تكوين
نرى العديد من الناس يرفعون أيديهم تضرعًا إلى السماء في لحظات المصاب أو الحزن الذي يفتك بهم من الداخل. وهم في الغالب لا يفعلون ذلك بمنطقٍ عقلاني واعٍ، بل بدافعٍ شعوري عميق يكاد يكون لا إراديًا؛ فكثيرون لا يعرفون حقًا من يناجون، ولا كيف يمكن الوثوق الكامل بإلهٍ عادل يدير الكون في مكانٍ ما.
فالمؤمن يؤمن بوجود الله الذي يدير الكون، ويثق بأنه إذا ناجى ربّه في أمرٍ وكان خيرًا له، فإنه يتحقّق، وإن لم يكن خيرًا يمنعه الله عنه، لذلك فهو يؤمن بالإجابة في كل الأحوال. أما الملحد، فيرى أن الكون يسير وفق مبدأ السببية، وأنه لا علاقة لإلهٍ متعالٍ بمجريات الأمور. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا التباعد الكبير بين المؤمن والملحد، فإن “تجربة الدعاء” تبدو حاضرة لدى الطرفين؛ فالملحد أيضًا قد يلجأ إلى التمنّي أو المناجاة، من دون أن يعرف إلى مَن يتوجّه تحديدًا، لكن تبقى هناك حاجة شعورية إلى الإحساس بأن ثمة من يسمعنا، وأننا لسنا مُلقىً بنا في هذا العالم بلا عناية أو رعاية.
ثم إن فكرة أن حياتنا تنتهي فجأة، فنختفي تمامًا، تبدو فكرةً يعجز الوجدان عن استيعابها بسهولة، فحتى لو تقبّلها العقل تحت مبررات المنطق، إلا أننا نشعر في أعماقنا أن الأمر أوسع بكثير من حدود التفسير العقلي المجرد.
الدعاء إذن ليس مجرد ممارسة دينية كما نظن ونعتقد، بل هو تجربة إنسانية معقدة تتقاطع فيها أسئلة حول المعنى، والخوف، والأمل، والرجاء، والحرية، والعجز؛ فالدعاء في جوهره يبدو محاولةً شعرية للتفاوض مع كونٍ قد لا يُبدي أي اهتمام برغباتنا. نحن نعلم أننا حينما نصاب بالأمراض ينبغي علينا أن نذهب إلى الطبيب لمعالجتها، وأن التضرع وحده لا يكفي، فهو ربما يحسن الوضع النفسي لكنه لا ينفي أن هناك جسد سقيم يحتاج إلى علاج، فالجسد مادي ويخضع للقوانين المادية، لذا، يحتاج إلى تدخل مادي أيضا.
كما نعلم أيضا أن قوانين الفيزياء لا تتغيّر ببساطة، لأن العديد من الناس تمتمت برجاءٍ في الظلام حين وقعت الكوارث الطبيعية، كما أنها لا تُعتبر عقابًا إلهيًا على العصيان كما يدعى البعض، فالبرق الذي يضرب السماء والمطر الذي ينهمر منها، لدينا له أسباب فيزيائية معروفة وليست دموع لأحدهم.
وهناك مقولة شائعة تُنسب إلى ريتشارد دوكينز Richard Dawkinsيقول فيها: “إن الحقيقة القاسية التي يرفض كثيرون مواجهتها، هي أن الكون لا يعمل بالعاطفة، بل بالسبب والنتيجة؛ فالسرطان لا يختفي لأنك توسّلت، والطائرة لا تهبط بسلام لأن الركاب أغمضوا أعينهم وصلّوا، بل لأن هناك أطباء ومهندسين وعلماء قضوا حياتهم في فهم الواقع بدل التوسل إليه. الدعاء إذن ليس قوة خارقة، بل هو — في أفضل الأحوال — نوع من التأمل النفسي، وفي أسوأها استبدالٌ للفعل بالانتظار.”
وبغض النظر عن دقة نسبة العبارة لدوكينز، فهي فعلًا تدور في فلك أفكاره حول “الدين” ففي كتابه “وهم الإله”(2006)، يعتبر دوكينز أن الإحساس الديني والمشاعر التي تنتابنا بوجود إله يتفاعل معنا، مجرد هلوسة للعقل البشري، لأنه يعتقد أن العقل البشري مهيا تمامًا لمثل هذه الأمور، ويميل بالفعل إلى الهلوسة بطبيعته.[1] ولكن ما يهمنا هنا والآن هو التأمل في الفكرة نفسها، حيث تقودنا إلى رؤية أعمق؛ فالدعاء ليس مجرد “صوتٍ في الظلام”، بل إعلان عن موقفٍ وجودي كامل. إنه يتمثل في أحد احتمالين: إما أن الإنسان موجود في كونٍ صامت، وعليه أن يصنع معناه بنفسه، كما يرى الملحد، أو أنه موجود في كونٍ يسمعه ويناديه، ويمكنه أن يلجأ إليه في لحظات الانكسار، كما يؤمن المؤمن. وهنا نقف على عتبة الثنائية القديمة: العقل أم الوجدان؟ السببية أم الرجاء؟
إذا كان الكون لا يعمل بالعاطفة، فإننا لسنا كذلك، فنحن من يعمل بالعاطفة، والتي تضفي لوجودنا معاني شعرية تريح النفس، ولا يمكن لأحد رفضها من باب المنطق، لأننا نحن من صنع فزاعة المنطق، ونحن من نملك متى نستخدمها، ومتى تترك جانبا؛ فهناك مشاعر إنسانية وتجارب وجدانية يعاينها الكثيرون، لذا، علينا أن نضع حدًا لمنطقنا وعقلنيتنا أمامها، فهي خبرة إنسانية بكل تأكيد، ولا يمكن لأحد أن ينفي ذلك.
ولنتأمل الغناء الساحر لـ فيروز في ترنيمة “أؤمن”، وهي من أجمل ترانيم الأمل، حين تقول:
“أؤمن أن خلف الريح الهوجاء
شفاهًا تتلو الصلاة
أؤمن أن في صمت الكون المقفل
مَن يصغي لي
أني إذ ترنو عيناي إلى السماء
تصفو الأضواء، تعلو الألحان
كلي إيمان…إيمان…إيمان”
1- الدعاء كتجربة وجودية
ظاهرة الدعاء ليست ظاهرة دينية فحسب، بل يمكن اعتبارها حالة شعورية عميقة تجعله صالحًا للتأصيل الفلسفي، بوصفه ظاهرة إنسانية تتجاوز حدود المعتقدات. فالدعاء ليس الغرض منه تغيير الحوادث الفيزيائية، مثل الكوارث الطبيعية مثلًا، أو إحداث تغيير ملموس في الواقع الموضوعي، كما قد يظن من يرتدي “نظارة” الرؤية الدينية وحدها، وإنما هو عملية إنقاذ لعالمنا الداخلي تتم عبر المناجاة؛ فحتى لو كان الكون صامتًا، فإن تجربة المناجاة نفسها تخلق معنى ذاتيًا لا يمكن، بأي حال من الأحوال، اعتباره خطأً معرفيًا.
ونحن هنا، إذ نحاول التأصيل الفلسفي لتجربة الدعاء، لا نعني على الإطلاق تأييد الإيمان أو تبرير الأوهام، وإنما ندافع عن ضرورة البعد الشعوري وأهميته في تجاربنا الإنسانية؛ فهي في الأساس دفاع عن عمق التجربة الإنسانية، وعدم اختزالها إلى صورة ضعف أو تواكل أو تعامل بلا مسؤولية. فكثير ممن يرفضون الرؤية الدينية يرون في الدعاء نوعًا من التهرب من المسؤولية؛ إذ إن الإنسان، بدلًا من أن يتخذ موقع الفعل لتغيير نتائج الأشياء، يكتفي بالابتهال، ويتوقع الفعل من جهة خارجية، ويظن أنه بفعل الدعاء، قد أدى واجبه الأخلاقي، فيسكن ضميره ويركن إلى الراحة.
أما من يعيشون تجربة الدعاء شعوريًا، وبغض النظر عن جوانبها الدينية، فيؤكدون أنها تخترق حجاب السببية الذي نتمسك به تمسك الأعمى بعصاه، ويستدلون على ذلك بساعات استجابة وتجارب مروا بها. وبغض النظر عن منطقية أو عدم منطقية آرائهم، إلا أننا لا يمكننا بأي حال من الأحوال استبعاد تجاربهم الإنسانية وخبرتهم المعرفية.
كما أن مسألة الاستجابة تثير إشكالية أخلاقية كبرى: لماذا يُستجاب لأحدهم ولا يُستجاب لآخر؟ هذا سؤال يفتح مجالًا كبيرًا من التكهنات الأخلاقية. إلا أننا هنا بعيدون كل البعد عن اللوم الأخلاقي والذي قد ينشأ بفعل فكرة الاستجابة للدعاء. وهناك تساؤل آخر، وهو: هل يضمن الإيمان المسبق تحقق الدعاء؟ فكثيرون يرون أن عدم اليقين بالإجابة هو ما يمنع تحققها، وهذا ما نراه ونلمسه فعلًا في حياتنا اليومية وتجاربنا الإنسانية.
ورغم كل ذلك، فإننا في التجربة الشعورية للدعاء، نشعر وكأننا نملك الكون كله، وننسج خيوطه مع كل ترنيمة نهمس بها. إنها حالة تمنح النفس سكينةً عميقة، فيهدأ القلب ويسكن اضطراب الروح. ولا يمكن تجاهل هذه التجربة، لأنها لا تنتمي إلى المنطق، أو لأنها لا تُصاغ داخل إطارٍ عقلاني محدد؛ فحتى التفكير العقلاني نفسه، ليس إلا نمطًا واحدًا من أنماط التفكير، وليس بالضرورة أعلى هذه الأنماط أو أكثرها إحاطةً بالوجود. “أن “المنطق” ما هو إلا تفسير “واحد” لطبيعة التفكير. والتفكير المنطقي مضاد للتفكير في الروح الإنساني والوجود”[2]
فما نطلق عليه التفكير المنطقي والرؤية العقلانية للأمور، هو مجرد وجهٍ من أوجهٍ عديدة، ولا يعني أبدا شيوعها بأنها الأفضل أو الأصح، بل على الأغلب هي مفيدة، وانتشرت لأنها تهتم بتجاربنا العملية في الحياة وتنظم شؤوننا، فأكتسبت طابع القبول والانتشار جراء ذلك. أما التجارب الوجودية فلا يتفق معها التفكير المنطقي، ولا تتقبلها العقلانية المعهودة؛ فالمنطق على أهميته، يظل محدودًا فيما يتعلق بمعرفتنا بالعالم. إنه ضروري في شؤون الحياة والعمل واستمرار النشاط الإنساني، لكنه ليس المعيار الأوحد للحقيقة.
ولو احتكمنا إلى تاريخ الفلسفة، لوجدنا نفس الفكرة، بأننا لا نملك الحقيقة المطلقة بالمنطق ولا بالعقل، لأن الحقيقة محتجبة عنا، فها هو أفلاطون الذي أكد على أننا لا نستطيع إدراك الحقيقة ذاتها، لأنها تقع في عالم المثل، ونحن نحيا في عالم الظلال، فلا نرى إلا انعكاسات الحقيقة، وهذا ما صوره في أسطورة الكهف، حيث البشر المقيدون وجوههم إلى الحائط وخلفهم الشمس، فهم لا ينظرون إلى الشمس ولا ناحية الضوء، بل لا يرون إلا ما ينعكس لهم على الحائط، فكيف لهم أن يحكموا؟ أما كانط فقد أكد أننا لا ندرك “الشيء في ذاته”، بل ندرك فقط صورته التي تتبدى لنا فيما يظهر، ولذلك فرّق بين العقل العملي والعقل الخالص. أما هيدجر فيعتقد أن التفكير المنطقي ليس سوى نمط واحد من أنماط التفكير الممكنة، وليس المعيار الوحيد للتفكير الصحيح، بل يؤكد أن التفكير المنطقي مضاد للتفكير في الروح.
وقد قدم هوسرل في الفينومينولوجيا خبرات الوعي المباشرة، قبل أن تُصاغ داخل قوالب عقلية جاهزة. كما شككت تيارات ما بعد الحداثة في قدرة العقل على الوصول إلى حقيقة مطلقة ونهائية. فالإنسان لا يتميّز فقط بقدرته على الحساب والمنطق، بل أيضًا بقدرته على التأمل؛ ذلك التأمل الذي لا يسعى دائمًا إلى غاية عملية محددة، بل يدعو إلى الإنصات العميق للوجود، والتفكر في الروح والمعنى والمصير.
وهكذا، لا يكون الدعاء في جوهره محاولةً ساذجة لتعطيل قوانين الطبيعة، بقدر ما يكون محاولة لإنقاذ العالم الداخلي للإنسان؛ فهو محاولةً لإعادة ترميم الروح، حين تعجز اللغة والمنطق والأسباب عن منحنا الطمأنينة. فحتى لو ظلّ الكون صامتًا، يبقى الدعاء أحد أكثر الأفعال الإنسانية صدقًا، لأنه يكشف هشاشتنا العميقة، وحاجتنا الدائمة إلى معنى يتجاوزنا.
2- في مديح “الوهم”
إن الجوانب المادية لفهم الحياة والكون مهمة بلا شك، ولكن في الوقت نفسه، لا يمكننا أن ننزع عنهما الأفكار الشاعرية؛ لأنها مكوّن أساسي من مكوّنات الإنسان؛ فنحن لسنا آلات تحيا في كون مادي تحكمه قوانين وقواعد عامة ومجردة، بل نحن بشر، وعقل، وفكر، وقلب، ووجدان، وكلها متساوية في الأهمية؛ لأنها ببساطة تشكّل البنية المعقدة للنفس الإنسانية، ولا يمكننا انتزاع بعض أجزائها، دون أن نفقد شيئًا من إنسانيتنا.
فما الضير مثلًا في أن يتغنى الشعراء بالقمر، ويربطوه بالحب، ويرووا عنه القصص بوصفه كيانًا شاعريًا يضفي البهجة ويبدد الظلمة؟ غير أن التفكير العلمي يأتي على هذه الشاعرية الحالمة ككوب ماء ساخن وقع على كرة من الثلج، ليخبرنا أن القمر ليس سوى صخور صماء، مظلمة وباردة. وعلى الرغم من أننا نعرف حقيقة القمر كما يبدو من الفضاء، فإن لدينا أيضًا الصورة التي نراه بها من الأرض، أي خبرتنا اليومية المعاشة. ومن الناحية الإنسانية، أي الصورتين أجمل؟ أهي صورة الصخور الصماء الباردة المظلمة، أم تلك الأشكال المتلألئة في السماء طوال الشهر، التي تتحفنا بتنوعها من الهلال إلى البدر، في لوحة فنية بديعة تتوسط السماء؟
فإذا كان الكون نفسه يقدم لنا هذا الوجه الجميل للقمر، فلماذا نصر نحن على النظر إليه من جانبه الصخري المظلم وحده؟. بالتأكيد نحن لا ننفي أهمية تلك النظرة العلمية، لكن لكل مجال أدواته وغاياته. فهي ضرورية في ميدان المعرفة العلمية، أما حين نتأمل القمر في حياتنا اليومية، فإن أول ما يحضر للإنسان عبر التاريخ لم يكن تركيبه الجيولوجي، بل جماله وسحره وقدرته على إلهام الخيال.
والسؤال هنا: ما المشكلة، أو حتى الكارثة الكبرى، في أن يصنع الإنسان قصصًا عن القمر، وأن يربطه بالحب والأحلام؟ هل يعرّض ذلك الجانب المادي للخطر؟ بالطبع لا؛ لأن الإنسان نفسه الذي ينسج تلك الحكايات يعلم الحقائق العلمية، لكنه يفضل حين يرفع عينيه إلى السماء، أن يرى في القمر قصة لا مجرد صخور؛ فنحن ندافع هنا عن حق الإنسان في أن يروي القصص ويختلقها كما يشاء، وحريته في أن يمنح الظواهر الطبيعية أبعادًا وجدانية وجمالية، وذلك كله لن يتعارض مع الحقائق العلمية عن تلك الظواهر أو غيرها. فالهدف هنا ليس انكار العلم بل تعدد المنظورات وعدم احتكار طريقة فهمنا للكون.
فالفرق بين رؤية زهرة جميلة بالعين المجردة ورؤيتها تحت المجهر، أن الزهرة الجميلة تنتمي إلى وعيي بالتجربة الإنسانية المعاشة، أما المجهر فهو للعلم، ولا تعارض بينهما البته. كما أنه لا يمكننا إنكار أن ما يكشفه المجهر يعبر عن حقيقة مكونات الزهرة، لكن رؤية العين المجردة تبقى الأجمل، وهي التي تبعث في النفس الفرح والسرور. فإذا كانت الطبيعة قد منحتك صورة تتلاءم مع قدراتك البشرية في الرؤية والتذوق الجمالي، فلماذا نصر على أن المنظور الأكثر دقة هو وحده المنظور الجدير بالاعتبار؟ فلا أحد ينكر قيمة الدقة، لكننا لا نحتاج إليها دائمًا في حياتنا اليومية؛ نحن نريد للزهرة أن تكون جميلة في مرأى أعيننا.
وهناك ملاحظة مهمة عبر التاريخ وهي ميل النفس البشرية دوما لخلق القصص والأساطير، لأنها مكون أساسي من التجربة المعاشة، فكل الثقافات البشرية، قد بنت أساطير وقصص عن خلق الكون. بل وحتى الآن وعلى الرغم من التقدم العلمي الحالي، الذي ينفي أي إمكانية للقصص، إلا أن الأساطير لم تمت، لقد حدث تحول فقط في الطريقة. نجدها في صناعة السينما، والأعمال الفنية، والخيال العلمي حول الفضاء، وحروب النجوم، وغيرها. الفكرة أن المخيلة مازالت تعمل، رغم النفي العلمي.
ولكن ما يدعو للتساؤل حقا، لماذا تصر التصورات المادية للعلم، على فرض منظور واحد تجاه العالم؟ وهو المنظور العلمي وحده. غير أننا نرفض أن يكون هناك منظور مفروض من الأساس؛ لأننا هنا لسنا بصدد تأليف كتاب في الفيزياء أو الفلك، بل نحن بصدد عيش الحياة نفسها: بأحلامها، وهوياتها، وتجاربها، وقصصها التي تمنح الأشياء معنى يتجاوز مجرد وجودها المادي.
في قصيدة “The Speed of Darkness”[3] (1968)، للشاعرة الأمريكية موريل روكايزر Muriel Rukeyser: مقولة لافتة، وأصبحت ملهمة للكثيرين، تقول فيها: “الكون مصنوع من القصص، لا من الذرات”. “The universe is made of stories, not of atoms.” وهي، بالطبع، لا تنكر الذرات بالمعنى العلمي، لكنها تؤكد أن حياتنا الإنسانية وتجاربنا الشعورية لا تحتاج إلى الذرات، بل تميل إلى القصص وتستمتع بها؛ تلك التي تشكل شبكة من المعاني والرموز والحكايات التي تصنع عالمنا، ليصبح عالمًا إنسانيًا قابلًا للسكن. [4].
لذا، فمن الضروري الفصل والتمييز بين العالم بوصفه موضوعًا للعلم، والعالم بوصفه تجربة إنسانية معاشة.
3- اللغة وجلب الحضور
والآن، لنأتي إلى نقطة مفصلية، تؤسس لتجربة الدعاء فلسفيًا، وهي اللغة، فهل هناك علاقة بين الدعاء واللغة؟ فنحن حينما نتوجه بالدعاء، يكون ذلك في صورة كلمات نتلوها إلى الله أو إلى الكون، ولكن المحصلة النهائية أننا نستخدم كلمات. وعلى الرغم من أننا قد نتوجه إلى الله دون كلمات، أي نبتهل داخليًا بلغة الصمت، إلا أن الأكثر حضورًا هو الكلمات. لذلك فهناك علاقة وثيقة بين اللغة والدعاء، حيث تعمل اللغة كوسيلة تعبيرية عما يجول بداخلنا، ثم نتوجه بها إلى الله أو إلى الكون، مما يعني أن هناك متحدثًا وهناك مخاطبًا. ولكن الغريب أننا نتحدث إلى مخاطَب غير موجود أمامنا بلغة الحضور لا الغائب، مما يعني أننا ندرك بشكل ما، أنه هنا معنا، يسمعنا ونحن نناجيه.
ففي دعاء مثل: “اللهم إنك عفو تحب العفو”، نجد أنفسنا نقول: “إنك”، أي “أنت”، ولا نقول: “إنه”، أي “هو”، كما نجد في: “إياك نعبد وإياك نستعين”، و”ربنا آتنا في الدنيا حسنة”، وهي صيغ نداء مباشر. والأمر لا يقف عند الإسلام وحده، بل يمتد ليشمل معظم الديانات تقريبًا، حيث يأتي الدعاء إلى الله دوما في صورة المخاطَب لا الغائب؛ ففي المسيحية نجد الأمر نفسه؛ فحين نقول: “أبانا الذي في السموات”، فهي أيضًا صيغة نداء مباشر، فنحن لا نقول: “الله الذي في السموات”. فالله لغويًا، لا يقف أمامي حتى أخاطبه، بل هو مفارق، في مكان ما، لذلك كان من المفترض أن نقول: “هو” لا “أنت”.
والسؤال هنا: لماذا نخالف القاعدة اللغوية؟ في الواقع، لا نرى أن الأمر مجرد خطأ لغوي أو معرفي كما قد يبدو لأول وهلة؛ فمثل هذا التفسير ينطوي على قدر كبير من السذاجة. والأقرب إلى الصواب أن نحاول تحليل سبب حدوث ذلك: لماذا نشعر بأن علينا أن نخاطب الله بضمير المخاطَب الحاضر أمامنا؟ هنا تكمن النقطة التي تحتاج إلى تحليل.
إن الدعاء في جوهره هو محاولة لإقامة علاقة (أنا-أنت) مع الله؛ فاستخدام “أنت” بدلًا من “هو” يعبر بالضرورة عن تحول وجودي، من التحدث عن الله بوصفه موضوعًا للعقيدة، إلى التحدث مع الله بوصفه لقاءً شخصيًا. فحتى لو كان هذا اللقاء من طرف واحد، وكان الطرف الثاني متخيَّلًا، فإن البنية اللغوية تمنحه إمكانية التحقق.
وهنا سوف نحتاج إلى فهم جديد للغة نفسها، إذا أردنا فهم هذه الظاهرة، فإن علينا أن نتخطى الفكرة الشائعة، التي تقول إن اللغة مجرد كلمات ننطقها. لذا، يحضرنا هنا هيدجر وأفكاره حول اللغة؛ لأنه ينقلنا من مجرد تحليل التجربة الشعورية للذات الإنسانية، إلى فلسفة تلك التجربة بطريقة تمنحها قدرًا كبيرًا من المصداقية الفلسفية.
فنحن نعلم أن لهيدجر مكانة مميزة في الفلسفة، ولِمَ لا؟ وهو فيلسوف الوجود والمعنى والسكنى في العالم، تلك الإشكاليات التائهة في التاريخ الفلسفي، التي لم ترسُ يومًا على بر، إلا أن هيدجر صنع البر، وأرسى السفينة، وحوّل الدفة للفكر الفلسفي كله.
ونحن حينما نتناول الدعاء واللغة، فإننا نريد أولًا أن نخرج من فكرة أن اللغة مجرد أداة للتواصل أو نظام من العلامات، كما اعتدنا، إلى لغة هيدجر التي اعتبرها “بيت الوجود”. فنحن لا نملك اللغة، بل هي التي تملكنا. ونحن لا نتكلم اللغة، بل هي التي تتحدث من خلالنا. فاللغة ليست شيئًا نستخدمه، بل هي الوسط الذي نوجد فيه، وهي حقل الوجود الإنساني نفسه.
فنحن لا نستخدم الهواء كأداةً للتنفس، بل نحن أحياء لأننا نتنفسه. وهذا بإيجاز ما حلله هيدجر في أفكاره حول ماهية اللغة، و في مقالته “إلى الطريق نحو اللغة” يؤكد على أن “اللغة كإعلام ليست هي اللغة في ذاتها”[5]
إذًا فاللغة بالمعنى الهيدجري هي الإطار الذي يمكننا من خلاله أن نكون بشرًا. ولكوننا بشرًا نستخدم اللغة في فعل الدعاء، ونتحدث بصيغة المخاطب إلى الله أو إلى الكون بدلًا من الوضع المنطقي الطبيعي، أي صيغة الغائب. فإن لهذا الأمر دلالة وجودية كبرى، وليس مجرد خطأ محدود.
اللغة عند هيدجر، بالمعنى الأصيل، تجلب الحضور؛ أي إن الأشياء في العالم تحضر حينما تُسمّى؛ فالشجرة، مثلًا، موجودة في العالم أمامي كشيء من بين أشياء أخرى، لكنها تحضر حينما نطلق عليها اسم “شجرة”، فتكتسب معنى ومكانًا داخل عالمنا الإنساني. وهذا بالطبع لا يعني أن الأشياء غير موجودة، هي موجودة في العالم من حولي، ولكن حضورها الفاعل والمعنوي في عالمنا لا يحدث إلا عبر الكلمة.
ويدلل سعيد توفيق على هذا الأمر ببراعة فائقة، في كتابه “في ماهية اللغة وفلسفة التأويل”(2002)، من خلال شرحه لمقصود هيدجر من البيت الشعري الشهير الوارد في قصيدة “الكلمات” (1928) لاستيفان جورج Stefan George، الذي يقول فيها: “عندما تبطل الكلمة لا شىء يمكن أن يكون”. فالمقصود هنا هو أن الكلمات لا تكتفي بالإشارة إلى الأشياء، بل تجعلها تحضر في عالم المعنى وتكتسب وجودها الإنساني. والقصيدة هنا تصور “الكلمة” ليست مجرد أداة، بل هي القوة الوحيدة القادرة على جلب الأشياء إلى الوجود؛ فبدونها، تظل الأفكار والمشاعر والتجارب كنزاً لا شكل له ولا معنى. ولتوضيح هذه الفكرة، يستعين سعيد توفيق بمثال من الأسطورة المصرية القديمة، لما تنطوي عليه الأسطورة من قدرة خاصة على إضاءة المعنى وتجسيده.
فقد آمن المصريون القدماء بخلود النفس، ورأوا أن الإنسان يتكون من روح وجسد، وأن الروح تعود إلى الجسد بعد رحلة من التطهر في العالم الآخر. ولذلك كانوا يحرصون على نقش اسم الفرعون على تابوته، لأن الاسم لم يكن مجرد علامة تعريف، بل كان جزءًا من وجود صاحبه واستمراره. ومن هنا، حين كان أحد الفراعنة يسعى إلى محو ذكر فرعون آخر، لم يكن يكتفي بإخفاء منجزاته أو محاربة أتباعه أو تشويه سمعته، بل كان يأمر بمحو اسمه من على التابوت. ووفقًا لهذا الاعتقاد، فإن الروح عندما تعود بعد رحلة التطهر لن تستطيع التعرف إلى الجسد الذي فقد اسمه. “فتظل هائمة دون أن تبلغ تحققها العيني أبدًا. ولقد بقيت هذه العقيدة الأسطورية في تراثنا العقائدي الذي تعكسه لغتنا الدارجة: فعندما يريد شخص ما أن يدعو بالنقمة على شخص ما آخر، فإنه يقول:”اللي مايتسمى” أو يقول: “إن شاء الله ينمحي اسمه من الوجود” فالدعاء هنا بأن يصبح الشخص غير قابل للتسمية أو يفتقد اسمه”[6]
لذا، فإن أصداء هذه العقيدة الأسطورية ما تزال حاضرة في تراثنا اللغوي الشعبي؛ فالدعاء هنا لا يستهدف مجرد الاسم بوصفه لفظًا، بل يستهدف محو إمكانية التسمية ذاتها، أي حرمان الشخص من ذلك الحضور الرمزي الذي يربطه بالعالم، ويجعله قابلًا للتعيين والتذكير. ومن هذا المنظور، يغدو الاسم أكثر من مجرد علامة لغوية؛ إنه شرط من شروط الحضور والوجود في المجال الإنساني للمعنى.
4- في حضرة العدم
يمكننا أيضا أن نضيف تفسيرًا نفسيًا لتجربة الدعاء، يتمثل في الحاجة إلى إضفاء الحضور، ولكن لماذا؟ لأن ضمير الغائب يخلق مسافة سردية يتحول فيها الدعاء إلى حديث مع شخص غائب، لا إلى حديث مع شخص حاضر. أما ضمير المخاطب “أنت” فيحقق المواجهة اللغوية، ويفترض الحضور المتبادل بين المتكلم والمخاطَب. ومن ثم يمكن فهم هذا التحول سيميائيًا بوصفه محاولة لتمثيل الحضور، بل لاستدعائه رمزيًا وجعله حاضرًا في لحظة النطق ذاتها.
وربما يرتبط ذلك أيضًا بالخوف الإنساني العميق من العدم، ومواجهة اللامعنى؛ فالإنسان بطبيعته كائن قلق، يخشى الغياب أكثر مما يخشى الحضور، ويهاب المجهول أكثر مما يهاب المعلوم. ومن ثم فإن مخاطبة الله بضمير الغائب، قد توحي ولو على المستوى اللاشعوري، بمسافة وجودية تفصل الداعي عمن يتوجه إليه بالدعاء، وهي مسافة قد تستدعي قدرًا إضافيًا من القلق الوجودي. والحال أن الإنسان يلجأ إلى الدعاء أصلًا طلبًا للطمأنينة، وتخفيفًا لوطأة القلق ومواجهة المصير المجهول. لذلك يبدو ضمير المخاطب أكثر اتساقًا مع الوظيفة النفسية للدعاء؛ إذ يمنح الداعي شعورًا بالقرب والحضور، ويبدد ولو مؤقتًا، ذلك الإحساس المقلق بالغياب الذي يلوح في أفق العدم.
في تحليلات هيدجر للعدم، يميّز بين الخوف (Furcht) والقلق (Angst). فالخوف يكون دائمًا متوجهًا نحو شيء محدد؛ فأنا أخاف من المستقبل مثلًا، أو من فقدان صديق، أو من ترك وظيفة. لذلك يظهر الخوف في الحياة اليومية بوصفه انفعالًا مرتبطًا بموضوع بعينه. أما القلق الوجودي، فيلفت هيدجر الانتباه إلى أنه لا يرتبط بسبب واضح أو موضوع محدد، بل يكشف للإنسان أفقًا أعمق من الوجود. ومن خلال هذا القلق ينكشف العدم، لا بوصفه شيئًا موجودًا بين الأشياء، بل باعتباره ما تتراجع أمامه الموجودات المألوفة وتفقد بداهتها، فينكشف الوجود نفسه على نحو جديد.
لذلك، يصف هيدجر العدم بأنه القوة الفاعلة التي تذكّرنا بحقيقة أننا ننتهي ونموت. فنحن نقلق من تصور هذه النهاية، ونحاول تجنب التفكير فيها حتى لا نواجه فكرة أننا سنصير عدمًا. إلا أن الدعاء، من هذا المنطلق، يظهر بوصفه مواجهة شعرية للعدم؛ إذ يبدو أحد الاستجابات الإنسانية لهذا الإدراك. فهو ليس فعلًا دينيًا فحسب، وإنما صراع وجودي مع العدم ذاته.
إنه استنجاد بالغياب الذي يمنح الإنسان شعورًا بالحضور، يواجه به الإحساس العميق بالفراغ الوجودي؛ فيخلق معنىً في مواجهة اللامعنى، بوصفه نوعًا من التعويض الذاتي. فهو، أولًا وأخيرًا، إعلان عن الأمل بوصفه اختيارًا في مواجهة العدم المحتوم بالموت. ومن ثمّ يتحول الدعاء من تجربة إنسانية تطالب بتغيير العالم الخارجي إلى مقاومة شعرية لتحدي العدم الساكن في أعماق الروح؛ أي ذلك القلق الوجودي الذي بيّنه هيدجر.
الخلاصة: انطلاقًا مما سبق عرضه وتحليله، يمكننا أن نخلص في النهاية إلى أن الإنسان، حين يناجي ربه أو الكون بصيغة المخاطب، يسعى إلى إكسابه صفة الحضور، أو بالأحرى إلى استحضاره في أفق تجربته الوجودية. ويتم هذا الاستحضار من خلال اللغة التي تتجلى في صيغة الدعاء، حيث يحاول الإنسان أن يصنع معنىً ذاتيًا يواجه به العدم. ومن ثمّ فإن الدعاء، في جوهره، يمثل مواجهة للامعنى وللقلق الوجودي الذي يعصف بالإنسان.
فاللغة هنا لا تصف حضورًا قائمًا بالفعل، بل تنتج حضورًا رمزيًا يعوض عن الغياب المادي، وتمنح الذات شعورًا بالاتصال في مواجهة الانفصال، وبالمعنى في مواجهة الفراغ. غير أن ما يتجاوز اللغة المنطوقة في صيغة الدعاء هو الصمت ذاته، بوصفه أسمى لغة؛ إذ تبلغ المناجاة فيه أقصى درجاتها، حين تعجز الكلمات عن حمل التجربة، ويصبح الحضور أعمق من أن يُقال.
يقول هيدجر في محاضرته “ما الميتافيزيقا؟”[7] (1929)، إن “العدم يُعدِم”، كما يرى أن هناك صمتًا يسبق كل كلمة. فنحن نفكر أولًا ثم نتكلم، لكن ماذا يحدث في تلك اللحظة الصامتة التي تسبق النطق؟ يرى هيدجر أننا في تلك اللحظة نصغي إلى اللغة وهي تتحدث، ثم نتكلم نحن. بل إنه يذهب إلى أن أهم أشكال التحدث هو الصمت؛ لأنه يمثل الذروة الوجودية للغة، حيث يصبح الحوار بين الإنسان واللغة حوارًا داخليًا خالصًا.
وهنا تبرز نقطة فلسفية حاسمة. ففي الدعاء العميق قد يصل الإنسان إلى حالة من الصمت المطلق، وهو ما أشرنا إليه في بداية مقالنا، حين فرقنا بين الدعاء الذي يتخذ صيغة الكلمات، وهو أمر يمارسه الجميع ويقدرون عليه، وبين المناجاة الداخلية الصامتة التي لا تعتمد على الكلام. وهذه الأخيرة ليست متاحة للجميع بالدرجة نفسها، بل تتطلب قدرًا من الصفاء الداخلي والتطهر والسمو الذاتي، بحيث ينفتح معبر بين الإنسان واللغة في أعمق مستوياتها.
عندئذٍ لا تعود اللغة المنطوقة وسيلتنا الوحيدة في التواصل مع الله، لأن الكلمات نفسها تصبح عاجزة عن حمل التجربة والتعبير عنها. وهنا يغدو الصمت أبلغ من الكلام، لا لأنه فراغ، بل لأنه امتلاء يتجاوز قدرة الألفاظ على الإفصاح. إن هذا الصمت ليس فراغًا، بل هو اللقاء الأصيل مع الوجود في حضرة العدم؛ تلك اللحظة التي يتوقف فيها الضجيج الخارجي، فينصت الإنسان إلى أعمق ما فيه، ويواجه قلقه الوجودي دون وسائط أو أقنعة.
والآن، وبعد رحلة التأصيل الفلسفي لتجربة الدعاء، أصبحنا نملك مسوغات (منطقية) بأن الدعاء ليس مجرد تمتمة صامتة في الفراغ، ولا انسحابًا من المسؤولية الأخلاقية في مواجهة العالم، بل هو تجربة وجودية بامتياز، تكشف أبعادًا خفية في النفس الإنسانية، بل وتكشف أعماق النفس البشرية الخبيئة التي لا تظهر، ولا نجرؤ على مناقشتها أو حتى تصورها مع الذات.
فالمؤمن الذي يؤمن بوجود ربه يكتسب وجوده أصالة من خلال فعل الدعاء والتواصل مع الله، حيث يبدو كتواصل “الجزء” مع “الكل” الذي ينتمي إليه، والذي أتى منه، فيشعر بالاكتمال والسكينة. أما الملحد، فهو أيضًا ذات الجزء الذي اقتُطع من الكل، فتهدأ نفسه في المناجاة، ويميل بشكل لا شعوري إلى وجود كيان ما يتوجه إليه في الكون، ليواجه العدم الوجودي الذي أوضحه هيدجر. وفي النهاية يتخذ الكل من الدعاء مقاومة ضد القلق واللامعنى.
فالدعاء هنا موقف، وموقف حاسم؛ إنه سلاح للنفس البشرية تواجه به الهواجس والمخاوف التي تنتابها. ونعم، يمكننا الآن أن نقول إن التمتمة بالدعاء في الكوارث الطبيعية يمكنها أن تخفف من حدتها، على الأقل بالنسبة إلى النفس البشرية، لا بالعوامل الفيزيائية. فالفيزياء تحلل الظاهرة، لكنها لا تحلل شعورنا تجاهها، لذا، لا يمكنها أن تكون سكينًا تفصل بيننا وبين رؤيتنا الشاعرية للكون.
ونحن نعلم اليوم أن هناك أمراضًا فتاكة يُنظر إليها طبيًا على أنها ميؤوس منها، إلا أن أصحابها نجوا بفعل الدعاء والامتنان. وقد دفع هذا الأمر الباحثين إلى الاعتراف بعوامل أخرى مختلفة تتخطى البيولوجيا المعروفة، حتى إن مجلة “ذا لانسيت للصحة الإقليمية – الأمريكتان”، المتخصصة في أبحاث الصحة العامة وأمراض القلب والأوعية الدموية، أكدت في افتتاحية أحد أعدادها المخصصة لأسباب الإصابة بأمراض القلب أن “معالجة الفقر هي المفتاح” (addressing poverty is key) [8]. وهكذا قد يتبلور توجهٌ جديد يصعب تجاهله، إلا أننا كثيرًا ما نتردد في سرعة فهمه أو استيعابه أو حتى الإقرار به؛ خشية أن يهز ذلك العرش العلمي وهيبة المجردات والمسلمات الراسخة، أو قد يفتح بابًا للخرافة، ولعل المشكلة لا تكمن في الظواهر نفسها، بقدر ما تكمن فينا وفي منظورنا المحدود للأمور، وفي ميلنا إلى حصر الواقع داخل الأطر التفسيرية التي ألفناها.
ولكن مما لا شك فيه إن الأمر لن يقف عند هذا الحد، بل قد تتسع الدائرة رويدًا رويدًا، لنكتشف أن الإنسان ليس مجرد متلقٍ سلبي للأحداث، بل له قدرة وفاعلية قد تفوق الأحداث نفسها، وحينئذٍ قد ندرك أن للتجربة الإنسانية أبعادًا لا يمكن اختزالها بشكل كامل في المادة. لذا، علينا أن نترك هامشًا ولو بسيطًا لكل ما يقف العقل أمامه، وكل ما يرفض المنطق استيعابه، لربما يتسع هذا الهامش يومًا، ويصنع طريقه داخل النص نفسه. وكما قال بن عربي: وتشعر أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر.
______________________________________________________________
المراجع:
[1] أنظر: ريتشارد دوكينز، وهم الإله، ترجمة: بسام البغدادي. بغداد: دار الجمل، 2009.
[2] عبد العفار مكاوي،(2010)، نداء الحقيقة، سلسلة الفكر، مكتبة الأسرة، الهيئة العامة المصرية للكتاب، مصر، صـ 18
[3] Rukeyser, Muriel. The Speed of Darkness. New York: Random House, 1968.
[4] See: Rukeyser, M. (1949). The Life of Poetry. New York, NY: Current Books.
[5] مارتن هيدجر (2003)، كتابات أساسية، ترجمة وتحرير إسماعيل مصدق، القاهرة: المجلس القومي للترجمة، الجزء الثاني، العدد 505. صـ280.
[6] سعيد توفيق، (2002)، في ماهية اللغة وفلسفة التأويل، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشروالتوزيع، بيروت. صـ54.
[7] مارتن هيدجر(1964)، ماالفلسفة؟ ماالميتافيزيقا؟ هيلدرين وماهية الشعر، ترجمة فؤاد كامل عبد العزيز ومحمود رجب السيد، مراجعة عبد الرحمن بدوي، القاهرة: دار النهضة العربية.
[8] The Lancet Regional Health – Americas. (2025). Cardiovascular disease: addressing poverty is key. The Lancet Regional Health – Americas, 42, 101029. https://doi.org/10.1016/j.lana.2025.101029