التجديد الإسلامي من وجهة محمد أركون: قراءة في المسالة الأخلاقية

 تكوين

إن ما تشهده الساحة العربية الاسلامية في هذا الزمن المتشظي يدفع بنا كباحثين إلى التوقّف عند دراسة ما يجري فعلاَ في المجال الاجتماعي من تغيرات واضحة المعالم، كما في المجال السياسي المتفجّر، والمجال الديني المشتعل تطرفاً. هناك تحوّل جذري نلحظ تحقّقه في أكثر من مكان وعلى أكثر من صعيد.

يمكن اعتبار أن موضوع التجديد الإسلامي يشكّل في المرحلة الراهنة تحدّياَ كبيراً في وجه كل القوى التي تعمل بشكل واعٍ أو غير واعٍ على تجميد الحالة الإسلامية، لا بل على وضعها خارج السياق التاريخي وحجزها داخل الخطابات الملتهبة والقوالب المتحجّرة. البحث في التجديد الإسلامي يعني أننا ملزمون بمقاومةٍ لها نهجٌ آخر، وغاياتٌ أخرى، وأبطال من نوع آخر يتسلّحون بالفكر ومنهجيّات علوم الإنسان والمجتمع واللغة. النظر في أسس التجديد الإسلامي يقودنا الى أمر في غاية الضرورة وهو يتعلّق بالمسألة الأخلاقية.

نشير في هذا السياق إلى أن العمل في سبيل البحث عن سُبُلِ التجديد الإسلامي لن يُجدي نفعاً إن لم يتمّ التوقف مليّاً عند البنية الأخلاقية للفرد والجماعة، كما عند جذور القيم الأخلاقية التي تترسّخ في أذهان الفاعلين الاجتماعيين، أكانوا حكّاماً أم رجال دين أم أفراداً عاديين. وفق أي نُظمٍ وأي مفاهيم تترسخ القيم في الأذهان لكي تُسيّر سلوك الفرد في المجتمع العربي الاسلامي؟

  • كيف تتأسّس القيم في مجتمعاتنا؟ وكيف تتحكّم بنظرتنا إلى ذاتنا كما إلى الآخر؟
  • هل يمكن التحدّث اليوم، وعلى الرغم مما نشهده من طفرة الخطاب الديني ونمو الصحوة الدينية، عن أزمة قيمٍ حقيقية؟ كيف تبدو ملامح هذه الأزمة؟ وأين تكمن تجلّياتها؟ وهل من سبيل للتصدّي لها؟
  • من هي المرجعية الأكثر فاعلية في تحديد المجال الأخلاقي، وتصنيف العدو والصديق، والخائن والأمين، والفضيلة والرذيلة؟
  • كيف يتمّ الربط بين الديني والأخلاقي في المجال السياسي الراهن؟ وهل هناك من إمكانية لتحقيق نوع من الاستقلالية على الصعيد الأخلاقي كما السياسي؟
  • أين هي التربية والمناهج التعليمية من المبادئ الأخلاقية؟ ما هو مصير الأخلاق ، وما هو المكان المخصّص لها؟ إلى أي مدى يمكن التحدّث عن الأخلاق في ظل شرعنة العنف وتقديسه؟
  • وأخيراً، يبقى من البديهي أن نسأل: ما هي قيمة الإنسان الذي جاء يزور هذه البقعة من الأرض ذات الصبغة العربية الإسلامية في هذا الزمن بالتحديد؟

أسئلة لا تدّعي هذه المقالة الإجابة عليها، إنما سيتمّ العمل على مقاربتها بالإستناد إلى نصوص مستلّة من كتابات محمد أركون في مجال أزمة القيم الأخلاقية، بخاصة ما نشره في كتابه “الإسلام الأخلاق والسياسة“.

الوعي الأخلاقي:

يتوقّف محمد أركون في سياق دراسته لخطاب كل من الفلاسفة وعلماء اللاهوت المسلمين عند “الوعي الأخلاقي“. يرى أن هذا الوعي “يستيقظ ويُستثار بسبب الصراع الدائر داخل الرأسمال الرمزي السائد الذي يحدّد الخير والفضيلة بالقياس إلى الشر والخطيئة أو الإثم ويقيم بينهما حدوداً صارمة وقاطعة“. كما أنه يشير إلى  أن مفهوم الخطيئة، أو الشعور بالذنب بالنسبة إلى جماهير المسلمين، “يتشكّل وينبثق داخل نظامٍ متكاملٍ من التصوّرات الجماعية التي تزعزع مباشرة الإحساس والشعور وذلك قبل حصول أي محاولة لجعل السلوك الإنساني موضوعياً وحيادياً بواسطة المسار المعرفي أو الأخلاقي“.[1] بمعنى آخر، فهو يعتبر أن “الحكم الأخلاقي يمارس دوره بالضرورة داخل فضاءين معرفيين أكثر اتساعاً هما: الفضاء الأسطوري الذي يشمل ما ندعوه بالديني، باعتبار أن العامل الديني ليس إلا بلورة للقيم الأسطورية النموذجية مع خلع بعض العقلنة عليها قليلاً أو كثيراً. ثم الفضاء الإبستميائي، وليس فقط الإبستمولوجي الذي يقدّم للوعي الأخلاقي عناصر المعرفة الموضوعية التي لا بدّ منها من أجل أن يستطيع المرء ممارسة التمييز والحكم بين الأشياء“.[2]

يلحظ أركون في هذا السياق أنه من غير الممكن، من الناحية العملية والسلوكية في الحياة اليومية الجارية للمرء، “أن يحصر ذاته بالمعرفة الموضوعية أياً تكن شموليّتها. فالخير والسعادة اللذان يشكّلان الغاية النهائية لكل سلوك أخلاقي مرتبطان في الواقع، وبشكل دائم، “بالرغبة العميقة في الخلود” المنغرسة في أعماق كل نفس بشرية. كما أنهما مرتبطان بالتوق والحنين اللذين يعذبان روح كل إنسان ويغمرانها في محيط من الوعي الاسطوري”.[3] لا شك في أن هذه المقاربة لن تلقى الترحيب من أطراف عدّة، وهي تحتاج إلى أرضية حداثية، وما بعد حداثية لكي يتمّ فهمها في سياقها الصحيح.

وهنا يشير إركون إلى أمر يودّ تسليط الضوء عليه، يكمن في

“أنه مهما يكن النقد الأخلاقي، المطبّق على مفهوم القيمة، صارماً، ودقيقاً فإنه من الصعب نظرياً وعملياً، أن نختطّى الحدود الفاصلة والقاطعة بين القيمة التي تجذب الإنسان (كالخير والجمال والحق والحب)، والقيمة التي تبيح (كالقانون والعدالة والنظام السياسي والاجتماعي، والقيمة التي تكره وتجبر (كالواجب، والإكراه الفرائضي في الدين، وإكراهات الحياة الاجتماعية وتلك التي تفرضها السلطة القائمة)“.[4]

يبدو واضحاً هنا كم أن النقد الذي يمارسه أركون، أو يدعو الدارسين الآخرين إلى التعمّق فيه، ما زال بعيداً عن تحقيق ثماره المعرفية وانعكاساتها في السلوكيات المجتمعية.

نجده يلفت أركون الانتباه، بعد أن راجع عدداً من النصوص الأدبية التراثية والحِكَم والأمثال، إلى أن الفقهاء- المتكلّمين قاموا باحتكار قسمٍ كبيرٍ من هذه الموروثات عن العصور السابقة على الإسلام، ثم أخضعوها لعملية ضبطٍ وتشجذيبٍ بهدف عرض

“القيمة التي تُجبر وتُكره على هيئة القيمة التي تجذب وتغري وبالتالي فهي تبيح وتسمح“.

وأشار في هذا السياق إلى أنهم في حين تركيزهم على أولوية القيمة التي تغري وأسبقيتها، نجدهم في نهاية الأمر يجتهدون في التذكير فقط بضرورة احترام الفرائض الدينية والسياسية والالتزام بها، وذلك تحت تأثير ضغط الواقع الاجتماعي. همّهم الأساس يكمن في الحفاظ على الحد الأدنى من استقرار النظام الاجتماعي الذي يضمن استمرار الحياة الاجتماعية. يستنتج أركون من هذه الممارسة “أن القيمة في الوسط الإسلامي قد أصبحت فقط مجرّد إكراه، أو قسر لا جذب ولا إغراء تحبّب المرء بها“.[5]

واضح في ما تقدّم الهمّ الأخلاقي عند أركون، ورغبته العميقة في الكشف عن كيفية انبناء مفهوم “الوعي الأخلاقي” في المجتمعات الإسلامية، من أجل العمل على تجديد هذا الوعي وتفعيله لكي يصبح أطثر انسجاماً مع المتغيّرات التي يشهدها العالم المعاصر.

بين النظرة اللاهوتية والنظرة الفلسفية:

ركّز أركون في أبحاثه على الصراع والتنافس بين رؤيتين نتجتا عن كيانين مختلفين ومتمايزين هما:

وبما أن الفلاسفة، من وجهة نظره، لم يرفضوا بشكلٍ صريحٍ النظرة الإسلامية بل دمجوها في رؤاهم الخاصة، وبما أن الرؤى الحالية في أرض الإسلام تستعيد الثوابت الأرثوذكسية التي تشكّلت سابقاً وتكررها كما هي، فإننا نجده يصوّب مطرقة النقد نحو هذه الأخيرة بهدف إعادة التفكير في الإسلام اليوم.

من هنا نلحظ أنه يعلن ما توصّل إليه من خلال قراءاته وهو يلخّصه على النحو الآتي:

“إنه منذ لحظة ابن رشد وابن خلدون لم تحصل في أرض الاسلام أية بادرة عقلية، للتفكير ولو جزئياً، بالمشاكل التي يطرحها الإسلام بصفته نموذجاً معيارياً أعلى للوجود: إن كتب ومؤلّفات المسلمين، منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، لا تفعل إلا أن تؤكّد على صحة هذا النموذج المعياري وصلاحيّاته وعلى أصله الالهي وتفوّقه الكوني على كلّ ما عداه من أديان. وهذا ما يؤدّي إلى استغلاله من قبل الحركات السياسية على الصعيد الإيديولوجي المحض. ويؤجَّل بذلك خط البحث النقدي المتحرّر والمحرِّر“.[6]

يتابع أركون بحثه لكي يصل إلى النظر في موضوع الأخلاق من زاوية منهجيّة علم الاجتماع، طارحاً السؤال الآتي: “ما هي القيم الأخلاقية المعترف بها لدى كلّ فئة اجتماعية أو طبقة اجتماعية أو طائفة معينة؟“. إنه يرى مدى اختلاف نسبة تطبيق النظام الأخلاقي الإسلامي بين منطقة وأخرى، وبين فئة عرقية أو ثقافية وأخرى. من هنا نجده يُقسّم المجتمع في الإسلام إلى قسمين:

  • الأول يخضع للشريعة وينصاع لها، فيتبع الدولة المركزية بما تفرضه من إكراهات ولوازم أخلاقية.
  • أما القسم الثاني، فقد قام بالمحافظة على ما كان عليه الوضع قبل الدعوة الإسلامية، نظراً إلى المسافة البعيدة التي تفصله عن المركز.

هنا تبرز جدلية العلاقة بين المركز والأطراف التي تناولها أركون انطلاقاً من تمرّسه بعلم الأنتروبولوجيا الاجتماعية والسياسية. إنه يشير إلى أن هناك استمراراً لتطبيق قانون العُرف والعرْض الذي كان سائداً لدى القبائل والعشائر. يشير في هذا السياق قائلاً:

“فالاسلام، على عكس ما يتوهّم السذّج، لم يشمل في أي يوم من الأيام كلّ مناطق المجتمع ونواحيه، وهناك مناطق شملها بشكلٍ كثيف ومناطق أخرى شملها بشكلٍ خفيف، الخ…ومن السهل على المراقب أو الدارس الاجتماعي أن يلاحظ استمرارية هذا الوضع حتى اليوم، هذا على الرغم من تعميم الدولة الحديثة التي انبثقت بعد الاستقلال للقوانين التشريعية-القضائية الوطنية أو القومية”.[7]

نجده يلفت الانتباه إلى أمرٍ مثيرٍ للاهتمام يكمن في مدى اتفاق كلّ من الفقهاء والفلاسفة على تهميش العامة وتحقير هذه الطبقة الاجتماعية، إذ إن مكانة الجماهير ودورها لم يختلف النظر إليهما كثيراً، خلال القرون الوسطى. إذ إن الأمر قد اختلف في ما بعد داخل الفضاء العقلي للفكر الحديث، وليس قبل ذلك. إن معظم التيارات الفكرية، على الرغم من اختلافها بين دينية وفلسفية، لم تُعر أهمية للجماهير إلا عن طريق الصدقة والزكاة والشفقة التي تُنعم بها النُخب على الصغار والمحرومين.

يشير أركون في ما يخصّ النخب أو الخاصة، إلى نوع من الترابط بين الرؤى الأخلاقية الشائعة من جهة، وبين المستويات الثقافية والمكانة الاجتماعية، من جهة أخرى. فالأخلاق لها علاقة بالمستوى الثقافي والاجتماعي للمجموعة التي تسود فيها، وليست أمراً مثالياً مجرداً في الفراغ. إن هذه الإشارة تفيد بأن الأخلاق مرتبطة بالبيئة الثقافية للشخص البشري وبمكانته الاجتماعية، فالأمر لا يتعلّق فقط بالمسلم وحده.

يُعطي أركون مثالاً على ذلك من خلال التحدّث عن كيفية نشوء المذهب الحنبلي المتشدّد في حضن الطبقات الشعبية حيث الناس الأميّون والبسطاء المنتشرون في المدن والأسواق. ويلحظ أن الفقهاء الحنابلة كانوا يتقنون لغة الناس البسطاء ويتحاشون لغة المتكلّمين المفعمة بالألفاظ الصعبة والمفاهيم المجرّدة. كما أنهم تقيّدوا بأداء الفرائض الدينية، واحترموا التقاليد والطقوس القريبة من ذهنية المؤمنين البسطاء. في الجهة المواجهة، كانت طبقة الفقهاء والمتكلّمين الرسميين الذين تولّوا المناصب العليا، بخاصة في مجال القضاء، وفئة الفلاسفة الذين نافسوهم على السلطة الثقافية لكي ينالوا الحظوة عند الخلفاء، من دون أن يتمكّنوا من الاستمرار في المحافظة على مكانتهم كما فعل الفقهاء والمتكلمون. إن هذا المثال يبرز مدى التفاعل بين النظرة الأخلاقية والمستويين الثقافي والاجتماعي. وكأن هناك أخلاقاً للطبقات الشعبية وأخرى للنخب.

تجدر الإشارة هنا إلى ملاحظة وردت في أكثر من موضع لدي أركون تكمن في الربط بين تيار الفلاسفة أصحاب النزعة العقلانية والإنسية وبين ازدهار الطبقة البرجوازية الذي لم يدم طويلاً. إذ يشير إلى أن طبقة التجار وأصحاب الأراضي عملت على الإسهام “في دعم الأخلاق القائمة على المنفعة والمصلحة البراغماتية، ثم في دعم وتطوير الثقافة ذات النزعة العقلانية والإنسية“.[8] إن هذا الربط بين الطبقة البرجوازية وانتشار نزعة الأنسنة يستند إلى أمثلة استلّها أركون من التاريخ الأوروبي أيضاً الذي أضاء عليه في أبحاثه. عندما يقف أصحاب هذه الطبقة إلى جانب الفلاسفة والمفكرين ويعملون على دعمهم، نلحظ أنه يتمّ إنتاج الكثير من الإنجازات التي تسهم في تحديث الفكر والمجتمع.

 

نحو إبراز الأصول الأخلاقية للقانون الإسلامي:

يسأل أركون باحثاً عن نسبة المسلمين الذين انخرطوا فعلياً في تعاليم القرآن ومارسوا القيم التي بثّها شهادة لله، وليس في سبيل تحقيق مصالح سياسية واقتصادية للعائلة أو للعشيرة التي ينتمي إليها. وتأكيداً على ذلك يلفت الانتباه إلى أن القرآن يتحدّث علناً وبلهجة التوبيخ عن أولئك الذين تقاعسوا عن الجهاد فاختاروا خدمة عصبيّاتهم فامتنعوا عن مقاتلة أخ أو قريب في الجهة المعادية. هكذا انغرس وعي الأمة، بالنسبة إليه، في الإطار الزمكاني المقدّس فحاولت أن تجسده في تاريخها الخاص، واستمرّت في التعلّق بالمحورية الاخلاقية القرآنية حتى ظهور “الامة القومية الحديثة” التي ترتكز على المعنى العلماني الحديث:Etat-Nation.

لكن ذلك يجب ألا ينسينا برأيه “أن الأمة الناتجة عن الخطاب القرآني وتجربة المدينة قد أصبحت بظهور العلماء (الفقهاء) الذروة العليا للسيادة الدينية والمشروعية التي ارتدّت في بعض الأحيان على الخليفة ذاته وعارضته في ما يخصّ بعض شؤون العقيدة” (مثلا محنة ابن حنبل).[9]

لقد كلّف القرآن الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي ترسيخ النظام الذي أراده الله وتأبيده. ثم إن ما يبرّر حكم الخليفة الإمام يكمن في رعاية كيفية تطبيق هذا الأمر والتحقّق من تمامه. من هنا، من وجهة نظر اركون، كان الكلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ملحقاً باستمرار بالكلام على الإمامة في الأدبيات اللاهوتية، حيث التعاليم الأخلاقية التي تطبع العقلية الجماعية للمسلمين من خلال خطبة الجمعة وفي التعاليم التربوية، الأمر الذي أسهم في ترسيخ النظام الالهي في الحياة الدنيا، ورسم بالتالي الدور الأساس الذي يجب أن تقوم به الأمة قبل تشظّيها إلى قوميات مختلفة ومتناحرة في ما بينها. إن هذا الكلام من شأنه أن يسلّط الضوء على مكمن الأصول الأخلاقية للقانون الاسلامي، إي القرآن، لذلك كانت الأمة ملزمة بتطبيقه والالتزام بأوامره ونواهيه.

كما أن هناك أيضاً عملية منهجية أشار إليها أركون في هذا السياق تكمن في محاولة تطبيق كليّة النص القرآني والأحاديث النبوية ضمن ما بات يُعرف بأصول الفقه، الأمر الذي أبرز بوضوح أثر المحورية الأخلاقية القرآنية على النفوس وعلى غزارة إنتاجيّتها النفسية والثقافية. لا يهتمّ أركون بتقويم المنهجيات المستخدمة في علم أصول الفقه، إنما ينشغل في تبيان مدى الحرص الذي تفصح عنه هذه المنهجية على إطاعة القانون الالهي والخضوع له. لذا يلحظ أنه عندما وضع الفقهاء تراتبية هرمية لمصادر القانون على الشكل الآتي: القرآن، الحديث، الإجماع، القياس، كانوا يهدفون الى إخضاع كل مصادر التشريع الأخرى للقرآن نفسه. ويضيف أن العبارة الشهيرة: “لا حكم الا لله” ليست محصورة بمعارضة الخوارج فقط، انما تجسّد “مقولة الإيمان الأولى” عند كلّ المسلمين، فهي تمنع بوضوح “أي حكمٍ شرعيّ من دخول كتب الفقه والقانون إذا لم يتمّ التأكّد من توافقه مع القانون القرآني الأعلى“.[10]

يلفت أركون الانتباه الى أن القانون الديني باعتباره محوراً من محاور التعاليم القرآنية تمكّن من التوسّع أيضاً في مجال الصوفية ومجال الأخلاق المتعلّق بآداب السلوك. لقد كان الصراع محتدماً بين الفقهاء الذين التزموا بتطبيق الشريعة حرفياً وبين المتصوفة الذين حاولوا التحرّر منها، هذا الأمر كان صحيحاً على مستوى القانون الديني المُعاش باعتباره تطبيقاً للقضاء والعقوبات الدنيوية. لكن الأمر سيختلف على صعيد القانون الديني باعتباره تبياناً عن إرادة الله ونظامه في خلقه، إذ يعتبر أركون أن الصوفية هم أيضاً ذهبوا بعيداً جداً في استبطان روح الأوامر والنواهي الالهية، عندما أضافوا إليها بعداً جديداً هو الحب المثالي المطلق.

ويلحظ أن أهل التصوف ركّزوا على بعض صفات الله من دون غيرها، كصفة المحبة مثلاً، وأعطوها أهمية مطلقة. لذا نراهم قد تمكّنوا من أن يوضحوا المضامين التلميحية والإشارات الخاطفة التي توحي بها الآيات القرآنية، معتمدين على منهجيّتهم الروحية ولغتهم التقنيّة، فبرهنوا على أن هذه الآيات لا يمكن استنفادها بواسطة منهجية التفسير النحوي واللفظي والبلاغي، كما حاول أن يوهمنا بذلك الفقهاء والأصوليون، مصرّين على أن الكلام الالهي الذي ينصّ على القانون الأكبر يمكن أن يُفسّر بصيغةٍ أخرى ومنهجيةٍ مغايرة انطلاقاً من التدريبات الروحيّة والمسار الصوفي.

يبدو جليّاً هنا الربط بين الفكر الصوفي والأخلاق في الإسلام، هذا الربط الذي قام به أركون من أجل المزيد من الإضاءة على الدور الذي لعبه المتصوّفة في إرساء القيم الأخلاقية، محاولاً أن يفيهم حقّهم في هذا الخصوص.

 

في أنماط تلقّي القانون الديني:

رأى أركون، في ما يتعلّق بالأخلاق وآداب السلوك، أن الحرص على اتّباع القانون الديني الأعلى قد ظهر بوضوح من خلال المناقشات التي دارت حول مكانة العقل البشري. واستشهد بما حدث في هذا الخصوص بين المعتزلة والأشاعرة.

  • فالمعتزلة يعتبرون أن الافعال البشرية تخضع كما أفعال الله للتقويم الأخلاقي إذا أخذنا بالاعتبار مرجعية الشروط الداخلية والخارجية لإنتاجها أو توليدها، لأن الله قد زوّد البشر بمعرفة داخلية تمنحهم القدرة على تمييز الخير من الشر. من هنا أصبح مفهوم القانون الديني مطبّقاً من قبل الإنسان العاقل والمسؤول عن أفعاله.
  • هناك أيضاً في الجهة المقابلة الموقف الأشعري الذي كان يبغي المحافظة على “الأولوية الأنطولوجية” لقدرة الله وجبروته، حسب تعبير أركون، عندما جعلوا الأحكام الخلقية الخاصة بالأفعال لا تستمدّ شرعيّتها إلا من كلام الله، بعيداً عن الأفعال وصفاتها.

ما كان يهمّ أركون في هذا الإطار يكمن في التوقّف عند أنماط تلقّي القانون الديني كما نصّ عليه القرآن من قبل مختلف الفئات، أكثر من التوقّف عند تفاصيل الخلافات بحدّ ذاتها التي سيطرت على الفِرَق المتنافسة. ثم إن أنماط التلقّي هذه تعيد، برأيه، كتابة القرآن أو فهمه طبقاً لادراكات وتحديدات مختلفة ومتأثرة في كل حالة معيّنة بالثقافة السائدة، وبالمجادلات الفكرية المحيطة بكل بيئة تاريخية. لذا نجده ينهمّ بكيفية المرور والانتقال من مستوى المحورية القرآنية إلى النظام العقيدي المعتزلي أو الاشعري المرتبط بالشروط التاريخية التي تتحكّم بإنتاجه. هذا الانتقال شكّل محور أبحاثه حول آليّة تلقّي القانون الديني. اعتقد بـ

“أن الديالكتيك الكائن بين الأخلاقية القرآنية والتاريخ يمثّل فصلاً من فصول تاريخ الفكر العربي الإسلامي” الذي لم يُدرس كما يجب، من أجل التمكّن من فهم ” المكانة المعرفية لكل أخلاقية موضوعة على محك التاريخ “.[11]

فالانغماس بالتجربة التاريخية وإظهارها بشكلٍ واضحٍ يُعتبر أحد أبرز ركائز منهج محمد اركون النقدي، وأحد أهمّ مفاصل التجديد الذي سعى إليه عند درس العقل الإسلامي.

تجدر الإشارة هنا إلى أنه في سياق كلامه على الموقف الأشعري، عرّج أركون على ابن حنبل لكي يشير إلى فاعليّة ما زرعه في نفوس الأغلبية في الإسلام من ضرورة تلقّي الكلام الالهي بلا كيف، فهو يقول:

“الأسوأ من ذلك هو أنه بعد الأشعري وتلامذته المباشرين كالباقلاني والجويني والغزالي… راح هذا الموقف يُستعاد ضمن إطار الفكر السكولاستيكي الاتّباعي، وتجمّد وتخشّب وفقد حيويّته الأولى لأنه أصبح لا علاقة له بالتوتر التاريخي الخلّاق الذي ميّز المرحلة الأولى (المرحلة الكلاسيكية). أقصد مرحلة الفقيه المؤسّس الذي قام بجهد شخصي للإبداع العقائدي: أي قام بالاجتهاد، في حين أن تابعيه في المرحلة السكولاستيكية اكتفوا بالتقليد والتكرار”.[12]

 

في الحاجة إلى إعادة التفكير في التراث الأخلاقي:

يلفت انتباه القارئ الأهميّة التي يوليها محمد أركون لعمليّة التوقّف عند المعايير الأربعة الحاسمة التي يرسم القرآن بواسطتها الحدود الفاصلة بين السلوك الإيجابي والسلوك السلبي المخالف لنظام قيمه. يعدّد المعايير وفق ما يأتي:

  • أسماء الله الحسنى
  • والشهادة
  • والأمة (المؤمنون، والشرع)
  • الأمر.

ويدعو من ثم إلى الغوص في دراسة الرؤى الأخلاقية والسياسية للإسلام، معتبراً أن هاتين الخطوتين المنهجيتين قد أبرزتا الحاجة إلى إعادة التفكير في تراث الفكر الأخلاقي الإسلامي بدءاً من جذوره.

نلحظ بوضوح كم أن أركون يعوّل على النظرة النقدية، ليس بهدف النقد وحسب، إنما في سبيل التعرية والكشف عن مكامن الخلل التي لم يعد جائزاً التغاضي عنها، لأن المخاطر تتفاقم إلى حدّ لم يعد سهلاً معه الخروج من المآزق المتراكمة جيلاً بعد جيل. من هنا جاءت دعوته إلى

  • التمييز بين الأخلاقية القرآنية من جهة
  • وبين الآيات المستشهد بها في المناسبات المتغايرة من جهة أخرى

وذلك من أجل أن يتمّ قياس مدى الفقر الفكري والبؤس الثقافي للقراءات التلفيقية والتوفيقية المنتشرة بكثرة اليوم تحت شعار الإسلام. قصد أركون بهذه القراءات تلك التي تبرهن بنظرة مختزلة على أن القرآن قد اخترع مسبقاً كل المفاهيم الخاصة بالعصر الحديث بما فيها الذرّة، وحقوق الانسان، ومكانة المرأة، وحتى الاشتراكية. انتقد العقليّة السائدة بتفوّق المفاهيم السياسية والاقتصادية الإسلامية على النظم الغربية، فذكر على سبيل المثال مقطعاً للرئيس جمال عبد الناصر عندما كان في ذروة مجده الإيديولوجي قال فيه ما يأتي:

“إن الثورة التي أعلناها في 23 يوليو عام 1952 في مصر تحمِل الهدف نفسه الذي أعلنه الإسلام في بدايته. ينبغي تحرير الفرد من العبودية والإقطاع والقمع الرأسمالي. إن الحرية الوطنية مشروطة بالمساواة والإخاء بين البشر. وهما يشكّلان قاعدة الاشتراكية الاقتصادية. إن أوّل دين دعا البشر إلى الاشتراكية كان هو الإسلام، ومحمد هو إمام الاشتراكية “.[13]

خطوات نقدية نحو التجديد:

انطلاقاً مما تقدّم، سوف أحاول جمع الخطوات النقدية التي ركّز عليها أركون من أجل القيام بمراجعة نقدية للعقل الإسلامي في مختلف تجليّاته التاريخية. من أجل السعي إلى التجديد في خطوات علميّة راسخة، قدّم أركون خلاصة قناعاته في هذه النقاط التي استخلصتها مما ورد في كتابه “الإسلام، الأخلاق والسياسة”، بخاصة، ومن  باقي مؤلّفاته بعامة، أوجزها بما يأتي:

  1. ضرورة الانتباه إلى أنه من وراء التركيبات العقيدية لأصول الدين وأصول الفقه يمكن استنتاج الآتي: توجد في ما وراء الآيات القرآنية وتعاليم تجربة المدينة نواة فريدة من المعاني والدلالات، لا يجوز التغاضي عنها والاكتفاء فقط بما يقدّمه علماء الدين من تفسيرات.
  2. من الضروري أن تؤخذ بالاعتبار كلّ المنتوجات العقيدية والتجارب الدينية المتفرّعة عن التجربة التأسيسية، والتي تمثّلت بالمذاهب والمدارس والطوائف على تعدّدها، لكونها محاولات لتجسيد الأخلاقية القرآنية في التاريخ البشري المحسوس.
  3. أهمية الخروج مرّة واحدة وإلى الأبد من إطار الأدبيات البدعوية الموروثة.
  4. أهميّة العمل على أن يتمّ تقويم الطوائف والمذاهب بالقياس إلى مقاصد الأخلاقية القرآنية من جهة، ثم بالقياس الى إكراهات وحتميات كلّ منعطف تاريخي، وكلّ وسطٍ اجتماعيٍّ ثقافيٍّ من جهة أخرى.
  5. موضعة الأخلاقية القرآنية بالقياس إلى الشروط النقدية لكلّ إنتاجٍ معرفيٍّ، باعتبار أن الخطاب الديني ليس إلا إنتاجاً معرفياً من ضمن منتوجات أخرى وخطابات أخرى مختلفة.
  6. العمل على وضع حدّ للإمتيازات اللاهوتية التي خلعتها على نفسها بعض الفئات سابقاً باسم الدين الصحيح، أو الإسلام الصحيح الذي ينفي ما عداه، ويرميه في ساحة الخطأ والضلال والزندقة.
  7. ضرورة الانتقال من مرحلة التفكير اللاهوتي العقيدي إلى مرحلة البحث العلمي المنفتح على دراسة تجسيدات وفتوحات الأخلاقية القرآنية داخل مجرى الزمن التاريخي الأرضي، وليس داخل مجرى الزمكان المقدس والمقدِّس للمخيال الديني كما لا يزال يفعل المسلمون اليوم.
  8. إعادة الاعتبار إلى المنظور المعرفي الذي أسّسه فلاسفة العرب والمسلمين، ثم فرضُ النقدِ الفلسفيّ داخل نطاق الفكر العربي الإسلامي من جديد.
  9. أهميّة الفصل بين معنيين للدين، الأول روحاني ومنزّه ومنفتح على المطلق، يعرّفه بالظاهرة القرآنية، والثاني أقرب الى الإيديولوجيا والسلطة والانغلاق، يعرّفه بالظاهرة الإسلامية، الأمر الذي يؤدّي إلى التمييز بين العقل الديني والعقل اللاهوتي- السياسي، أي بين النظرية والتطبيق.
  10. العمل على تسليط الضوء على عمليات تشويه المقصد الأعلى للدين التي مارستها الإيديولوجيا السلطوية عبر التاريخ وهي تتّشح بالعقل الديني، وبما يتضمّنه من معانٍ ورموز ودلالات مفتوحة على المطلق.
  11. عدم الاكتفاء بما تقدّمه النظرة التقليدية للوحي، إنما النظر إلى النص القرآني كـ”مدوّنة نصيّة”، وإلى الآيات كـ” عبارة لغوية”، أي كمادّة لغوية بحتة، تَخضَع لقوانين الصرف والنحو، ولكيفيّة تركيب المعنى، وتستخدم المجاز والرمز والقصَص وأساليب البيان المختلفة.
  12. ضرورة البحث في كيفية التأسيس الاجتماعي للعقل، والتأسيس الخيالي للمجتمع، والكشف عن العامل اللاعقلاني المسكوت عنه والمرمي في دائرة اللا مفكر فيه. واحدة من مهام العقل في هذا المجال تكمن في البحث في نمط العلاقة الكامنة بين القوى المركزية من جهة ( أي الدولة والنخب والأرثوذكسية الدينية)، وقوى الأطراف من جهة ثانية (أي الثقافة الشعبية)، وإبراز طابعها الجدلي المرتكز على ما يسمّيه المثلث الأنتروبولوجي: “العنف، والتقديس، والحقيقة”.
  13. لا يمكن اعتبار الحقيقة من المنظور النقدي جوهراً أو أمراً معطى على نحوٍ مكتمل وجاهز ونهائي، غير خاضع للتبدّل والتحوّل، يعلو على التاريخ وعلى الشرط البشري في آن. انها، على العكس من ذلك، فهو يعتبر أنها “تركيبٌ أو أثرٌ ناتجٌ عن تركيب لفظيّ أو معنويّ”، ممكن ان ينهار ليحلّ مكانه تركيب آخر وفق الظرف التاريخي، والاجتماعي والمعرفي.[14]
  14. أهميّة اعتبار معرفة الواقع “مجازفة مستمرّة” كونها فعلَ خروج متكرّرٍ بعيدٍ عن حدود السياج المغلق الذي يفرضه كلّ تراث ثقافيّ بعد أن يختبر تجربة مكثّفة معيّنة، كتجربة الوحي.
  15. عدم التوقّف عند حلٍّ محدّدٍ، أو تفسيرٍ واحدٍ مقونن، وذلك على الرغم من أهمية النتائج التي تمّ التوصّل إليها من خلاله. إن مسار الناقد الحقّ كالصوفيّ الذي لا يعرف الاستقرار في مراحل سلوكه نحو الله، وكالعالِم الذي يمارس البحث العلمي المتواصل رافضاً التوقّف عند نتيجةٍ معيّنةٍ لأنها في نظره تقريبية ومؤقّتة، عينه على تجاوزها في الخطوة التالية.

في الختام، يمكن بعد هذا العرض المختصر للخطوات النقدية التي اقترحها محمد أركون على الباحثين أن ندرس إمكانية تبنّيها اليوم، في خططٍ بحثيةٍ استراتيجيّة تهدف إلى التجديد من خلال المنهج النقدي وما يتضمّنه من آليّات متعدّدة، والزيادة عليها، وإعادة النظر فيها كلّما دعت الحاجة. إن المسالة الأخلاقية باتت اليوم تطرح نفسها بقوة، بخاصة بعد كل ما نشهده من سلوكيات تستفزّ الوعي، وتبكّت الضمير، وتدين أي انتماء يدّعيه أي مؤمنٍ إلى الجماعات المتديّنة التي ترفع شعار القيم والخير والخلاص والسلام…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1] – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، ترجمة هاشم صالح، بيروت، مركز الانماء القومي، ط1، 1990، ص 113.

[2] – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 113.

[3] – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 113.

[4] – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 113.

[5] – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 114.

[6] – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 171-172ز

[7] – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 115.

[8] – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 119.

[9] – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 33.

[10] – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 34.

[11] – محمد اركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 36.

[12] – محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 37.

[13] – محمد اركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، م.س. ص 38.

[14] – لمزيد من التفصيل حول رؤية أركون للحقيقة، أنظر: : محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1998، ص 166.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete