البَعْطُ المفاهيميُّ: محاولة تشريح الخليط المشوه في الفكر العربي

 تكوين

عند ذبحِ الخروف، أو الدجاجة أو… يُقال إنه يَبْعَطُ بدمه. وعند اصطياد سمكةٍ بصنارة صيد، أو أي وسيلة أخرى، ووضعها خارج الماء فهي تبعط… اعتمادًا على أرض الواقع المُتجسدة في التجربة المعاشة، المُعبر عنها بكلمة تصفها، يُمكننا أن نقول إن البَعْطَ، هو فعلٌ لا إرادي يقوم به “المقتول” قبل وفاته. لا إرادي، أي لا يمتُّ للعقلِ بأي صلة، والعقل هنا بمعنى الفعل المُفكر فيه قبل القيام به، أو العزوف عنه! حرية الارادة، إن وجدت، أو منعدمة ليست شأننا هنا.

عند مزجِ أكثرَ من عنصرٍ مع بعضهم البعض، وبخاصة إن كان المزجُ غيرَ متجانسٍ، يُمكن لهذا المزجِ أن يسمى: خليطًا! فمثلًا الماء مركب ناتج عن مزج، بمعنى ارتباط وتداخل تفاعلي، الأوكسجين مع الهيدروجين بنسبة ثابتة، وإذا تغيرت هذه النسب، لا وجود للماء! بينما صحن السلطة هو خليطٌ من الخضار، وفقًا لنوع السلطة، بنسب غير محددة؛ وعناصره غير متداخلة وغير متفاعلة، فلا يفقد كل عنصر من عناصر السلطة خواصه. ويُمكن تعديل نسب الخلط، وفقًا لرغبة من يقوم بالخلط لإنتاج نكهة جديد، وبخاصة إذا أُضيف إلى هذا المزيج عنصرٌ جديدٌ!

يبدو أنه توجد علاقة تنافرية وتجاذبية في آن واحد بين البَعْطِ والخليط! علاقة تناقضية تجعل من كليهما مسألةً لا تفترق فيها الأولى عن الأخرى، وبخاصة إذا كانت “مقصودة”! لكن كيف لها أن تكون مقصودة، أي لها غاية تسعى في تحقيقها بالمعنى الأرسطي، والبَعْطُ فعلٌ لا إرادي، أما الخليطُ فعلٌ إراديٌّ إلى حدٍ كبيرٍ؟

عندما يبعط الخروف بدمه أو الدجاجة بدمها أو… بعد الذبح، يختلطُ الدمُ بما يحيط به من دون أي فعل إرادي من المذبوح، أما عند خلط مكونات صحن السلطة يكون الأمرُ إراديًا! لكن لحظةً، أليس بَعْطُ مكونات الصحن عند خلطها هو ما يُنتج صحن السلطة! وهل كان بالإمكان تحضير الصحن من دون بَعْطِ مكوناته من قِبل من حَضَّرَهُ؟

هنا تتحول أحد أوجه البَعْطِ إلى فعل إراديٍّ لإنتاج خليطٍ قد يكون في بعض الأحيان مُتجانسًا وفي أحيان أخرى ليس كذلك. لذا سوف نحاول البقاء ضمن حدود هذا الوجه، البَعْطُ بوصفه فعلًا إراديًّا لإنتاج الخليط.

تُعَدُّ الأفكارُ واحدةً من أكثر الأمور تعقيدًا، وبخاصة عند إنتاج مفاهيم ومصطلحات ما تزال حدودها غير واضحة المعالم؛ فتتداخل هذه المفاهيم وتنبعط بفعل إرادي، لينتج خليطًا مشوهًا، في كثير من الأحيان، فيتحول هذا المنتجُ المشوهُ إلى نوع من خليط مشوه لتحليل وقراءة الواقع.

هذه ظاهرةٌ لا تخص مجتمعًا بعينه، وإن تفاوتت درجات الخليط المشوه، بل هي عالميةٌ بدأت تُعمم منذ نهاية القرن العشرين وتتكرس في القرن الحالي. نورد مثالًا بسيطًا عن هذا البَعْطِ الفكري الإرادي لإنتاج خليطٍ مشوهٍ فارضًا مقاربة الواقع من خلاله.

مصطلح حضارة، وإذا كانت حدوده غيرِ واضحةِ المعالم، لكن مهما كانت مُبهمةً هذه الحدودُ فهو مُغايرٌ عن مصطلح ثقافة. قد يتداخل المفهومان في بعض الجوانب، لكن ليس في جميعها وإلا تحولت “حضارة” إلى “ثقافة”، ولما كانت هناك حاجةٌ إلى استخدام مصطلحين للتعبير عن حالة واقعية واحدة! مصطلح “حضارة” مُغاير عن “ثقافة”، وكذلك مصطلح “ثقافة” مُغاير عن مصطلح “دين”… أي لكل مصطلحٍ حدود لاستخدامه إلا أن جميع هذه الحدود سقطت في البَعْطِ الفكري الإرادي مُنتجًا خليطًا غيرَ متجانسٍ يُفرض لقراءة الواقع فتتحول الحضارة إلى مرادفٍ للثقافة والثقافة مرادفةً للدين… يُمكن فصلهم ويُمكن الترادفَ وفقًا لأهواء البَعْطِ الفكري!

أمرٌ جلي جدًا في مؤلفات واحدٍ من “أبرز مفكري” الوقت الراهن! كل من يقرأ “صراع الحضارات“، لمؤلفه “سامويل هانتغتون”، ومن دون أي عناء فكري يلتقط -إن لم يكن مستلبًا بفكره وأفكار أمثاله- هذا البَعْطُ الفكري الإرادي!

من خلال هذا الخليطِ المُشوهِ تُصبح كلُّ النزاعات والحروب الجارية في العالم، نزاعاتٍ وحروبًا بين “حضارات”! من دون أن ننسى أن “حضارة” -وفقًا له- مرادفةً للثقافة أو للدين أو… فـ “الحروب التجارية” بين الصين وأميركا، هي حروبُ حضاراتٍ لا حربُ اقتصادٍ! والأمر اللافت للنظر في خُطة الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” للسلام في فلسطين، هو وجودُ بندٍ أساسي ينص على تشكيل لجنة للحوار بين الأديان، اليهودي والإسلامي، لنبذ الكراهية! أي القضية الفلسطينية في جوهرها هي حربٌ بين الأديان، أو حضارتين متحاربتين أو ثقافتين متناحرتين…!

بَعْطٌ فكريٌّ إرادي يُنتج خليطًا مشوهًا، نأخذه ونسير به لقراءة واقعنا في العالم العربي. للتحرر من هذا البَعْطِ علينا بداية، العمل على تحديد -ولو بالحد الأدنى- حدود المصطلحات التي نستخدمها في مقاربة واقعنا العربي.

ما نزال في عالمنا العربي نبعط أكثر في كثير من المصطلحات، ويعود جزء من البَعْطِ إلى عدم إنتاجنا لها، بل نأخذها ونحاول قراءة الواقع بها، فندخل في دوامة البَعْطِ المستورد بالإضافة إلى ما نحمله من موروث فكري يُعَبِّرُ في جزء منه عن واقعنا، وفي جزء منه تخطاه الزمان!

من أمثلة هذا البَعْطِ، فنحن لم نختبر العيش في مفهوم الدولة الحديثة، لأنها حديثة العهد علينا وأُسقطت علينا مع تفتيت الإمبراطورية العثمانية باتفاقية سايكس – بيكو، بل اختبرنا العيش في كنف الإمبراطورية. لم نختبر العيش في ظل نظام سياسي منفصل عن الدين، بل كلُّ الإمبراطوريات، وأشكال الأنظمة السياسية حتى زمن تفكك الإمبراطورية العثمانية، كانت أنظمةً قائمة على أسُس دينية. تناحراتٍ أخذت الشكل الصراعات المذهبية والطائفية، في الدين الإسلامي، أدت إلى ولادة هذه الإمبراطوريات والأنظمة السياسية الإسلامية.

طغيان الوجه الطائفي والمذهبي على الصراع السياسي في التاريخ الإسلامي، حوَّلَ كل صراع على السلطة السياسية إلى صراع يلبس لبوسَ الصراع المذهبي الطائفي، فتحول هذا الشكل الظاهري في الصراعات السياسية إلى موروث ثقافي متجذر في العربي – الإسلامي، نافيًا أي دور لفاعل خارج هذا الإطار ومن هم “غير مسلمين”. صراع ظهر منذ اللحظات الأولى لوفاة نبي الإسلام وتعالي صرخة “أمير منكم وأمير منا” المُعبر عن الصراع بين أهل المدينة وأهل مكة…!

كل هذا الموروث الثقافي عبر القرون وجد نفسه فجأة، وبفترة زمنية قصيرة، أمام أشكال جديدة تتخطي كثيرًا من مفاهيمه، ومنها مثلًا الدولة – الأمة، فصل الدين عن السياسية، الديمقراطية، مساوة المسلمين وغير المسلمين أمام القانون، تشريعات تجري على الجميع، شرذمة المجتمع الواحد وتفتيته بحدود دول تمنع التنقل أفراد المجتمع الواحد بحرية فيما بينها، وصولًا إلى حد أفراد العائلة الواحدة التي انقسمت إلى عائلات، كل منها يعيش في موقع جغرافي سياسي ممنوع عليه الانتقال لرؤية أفراد اسرته في الموقع الآخرِ، وبخاصة أن من طبيعة الأسرة في المجتمع العربي، هي أسرةٌ ممتدة، ويعتمد كثيرًا على النسب الأبوي. على سبيل المثال لا الحصر، كم من اسم عائلة مشترك بين العائلات العربية في أكثر من دولة عربية؟ أليس الاشتراك في اسم العائلة دليلٌ على أن هذه الأسرة كانت واحدة؟

لنأخذ أي “دولة” عربية مثالًا واقعيًّا مُعاشًا لهذا البَعْطِ الفكري الإرادي. لا مساواة فيها بين المواطنين انطلاقًا من حصرية وظائف معينة، وبخاصة بما يتعلق برأس الهرم السلطوي. هرم السلطة وفقًا للنصوص الدستورية يجب أن يكون مسلمًا. نص دستوري لا يجوز خرقه حصر هذا المركز بديانة معينة، مانعًا كل من هم خارجها من أن يكون لهم دورٌ سياسيٌّ فيه! والأمر الأخطر بالإضافة إلى تحديد ديانة رأس الهرم، هو حصره بمذهب معين. عملية تُلغي الدور السياسي ليس فقط لمن خارج هذا الدين، بل لمن هم خارج هذا المذهب، وإن انتموا إلى الدين نفسه!

قوانين الأحوال الشخصية: لا يوجد قانونٌ موحد للأحوال الشخصية. في البلدان العربية كافة تتبع قوانين مذهب معين، وصولًا إلى حد إلغاء القوانين المذهبية الأخرى كُلها، أو تطلق العنان للمذاهب والطوائف والأديان جميعها، ليكون لكل منها محاكمه الخاصة المنفصلة عن الأخرى، كما في لبنان على سبيل المثال، حيث ما يقرب من 18 قانون أحوال شخصية، ولكل منها محاكمه الخاصة. أو في أحيان أخرى تحصر السلطة السياسية قوانين الأحوال الشخصية بمذاهب أو أديان محددة فيوجد فيها عدد من محاكم الأحوال الشخصية حددتها السلطة السياسية.

من السياسي إلى الاجتماعي، كرَّست هذه الأنظمةُ السياسية الحديثة في العالم العربي التشرذمات المجتمعية على أسسٍ مذهبية وطائفية ودينية بدل أن تقوم بإلغائها على اعتبار أنها من أسُس الدولة الحديثة مساواة الجميع أمام القانون! فبعط الفكر إراديًا في أحد جوانب مفهوم الدولة الحديثة وأنتج لها مفهومًا هو عبارةٌ عن خليطٍ غيرِ متجانسٍ معتبرة هذا الخليط ما يحفظ “الدولة” من التفكك!

ولا يتوقف الأمر عند هذا البَعْطِ، بل يتخطاه ليدخل في بَعْطٍ أكثرَ انبعاطًا: وجود قوانين تساوي بين أفراد هذه الدولة العربية أو تلك، وبخاصة تلك القوانين المتعلقة بسوق العمل، وتحديدًا سن العمل، وعمر الحصول على رخصة قيادة، وعمر التطوع في المؤسسة العسكرية، وقوانين العقوبات… أي القوانين الوضعية. فأنتج هذا البَعْطُ الفكري الإرادي ضمن “الدولة” قوانينَ متناقضة تحت مظلة خطب سياسية، تقول إن أبناءَ الوطن الواحد متساوون!

بَعْطٌ فكري إرادي، يضعنا أمام إشكالية أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه. إنها إشكاليةٌ تتعلق بظاهرة الأصولية! فما نشهده اليوم من طفو للأصوليات، وليس الأصولية بالمفرد، على سطح المجتمعات العربية لتتسيد المشهد السياسي فيه ليس بالأمر المستجد! فالتاريخ الإسلامي مفعمٌ إلى حد التشبع بهذه التناحرات الأصولية، التي كرستها الإمبراطوريات والأنظمة السياسية التي كانت قائمة في حينها، منذ لحظة “أمير منكم وأمير منا“، وصولًا إلى سايكس – بيكو. الأمر المُستجد هو عودتها لتطفو على السطح ضمن أنظمة سياسية من المفترض أنها قضت على هكذا موروث ثقافي، أنظمة سياسية تُسمى بالدولة الحديثة، أو الدولة – الأمة.

فأتت معالجة هذه الظاهر من كثيرٍ من المفكرين العرب وغيرِ العربِ، لتدرسها وكأنها تلك الظاهرة التاريخية الثابتة في العقل العربي، سالخين إياها عن التطورات التاريخية كافة التي مرت بها المنطقة العربية، وبخاصة تلك الأحداث التي تلت تفكك الإمبراطورية العثمانية، وما أفرزته اتفاقية سايكس – بيكو من سلبيات أسهمت إسهامًا مباشرًا في إعادة إحياء هذه الأصوليات ضمن أنظمة سياسية عملت على تكريسها لا إلغائها خدمة لـ “عقدة الخواجة“.

وهنا استعاد البَعْطُ الفكري الإرادي انتاجيته لفرض قراءة الأصوليات، وكأنها ذاك الثابتُ في العقل العربي المتوجب التخلص منه، أو القضاء عليه، دافعًا بـ “الدولة” بأخذ الإجراءات اللازمة للقيام بهذه المُهمة! مصورًا إياها على أنها “المخلص” في حين أنها فاعلٌ أساسي في تكريسها! فأدخل هذا البَعْطُ أفكارًا مشوهة إضافية لمعالجة هذه الظاهرة. ومنها على سبيل المثال لا الحصر، وجوب تعديل كثيرٍ من البرامج الدراسية التي تُسهم في “محاربة” هذه الظاهرة. قد يكون أسلوبًا جيدًا، لكنه مُميت في تناقضه، لأنه يزيد الأصولية أصولية!

نعود إلى مسألة تحديد مذهب وديانة رئيس الجمهورية، أو قوانين الأحوال الشخصية أو… على سبيل المثال، بينما يعمل النظام التعليمي، وفقًا للسياسة التعليمة التي رسمتها الدولة، على تكريس أفكار متناقضة مع هذا الواقع المعاش! ومقولات لا تُعَدُّ ولا تحصى عن أوجه التناقض القائمة كلها بين ما يُقال، وبخاصة على مستوى “المفكرين” و”المنظرين” وداعمي الأنظمة السياسية، وما يُطبق على أرض الواقع.

لم يَعُدْ الأمرُ محصورًا في حدود العالم العربي، بل تخطاهُ ليتحول إلى ظاهرة عالمية! فتأتي الخطابات من الخارج “المؤيدة” للعمل على القضاء على الأصوليات، بينما نسمع الخطاب الأصولي في الخارج يطفو على السطح مثله مثل الخطاب الأصولي العربي! لكن في الخارج مُقنع بقناع “الديمقراطية”، وفي العالم العربي مقنع بقناع “الإرهاب”!

خطابهما واحدٌ لا فارقَ فيه إلا اللغة، كلاهما يكرس تجذر الفكر الأصولي، سواء كان الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي أو البوذي… ليُعيد إقحام الفكر القدسي في الشأن العام.

كي لا نبقى في مجال التنظير، كمن يسكن في برجٍ عاجيٍّ ويَنظر من أعلاه مُعتبرًا نفسه فوق النقد أو محاربًا بسيف السلطان. بل لنأخذ أمثلة مُعاشة يوميًا في عقل كل إنسان أينما وُجِدَ.

بداية الانتقال من الإمبراطورية، أو النظام السياسي، الذي كان قائمًا حتى تفتت الإمبراطورية العثمانية، ونشوء “الدول” في المنطقة، هو انتقالٌ سريعٌ جدًا ولم ينضج بعد، ليكون ذاك الشكلَ الطبيعي لمفهوم الدولة. فمن البدهي وجود هذا الصراع بين “الأصوليات” الداعية إلى العودة الى تلك الصيغة التاريخية “الذهبية” تخلصًا من التنازعات والصراعات جميعها الوقت الراهن. وفكرة تلك “الفترة الذهبية”، وتحديدًا بدايات نشوء الديانة الإسلامية، لم تنشأ عن عبثٍ، بل “الدول” في العالم العربي عملت على تكريس فكرة أن تلك الحقبة الذهبية كانت مثل “العيش بالجنة” قافزةً فوق جميع النزاعات والصراعات التي شهدتها، من لحظة “أمير منكم وأمير منا“، وصولًا إلى انهيار الإمبراطورية العثمانية. طمس شبه تام للخلافات والحروب كلها على السلطة حينها وولدت أسطورة “العصر الذهبي” ووجوب العودة إليه، كي نعيشَ فيه. أي صياغة الحاضر على شاكلة الماضي!

بينما ما هو صادم، ويشبه إلى حد كبير صدمة العرب بما حققه الغرب عندما غزا نابليون مصر بجيشه المُنظم ومدفعيته الحديثة، فخرج العربُ بمواجهته بالطبول والسيف والترس، هو ما يحدث في الغرب؛ المُنتج لكل المفاهيم التي نعايشها اليوم من “ديمقراطية” و”حرية التعبير عن الرأي”، و”الدولة الحديثة”… فها هو يعود إلى خطاب الأصوليات الدينية! غربٌ اعتقدنا أنه خرجَ من تسيد الفكر القدسي منذ بدايات عصر التنوير حتى اليوم، لكن يبدو أن كُلَّ الأفكار منذ عصر التنوير وحتى تاريخه قد سقطت!

لنأخذ ما يقوله الغرب بتصريحات رسمية:

  • الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”: ربما نتوجّه إلى نيجيريا بقوّة للقضاء على الإرهابيين الإسلاميين الذين يرتكبون هذه الفظائع المروعة… إذا استمرت حكومة نيجيريا في السماح بقتل المسيحيين…
  • دعوة من “ترامب”: في عام 2019 دعا “ترامب” النائب “نانسي ميس”، مواطنة أميركية صومالية الأصل، إلى مغادرة الولايات المتحدة والعودة إلى الصومال، لأنها تُعارض سياسته!
  • أما “بول جوسار”، نائب في الكونغرس الأمريكي عن الحزب الجمهوري، مبارك من “ترامب” الذي قال: “بول جوسار” يحظى بدعمي الكامل له”. و”جوستار” قائل: إنه من المقيت السماح ببناء مسجد (أي مسجد الأقصى) فوق هذا المعبد (الهيكل اليهودي)، ينبغي على الأمم المتحدة أن تجد السُبل، لتفكيك هذا المسجد ونقله…
  • أما “تشارلي كيرك”، مؤسس منظمة “نقطة تحول الولايات المتحدة الأميركية”، لديه 6.9 مليون مشترك عبر “إنستغرام” و3.8 مليون عبر “يوتيوب”، والمؤيد لسياسة ترامب والداعم لها، يقول في إحدى تغريداته: يستخدم اليسار سيف الإسلام لقطع أعناقنا في أميركا.

الأمثلة هذا النموذج لخطابات الأصولية في الغرب والدعوة إلى العودة لـ “اميركا المسيحية”، أو “إيطاليا المسيحية” أو… الغرب المسيحي لا تُعَدُّ ولا تحصى، ومعظمها موثق في خطابات رسمية لزعماء غربيين ومفكرين وغير مفكرين.

بَعَطٌ فكريٌّ إرادي في العالم العربي والغربي على السواء، والصدمة في البَعْطِ، هو الانسياقُ خلفه. بَعَطٌ يخلط المفاهيمَ والمصطلحاتِ، لإنتاج خليط مشوه! فمثلًا، صاحب 3.8 مليون متابع عبر “يوتيوب” يَبْعَطُ بالأفكار على هواه، ليخلط بين الإسلام واليسار! ويظهرهما وكأنهما مفهومٌ واحدٌ أو حلفاءٌ فكريين، مصورًا إياهما مجموعةً فكريةً “إرهابية” مهمتها القضاء على “أميركا المسيحية”!

توضيحًا لمستويات البَعَطِ الفكري الإرادي، كي لا تبقى الأمور مُنبعطة وفقًا لأهواء الباعِطِ في صناعته لأفكار، هي خليطٌ لا صحة لها إلا في مخيلته، التي يستهدف منها تشويه حقائق كثيرة، نذهب إلى بعض المراجع الأكاديمية المختصة وتحديدًا لتوضيح معنى مفردات محددة، منها “الدولة”، و”الدولة – الأمة”، و”الأمة”.

مصطلح “دولة“، (state) يُستخدم للتعبير عن: مجموعة من المؤسسات والكادر المتخصص الذي ينظم جوانب مُهمة من حياة سكان محددين إقليميًا، ويستخرج الموارد من هؤلاء السكان عبر الضرائب، ويتم الاعتراف بها بوصفها دولة عالميًا من دول أخرى[1].

يتقاطع هذا التعريف مع تعريف آخرَ يُقارب الدولة على أنها هي الكِيانُ السياسي والإطار التنظيمي الواسع لوحدة المجتمع، والناظم لحياته الجماعية وموضع السيادة فيه، الذي تعلو فيه إرادة الدولة شرعًا فوق إرادات الأفراد والجماعات الأخرى في المجتمع، وذلك من خلال امتلاك سلطة القوانين واحتكار حيازة وسائل الاكراه وحق استخدامها في سبيل القوانين بهدف ضبط حركة المجتمع وتأمين السلم والنظام وتحقيق التقدم في الداخل والأمن من العدوان في الخارج[2].

الدولة، إذًا، هي مجموعةُ مؤسسات من قمة الهرم إلى قاعدته. مؤسساتٌ يكون عملها محددًا وفقًا لقوانين تُحدد آليات عملها الداخلية، وطبيعة العلاقة بين كل مؤسسة وأخرى. فرئاسة الجمهورية، على سبيل المثال، ليست بذلك الموقع السياسي المنفصل عن أية مؤسسة سياسية أخرى، وكذلك الوزارات، والمجلس النِيابي، والجيش، والقضاء… فهي جميعًا مؤسسات تنتظم آليات عملها في كِيان اسمه “الدولة”. ولا تتحول هذه المؤسسات إلى دولة إلا عند الاعتراف بها عالميًا، وعند تحولها إلى دولة واعتراف دولي بها، قد تنهار المؤسسات كافة، وتبقى الدولة المُعترف بها قائمة!

الأمر المُغفل في مسألة الدولة يتعلق بـ “الكادر المختص”! فعلى أرض الواقع كم من رئيس جمهورية هو رجل أعمال؟ أو مُمثل سابق؟ أو قائد جيش؟… أي ليس مختصًا بالشؤون السياسية! وكم من وزير لا علاقة له بعمل الوزارة! وكم من نائب لا يُجيد العمل السياسي… وكم وكم… ليس في العالم العربي فقط، ولكن أينما وجهنا نظرنا. لا يعني هذا نفي المختصين في بعض المراكز. إلا أن هذا يُدخلنا في مسألة أساسية تتعلق بمفهوم الديمقراطية. فمثلًا عندما ينتخب الشعب، في النظام الرئاسي، رئيسًا للجمهورية مهنته سمسار عقارات، أو ينتخب الشعب قائد جيش… أو في النظام البرلماني عندما ينتخب الشعب نوابًا لا علاقة لهم بالشأن العام، واختصاصاتهم خارج الحقل السياسي… تم الانتخاب ديمقراطيًا، لكن لأشخاصٍ غيرِ مؤهلين لهكذا مواقع! هنا نستذكر “أفلاطون” وموقفه من الديمقراطية!

وإذا أردنا الخوض في الأنظمة العربية، نخرج كليًا من التعريف النظري لعدم توافق التعريف مع أرض الواقع! ومجرد مثال عابر: معظم الرؤساء، في الجمهوريات العربية، أتوا إلى السلطة بانقلابات عسكرية، وكانوا يُنتخبون “دوريًا” حتى وفاتهم، وفي أحيان كثيرة عند موتهم يرثُ أبنائهم رئاسة الجمهورية، فتحول مفهوم “الجمهورية” في العالم العربي إلى “المملكة – الجمهورية”!

بعد أحداث العالم العربي وانتفاضة شعوبه التي انطلقت شرارتها في تونس، سقط كثيرٌ من الرؤساء – الملوك عن مواقعهم السياسية. وفي ظل غياب الوعي السياسي لأسباب متعددة أبرزها أن هذه الأنظمة لم تسمح بوجود أحزاب سياسية، وهو أحدُ أبرز مكونات الدولة الحديثة، معارضة بالمعنى الصحيح للمعارضة، فكان من السهل   استبدال رئيس – ملك برئيس – ملك آخرَ مع الحفاظ على كل مخلفات السابق.

من لم ينجح بهذه المُهمة، استبدال هذا بذاك، يتحول هذا البلد العربي إلى أرض تحرقها الصراعات والحروب الطائفية، أو العشائرية… وهي الآليات نفسها التي كان النظام السابق يعتمدها في تكريس حكمه، لكن بطريقة خفيةٍ تحت شعارات واهية فارغة من مضمونها، مثل “الديمقراطية”، و”الانتخابات الديمقراطية” و”المواطنة”… وكل الشعارات (المصطلحات) المُؤسسة للدولة الحديثة. وبهذا لم يَعُدْ لمفهوم الدولة الحديثة أيُّ تطبيقٍ على أرض الواقع في العالم العربي!

مُهمة الدولةِ، وفقًا للتعريف: تنظيمَ جوانب مُهمة من حياة سكان محددين إقليميًا. التحديد الإقليمي يعني الحدود الجغرافية لكل دولة، وسكان هذا الإقليم يحملون جنسية هذا الإقليم.

تنظيمُ حياة السكان ضمن حدود الدولة مسألةٌ واسعة الطيف، تنطلق من البنى التحتية إلى الخدمات التي تقدمها الدولة لشعبها وصولًا قوانين منح الجنسية. والتنظيم في حاجة إلى “كوادر مختصة” في كل حقل تنظيمي، وهذا أمرٌ بدهي. وهنا نطرح السؤال التالي: كيف لمن يُعيَّنوا من الرئيس – الملك وهم غيرُ مختصين أن ينظموا حياة السكان؟ الحل بسيط جدًا: توظيف من يجيد التنظيم، ليعمل وفقًا لرؤية وتوجيهات رأس الهرم السلطوي. مجرد إشارة لخلل هذا النظام وهي تتعلق بواقع الريف في البلدان العربية والفارق الصارخ بين الريف والمدينة. والإشارة الأخرى تتعلق بمسألة قوانين الجنسية في البلدان العربية، والأزمات الحادة التي يخلقها هذا قانون في المجتمع ضمن البلد الواحد!

انطلاقًا من هذين المثلين فقط، يتحول تنظيم حياة السكان إلى أزمة داخلية قابلة للانفجار في أية لحظة وإلى أرض خصبة للنزاعات المدفونة بقوة سلطة الدولة.

ماذا عن الأمة؟ وهي إشكاليةٌ أكثرُ تعقيدًا في العالم العربي.

من أحد تعاريف الأمة “الأمة، مجموعةٌ بشرية تكوَّنَ تآلفها وتجانسها القومي عبر مراحل تاريخية. تحققت خلالها لغة مشتركة وتاريخ وتراث ثقافي وتكوين نفسي مشترك والعيش على أرض واحدة ومصالح اقتصادية مشتركة، مما يؤدي إلى إحساس بشخصية قومية، وتطلعات ومصالح قومية، موحدة ومستقلة[3].

تعريفٌ ينطبق في كثيرٍ من عناصره على الأمة العربية. والأمر الجديرُ الأخذُ به هنا، هو غيابُ عنصر “الدين”. فالأمة لا تنحصر في دين معين، بل هي أوسعُ بمفهومها من الدين، لذا يُمكن لأمة واحدة أن تحمل أكثر من عقيدة دينية، وإن طغت ديانة معينة عليها في فترة تاريخية محددة. وما محاولات البَعْطِ الفكري الإرادي لصبغ الأمة بالدين، وتحديد تعريفها عن طريقه الدين، إلا خليطٌ مُشوهٌ يُنتج دينًا مشوهًا، كما يُنتج أمةً مشوهةً! بَعَطٌ يعمل على قلب النتائج المنطقية، ليتسيد اللا منطق بدلًا عن المنطق. الأمة تُنتج دينًا والدين لا يُنتج أمةً! ويُمكن لأي مُطلع على تاريخ الأمم والأديان، ما لم يكن مصابًا بالبَعَطِ الفكري، أن يرى هذا الأمر رؤية جلية وليس في حاجة إلى أي تفسير.

وأحد أوجه التناقض الصارخة بين الدين والأمة هو أن الأمةَ غالبًا لا تحمل مفهومًا التوسع خارج أرضها إلا في الحالة الاستعمارية، بينما الدين لا حدود جغرافية له ويتوسع تحت مظلة مصطلح “التبشير” أو “الهداية” أو… أي مصطلح ديني آخرَ. الفكر الاستعماري هو الفكرُ الذي يخلطُ بين الدين والأمة ليُبرر استعماره. والأمر الآخرُ من أوجه التناقض بينهما هو: إذا اعتنق شخصٌ ما دينًا ما من خارج أمته، هل يصبح ضمن أفراد الأمة التي انتجت هذا الدين؟ بالتأكيد كلا.

كي لا نبقى في التعميم النظري: استوردت أوروبا، والغرب بعامة، الديانة المسيحة من العالم العربي، لأنها أرض الديانة المسيحية، والأديان السماوية. فهل يتحول الغربي إلى فرد في الأمة العربية؟ كلا. هل إذا آمن تنزاني (شخص من تنزانيا) بالدين الإسلامي يُصبح فردًا في الأمة العربية؟ كلا… بَعَطٌ يعمل على تحويل الدين إلى أمة والأمة إلى دين.

أمة دين دولة… نعود من خلالهم إلى مفهوم الدولة الحديثة “الدولة – الأمة”. إذا أخذنا تعريف “أرسطو” للدولة، متجاوزين كل التحفظات، يقول: كل مجتمع دولة، وإن كل مجتمع يتألف ابتغاء مصلحة… كانت الدول أولًا ممالك، على ما هي الآن الشعوب (الأعجمية)… إذ كل بيت كان يملك عليه كبيره… ما يحمل الجميع على القول بأن الآلهة يرأسها ملك، هو أن بعضهم لا يزالون يملّكون عليه، وأن بعضهم الآخر كانوا في القدم يقيمون عليهم ملكًا. لأن البشرَ كما يساوون من باب المماثلة بين صور الآلهة وصورهم، يسوون كذلك بين عيش الآلهة… إذن… الدولة من الأمور الطبيعية[4].

من غائية فلسفة “أرسطو” وصولًا إلى غاية الدولة، يشرح “أرسطو” إلى حد كبير نشوء الدولة وعلاقتها بالفكر الديني، ليصل إلى أن الدولةَ أمرٌ طبيعي. إذا ما أخذنا بأن الدولةَ أمرٌ طبيعية، فلا يعني هذا أن هذه الطبيعةَ ثابتة منذ لحظة “أرسطو” حتى تاريخه. وهنا نعود إلى “داروين” ونظرية “النشوء والارتقاء”، مضيفين عليها بُعدًا آخرَ يتعلق بجدلية العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وهذا ما أهمله “داروين” في منهجه عند مقاربته. فقد ركَّزَ تركيزًا أساسيًا على أن الطبيعة هي ذاك الشيءُ المتحول، من خلال حدوث طفرات، وفقًا لقوانينها، مُقصيًا أيَّ دورٍ للإنسان في علاقته بالطبيعة. فأتى الإنسان مجرد متأثر بهذه الطفرات، لا محدثًا لها في بعض الأحيان! وهذه إشكالية أخرى لن نخوض غمارها الآن. لكن ما دمنا نقارب شأنًا “طبيعيًا”، فلا بُدَّ من الأخذ بنظرية “داروين” والطفرة التي تحدث بها.

وفقًا “لأرسطو” “الدولة أمر طبيعي”. ووفقًا “لداروين”، تحدث طفرات في الطبيعة، تُنتج أجناسًا جديدة. لذلك، قد تصاب الدولة بطفرات أيضًا. فهي عند “أرسطو” “كل دولة مجتمع”، أصابتها طفرة داروينية لتصبح “دولة – أمة”.

ووفقًا “لداروين” عند حدوث الطفرة ينتج جنسٌ جديد، وهناك شروط ضرورية لبقاء هذا الجنس على قيد الحياة، ومن أبرزها القدرة على التأقلم مع الطبيعة التي وُجِدَ بها. فها نحن حاليًا انتقلنا من “كل مجتمع دولة” إلى “الدولة – الأمة”، والتي يبدو أنها تُصارع من أجل الحفاظ على بقائها!

لقد أوردنا تعريف “دولة”، كما أوردنا تعريف “أمة”، فكيف تعرف الموسوعات المختصة؟ فهي، أي الموسوعات المختصة، مثل “الكادر المختص” الذي ذكر في تعريف الدولة، كي لا نقع في بَعَطِ الفكرِ الإرادي.

الدولة الأمة: تُعَدُّ الدولة الأمة، الوحدةَ السياسية الأساسية في النظام العالمي المعاصر. وهي تمتع باحتكار السيادة وشرعية استخدام القوة وفقًا للقوانين الدولية والأعراف. وتتكون من شعب، متجانس نسبيًا، أي هو أقرب إلى أمة[5].

هذا التعريف يجمع عناصرَ “الدولة” مع “الأمة” لتكوِّنَ هذه الدولةُ النظامَ السياسي الذي توافق عليه الأمة أن يحكمها. فتداخلت عناصر الدول مع الأمة ليأتي هذا المصطلح الحديث “دولة – أمة” ليُعبر عن طبيعة الأنظمة السياسية في الوقت المعاصر. وهو توصيفٌ بدأ تطبيقه في الغرب، وتحديدًا في أوروبا، مع اتفاقية وستفيليا (Treaty of Westphalia) عام 1648. لينتقل منها إلى بقية العالم، ويتحول إلى النموذج المعمم على الأنظمة السياسية كافة في العالم.

أمر يُدخلنا في إشكاليات يخص بعضها العالم العربي، وأخرى خارجه وإن كانت ترتبط به إلى حد ما.

نعود إلى تعريف الأمة، وقد أوضحنا انطباقه على الأمة العربية بدرجةٍ كبيرةٍ. وإذا عدنا إلى تعريف الدولة – الأمة نقع مجددًا في إشكالية تعدد الدول لأمة واحدة. فيدخل التعريف النظري بتناقض يفقده مضمونه، ويؤكد عدم انطباقه على أرض الواقع في العالم العربي! هنا نقع أمام تحدٍّ فكريٍّ في قراءة العالم العربي. تحدٍّ لا يقتصر فقط على مفهوم الدولة أو الأمة أو الدين، بل كيف نُبْعَطُ بالأفكار لنفرغها من مضمونها ونطبقها على واقع لا يتطابق معها؟

مثلًا عند الحديث عن فرنسا، يُمكن أن نقولَ إن الدولةَ الفرنسية والأمة الفرنسية، أمَّا عند الحديث عن أي دولة عربية لا يُمكن القولُ، على سبيل المثال، الدولةُ العراقية والأمة العراقية! بل نقول: الدولة العراقية والشعب العراقي، ونضيف إليهما مصطلح “عرب”، لاستكمال تعريفهم المُبهم عند القولِ “الشعب العراقي” فقط؛ لأنهم جزءٌ من أمة وهي الأمةُ العربية. أي تحولت الأمة، إلى مجموعة شعوب تحمل جنسيات دولها، فتاه ولاؤها بين الولاء للأمة وبين “الدولة” التي يعيشون تحت خيمتها!

فقدان عناصر “الدولة” و”الأمة” وَلَّدَ في جزءٍ كبيرٍ منه هذا التشرذم الطائفي والمناطقي والعشائري… في العالم العربي لينفجر بأشكال متعددة وصراع التذابح على هذه الأسس، ليَبْعُطَ كلُّ فريقٍ منهم بهذه المفاهيم محاولًا إعادة إنتاجها وفقًا لأهواء بَعْطِهِ المرتبطة بمصالح صانع الخليط المشوه.

أيضًا كي لا نبقى على المستوى التنظير، فلنقترب قليلًا إلى ليبيا، التي تشهد صراعات دموية منذ لحظة سقوط القذافي، وهي واحدةٌ من أكبر الدول النفطية. منذ لحظة السقوط وحتى تاريخه التذابح قائم، بالشكل، على هذه الأسس. وكل فريق يحاول اثبات وجوده بالقوة مُستخدمًا مصطلحَ “بناء الدولة”! عن أي “دولة” يتحدثون؟

أمرٌ لم نشهده، مثلًا في فرنسا، منذ الثورة الفرنسية! ثورة غيَّرت مجرى التاريخ، كما يصفها كثيرٌ من المفكرين. وإن تصارع الفرنسيون فهل يتصارعون على أسسٍ عشائرية أو مذهبية أو طائفية أو مناطقية لبناء “دولة” مجهولة المعالم؟ هل يعود هذا إلى أنهم في الصيرورة التاريخية تكوَّنت الأمة الفرنسية والدولة الفرنسية وأصبحت “الدولة – الأمة” قائمة فيها؟ في الوقت الذي فشلت فيه الدول في العالم العربي بالقيام بهذه المُهمة؟ وإن كانت الإجابة بـ “نعم” علينا البحث عن سبب، أو أسباب، هذا الفشل.

هل يعود سبب الفشل والتشرذم في الأمة إلى شعوب تعيش تحت خيمة “دول” لا ينطبق عليها مصطلح دولة؟

وهناك إشكاليات أخرى تتعلق بواقع العالم العربي، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ومنها: الفترة التاريخية القصيرة للانتقال من الامبراطورية القائمة على أسسٍ دينية إلى “دولة”؟ إذ مثلت هذه الانتقالة طفرة أخذت في الغرب، وتحديدًا في أوروبا، وقتًا طويلًا منذ اتفاقية وستفيليا، (عام 1648) حتى بدايات القرن العشرين لتولد جنس جديد، بينما في العالم العربي لم تتجاوز مرحلة الانتقال المئة عام، في أحسن أحوالها؟

هذا تجانس الجديد لا يعني أنه استقرَّ إلى الأبد، بل هو حاليًا في حالة صراع لتثبيت بقائه. فقد أتت العولمةُ بمفهوم تخطي “القومية”، أو “الأمة”. والاتحاد الأوروبي، ما هو إلا طريقةٌ من طرق محاولات التأقلم، الدارويني، مع الطفرات للانتقال من “دولة – أمة” إلى اتحاد يجمع أكثر من أمة؛ لأن أوروبا مجموعةُ أممٍ، ليست كالعالم العربي أمةٌ واحدةٌ. ليُعاد صهر هذه الأمم، أي الأمم الأوروبية، في بوتقة الاتحاد الأوروبي. أمَّا في المقابل هناك اليمين السياسي الرافض بقوة هذا الانصهار داعيًا إلى العودة إلى العنصرية المتعلقة بالشوفونية ونقاوة العرق في الأمة، وهي صورةٌ أخرى من صور النازية! وما هذا إلا جزءٌ من الصراع بين الانتقال من “الدولة – الأمة” إلى الاتحاد الضام لأكثر من أمة. أيهما يفوز، هذا أمرٌ آخرَ.

الإشكالية الأخرى التي تخصُّ العالمَ العربي تتعلق بالاستعمار، منذ زمن الانتداب وحتى تاريخه! استعمار عمل، وما زال يعمل، على تكوين هذه الأمة، بصيغ استعمارية تخدم مصالح المُستعمِر. فكانت سايكس – بيكو وتفتيت الإمبراطورية العثمانية إلى دول تابعة، لا تُجيد استغلال مواردها الطبيعية، بل هي مواردُ يستخرجها المستعمر وفقًا لمصالحه. ويبدو أننا اليومَ أمام خريطة جديدة للمنطقة وهي خريطةُ “الشرق الأوسط الجديد”.

لا يعني هذا أنَّ الاستعمارَ يسرح ويمرح بلا أي نوع من المواجهة، بغض النظر عن أسلوب هذه المواجهة وطريقتها، إلا أنه خلقَ فكرةَ العودة إلى “التاريخ الذهبي” المتوهم عند كُثر، فتاه فيه المتوهمين بإمكان عودة التاريخ إلى الوراء. فأتت الحركات الأصولية لتكرس وهم إمكان العودة ولو بالقوة! مُتناسية هذه الأصوليات أنها لم تُنتج حتى البنطال الذي ترتديه، بل تستورده من الغرب، أو بقية الدول الصناعية! وهنا يُمكن العودةُ إلى “عقدة الخواجة”، وتحديدُ الحوار الذي جرى بين “البروفسور” و”الدكتور ثابت” عن عقدة الدكتور لا عقدة البروفسور!

مقابل كل هذه الأحداث والتغيرات المتسارع، نجدُ الفكرَ في العالم العربي في مواجهة إعصار متسارع من الطفرات التي تصيبة، وبخاصة تلك المتعلقة بواقع بنيته السياسية، أي الانتقال من الامبراطورية المعتمدة على الفكر الديني إلى “الدولة – الأمة”. وعليه مواجهةُ هذا التسارع الطفراتي. ويبدو أن تسارع الطفرات، والتي أوجدت أجناس جديدة لم تُكتب الحياة لجميعها!

تسارع الطفرات:

الإمبراطورية العثمانية: أكثر الامبراطوريات عُمرًا، حكمت لفترة ما يقرب أربعة قورن، وأكثرهم توسعًا. ولن نخوض هنا في إشكاليةِ اعتبارها “احتلال” أم لا، لأن كثيرًا من المفكرين العرب يقولون الاحتلال العثماني! ما يُهمنا هنا هو أن الدينَ الإسلامي كوَّنَ الوجهَ الرسمي لها. فهي إمبراطورية إسلامية، أُصيبت بالوهن في أواخر فترة حكمها، وفي أواخر فترة حكمها أُطلق عليها تسمية “الرجل المريض”. أي نتحدث عن فترة أربعة قرون من حكم قائم على الفكر الديني، ليبرر سياسياته المُتبعة في إدارة الحكم، وإذا أضفنا إليها ما سبقها من أنظمة حكمت المنطقة مُعتمدة في حكمها على الفكر الديني لإدارة الشؤون السياسية، نعود إلى فترة بدايات تأسيس بذور الحكم الإسلامي في يثرب وما تلاها من فترة تاريخية حتى نهاية “الرجل المريض”، نجد أنفسنا أمام فترة تاريخية لا تقل عن 1200 سنة!

فترة كُرست فيها العلاقة بين الدين والسياسية وظهر وكأن الفكر الديني هو من يحكم الفكر السياسي! ومن دون مقدمات، بعد طول هذه الفترة تُوفيَ “الرجلُ المريضُ”، ونعيه صِيغَ في اتفاقية سايكس – بيكو.

سايكس – بيكو: اتفاقيةٌ صِيغت في عام 1916، لتقسيم الإمبراطورية العثمانية بين قوى الاستعمار في حينها. وكُشف عنها علنًا من الحكومة البولشفية عام 1917. وهي اتفاقيةٌ كانت تراها حينها قوى الاستعمار “وثيقةً سريةً”!

اتفاقيةٌ، يُمكن النظرُ إليها بوصفها الطفرةَ الأولى التي أصابت العالم العربي. تقاسمت القوى الاستعمارية وقسَّمت أراضي الإمبراطورية فيما بينها، وأنشأت “دولًا” متفرقة، كل منها تتبع لقوى استعمارية!

فكان أحد أوجه البَعْطِ الفكري الإرادي، ما سُمي بـ “الانتداب” لهذه الدول لا استعمار لها! “انتداب” عمل على بناء “دول” في بيئة، لم تُمنح فيها فرصة للتفكير. فالطفرة كانت سريعة إلى حد الصدمة الفكرية، وإن كان الفكرُ العربي يعي الخطوط العريضة لمفهوم الدولة الحديثة، وكانت هناك بعض الأصوات المطالبة بها في ظل فترة “الرجل المريض”. لكن فجأة أتى الاستعمار بصيغة “الانتداب” ليقيم “دولة – أمة” فبنى معبدها على أرض نابذة لها. والنبذُ هنا يُمكن أن يكون له سببان رئيسان وهما: تشرذم الأمة العربية في دول منفصلة، والثاني: محاولة تخطي دور الفكر الديني وطبيعة علاقته بالنظام السياسي.

تمحورت فكرة “الانتداب” على “إدارة الأقاليم المنضمة وتوجيهها للنظام نحو الاستقلال الذاتي والحكم الذاتي”، أي: كيف لمن هم في الدولة التي أنشأها الانتداب أن يحكموا! ويعود هذا في جوهره إلى نظرة المنتدب للمنطقة على أنها شعوب “متخلفة” لا تعرف فكرة “الدولة”، فأتى “الانتداب” ليعلمهم ما هي “الدولةُ” وكيف لهم أن يحكموا!

بعد أن أُخضعت المنطقةُ للقبول بفكرة “الدولة”، تحت الانتداب”، ثارت ضد المستعمِر مطالبة بكسر قيود “الانتداب”، وهنا كانت الثورة ممزوجة بالفكر الديني والفكر التحرري من الاستعمار. مجرد مثال: هل يُمكن أن نرى عُمر المختار “أصوليًا”، لأنه رجلٌ ثارَ ضد الاستعمار؟ هل يُمكن النظرُ إلى من ثاروا ضد الانتداب مثل سلطان باشا الأطرش “إرهابيًّا”، لأنه ثار على الاستعمار؟ واللائحة تطول!

هناك كانت الطفرةُ الأولى: الانتقال من الإمبراطورية إلى “دولة” تحت وصاية “الانتداب”. لم تعمر طويلًا هذه الطفرة، وما عُمِّرَ منها هو مفهومُ “الدولة” المستقلة عن الانتداب، أي المستقلة عن الاستعمار المباشر.

بعدها أتت الطفرة الثانية، وهي متأثرةٌ بالأولى، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ فالطفرة تحدث في جنس موجود. وتمثَّلت في “الدولة المستقلة”.

كانت بدايات استقلال دول العالم العربي منذ عام 1922 وكرت السبحة حتى عام 1977، وهي جيبوتي، ذكرت لأنها ضمن دول جامعة الدول العربية. فكانت إشكالية التالية: كيف لهذه “الدول” المستقلة أن تحكم أمة واحدة مشرذمة في أكثر من دولة؟ كيف لهذه “الدول” الحديثة النشوء أن تكرس مفهوم الدولة، بكل ما يحمله هذا المفهوم من مفاهيم ترتبط به وتعيش في ظله؟ كيف لهذه “الدول” أن تكون منفصلة عن الدين وهي تحمل فكرًا يربط بين الدين والسياسية منذ ما يزيد عن 1200 سنة؟ كيف لهذه “الدول” أن تكون مستقلة وهي لا تُجيد صناعة ملابسها، لأن بضاعة “المنتدب” غزتها ودمرت كل حرفيها؟ وألف كيف وكيف!

كل هذا الكمِّ من أسئلة الـ “كيف” وُضِعَ كتلةً واحدة أمام الفكر العربي ليتعامل معها في أقل من مئة سنة، منذ اتفاقية سايكس – وصولًا الى زمن آخرِ دولة عربية استقلت!

الطفرة التالية: بعد الاستقلال من “المنتدب” وبفعل بَعْطِ الفكر الإرادي، حكم معظم هذه الدول “ملوك” نَصَّبَ معظمهم المنتدب. فأتت الانقلابات العسكرية لتخلعهم عن عروشهم وتنتقل معظم هذه “الدول” من “الملك” إلى “رئيس الجمهورية”، أي صيغة الدولة – الجمهورية لا دولة “الملك”.

فدخل الفكرُ العربي في تحدٍ آخرَ، وهو مفهومُ “الجمهورية”! حكم الرؤساء لهذه الجمهوريات بطريقة “الملوك”! هناك انتخابات، وهناك برلمان، وهناك صحافة، وهناك إعلام، وهناك وزارات، وهناك ضرائب… أي كل مؤسسات الدولة، وفقًا للتعريف، لكن جميعهم تحت حكم “رئيس الجمهورية”. رئيس جمهوري يُنتخب بالأكثرية في كل دورة انتخابية حتى وفاته أو خلعه!

وبهذا أُضيفت الإشكاليات السابقة كلها، التي وُلدت بأقل من مئة سنة، إلى الإشكاليات الجديدة لتقف بتحد أمام الفكر العربي وكيفية التعامل معها. في تلك الفترة، يُمكن -بالحد الأدنى- القولُ إن البَعْطَ الفكري الإرادي لم يكن قد وصل إلى درجات عُليا، كما هو عليه اليوم، لوجود قطبين يحكمان العالم، وهما: الفكر الرأسمالي والفكر الشيوعي، فقد كل منهما بالمرصاد لأي بَعَطٍ فكري. وكان العالم العربي بمفكريه منقسمين بين هذين المعسكرين الفكريين. ومع انخفاض مستويات البَعَطِ قلَّت هيمنة الفكر الديني!

كونُ كُثرٍ منا عاش تلك الفترة، يُمكن الذهابُ إلى أمثلة ملموسة، وبخاصة بما يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدين والسلطة السياسية. من ضمن ما أُشتهرت به مصرُ في تلك الفترة هيمنتها على شاشة التلفاز والسينما. لنأخذ أيَّ فيلمٍ من ستينيات القرن المُنصرم وصولًا إلى منتصف القرن العشرين، من “صراع الجبابرة”، إلى “المليونير المزيف” إلى “خلي بالك من زوزو” إلى “ذئاب لا تأكل اللحم”، من تمثيل ناهد شريف، إلى “أريد حلًا”… ونقارن هذه الأفلام مع الانتاج السينمائي منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي حتى تاريخه، نرى مدى “التحفظ” في الأفلام الحديثة بسبب عودة هيمنة الفكر الديني على مفاصل الحياة السياسية، أو أفلام بلا موضوع!

أمرٌ يُدخلنا في إشكالية جديدة: هل فشل “دول” تلك الفترة، وتحديدًا من كان يدور في فلك الاتحاد السوفياتي، في نشر فكرة “الدولة” المنفصلة إلى حد ما عن الدين، هو ما تسبب في عودة الأصولية الدينية؟ إذا كانت الإجابة بنعم، ما سبب، أو أسباب فشلها؟

انقسام الفكر العربي بين التيارين اللذين سادا في تلك الفترة أمر بدهي، فالأمة تتأثر بتيارات فكرية متعددة، لكن شرذمتها بفترة تاريخية قصيرة، لا تتخطى قرن من الزمن، أمر ليس بيسير!

الإشكالية الأخرى، وإن قفز وما يزالُ يقفز فوقها، كثيرٌ من المنظرين والمفكرين تتعلق بالقضية الفلسطينية، ما يُعيدنا إلى مفهوم الأمة في جزء كبير منه. إن كانت الدول العربية قد تخطت القضية الفلسطينية فلماذا تتظاهر الشعوب العربية، رغم ما التهويل الذي تعيشه، لنصرة فلسطين؟ هل تتظاهر كما يتظاهر من الغربيين، أم لأنها تحمل جزءًا من الفكر الغربي بالمعنى الايجابي، حقوق الإنسان، وحق الشعب في تقرير مصيره، ورفضًا للاحتلال، والدعوة إلى تطبيق القوانين الدولية… مُضافًا إليه، في الفكر العربي، إلى شعوره بأن جزءًا من أمته وأرضه مُحتل وتحطم فيه كل قيم الانسان لتحقيق مصلحة المحتل وداعميه؟ والإشكاليةُ الأكثرَ تعقيدًا: كيف ينظر هذا المتظاهر إلى النظام السياسي الذي يعيش تحت خيمته؟

كل هذا الواقع المعقد، على مستوى العالم العربي، ليس مُنفصلًا عن مجريات أحداث العالم! كما ذُكر سابقًا عودة اليمين المتطرف إلى الساحة السياسية أعادة طرح “الدين” على أنه مكون أساسي من برنامجه الانتخابي! أي عاد الخطاب “الديني” إلى الغرب، “الغرب المسيحي”. خطاب كان يُعتقد أن الغربَ تخطاه منذ قرون! خطورته تكمن في العودة إلى تجذير “الأصوليات” أينما تواجدت، وإعادة تصوير النزاعات والحروب وكأنها حروب بين هذه “الأديان”، كما يُتحفنا بَعَطُ “هانتغتون”، وقد تكون تصريحات بخصوص مجريات الأحداث الأخيرة في نيجيريا مثالًا على هذا البَعَطِ الفكري.

وهنا يُمكن أن نطرح الإشكالية التالية، وهي تتعلق بالفكر الغربي: 3.8 مليون متابعًا على “يوتيوب” فقط، مَبْعُوطٌ بتصوراتهم وتكوين وعيهم، لإنتاج “أصوليات” تواجه “أصوليات” مُتوهمة في فكر الباعطِ بالأفكار. كيف لنا إيقاف هذا البَعْطِ الفكري الإرادي؟

مع ملاحظة يجب ألا تغيب عن أذهاننا عند محاولة التفكير في مقاربة هذه الإشكالية، وهي انعدام، أو لنقل شبه انعدام، مستويات الأمية في الغرب مقابل نسب أمية مرتفعة في العالم العربي. طبعًا وأمور أخرى كثيرة مثل طبيعة الأنظمة السياسية وبنى المجتمع…

طفرات متلاحقة ومتسارعة تُصيبنا، وآخرها مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، الذي وُضع في ثمانينيات القرن الماضي، والذي يُعيد رسم المنطقة جيوسياسيًا على أسسٍ جديدة متوافقة مع أهواء البَعْطِ الفكري “للخواجة”، يُضيف إشكاليات جديدة على كم إشكاليات تخص العالم العربي والفكر فيه.

ما هذا إلا جزءٌ من التحديات المطروحة على الفكر العربي والمتوجب عليه مواجهتها. الحل ليس بالهروب إلى فانوس علاء الدين السحري لاستخراج واستنباط الحلول، أو الانعزال الفكري عن بقية العالم، أو الدعوة إلى العيش في الماضي الذهبي المتخيل. قد تكون بدايات الحلول في محاولة قراءة علمية (أي استخدام فروع العلوم الإنسانية والعلوم التطبيقية كافة) للواقع كما هو، ليس كما هو مفروض علينا قراءته!

______________________________________

المراجع:

[1] George Thomas Kurian, The Encyclopedia of Political Science, CQ Press, Washington, V. 5, 2011, p. 1594.

[2] عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط. 1، ج. 1، 1981، ص. 702.

[3] عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط. 1، ج. 1، 1981، ص. 702.

[4] أرسطو، في السياسة، ترجمة الأب أوغسطينس بربارة البولس، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط. 1، 2012، ص. 104 – 105.

[5] George Thomas Kurian, The Encyclopedia of Political Science, CQ Press, Washington, V. 5, 2011, p. 1089.

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete