التاريخية أظهرت أن البنية التنظيمية الصارمة للإخوان كانت تحمل في داخلها بذور الانقسام. فكلما ضاقت مساحات النقاش الداخلي، واحتكرت القيادة تعريف المصلحة التنظيمية، تحولت الخلافات السياسية والفكرية إلى أزمات بنيوية يصعب احتواؤها داخل الأطر المؤسسية. ويُلاحظ أن الجماعة، منذ سنواتها الأولى، لم تكن كتلة صلبة خالية من التباينات، بل شهدت مبكرًا بوادر انشقاق ارتبطت بطبيعة إدارتها للخلاف الداخلي. فقد مثّل خروج مجموعة “شباب محمد” بقيادة محمود أبو زيد عام 1939 مؤشرًا أوليًا على وجود توترات داخلية تتعلق بطبيعة القيادة وأساليب العمل. إلا أن الانشقاق الأبرز في مرحلة التأسيس كان خروج أحمد السكري عام 1947، وهو أحد أبرز مؤسسي الجماعة وعضو هيئتها التأسيسية.٣
وتكشف تجربة السكري عن أزمة بنيوية داخل التنظيم، تتعلق بالحدود الفاصلة بين “الطاعة” وحق الاختلاف. فالسكري لم يكن معارضًا لفكرة الجماعة من حيث الأصل، لكنه اصطدم بطبيعة الإدارة المركزية التي رسخها البنا، وبالتوجهات السياسية التي أخذت الجماعة تنخرط فيها بصورة متزايدة. بالتالي، فإن الانشقاق لم يكن مجرد خلاف شخصي، بل تعبيرًا عن صراع بين نزعتين داخل التنظيم: نزعة تميل إلى المؤسسية والانفتاح النسبي، وأخرى تؤسس لتنظيم عقائدي شديد المركزية. ٤
وقد تعمقت هذه الإشكالية بصورة أكبر خلال مرحلة حسن الهضيبي، خاصة بعد ثورة يوليو 1952، حين دخلت الجماعة في علاقة معقدة مع نظام جمال عبد الناصر. ففي تلك المرحلة، برز التناقض بين القيادة الرسمية للجماعة والتنظيم الخاص، كما ظهرت انقسامات تتعلق بموقف الجماعة من السلطة الجديدة وحدود التعاون أو الصدام معها.
الطاعة واختبارات السياسة
في حين تؤشر تلك المرحلة إلى هشاشة فكرة “الطاعة المطلقة” حين تتعرض الجماعة لاختبارات سياسية حادة؛ إذ إن تعدد مراكز النفوذ داخل التنظيم، وتباين التقديرات السياسية، أضعفا قدرة القيادة على الحفاظ على التماسك الداخلي، رغم الخطاب الأيديولوجي القائم على السمع والطاعة. وتكشف التجربة التاريخية لجماعة الإخوان عن مفارقة جوهرية تتمثل في التناقض بين الخطاب التنظيمي المغلق ومتطلبات العمل السياسي المفتوح. فالتنظيم الذي يقوم على الطاعة الهرمية والانضباط العقائدي يجد نفسه، عند الانخراط في المجال السياسي، مضطرًا للتعامل مع فضاء يقوم على التعددية والتفاوض وتوازنات القوة، وهي عناصر غالبًا ما تتعارض مع البنية الداخلية المغلقة للجماعة. هذا ما يمكن نحو فهم جانب من الأزمات المتكررة التي عرفتها الجماعة بوصفها نتيجة مباشرة لهذا التوتر البنيوي بين منطق الدعوة ومنطق أو فلسفة السياسة. ففي حين يتطلب الأول الانضباط والامتثال، يحتاج الثاني إلى المرونة وقبول الاختلاف وإعادة تقييم الخيارات بصورة مستمرة. غير أن الجماعة غالبًا ما تعاملت مع السياسة بعقلية تنظيمية مغلقة، الأمر الذي جعلها تميل إلى تفسير الخلافات السياسية بوصفها تهديدًا لوحدة الجماعة، لا باعتبارها جزءًا طبيعيًا من العمل العام. وقد بدا هذا التناقض أكثر وضوحًا بعد عام 2013، حين دخلت الجماعة في واحدة من أعنف أزماتها التاريخية عقب سقوط حكم محمد مرسي. ففي تلك المرحلة، تعرض البناء التنظيمي التقليدي لاختبار غير مسبوق، مع تصاعد الخلافات بين القيادات التاريخية والقيادات الشابة، وظهور تيارات داخلية انتقدت مركزية القرار وغياب المراجعات الفكرية والتنظيمية. ٥
التحولات الإقليمية
كما أسهمت التحولات الإقليمية والدولية، وتراجع صعود الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط، نحو تعميق الأزمة الداخلية للجماعة، إذ فقد الخطاب التقليدي كثيرًا من قدرته على التعبئة وإعادة إنتاج الشرعية. ومع تراجع فعالية الهياكل التنظيمية التقليدية، بدأت تظهر نزعات تدعو إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدعوي والسياسي، وإعادة النظر في مفهوم البيعة ذاته، بوصفه أحد أسباب الجمود التنظيمي.
مفهوم البيعة ومسار الانشقاقات
بالمحصلة، فإن دراسة مفهوم “البيعة” كما “الولاء” داخل جماعة الإخوان تكشف أن هذا المفهوم لم يكن مجرد أداة تربوية أو إطار أخلاقي للانتماء، بل مثل الركيزة الأساسية التي تشكلت حولها بنية الجماعة التنظيمية والأيديولوجية. وقد منح هذا البناء الجماعة قدرة عالية على التعبئة والانضباط والاستمرارية، لكنه في الوقت ذاته أنتج تنظيمًا محدود المرونة، شديد الحساسية تجاه النقد والاختلاف الداخلي. وتوضح الخبرة التاريخية للجماعة أن الانشقاقات لم تكن حوادث استثنائية عرضية أو طارئة، بل ظاهرة مرتبطة بطبيعة البناء التنظيمي نفسه؛ إذ إن مركزية القيادة، واحتكار القرار، وتحويل الطاعة إلى قيمة فوق تنظيمية، كلها عوامل جعلت الخلافات السياسية والفكرية تتحول في لحظات الأزمات إلى انقسامات بنيوية عميقة. وعليه، فإن فهم ديناميكيات الانشقاق داخل جماعة الإخوان المسلمين يقتضي تجاوز التفسيرات الشخصية أو الظرفية، والنظر إلى العلاقة الجدلية بين الأيديولوجيا على المستوى الحركي وبنية السلطة داخل الجماعة. فكلما ازداد التنظيم انغلاقًا، وجرى تقييد إمكانيات المراجعة والنقد، تعاظمت احتمالات التشظي الداخلي، خصوصًا في ظل التحولات السياسية الكبرى التي تفرض على الحركات الأيديولوجية إعادة تعريف ذاتها وخطابها ووظائفها.
بيان تموز/ يوليو ٢٠١٣
إلى ذلك، يمكن التوقف بصورة أكثر عمقًا عند التحولات البنيوية التي أصابت جماعة الإخوان المسلمين عقب بيان 3 يوليو/تموز 2013، بوصفها واحدة من أكثر اللحظات حرجًا في تاريخ التنظيم منذ تأسيسه. فهذه المرحلة لم تقتصر على كونها أزمة سياسية مرتبطة بفقدان السلطة، بل تحولت إلى أزمة وجودية مست البنية التنظيمية والأيديولوجية للجماعة ذاتها، وأعادت طرح الأسئلة القديمة المتعلقة بطبيعة القيادة، وحدود الطاعة، وإشكالية العلاقة بين التنظيم والسياسة؛ فقد أظهرت التطورات التي أعقبت عزل الرئيس محمد مرسي حجم التناقضات الكامنة داخل البناء التنظيمي للإخوان، بعدما بدا التنظيم، للمرة الأولى، عاجزًا عن الحفاظ على وحدة بنيته الداخلية أو احتواء الانقسامات المتصاعدة بين أجنحته المختلفة. وبرزت على السطح تيارات متباينة في رؤيتها لآليات إدارة الأزمة، وحدود التصعيد، والعلاقة مع الدولة والمجتمع، بل ومع مفهوم الشرعية ذاته.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى مرحلة ما بعد 2013 بوصفها لحظة تفكك للسلطة الرمزية داخل التنظيم؛ إذ إن القداسة التي أحاطت تاريخيًا بمفاهيم “السمع والطاعة” و”الثقة بالقيادة” تعرضت لتآكل غير مسبوق نتيجة تراكم الإخفاقات السياسية، وتزايد الانتقادات الموجهة إلى القيادات التاريخية، فضلًا عن تسريبات الفساد والخلافات المالية والإدارية التي أصابت صورة التنظيم لدى قطاع واسع من قواعده، لا سيما بين الأجيال الشابة. وقد انعكس ذلك في تصاعد خطاب داخلي ينتقد مركزية القرار واحتكار القيادة التقليدية لمسارات الحركة، مقابل بروز اتجاهات جديدة رأت أن الأزمة ليست ظرفية أو مرتبطة فقط بالقمع السياسي، بل تعود بالأساس إلى طبيعة البنية التنظيمية المغلقة التي أعاقت عمليات المراجعة والتجديد، ورسخت نمطًا هرميًا قائمًا على الطاعة أكثر من الكفاءة أو المشاركة المؤسسية.
ومن ثم، فإن الانشقاقات التي عرفتها الجماعة بعد 2013 لم تكن مجرد تمرد تنظيمي محدود، بل مثلت في أحد أبعادها تمردًا على فلسفة التنظيم ذاتها؛ أي على النموذج الذي صاغ العلاقة بين الفرد والجماعة باعتبارها علاقة ولاء شبه مطلق، تتراجع فيها مساحة النقد لصالح الامتثال. ولهذا، فإن الأجيال الجديدة داخل التنظيم بدت أقل قابلية للاندماج في النسق التقليدي للجماعة، وأكثر ميلاً إلى مساءلة القيادة ومحاسبتها، خصوصًا مع فشل التنظيم في تحقيق أهدافه السياسية، أو تقديم مراجعات فكرية وتنظيمية تتناسب مع حجم التحولات التي شهدتها مصر والمنطقة. ٦
اللافت أيضًا أن تجربة جماعة الإخوان ، منذ لحظة التأسيس، كشفت عن تداخل مبكر بين المجال الدعوي والمجال السياسي، وهو تداخل أسهم بصورة مباشرة في تشكيل بنية الجماعة وأزماتها اللاحقة. فالجماعة لم تتأسس باعتبارها جمعية وعظية محدودة الوظيفة، بل حملت منذ بداياتها مشروعًا يتجاوز الإصلاح الأخلاقي إلى إعادة بناء المجال العام وفق تصور إسلامي شامل.٧
وفي هذا الإطار، تبرز العلاقة بين أحمد السكري وحسن البنا بوصفها مدخلًا مهمًا لفهم التكوين الأول للجماعة وطبيعة التوازنات الداخلية التي حكمتها. إذ تشير بعض الروايات إلى أن العلاقة بين الرجلين بدأت داخل جمعية “الإخوان الحصافية”، حيث تعاونا في تأسيس “الجمعية الحصافية الخيرية”، قبل أن يتبلور المشروع الإخواني بصورته التنظيمية لاحقًا. غير أن أهمية السكري لا تتوقف عند حدود الشراكة المبكرة مع البنا، بل تتجاوزها إلى الجدل التاريخي حول دوره الحقيقي في تأسيس الجماعة. فبعض السرديات، خصوصًا داخل أدبيات الإخوان القديمة، تنظر إليه بوصفه المؤسس الفعلي للتنظيم في المحمودية سنة 1920، قبل انتقال التجربة إلى الإسماعيلية عام 1928. وهذه الروايات، بصرف النظر عن دقتها التاريخية الكاملة، تكشف عن وجود تعددية داخلية في لحظة التأسيس ذاتها، بما ينفي الصورة الأحادية التي حاولت الجماعة لاحقًا ترسيخها حول مركزية المؤسس حسن البنا المطلقة. وقد لعب السكري دورًا بارزًا في توسع الجماعة المبكر، سواء من خلال العمل التنظيمي أو النشاط السياسي والإعلامي، حيث تولى وكالة الجماعة ورئاسة الإدارة السياسية لمجلة “الإخوان المسلمون”. كما عكست العلاقة الوثيقة بينه وبين المؤسس طبيعة المرحلة الأولى التي اتسمت بقدر من الشراكة التنظيمية، قبل أن تتجه الجماعة تدريجيًا نحو مركزية أكثر صرامة تمحورت حول شخص المرشد. ٨
القاهرة ١٩٣٢
مع انتقال الجماعة إلى القاهرة عام 1932، دخل الإخوان مرحلة جديدة من التطور التنظيمي والسياسي، اتسمت بالانتقال من الطابع المحلي المحدود إلى مشروع ذي طموح وطني شامل. وقد مثّل افتتاح أول مقر لمكتب الإرشاد في حي السيدة زينب إيذانًا بمرحلة إعادة بناء التنظيم على أسس أكثر مركزية وفاعلية. وفي هذه المرحلة، كثفت الجماعة نشاطها المؤسسي والإعلامي، عبر عقد المؤتمرات العامة وإصدار المجلات والمنشورات التي صاغت خطابها الفكري، وفي مقدمتها رسائل حسن البنا التي تحولت لاحقًا إلى المرجعية الفكرية والتنظيمية الأساسية للجماعة.
ويُلاحظ أن المؤتمرات المبكرة للإخوان لم تكن مجرد لقاءات تنظيمية، بل مثّلت آلية لإنتاج الهوية الجماعية وصياغة المشروع الأيديولوجي للحركة. ففي المؤتمر الخامس، الذي يُعد من أهم المحطات الفكرية في تاريخ الجماعة، قدم البنا تصوره الشهير للإخوان باعتبارهم: “دعوة سلفية، وطريقة سنية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية وثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية”. ٩
فيما تكشف هذه الصياغة عن الطبيعة الشمولية للمشروع الإخواني، الذي لم يفصل بين الديني والسياسي والاجتماعي، بل سعى إلى دمجها داخل إطار تنظيمي واحد. ومن هنا، لم يعد التنظيم مجرد وعاء إداري، بل تحول إلى بنية موازية للمجتمع والدولة، تمتلك أدواتها التربوية والاقتصادية والإعلامية والحركية.
وفي ضوء هذا التصور، بدأت الجماعة في تطوير هياكل أكثر انضباطًا، مثل نظام الجوالة والكتائب، مع التشديد على التدريب الجماعي والطابع شبه العسكري لبعض الأنشطة، وهي الخطوات التي مهدت لاحقًا لتأسيس “النظام الخاص” أو “التنظيم السري” المسلح بقيادة عبد الرحمن السندي. وقد عكس هذا التطور انتقال الجماعة من مرحلة “الدعوة” إلى مرحلة “التنظيم الحركي”، حيث أصبح العمل السياسي والتنظيمي أكثر حضورًا، وتزايدت نزعة السرية والانضباط، بوصفها أدوات ضرورية لتحقيق مشروع الجماعة في ظل بيئة سياسية مضطربة. ١٠
عقد الثلاثينات والأربعينات
تزامن صعود جماعة الإخوان خلال عقدي الثلاثينيات والأربعينيات مع تحولات كبرى شهدتها مصر والمنطقة، في ظل تصاعد تأثير الحرب العالمية الثانية وتنافس القوى الدولية على الشرق الأوسط. وقد دخلت الجماعة تدريجيًا في شبكة معقدة من العلاقات السياسية مع القصر الملكي وبعض النخب التقليدية. بل إن الجماعة استفادت من علاقتها بالقصر (فاروق وقبله فؤاد)، فضلًا عن ارتباطها بشخصيات نافذة مثل علي ماهر باشا ومصطفى المراغي، بما منحها هامشًا واسعًا للحركة والتوسع التنظيمي. غير أن هذا الانخراط السياسي حمل في داخله تناقضات عميقة؛ إذ إن الجماعة التي كانت ترفع خطابًا أخلاقيًا ناقدًا للأحزاب والنخب التقليدية، وجدت نفسها مضطرة إلى نسج تحالفات سياسية براغماتية مع بعض دوائر السلطة، الأمر الذي أثار اعتراضات داخلية مبكرة.
وقد تجلت هذه التناقضات بوضوح في أزمة “شباب محمد” عام 1939، التي مثلت أول انشقاق تنظيمي واضح داخل الجماعة. فالأزمة لم تكن مرتبطة فقط بالخلاف حول إدارة الأموال أو العلاقة مع أحمد ماهر باشا، بل عكست خلافًا أعمق حول طبيعة المشروع الإخواني ذاته: هل هو حركة دعوية إصلاحية أم تنظيم سياسي يسعى إلى النفوذ والتحالفات؟١١
ويمكن القول إن انشقاق “شباب محمد” يمكن قراءته باعتباره تعبيرًا مبكرًا عن التوتر بين الخطاب الأيدولوجي النظري للجماعة بما فيه من حمولات مفارقة وممارساتها السياسية الواقعية. كما كشف عن حدود قدرة مفهوم “السمع والطاعة” على احتواء الخلافات حين تتعلق بطبيعة المشروع السياسي للجماعة واتجاهاته.
فمع اندلاع الحرب العالمية الثانية، دخلت مصر مرحلة من الاضطراب السياسي العميق، انعكس بصورة مباشرة على جماعة الإخوان المسلمين. فقد أصبحت القاهرة ساحة لتنافس النفوذ البريطاني والقصر والقوى السياسية المختلفة، بينما سعت الجماعة إلى توسيع حضورها مستفيدة من حالة السيولة السياسية. وقد مثلت أحداث فبراير 1942، حين أجبرت بريطانيا الملك فاروق على تكليف مصطفى النحاس بتشكيل الحكومة، لحظة فارقة في إدراك الجماعة لطبيعة التوازنات السياسية وحدود الاستقلال الوطني. إذ تصاعد حضور الجماعة باعتبارها قوة اجتماعية وتنظيمية تمتلك قدرة على الحشد والتعبئة، في ظل هذه التحولات، خصوصًا مع تراجع وانحسار أو تآكل شعبية الأحزاب التقليدية. غير أن هذا الصعود ترافق أيضًا مع تعاظم النزعة التنظيمية المغلقة، وتزايد حضور العمل السري وشبه العسكري داخل الجماعة، وهو ما أسهم لاحقًا في تعقيد علاقتها بالدولة والمجتمع معًا.
لحظة تأسيسية
وبذلك، فإن تجربة الإخوان خلال الأربعينيات تكشف عن لحظة تأسيسية مهمة، انتقلت فيها الجماعة من إطار دعوي ناشئ إلى تنظيم سياسي حركي واسع النفوذ، يحمل مشروعًا شاملاً للدولة والمجتمع، لكنه في الوقت ذاته بدأ يُنتج التناقضات البنيوية ذاتها التي سترافقه في العقود اللاحقة: التوتر بين الدعوة والسياسة، وبين الطاعة والاختلاف، وبين المركزية التنظيمية ومتطلبات العمل العام.
لم يكن انخراط جماعة الإخوان المسلمين في المجال السياسي، وما ترتب عليه من تشابك مع دوائر الحكم والقوى السياسية والاقتصادية، مجرد تطور طبيعي في مسار جماعة دعوية آخذة في التوسع، بل كان تحولًا بنيويًا أعاد تشكيل طبيعة التنظيم ووظائفه وآليات اشتغاله الداخلية. فمع انتقال الجماعة من مرحلة “الدعوة الإصلاحية” إلى مرحلة أخرى “الحركة السياسية الشاملة”، بدأت تتولد داخل بنيتها تناقضات معقدة تتصل بإدارة السلطة، وتوزيع النفوذ، والعلاقة بين الأخلاقي والتنظيمي، وهي تناقضات ستظهر بصورة حادة في عدد من الأزمات الداخلية المبكرة، وفي مقدمتها أزمة عبد الحكيم عابدين، التي تُعد من أخطر الأزمات التنظيمية والأخلاقية التي واجهت الجماعة خلال حياة حسن البنا.١٢
وتكتسب هذه الأزمة أهمية خاصة، ليس فقط بسبب طبيعة الاتهامات المرتبطة بها، وإنما لأنها كشفت، بصورة مبكرة، حدود الخطاب الأخلاقي التعبوي، أو الديني بحمولاته وإطاره السياسي، الذي رفعته الجماعة، وأظهرت في الوقت نفسه آليات اشتغال السلطة داخل التنظيم، وكيفية توظيف مفاهيم الطاعة والولاء والشرعية التنظيمية لحماية دوائر النفوذ القريبة من القيادة. فمثّلت قضية عبد الحكيم عابدين لحظة فارقة في تاريخ الجماعة؛ إذ كشفت عن التناقض بين البنية الأخلاقية التي حاول الإخوان تقديم أنفسهم من خلالها، وبين اعتبارات الحفاظ على تماسك التنظيم وهيبة القيادة. فعابدين لم يكن عضوًا عاديًا داخل الجماعة، بل كان من الرعيل الأول، ومن أكثر الشخصيات قربًا من البنا، بعد أن زوجه الأخير شقيقته، ومنحه موقعًا متقدمًا داخل الهيكل التنظيمي.
وقد ساعدت هذه المكانة الخاصة في تحويل الأزمة من مجرد اتهامات أخلاقية إلى صراع داخلي حول طبيعة السلطة داخل الجماعة وحدود المساءلة التنظيمية. فالرجل الذي تولى الإشراف على نظام “التزاور” بين أسر الإخوان، والذي قُدِّم باعتباره آلية لتعميق الروابط الأخوية بين الأعضاء، وجد نفسه لاحقًا في قلب اتهامات تتعلق باستغلال هذا النظام في ممارسات وُصفت داخل بعض الأدبيات الإخوانية ذاتها بأنها “فضائح أخلاقية”.
وتكشف هذه الواقعة التاريخية عن جانب مهم من طبيعة التنظيم الإخواني، يتمثل في أن البنية المغلقة للجماعة، القائمة على الثقة والطاعة والتراتبية، قد تنتج في أحيان كثيرة مناطق معتمة يصعب إخضاعها للرقابة أو المحاسبة. فكلما ازدادت مركزية القيادة، وتعززت الهالة الرمزية المحيطة ببعض الشخصيات، تراجعت قدرة التنظيم على إدارة الأزمات بصورة مؤسسية شفافة.
وفي هذا الإطار، تبدو محاولة حسن البنا الدفاع عن عابدين، والطعن في خصومه داخل الجماعة، مؤشرًا على أولوية الحفاظ على وحدة التنظيم على حساب مبدأ المحاسبة والمسائلة أو العدالة والشفافية. فعلى الرغم من أن اللجنة التي شكلها البنا نفسه، وضمت شخصيات بارزة مثل أحمد السكري وإبراهيم حسن، انتهت إلى توصية واضحة بفصل عابدين، فإن البنا رفض التقرير، واعتبر أن القضية تُستغل لإثارة الفتنة داخل الجماعة.
ومن الناحية النظرية، تكشف هذه الواقعة عن إشكالية جوهرية في التنظيمات الأيديولوجية المغلقة؛ إذ غالبًا ما تُقدَّم “وحدة الجماعة” باعتبارها قيمة عليا تتقدم على معايير الشفافية والمحاسبة، وهو ما يؤدي إلى تسييس الأخلاق ذاتها داخل التنظيم، بحيث تصبح مرتبطة بمقتضيات الحفاظ على السلطة التنظيمية لا بمبادئ مجردة وثابتة.
فلم تكن تداعيات أزمة عابدين أخلاقية فحسب، بل تحولت إلى لحظة انقسام سياسي وتنظيمي داخل الجماعة، خصوصًا مع تصاعد موقف أحمد السكري، الذي قاد تيارًا معارضًا لمحاولة البنا احتواء القضية وتمريرها دون محاسبة حقيقية. وقد أظهرت الأزمة أن مفهوم “الطاعة” داخل الجماعة لم يكن مجرد قيمة تنظيمية، بل أداة لإعادة تعريف الشرعية ذاتها؛ إذ أصبح الخروج على قرار القيادة يُقدَّم بوصفه خروجًا على الجماعة ومشروعها، حتى وإن ارتبط الأمر بمطالب تتعلق بالمحاسبة أو الإصلاح الداخلي.
ومن هنا، فإن قرار البنا بفصل السكري وعدد من القيادات الأخرى، مثل محمد الغزالي وسيد سابق وخالد محمد خالد، لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل كان إعادة ترسيم لموازين القوة داخل الجماعة، وانتصارًا لنموذج القيادة المركزية على حساب الاتجاهات التي طالبت بقدر أكبر من المؤسسية والمساءلة. ١٣
ويكشف هذا المسار عن مفارقة عميقة داخل التنظيمات العقائدية؛ فبينما تقوم هذه التنظيمات على خطاب أخلاقي صارم، فإنها تميل، في لحظات الأزمات، إلى إعادة تأويل هذا الخطاب بما يخدم مقتضيات البقاء التنظيمي. ولذلك، فإن الأزمة لم تؤدِّ إلى تفكك الجماعة في حينه، بل على العكس، استطاعت القيادة احتواءها عبر إعادة إنتاج منطق الولاء والطاعة، وإقصاء الأصوات المعارضة. غير أن تجاوز الجماعة للأزمة تنظيميًا لم يكن يعني انتهاء آثارها البنيوية؛ إذ تركت هذه الواقعة أثرًا عميقًا في طبيعة العلاقة بين القيادة والقاعدة، ورسخت نمطًا من الإدارة يقوم على تغليب الولاء الشخصي والتنظيمي على آليات المحاسبة المؤسسية.
الثروة والثورة على التنظيم
مع اتساع نشاط جماعة الإخوان، وتزايد حضورها الإقليمي منذ خمسينيات القرن العشرين، باشرت الجماعة في بناء شبكات اقتصادية واستثمارية واسعة، شملت مجالات التجارة، والاستيراد والتصدير، والسياحة، والعقارات، والتعليم، والخدمات الصحية، والبرمجيات، وغيرها من القطاعات. ولم تكن هذه الشبكات مجرد أدوات مالية لتمويل النشاط التنظيمي، بل تحولت تدريجيًا إلى أحد مصادر النفوذ والهيمنة داخل الجماعة. فالتنظيم الذي يمتلك موارد اقتصادية ضخمة يصبح أكثر قدرة على إعادة إنتاج ذاته، وتعزيز ولاءات أعضائه، وتوسيع حضوره الاجتماعي والسياسي. بالتالي، يمكن فهم نشأة ما عُرف لاحقًا بـ”التنظيم الدولي للإخوان المسلمين”، بوصفه تعبيرًا عن انتقال الجماعة من إطار محلي مصري إلى شبكة عابرة للحدود، استفادت من التحولات الإقليمية والدولية، خصوصًا خلال الحرب الباردة، حيث جرى توظيف الجماعة في بعض السياقات الإقليمية والدولية لمواجهة تيارات قومية ويسارية.
غير أن هذا التوسع التنظيمي والاقتصادي أسهم، في الآن ذاته، في تضخم الإحساس بالقوة داخل الجماعة، وترسيخ قناعة لدى قطاعات منها بأنها تمتلك “مشروعًا تاريخيًا” قادرًا على اختراق الدولة والمجتمع وإعادة تشكيلهما. وقد ترافق ذلك مع تصاعد نزعة الاستعلاء التنظيمي، والإيمان بامتلاك “الحقيقة” أو “الشرعية” بصورة نهائية حصرية ومطلقة.
ومن الناحية السوسيولوجية، فإن التنظيمات العقائدية التي تمتلك شبكات اقتصادية واسعة تميل إلى التحول من مجرد حركات احتجاجية إلى نخب موازية، تسعى إلى بناء فضاءات نفوذ مستقلة داخل المجتمع، وهو ما يجعلها أكثر ممانعة تجاه أي تهديد لبنيتها الاقتصادية أو التنظيمية. وتبدو الأزمة التي واجهتها جماعة الإخوان المسلمين بعد 30 يونيو/حزيران 2013 امتدادًا تاريخيًا للتناقضات البنيوية التي رافقت التنظيم منذ نشأته، لكنها في الوقت نفسه تمثل ذروة هذه التناقضات وأكثرها تعقيدًا.
من موقع المعارضة إلى كرسي الفاعل
فبعد وصول الجماعة إلى السلطة عقب 2011، بدا أنها انتقلت من موقع “المعارضة الأيديولوجية” إلى موقع “الفاعل الحاكم”. غير أن هذا الانتقال كشف محدودية خبرتها في إدارة الدولة، وأعاد إنتاج التوتر القديم بين منطق التنظيم ومنطق السياسة. ومع سقوط حكم محمد مرسي، دخلت الجماعة في حالة من التفكك الداخلي غير المسبوق، حيث ظهرت انقسامات بين أجيالها المختلفة، وتصارعت مراكز النفوذ داخلها، بينما تآكلت شرعية القيادة التقليدية لدى قطاعات واسعة من الشباب. كما كشفت هذه المرحلة عن أزمة الخطاب الإخواني ذاته؛ إذ بدا التنظيم عاجزًا عن إجراء مراجعات حقيقية لتجربته في الحكم، أو إعادة تعريف علاقته بالمجتمع والدولة. وبدلًا من ذلك، اتجهت بعض أجنحته إلى إعادة إنتاج خطاب المظلومية والثورية، ومحاولة ربط الجماعة برمزية ثورة يناير، عبر تقديم نفسها بوصفها امتدادًا للحراك الثوري.
غير أن هذا الخطاب اصطدم بتحولات عميقة داخل المجتمع المصري، الذي بدا أكثر ميلًا إلى تحميل الجماعة مسؤولية جانب من حالة الاستقطاب والفوضى التي أعقبت الثورة. ولذلك، فإن محاولات بعض أجنحة التنظيم استدعاء مفردات “الثورة” و”الشرعية” بدت، لدى قطاعات واسعة، منفصلة عن التحولات الفعلية التي طرأت على الوعي العام بعد تجربة حكم الإخوان. قالخبرة التاريخية لجماعة الإخوان، تكشف أن الأزمات والانشقاقات التي عرفتها لم تكن مجرد نتاج لعوامل خارجية أو لضغوط السلطة السياسية، بل ارتبطت بصورة وثيقة بطبيعة البناء التنظيمي نفسه. فالبنية القائمة على مركزية القيادة، والسمع والطاعة، وتغليب الولاء التنظيمي على آليات المحاسبة، أسهمت في إنتاج تنظيم يبدو متماسكًا ظاهريًا، لكنه يحمل داخله قابلية دائمة للتصدع عند لحظات الأزمات الكبرى.
تناقض الخطاب الدعوي والسياسي
وهنا نعاود الإشارة إلى أن اشتباك الجماعة المبكر مع السياسة والاقتصاد والسلطة أوجد تناقضًا مستمرًا بين خطابها الأخلاقي وممارساتها الواقعية، وهو تناقض ظهر بوضوح في أزمة عبد الحكيم عابدين، ثم عاد بصورة أكثر حدة في أزمات الجماعة المعاصرة بعد 2013، كما سبقت الإشارة. وعليه، فإن فهم ديناميكيات الانشقاق داخل جماعة الإخوان المسلمين يقتضي النظر إليها بوصفها أزمة بنيوية لإطار التنظيم الأيديولوجي المغلق، وتتخطى أي طبيعة مؤقتة ظرفية أو حدثية سواء على مستوى الأشخاص أو الوقائع. فكلما تعاظمت مركزية السلطة داخل التنظيم، وضاقت مساحات النقد والمراجعة، ازدادت احتمالات الانقسام والتفكك، خصوصًا في البيئات السياسية المتحولة التي تفرض على الحركات العقائدية إعادة تعريف ذاتها بصورة مستمرة.
تبرز “رسالة المؤتمر الخامس”، التي أعلنها البنا عام 1939، باعتبارها واحدة من المحطات المفصلية في تاريخ الجماعة؛ إذ مثّلت إعلانًا واضحًا عن انتقال الإخوان إلى مرحلة جديدة أكثر انخراطًا في المجال السياسي العام. وفي الوقت نفسه، حملت الرسالة إشارات تنظيمية وفكرية مهّدت لتأسيس “النظام الخاص” وتبني العنف بل والتبشير به كما الصدام المحتمل والمحتوم مع الدولة والحكومات، الأمر الذي تحول لاحقًا إلى الذراع السرية المسلحة داخل الجماعة. هذه المرحلة، تعد نقطة تحول مركزية، انتقل خلالها التنظيم من مشروع دعوي إصلاحي إلى كيان يعلن عن طموحات سياسية وتنظيمية أوسع، بينما يمتلك أدواته الخاصة للحشد والتعبئة كما التنظيم والعمل السري. ١٤
كما تُعد “رسالة التعاليم” من أكثر النصوص تأثيرًا في تشكيل العقل التنظيمي للإخوان، لما تضمنته من مفاهيم تتعلق بالسمع والطاعة، والانضباط، وفكرة “الجندية” بالمعنى الحركي التنظيمي والأيدولوجي العسكريتاري داخل الجماعة. ورغم أن الرسالة ارتبطت في بداياتها بالدوائر التنظيمية الأكثر التزامًا داخل الإخوان، فإنها تحولت مع الوقت إلى وثيقة مركزية جرى تعميمها على مختلف مستويات التنظيم، بما رسّخ بنية تقوم على الطاعة الهرمية والتعبئة العقائدية.
ويمكن القول إن هذه الرسالة توثق مرحلة عنى فيها البنا إلى تجسير الصلات وردم أي هوّة بين الدعوي والحركي، بل دمجت بينهما داخل إطار واحد، بحيث أصبح النشاط الدعوي يؤدي وظيفة تعبئة أيديولوجية تخدم المشروع التنظيمي الأشمل.
وصحيح أن الجماعة لاحقًا حرصت على إبراز التمايز بين العمل الدعوي والعمل الخاص أو السري، في محاولة لتقديم نفسها كحركة إصلاح اجتماعي وسياسي منفتحة على المجتمع، بما يسمح لها ببناء حواضن وعلاقات ربما طارئة مع النخب السياسية والدينية والثقافية، وتوسيع حضورها داخل المجال العام من دون الاصطدام المباشر بالدولة في المراحل الأولى، فإن هذا العمل البراغماتي والانتهازي المؤقت، والفصل التنظيمي الظاهري، منح الجماعة قدرة على المناورة السياسية والاجتماعية لسنوات، إذ استطاعت توسيع نفوذها المجتمعي والاستفادة من أدوات العمل العلني، بالتوازي مع الحفاظ على بنية تنظيمية مغلقة سرية ومتشددة حركيًا. غير أن تطورات الأربعينيات، وما شهدته من أعمال عنف واغتيالات سياسية ارتبطت بـ”النظام الخاص”، دفعت قطاعات واسعة داخل المجتمع والدولة إلى إعادة النظر في طبيعة التنظيم وأهدافه الفعلية، وفتحت الباب أمام جدل استمر لعقود حول العلاقة بين البنية الفكرية للإخوان ومفهوم استخدام القوة في العمل السياسي.
العنف السياسي
ومن هنا، فإن عمليات العنف السياسي التي شهدتها مصر خلال الأربعينيات، وفي مقدمتها اغتيال محمود فهمي النقراشي، لم تكن مجرد أفعال منفصلة قامت بها عناصر خارجة عن السيطرة، بل تعبيرًا عن أزمة بنيوية داخل التنظيم، تتعلق بازدواجية الخطاب بين الدعوة العلنية والعمل السري، وبين الشرعية السياسية ومنطق التنظيم المغلق. وقد أدت هذه التطورات إلى دخول الجماعة في مواجهة مباشرة مع الدولة المصرية، انتهت باغتيال حسن البنا عام 1949، ثم لاحقًا بالصدام مع نظام جمال عبد الناصر بعد حادث المنشية عام 1954، الذي اتُّهم فيه عناصر من التنظيم بمحاولة اغتيال عبد الناصر.١٥
. هنا، يمكن القول إن التنظيم الخاص لم يكن مجرد جهاز أمني داخل الجماعة، بل مثل نواة لتحول أيديولوجي أعمق، يقوم على فكرة “الطليعة المؤمنة” التي تمتلك حق استخدام القوة لإعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق تصورها الخاص للإسلام السياسي.
وقد مثّلت أفكار سيد قطب نقطة تحول محورية في تطور البنية الفكرية لجماعة الإخوان، خصوصًا بعد مرحلة الصدام مع نظام عبد الناصر. فبينما حمل خطاب حسن البنا قدرًا من البراغماتية السياسية والغموض الأيديولوجي، جاءت كتابات قطب أكثر حدة ووضوحًا في تأسيس رؤية راديكالية للمجتمع والدولة. وقد أعاد قطب دمج العناصر المؤمنة بالعنف والعمل السري داخل إطار فكري متماسك، من خلال مفاهيم مثل “الحاكمية”، و”جاهلية المجتمع”، و”الولاء والبراء”، وضرورة “المفاصلة الشعورية” مع الأنظمة والمجتمعات التي لا تحكم بما أنزل الله، وفق تصوره. ١٦
غير أن البنا لامس أفكار قطب الحركية في رسالة التعليم، إذ جاء في الأخير: “هذه رسالتي إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين الذين آمنوا بسمو دعوتهم، وقدسية فكرتهم، وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها، أو يموتوا في سبيلها، إلى هؤلاء الإخوان فقط أوجّه هذه الكلمات، وهي ليست دروساً تحفظ، ولكنها تعليمات تنفذ، فإلى العمل أيّها الإخوان الصادقون”. ١٧
وفي رسائل المرشد المؤسس لللإخوان وهي (25 رسالة) بشر بالصدام الحتمي مع الأنظمة والحكومات السياسية، بل وعدّها نتيجة طبيعية للخصومة التي لا يمكن أن تنتهي بتوافق أو وئام، وقال في رسالته المعنونة بـ”بين الأمس واليوم”: “أحب أن أصارحكم أنّ دعوتكم لا تزال مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية”.
بل إن البنا تخطى تبشيره بالعنف والصدام مع الدولة إلى تعميم العنف ضد المجتمع الذي سيصبح “جاهلي” في أدبيات ونصوص سيد قطب، ويقول في رسالة “التعاليم”: “الإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية، حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنّهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أولًا، وينتظرون بعد ذلك، ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح”.
وتابع على نحو يبرز توليد آليات اشتغال خطاب المحنة والمظلومية: “وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدي هذا الامتحان: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}. ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين… فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟”. وفي رسالة “بين الأمس واليوم”، يقول: “وإن قيل لكم أنتم دعاة ثورة، فقولوا نحن دعاة حق وسلام، نعتقده ونعتز به، فإن ثرتم علينا ووقفتم في طريق دعوتنا، فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا، وكنتم الثائرين الظالمين”.١٨
إذًا، من الناحية النظرية، أسهمت هذه المفاهيم في نقل الصراع من كونه صراعًا سياسيًا مع السلطة إلى صراع وجودي مع المجتمع والدولة الحديثة ذاتها. فالمشكلة، وفق الرؤية القطبية، لم تعد مرتبطة فقط باستبداد النظام السياسي، بل ببنية المجتمع الذي يعيش في “جاهلية معاصرة”. وهنا تكمن خطورة التحول القطبي؛ إذ إنه أعاد تعريف الدولة الوطنية ومؤسساتها بوصفها كيانات فاقدة للشرعية الدينية، الأمر الذي فتح المجال أمام تصورات راديكالية ترى أن التغيير لا يتحقق عبر الإصلاح التدريجي أو المشاركة السياسية، بل عبر إعادة تأسيس المجتمع من جديد بعد “تحطيم الطاغوت”.
ورغم محاولات بعض تيارات الإخوان لاحقًا تقديم قراءة مخففة لأفكار قطب، إلا أن التيار القطبي ظل حاضرًا بقوة داخل البنية التنظيمية للجماعة، خصوصًا في ظل صعود شخصيات مثل محمد بديع ومحمود عزت وخيرت الشاطر، الذين ارتبطت رؤاهم بدرجات متفاوتة بالإرث القطبي والتنظيمي الصلب.
الألفية الجديدة وتحولات السياسة
ولا يمكن فهم تطور جماعة الإخوان المسلمين بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية التي أعادت تشكيل موقع الإسلام السياسي منذ نهاية الحرب الباردة وحتى مرحلة ما عرف بـ”الربيع العربي”. فالجماعة، بوصفها تنظيمًا عابرًا للحدود، استفادت تاريخيًا من تناقضات النظام الدولي، ومن رغبة بعض القوى الإقليمية والدولية في توظيف الإسلام السياسي لموازنة خصومها.
وفي هذا الإطار، تبدو اللقاءات التي جرت مطلع الألفية الجديدة بين قيادات إخوانية ودبلوماسيين غربيين مؤشرًا على محاولات إعادة تعريف الجماعة دوليًا باعتبارها “إسلامًا سياسيًا معتدلًا” يمكن دمجه في المجال السياسي الرسمي. وقد تزامن ذلك مع ضغوط غربية على نظام الرئيس السابق محمد حسني مبارك لإجراء إصلاحات سياسية، سمحت للإخوان بتحقيق اختراق انتخابي مهم في انتخابات 2005. غير أن هذا الانفتاح لم يكن معزولًا عن تحولات أوسع شهدتها المنطقة، شملت صعود نماذج الإسلام السياسي الحاكم، مثل تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، وفوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية عام 2006. وقد عززت هذه التحولات شعور الجماعة بأن اللحظة التاريخية أصبحت مواتية لانتقال الإسلام السياسي من موقع المعارضة إلى موقع الهيمنة السياسية. إلا أن هذا التصور اصطدم لاحقًا بواقع إقليمي ودولي أكثر تعقيدًا، خصوصًا بعد سقوط حكم الإخوان في مصر عام 2013.
خطاب المظلومية والتحولات الإقليمية
إذ شكّل الدعم الذي قدمته قطر وتركيا لجماعة الإخوان المسلمين بعد 2013 أحد أبرز مظاهر إعادة التموضع الإقليمي للجماعة. غير أن هذا الدعم لم يكن نابعًا فقط من تقارب أيديولوجي، بل ارتبط أيضًا بحسابات جيوسياسية تتعلق بالصراع على النفوذ في الشرق الأوسط. فقد سعت الدوحة إلى توظيف الجماعة ضمن استراتيجيتها الإعلامية والإقليمية، عبر توفير منصات إعلامية، أبرزها الجزيرة، التي لعبت دورًا مهمًا في إعادة إنتاج خطاب المظلومية الإخواني وتدويله.
إلا أن التحولات الخليجية، وتصاعد الضغوط من السعودية والإمارات العربية المتحدة، دفعت قطر تدريجيًا إلى تخفيف مستوى دعمها العلني للجماعة، بما يعكس الطبيعة البراغماتية للعلاقات الإقليمية. أما العلاقة مع رجب طيب أردوغان، فقد ارتبطت بصورة أوضح بطموحات تركيا الإقليمية، ومحاولتها توظيف الإسلام السياسي لتعزيز نفوذها في ملفات مثل ليبيا وسوريا وشرق المتوسط. ومن هنا، أصبح ملف الإخوان جزءًا من شبكة أوسع من التنافس الجيوسياسي بين أنقرة والقاهرة.
وفاة محمد مرسي والانشقاقات
مثّلت وفاة محمد مرسي عام 2019 لحظة كاشفة لحجم الانقسامات داخل جماعة الإخوان المسلمين، إذ أظهرت تباينًا حادًا في خطاب أجنحتها المختلفة، وفي طريقة تعاطيها مع مفهوم “الشرعية” ذاته. ففي حين حاول تيار يقوده محمود حسين إعادة تعريف الشرعية باعتبارها “شرعية الشعب” لا “شرعية الفرد”، تمسك تيار آخر بخطاب أكثر تصعيدًا وثورية، كما ظهر في مواقف شخصيات مثل حمزة زوبع وبعض بيانات ما يُعرف بـ”جبهة الشباب”.
وتكشف هذه التباينات عن أزمة عميقة في الرؤية والاستراتيجية داخل التنظيم؛ إذ لم تعد الجماعة تمتلك سردية موحدة لإدارة أزمتها، ولا تصورًا واضحًا لموقعها داخل المشهد السياسي المصري والإقليمي بعد التحولات التي أعقبت 2013.
إن قراءة تاريخ جماعة الإخوان تكشف أن التنظيم ظل، على امتداد عقود، أسير جدلية معقدة بين الدعوة والسياسة، وبين البراغماتية والراديكالية، وبين الدولة الوطنية ومشروع “الأمة” العابر للحدود و”أستاذية العالم”. وقد أنتجت هذه الجدلية بنية تنظيمية قادرة على التكيف والاستمرار، لكنها في الوقت ذاته حملت داخلها عناصر التوتر والانقسام الدائم.
كما أن خطاب المظلومية، الذي استخدمته الجماعة بصورة متكررة، لم يكن مجرد أداة خطابية، بل مثل آلية لإعادة إنتاج الهوية التنظيمية وحماية التماسك الداخلي في أوقات الأزمات. غير أن التحولات الإقليمية والدولية، وتراجع صعود الإسلام السياسي، والانقسامات الداخلية المتزايدة، كشفت حدود هذا الخطاب، وأظهرت أن الجماعة تواجه اليوم أزمة تتجاوز فقدان السلطة إلى أزمة تتعلق بطبيعة مشروعها ذاته، وقدرته على التكيف مع الدولة الوطنية الحديثة وتحولاتها الاجتماعية والسياسية.
وبالعودة إلى خطاب أو بيان حمزة زوبع القيادي بالجماعة والمحسوب على جناح مختلف عن جناح محمود حسين، إثر وفاة محمد مرسي، فأعلن خلال برنامجه المتلفز عن رفضه قبول العزاء في محمد مرسي، وأن قضيته ما زالت في إطار التصعيد، بيد أن فصيلاً آخر من الجماعة يعرف بجبهة المفصولين أو جبهة الشباب، أطلقت بيان المكتب العام، عقب وفاة مرسي، أشارت فيه إلى ضرورة إعادة تأطير الأجندة الثورية، عبر محوري الفكر والحركة، ومن خلال ذلك رأى البيان أن محمد مرسي يشكل رمزا لتجربة ديمقراطية، وأن ثمة تعمد لقتله بالإهمال الطبي وهنا يغفل البيان عن صورة الجماهير المحتشدة في الميادين المصرية وهي ترفض تجربة حكم الاخوان وتطالب بإقصائهم. ولهذا، طرح البيان في نقطة أخرى رفضه التعاطي والاشتباك السياسي مع النظام في القاهرة، ويجدول خطة عمل لتجاوز تلك الأزمة على حد تعبير البيان من خلال الخيار الثوري الشامل، وتغيير منظومة الحكم في مصر، استناداً لتوحيد الصفوف ونبذ الخلافات. وهنا نحن بصدد خطاب تكتيكي لطالما لجأت إليه الجماعة، في لحظات الضعف والتحول، غير أن ذلك يغفل حالة من استقرار النظام السياسي في مصر ونجاحاته، على مستوى القضايا الاقليمية والدولية، مما يضع هذه الأطروحة في فضاء الخيال السياسي.١٩
وبينما ذكر البيان: “قمنا بمراجعات داخلية متعددة، وقفنا خلالها على أخطاء قمنا بها في مرحلة الثورة ومرحلة الحكم، كما وقفنا على أخطاء وقع فيها الحلفاء والمنافسون من مكونات الثورة”، لكنه لم يطرح تفاصيل تلك الأخطاء وكيفية معالجتها، فضلاً عن ماهية السياق، الذي سيسمح ببعث التنظيم، مرة أخرى، في إطار الرفض المجتمعي لتلك الافكار، وتآكله حواضنه وتراجعها عن مساندته، يضاف لذلك، ضعف التأييد الاقليمي والدولي لتنظيمات الإسلام السياسي، بسبب أنتجته من مظاهر العنف القائم على المرجعية “الإسلاموية” في عدد من دول العالم.
خاتمة
تكشف قراءة البنية التنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين أن مفهوم “البيعة” لم يكن مجرد آلية رمزية للانتماء أو أداة تربوية لضبط السلوك الفردي، بل مثّل أحد المرتكزات المؤسسة للعلاقة بين السلطة والتنظيم داخل الجماعة. فمن خلال البيعة، أعيد إنتاج شرعية القيادة، وصيغت العلاقة بين الفرد والجماعة على أساس من الالتزام والانضباط والولاء، بما منح التنظيم قدرة لافتة على الاستمرار والتماسك عبر مراحل تاريخية اتسمت بالاضطراب والصدام مع الدولة والتحولات السياسية المتعاقبة.
غير أن الدراسة تُظهر في المقابل أن العناصر ذاتها التي أسهمت في تعزيز تماسك الجماعة كانت تحمل في داخلها عوامل توتر بنيوية كامنة. فكلما ازدادت مركزية القرار، وتقلصت مساحات المراجعة والاختلاف، تحولت البيعة من أداة لتنظيم العلاقة بين القيادة والقاعدة إلى إطار يحد من إمكانات التصحيح الداخلي والتجديد المؤسسي. ومن هنا، لم تبدُ الانشقاقات التي عرفتها الجماعة عبر تاريخها الطويل حوادث استثنائية أو مجرد نتاج لخلافات شخصية أو ظروف سياسية عابرة، بل تعبيرًا متكررًا عن التوتر القائم بين متطلبات الانضباط التنظيمي من جهة، وحاجات العمل السياسي ومتغيراته من جهة أخرى.
كما تكشف الخبرة التاريخية للجماعة أن الانخراط المتزايد في المجال السياسي وضع البناء التنظيمي أمام اختبارات لم تكن الأدوات التقليدية للسمع والطاعة كافية لاحتوائها. فالمجال السياسي بطبيعته يقوم على التعددية والتفاوض وإدارة الاختلاف، بينما استند التنظيم إلى بنية هرمية تميل إلى توحيد القرار وتعظيم قيمة الامتثال. وقد أدى هذا التناقض إلى تعميق الأزمات الداخلية كلما واجهت الجماعة تحولات كبرى، كما حدث في عدد من المحطات المفصلية منذ مرحلة التأسيس وصولًا إلى الانقسامات التي برزت بوضوح بعد عام 2013.
وفي هذا السياق، تبدو التحولات التي أصابت الجماعة خلال العقد الأخير ذات دلالة خاصة؛ إذ لم تقتصر على إعادة توزيع موازين القوة بين أجنحتها المختلفة، بل طالت أيضًا الأسس الرمزية التي استندت إليها شرعية القيادة داخل التنظيم. وقد أظهرت هذه التحولات حدود النموذج التنظيمي التقليدي في إدارة الأزمات الممتدة، كما أعادت طرح أسئلة جوهرية تتعلق بموقع البيعة، وحدود الطاعة، وإمكانات المراجعة المؤسسية داخل الحركات الأيديولوجية ذات البنى المغلقة.
وعليه، فإن فهم ديناميكيات الانشقاق داخل جماعة الإخوان المسلمين لا يقتضي النظر إلى الخلافات بوصفها انحرافًا عن القاعدة التنظيمية أو خروجًا عليها، بقدر ما يقتضي قراءتها باعتبارها جزءًا من التفاعلات التي تنتجها البنية التنظيمية نفسها. فالمفارقة الأساسية التي تكشفها التجربة الإخوانية تتمثل في أن الآلية التي صُممت تاريخيًا للحفاظ على وحدة التنظيم وضمان تماسكه، أسهمت في ظروف معينة في إنتاج أسباب الانقسام داخله. ومن هذه الزاوية، تتيح دراسة البيعة بوصفها مفهومًا تنظيميًا وسياسيًا مدخلًا أوسع لفهم إشكاليات السلطة والشرعية وإدارة الاختلاف داخل الحركات الأيديولوجية المعاصرة عمومًا، وليس داخل جماعة الإخوان المسلمين فحسب.
_______________________________________________
المراجع :
١-حسن البنا، مجموع رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، دار الشروق، القاهرة، “رسالة التعاليم”، ص. 274–278.
٢-حسن البنا ، مجموع رسائل الإمام الشهيد ، مرجع سابق ٢٨٠
٣-،محمود عبدالحليم ، أحداث صنعت التاريخ ، نسخة الكترونية.
٤- محمود عبدالحليم ، مرجع سابق
٥- محمد حبيب ، مقابلة خاصة، القاهرة ، ٢٠١٦
٦- كمال الهلباوي ، مقابلة خاصة ، ٢٠١٤
٧- حسن البنا ، مذكرات الدعوة والداعية ، نسخة الكترونية
٨- محمود عبدالحليم ، أحداث صنعت التاريخ ، مرجع سابق
٩-حسن النا ، مذكرات الدعوة والداعية ، مرجع سابق
١٠- علي عشماوي، التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1987.
١١- رفعت السعيد ، مقابلة خاصة ، ٢٠١٤
١٢-طارق البشري ، المسلمون والاقباط في اطار الحركة الوطنية ، دار الشروق.
١٣ – كمال الهلباوي ، مقابلة خاصة
١٤- علي عشماوي ؛ التنظيم السري ، مرجع سابق
١٥- رفعت السعيد ، مقابلة خاصة
١٦-سيد قطب ، معالم في الطريق ، نسخة الكترونية
١٧ – حسن البنا ، مجموعة رسائل ، مرجع سابق
١٨- حسن البنا ، مرجع سابق
١٩-حمزة زوبع، حلقة برنامج “مع زوبع”، قناة مكملين، يونيو/حزيران 2019، تعليقًا على وفاة محمد مرسي.