تكوين
قد يبدو الكلام على الميتافيزيقا ضرباً من ضروب الخروج عن الواقع، أو سفراً طويلاً في الماضي السحيق للفكر، بعيداً عمّا تختبره مجتمعاتنا من أزمات بنيويّة قاسية، تكاد أن تصل بها إلى مستوى التفكك والانهيار. لكن التوقّف عند الميتافيزيقا لم يعُد خطوة سبق القيام بها في زمن عبر، أو انهماماً فكريّاً يُعتبر من الكماليات التي لا ضرورة لها الآن. فالتساؤل الناجم عن قلق المعرفة يجد أصله في الميتافيزيقا، والبحث عن أصول المعرفة وكيفية انبنائها لا يتحقّق خارج الميتافيزيقا. الرغبة في الغوص داخل طبقات الأسئلة الشائكة التي يطرحها العقل في سياق بحثه عن الحقيقة لا يتمّ بمعزلٍ عنها.
الانغماس في الواقع يجعل العقل يواجه أسئلة تقوده إلى ما هو أبعد من الظاهرة المتمثّلة أمامه. إنه مجبرٌ على عدم خيانة طبيعته التساؤلية المنطلقة نحو الأبعد انطلاقاً لا يعرف التوقّف عند حد معيّن. من هنا يأتي اهتمام هذا المقال بتسليط الضوء على التردّد القائم بين الفكر والواقع، بين التساؤل الفلسفي والشرط المجتمعي، بين المعرفة والإطار التاريخي الذي يحدّها، وذلك انطلاقاً من كتاب الدكتور وليد الخوري الذي يطرح فيه إشكاليات تقع بين الميتافيزيقا والقضايا المجتمعية، محاولاً أن يقدّم قراءته الخاصة في فهم النصوص والوقائع والموضوعات والأشياء فهماً عقلانيّاً.
اخترت أن أعالج في هذا المقال جزءاً يسيراً مما يعالجه الكتاب من قضايا فكرية بهذف تسليط الضوء على أهمية التساؤل الفلسفي في عملية البحث عن المعنى وعن معنى المعنى انطلاقاً من النظرة النقدية، واعتماداً على المنهج النقدي.
من هنا يمكن أن نطرح ما يأتي:
هل السؤال عن المعنى يمكنه أن يُفضي إلى إجابة ترضي العقل وتحيطه بما يبتغيه؟
ما الرابط بين البحث عن المعنى وعن معنى المعنى؟
وهل بالتالي للفكر النقديّ مجالٌ مفتوح على ساحة الفكر العربي المعاصر لمراجعة مسارات البحث عن الحقيقة؟
-
في أهميّة التساؤل فلسفيّاً
استوقفني ما أورده الدكتور محمدحسين الرفاعي في سياق تقديمه لكتاب “كلام على شفير الميتافيزيقا” حول أهميّة التساؤل وعلاقته بالميتافيزيقا، حيث يقول:
“إن التساؤل بوصفه أوّل التفلسف، من حيث إن التفلسف إنما هو إتيان الفلسفة إلى مستوى الفعل، يأخذ معنى ميتافيزيقياً قبل أن يقوم حتى. لأن ذلك يرتبط بماهية العقل وقد صار فكراً راسماً لحدود إمكان المعرفة”.[1]
يفيد هذا القول بأن بداية فعل التفلسف انطلقت من البحث عن جواب على أثر إلحاح الأسئلة الهادفة. فالعقل البشريّ توّاقٌ إلى المعرفة، وهو في لحظةِ وعيِ جهلِه، يبدأ بطرح السؤال تلو الآخر، علّه يرسم من خلال ذلك مسار بحثه عن المعنى المفقود. من هنا يرى د.محمدحسين أن
“شروط إمكان المعرفة، في أوّل بدئها، كانت ميتافيزيقية، في المعنى الأكثر جذرية للميتافيزيقا.باعتبار أنها أُخذت من موقع الثنائيات الابستمولوجية؛ أي الذات والموضوع، والفكرة والمعاينة، والفهم وحقل الفهم (في ما بعد الحداثة)”.[2]
يعتبر د.وليد الخوري أن السؤال يشكّل علامة الفلسفة وأساس المنهج فيها، كما أنه الأداة الأكثر فعالية التي يمكن لعقل الفيلسوف أن يمتلكها. يشير إلى أن
“العقل يسأل والأشياء تجيب، كيف يسأل؟ ما هي صيغ السؤال المنتج؟ ما هي أنواع الحدود التي تستدعيها الأسئلة؟ ما هي الصفات-المعاني التي تتشكّل منها؟ في كيف الصيغة تثوي معرفة الشيء المسؤول عنه أو حدّه. تتداعى معانٍ يستلّها العقل استلالاً، محكوماً بالشروط التي تسكن بنيته، وتعيّن مراده من السؤال أو المطلب”.[3]
تتبدّى هنا وظائف العقل في مساره البحثي عن الحقيقة من خلال التساؤل الذي قد يرسم الطريق نحو المعنى.
من جهته يوضح د. محمدحسين الرفاعي في كتابه “ما هو المفهوم؟” أن “قوَّةُ التَّساؤل لهي القابلية الداخلية التي من شأن موضوع التَّساؤل في أن يَستنهض [التَّساؤلَ- في- كُلِّ- مَرَّةٍ] مرَّةً أخرى. إنَّما الموضوعات الأكثر قوَّةً لهي تلك التي تشتمل على مجهوليَّةٍ ما. إنَّما الجهل بالموضوع موضعَ التَّساؤل، لهو الدافع الأساسي في أن يقوم التَّساؤل. (…)”. ويحدّد في السياق عينه مفهومه لأركان التساؤل قائلاً:
“يفترض التساؤل أنه يسأل. وفي حال كان تساؤلاً قائماً ىبشأن موضوع بعينه، فذلك يتطلّب:
- أوّلاً: أن يكون التساؤل واعياً لذاته،
- وثانياً: يكون في انتظار أن يفكّك أمام موضوعه”.[4]
لفت انتباهنا في ما يتعلّق بالتفكّر حول مفهوم التساؤل، أو فلسفة التساؤل، ندرة النصوص المتوفّرة بالعربية في شأنه. وكأن هذا المفهوم ما زال موضوعاً في مقام المؤجّل. إن ما أورده د. الرفاعي في كتاب خصّصه لدرس التساؤل والبحث في أصوله وآليّاته ونتائجه يستحقّ التوقّف عنده، نظراً إلى أهميّة المقاربة الابستمولوجية-السوسيولوجية التي يقدّمها، وإلى قلّة المراجع في هذا الخصوص.
يلحظ د.وليد الخوري أن صيغة السؤال تتضمّن معنى الجواب، كما أنها تُظهر هوية العقل الذي يسأل، والمدى المعرفي الذي يتحرّك داخله، راسمة الحدود التي يقف عندها العقل أو التي يعمل على تجاوزها. من صيغة السؤال يتكشّف مسعى العقل نحو إدراك ما يكمن وراء حدوده من سمات لها علاقة بالحقيقة. إن ما يضفي على الأسئلة التي يطرحها العقل طابعاً علميّاً يكمن في كونها تسعى إلى
“استيلاد الحدود والتعريفات، استيلاداً ينبّه إلى معقوليّة تخترق بناها وتضمن لها من المقبوليّة ما يعزّز شروط استثمارها في الأحكام العقلية والأقيسة المنطقية”.[5]
عمل د.وليد الخوري من خلال بحثه في “السؤال على ساحة المعنى” على تتبّع صور المعنى والمواضع التي يتجلّى فيها داخل أنماط التعريف والتعليل، انطلاقاً من الأسئلة التي يطرحها العقل بصيغ مختلفة مثل: هل، وما، ولمَ، وأي؟ وغيرها. حاول من خلال العودة إلى ما كتبه الغزالي في “المستصفى” و”مقاصد الفلاسفة” و”معيار العلم“، وكتاب “الحروف” للفارابي أن يتلمّس كيفية عمل العقل العربي على تحديد التصورات وتخريج المعاني، في إطارٍ يتجاور فيه المنطقيّ مع اللغوي. أشار في بحثه إلى كيفية تدريب النظر على “تجارب التفكير” التي اختبرتها الثقافة العربية انطلاقاً من مصادرها الأصيلة كما الوافدة إليها، وإلى كيفية القيام باستثمار صيغة الاستفهام باعتباره ولّاداً للمعاني، وتوظيفه في عملية المعرفة.
يشير الدكتور محمدحسين الرفاعي في سياق كلامه على مفهوم التساؤل انطلاقاً من النظرة الابستمولوجية قائلاً:
“أن نتساءل عن التَّساؤل معناه أن ندفع به نحو الآتي: التَّساؤل عن ماهيَّة التَّساؤل الفلسفي، والتساؤل عن بِنيَة التَّساؤل الفلسفي. ماهيَّة التَّساؤل الفلسفي تقوم على رباعية التَّساؤل الفلسفي ذاته، أعني هي تقوم على أدوات أشكلة هي، تتجسد على نحو أدوات اِستفاهم، الآتية: [هل- ثَمَّ- شيء؟]، [ما / ماذا هو ذا الشيء؟]، [كيف هو الشيء؟]، و[لِمَ / لماذا هو الشيء على هذا النحو؟ أو لِمَ هو هكذا؟ أو لَمَ هو على هذه الصورة دون أخرى؟]. هذه الرباعية تشكِّل ماهيَّة التَّساؤل الفلسفي، متى أُخذت من جذرها”.
يقدّم د.الرفاعي هنا نظرة إبستيمولوجيّة متحرّرة من “الصراعات المعرفيَّة والفكرية بين الاِتجاهات والمدارس الفلسفيَّة حول تحديد مضمون التَّساؤل الفلسفي“[6]، ترتكز بشكل أساس على مكتسبات الحداثة وما بعدها بخصوص التَّساؤل الفلسفي- العلميّ.
اعتبر د.وليد الخوري أن الفكر العربي، في استخدامه صيغ الاستفهام كان “مفسّراً وشارحاً” للمعاني التي تمّ توليدها، تارة، و”منتجاً لها”، تارة أخرى. “والفرق بين شرح المعنى أو إنتاجه يؤشّر إلى اختلاف في نوعية المعرفة، وفي البنية الفكرية التي أثمرت كلّاً منهما، تؤسّسه قناعات ميتافيزيقية“[7] مختلفة:
- هناك قناعات لا ترى إلى العقل أكثر من شارح، إذ تقتصر مهامه على التبيين والتوضيح والإعراب والإفصاح، ينحصر مداه في الحدّ اللفظي، وقياس الجزء على الجزء، لا أكثر. فيتمّ الاكتفاء بمعرفةٍ ما عن الأشياء لا تصل إلى مستوى إدراك الماهية. مثال على هذا النمط من القناعات أدبيات الفكر السلفي كما تبيّن عند ابن تيمية، والفكر الأشعري كما تجلّى لدى الغزالي.
- وهناك قناعات تجعل أصحابها يقفون في الجهة المواجهة لأنهم يعتبرون أن العقل هو مصدر المعرفة وأداةُ نقدها في الوقت عينه. يحظى العقل بالنسبة إليهم بخصائص بنيوية توفّر له إدراك الصفات الذاتية للشيء، كما إدراك حقيقته وماهيّته. مثال على هذا النمط هناك العقلانية المشائية البرهانية التي تأسّست على المفاهيم الكليّة.
انطلاقاً من هذا التمييز تتبلور الاختلافات التي ميّزت فكر الحداثة وما بعدها عن الفكر الوسيطي. يتعلّق الأمر بمسألة معرفية، بكيفية انبناء السؤال، وفي آلية البحث عن ما يمكن أن يشكّل جواباً عليه.
يشير د.وليد الخوري في نص ملفت إلى أهميّة السؤال قائلاً:
“إنه السؤال، معه تعرف أين تبدأ، لكنك لا تعرف أين تنتهي، (…)، لا يدعك ترتاح، ما أن تتوقّف عن السير معه حتى تعاوده، وما أن تشعر بالاكتفاء حتى يفاجئك الإحساس بعدمه”.
يتحدّث عن حالة إدمان يعيشها الفيلسوف على طرح الأسئلة، وهي بمثابة “متعة تنهك وتضني”، كما أن هذه الحالة تستنفد طاقته فيركض وراءها لاهثاً “وهو يستعرض أحواله ويفنّد صفاته في أنواع التعريف ومواضع التعليل، يستقرئ فيها بنى التفكير ويرسم خطاً بيانيّاً لمسار العقلانية ومعالم تجلّيها في الفكر العربي“.[8]
-
“من المعنى إلى معنى المعنى”
يشكّل النص القرآني وعملية فهمه وتفسيره وشرحه محطّة بارزة في تاريخ اشتغال العقل العربي وبحثه عن حقيقة المعنى. فالسؤال عن مضمون ظاهر النص يُفضي إلى عملية التفسير والشرح لما يتضمّنه من أحكام وتعاليم يجب الأخذ بها. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى الجهد الكبير الذي تمّ بذله في تاريخ الفكر الإسلامي، والذي يهدف إلى شرح وتفسير مضمون الآيات القرآنية. فعمليّة البحث عن المعنى واستخراجه ومن ثم تفسيره، كانت من الأولويات باعتبار أن القرآن يحمل “نصاً محايثاً” لحياة الناس، وهو فاعلٌ إيجابيٌّ عند البعض يلعب دوراً “في تقعيد أنماط عيشهم وتوجيه بصائرهم وتنقية بواطنهم“. كما أن هذا النص له أيضاً، بالنسبة إلى د.وليد الخوري، يلعبُ دوراً سلبيّاً بالنسبة إلى البعض الآخر، إذ إنه “يرخي بثقله على قناعاتهم في كيفية تدبير شؤون وجودهم الحي والناشط، في وجوهه التنوّعة”.[9]
يعتبر الخوري أن البحث عن معنى المعنى يكمن في السعي إلى معرفة الحقيقة المتوارية خلف المعنى الظاهر للنص، وذلك عن طريق استخدام أدوات معرفية متنوّعة. إن هذا البحث أصبح موضوع صراعٍ بين من تكفّلوا بمهام شرح النص القرآني، لأن الأدوات المعرفية المستخدمة من قبلهم كانت مختلفة، وآلية استخدامها كانت متعدّدة. فعمليّة سبر أغوار المعنى الظاهر لم تكن سهلة، وهي لم تستخدم أدوات موحّدة ولا أساليب متشابهة. فإعمال العقل جاء متفاوتاً في مشروع الكشف عن المعنى المستور وعن دلالاته.
يعتبر الخوري أن
“المعرفيات الشارحة عموماً، هي الآليات المعرفية، بمسمّياتها المختلفة، التي انشغلت بشرح النص القرآني تبييناً وتوضيحاً وتأويلاً وتشريحاً وتفكيكاً، (…)”.[10]
ترتكز هذه المعرفيات على الشرح من دون سواه، وهي على تعدّدها واختلافها، لا تدّعي العمل على إيجاد مرجعيّة بديلة عن النص، كما أنها تتجنّب إهمال ما ورد فيه من أحكام إيمانية، ومقاصد كليّة. فالشرح يلتزم بتقديم فهمٍ يلائم الإسلام الصحيح ورسالته الإنسانية الجامعة. يعطي مثلاً على هذه الآلية ما قدّمه الإمام الشافعي في هذا الخصوص.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الأمر لا يتعلّق فقط في البحث عن المعنى وشرحه، إنما في الذهاب إلى ما هو أبعد، أي إلى معنى المعنى. يتوقّف د.وليد الخوري في هذا السياق عند ما أكّده الجرجاني بخصوص العمل الاستدلالي للعقل في عملية عبوره من المعنى إلى معنى المعنى. يرى أن الجرجاني قد بحث، في الآلية التي تقود العقل في عملية انتقاله من المعنى إلى معنى المعنى، بحثاً مفصّلاً، مشيراً إلى الدور الذي يلعبه المتلقّي أو السامع “في إنتاج المعنى المقصود” أو ما يقصد به الخوري بـ”معنى المعنى”. يخلُص إلى استنتاج ما يأتي:
“المعنى هو المفهوم من ظاهر اللفظ، تصل إليه بغير وساطة أو قرينة، ومعنى المعنى هو أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يٌفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر، ولعلّ ما يترجم هذه الصيرورة للمعنى، ما أجادت به صيغٌ مجازية مثل الكناية والاستعارة والتشبيه”.[11]
من هنا كانت الدعوة في علم البلاغة إلى تجاوز المعنى الحقيقي للفظ إلى المعنى المجازي الذي يتحقّق بالاستعمال. يتعلّق الأمر بعمليّة خروجٍ في اتجاه معنى المعنى، وعدم الاكتفاء بما يقدّمه ظاهر اللفظ، ضمن شروط تضبط الانحراف وتحمي المعنى. يذكّر د.وليد الخوري في هذا السياق بما أوره ابن رشد في كتابه “فصل المقال” بخصوص تحديد مفهوم التأويل باعتباره “إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخلّ بعادة لسان العرب في التجوّز…“. انطلاقاً مما تقدّم يرى الخوري أن للتأويل مشروعية وهو إحدى الطرق التي توفّر شرحاً آمناً ومنضبطاً للألفاظ الواردة في النص. وقارن في ما بعد بين هذه الآلية والآلية المعتمدة في القياس الفقهي، قياس الفرع على الأصل.
يشكّل القياس بالنسبة إلى الشافعي
“الآلية المعرفية التي يتوسّل بها العقل الاجتهاديّ في شرح أساليب ربط المستجدّ من الوقائع التي لا حكم بشأنها في النصوص، بما يشبهها من الوقائع المحكوم فيها، وإجراء الحكم نفسه عليها، شرط وجود علّة، تستوفي شروطها، تسمح بترجيح الحكم”.[12]
إن في التوقّف عند آلية القياس إشارة واضحة إلى الجهد الذي قام به المفكرون المسلمون من ناحية الجهد في البحث عن المعنى المستور، أو عن معنى المعنى، أوعن التأويل، أو عن حكم الفرع بالقياس على الأصل. فالعقل الفقهيّ اجتهد في هذا المجال من خلال البحث عن القرينة أو العلّة، لكن ضمن حدود شرح الأصل.
يلفت د.وليد الخوري انتباه القارئ إلى أن من يتوقّف عند درس “معرفيات الشرح التراثي” المنضبط بشروط المواضعة، يمكن أن تتكشّف لديه عقلنيّة ما، تقوم على مبدأ الوصل، هذا الوصل الذي من شأنه أن يربط بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، بين الأصل والفرع (في الفقه)، بين الشاهد والغائب (في علم الكلام)، وذلك عن طريق العلّة أو القرينة. يلحظ أن في هذه العملية نوعاً من العبور من المعنى إلى معنى المعنى باعتبار كلّ منهما ركناً ثابتاً من أركان أساليب الشرح والبيان.
ينبّه د.وليد الخوري إلى أمرٍ مهمّ ٍ مشيراً في هذا السياق إلى أن
“سيادة هذا النمط من التفكير بأدواته المعرفية التقليدية، لم يستطع إحداث التجديد المنشود في شرح النص القرآني، أو تسليط الضوء على حقول دلالية فيه أو في ما يحيط به من وقائع وأحداث، ما زالت مهمّشة أو مغمورة، ما دفع بالعديد من رواد الفكر النقدي إلى اعتباره نظاماً معرفيّاً مؤبّداً للجمود الفكري والثقافي في آن، ومكرّساً للعوائق المعرفية والإيديولوجية التي تحول دون نهضة العقل الإسلامي، وتمنع عليه أسباب تحديث بنيته وتطوير زوايا نظره إلى هذا النص وشروط إنتاجه”.[13]
تجدر الإشارة هنا إلى أن الجهد الذي سبق أن بذله المفكرون الإسلاميون ماضياً، في عملية البحث عن معنى المعنى من خلال التأويل أو غيره من الأنماط والأساليب، لا يمكنه أن يؤدّي إلى النهضة المطلوبة ولا إلى دخول العالمية. إن المحافظة على هذا النهج سوف تسهم في المزيد من التقوقع والتحجر والخروج عن متغيرات الواقع المعرفي والمجتمعي. لذا ينتقل الخوري إلى بلورة نمط آخر من البحث عن معنى المعنى من خلال نموذجين نقديين عملا على تقديم قراءة مغايرة للنص. اختار تأويل محمد عابد الجابري آية الإرث، وتأويل محمد أركون للآية الخامسة من سورة التوبة، لكي يبرز نمطاً مختلفاً يرتكز بشكلٍ أساس على منهجيات الحفر التي أنتجتها علوم الإنسان واللغة والمجتمع في الغرب. ويخلص إلى الاستنتاج بأن
“تعدّد المسالك المعرفيّة، تبقى على تنوّعها، المتحرّك بين حدّي اللغة وعلومها، من جهة، والمنهجيات التي بلورتها علوم الإنسان والمجتمع، من جهة أخرى، منشغلة بشرح النص القرآني، إما شرحاً مضيقاً، محكوماً بقواعد البيان اللغوي وتقنيات الربط والوصل، وإما شرحاً موسّعاً، يقوم على التفكيك والفصل، يتوسّل بالأدوات المعرفية التي توفّرها هذه المنهجيات المتطوّرة، سعياً إلى إثراء الفضاء الدلالي للنص القرآني، وتطعيمه بنكهات من المعاني الحداثية المتمرّدة، لم يكن سهلاً على العقل البياني المقفل والمهيمن هضمها واستيعاب حداثة الأنساق المعرفية التي أنتجتها”.[14]
تمهّد هذه الخلاصة التي توصّل إليها الخوري للدخول في أهميّة المنهج النقدي، وما يمكن أن يوفّره للعقل في مساره نحو حقيقة المعنى.
-
هل التساؤل النقدي يؤدّي إلى اليأس؟
إن الكلام على التساؤل الفلسفي والبحث عن المعنى يؤدّي بنا إلى المراجعة النقدية لما تمّ التوصّل إليه سابقاً، ولما تمّ اعتماده باعتباره المعنى الأدقّ أو الأصح. لذا، بات من الصعب أن يتبنّى الفيلسوفُ العقلانيةَ ويعتمدَها سبيلا في مقاربة الموضوعات التي يهمّه البحث فيها من دون أن يتوقّف عند النقد وأهميته في أي مقاربة فلسفية. لقد أصبح واضحاً أن من يبحث في التساؤل وفي كيفية التوصّل إلى معنى المعنى لا بدّ له من التطرّق إلى المنهج النقدي الذي يجبره على إعادة النظر في ما سبق القيام به على الصعيد المعرفي. من هنا يأتي الربط بين العقلانية والنقد عند د.وليد الخوري باعتبار أن الأولى، أي العقلانية، مقاربة نقدية لفكرة أو نظرية أو مدرسة فلسفية أو واقعٍ مجتمعيٍّ أو سياسيّ. ليس التفلسفُ عنده شيئاً غير النقد أو بالأحرى لا يمكنه أن يكون بعيداً عنه، حتى ولو أن تبنّي الخطاب النقدي أصبح بمثابةِ “زرعٍ في تربةٍ مالحة” على حدّ تعبيره، أو أنه، أي الخطاب النقدي، سوف يرمي بصاحبه في دائرة الغربة عن المحيط والمجتمع والأكثرية السائدة من حوله. لم يكتفِ فقط بدرس الخطاب النقدي العربي النهضوي والمعاصر، لكنه قام بتبنّيه وتطبيقه في أبحاثه ومقالاته ومحاضراته. درس خطاب كلّ من ابن رشد وابن ميمون وطه حسين ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وغيرهم.
نلحظ أنه يشير في خاتمة ما توصّل إليه في كتابه إلى أن النظام المعرفي العربي يحمل في بنيته ضوابطَ تمنعُ الخروجَ عن القوانين الضابطة، وتقمعُ محاولةَ تخطّي ما هو سائد في الحقول الدلالية، وتشكّك بما تجود به الأدوات المعرفيّة الجديدة، وتحارب أيّ تحريكٍ للركود الفكري باعتباره “يعكّر ثبات الثابت وسُباته”.[15] إن هذا الواقع في نظره قد جعل الخطاب النقديّ “مقطوعَ العصب، خافتَ الصوت معدومَ الصدى، يعاني حضورُه في الثقافة العربية المهيمنة، من غربةٍ ما بعدها غربة، رموزُه مهمّشون، مضطهدون، وملاحَقون لأنهم متّهمون من “أهل الجمود” بخلخلة الأصيل وإحداث الاضطراب في العقيدة وعلومها، بأدواتٍ معرفيّةٍ دخيلة، (…)، ما يقود في نظر “الجموديين” إلى تشويه الهوية الثقافيّة العربية والإسلامية والقضاء على خصوصيّتها”.[16]
ضمن هذا الإطار السوداوي يتحرّك د.وليد الخوري لكي يحفر في طبقات الخطاب النقديّ العربي، وكأنه يريد أن يَفيه حقّه، من خلال التوقّف عند درسه وتحليله بدقّة. إنه يعلم جيّداً أن هذا الدرس قد لا يؤدّي إلى نتيجة، وقد لا يخرقُ جدارَ الجمودِ والتعصّبِ، لكنّه يقومُ بما تقتضيه شروط العقلانية التي يتبنّاها، وهي قناعة راسخة لديه. يشير بوضوحٍ إلى أن البحث في الخطاب النقدي يستحضر “النقاش حول مصدرية المعرفة، باعتبارها الجذر الإشكالي، الذي استحكم بتاريخ الفكر العربي، واحتلّ الموقع المتقدّم بين الإشكاليّات التي واجهها، منذ البدايات الوسيطية، إلى اليوم”، فنجده يميّز بين مصدرين، أو قطبين: القرآن من جهة، والعقلُ من جهةٍ أخرى. يقول: “لقد انعقدت قراءة غالبيّة من المسلمين على يقينٍ دامغٍ، يقطع بامتياز أهل الإسلام على غيرهم، بكتاب أنزله الله على نبيّهم، يرعى بأحكامه حياتهم في الدنيا والآخرة، (…)، وهو المصدر المعصوم للقيم الأخلاقية ولشتّى المعارف والعلوم، نظامٌ متكاملٌ لكلّ زمانٍ ومكان، (…)”.[17] يشير بالتالي إلى أن هناك خطاباً آخر نقديّاً حاضراً في التاريخ يقوم بإعادة فتح “النقاش في المنطلقات التي ينبني عليها هذا التسليم لقراءةٍ متيقّنة، يصلُ منسوبُ القطعِ فيها إلى حدّ التهويلِ والقدحِ في كلّ رأيٍ مخالفٍ لها أو نقدٍ مشكّكٍ في سلامة المقدّمات التي تستلّ منها أحكامها”.[18]
يدرس د.وليد الخوري الخطاب النقدي العربي فيلحظ أنه غريبٌ عن بيئته، يصارعُ بكلّ قواه ضدّ التيار، يُساء فهمُه، ويُرمى أصحابُه بأبشع التُّهم. من يقرأ ما آل إليه، بعد أن كرّس الجهد في درس النقد والخطاب النقدي في المجال العربي، تنجلي عنده ملامحُ اليأسِ والتعبِ من انتظار أن يثمرَ الزرعُ في “تربةٍ مالحة”. وكأن كلَّ الجهودِ ذهبت سدى، وانغلق الباب عليها مع رحيلِ أصحابها، أو حتى عندما كانوا بعدُ على قيدِ الحياة. نسمع وليد الخوري يقول، إنه طالما أن الفلسفة بعيدةٌ عن التكوين التربوي، وغائبةٌ إلى حدٍ بعيدٍ عن المجتمعات العربية، فلا مجال لكي ينجحَ أيُّ مشروعٍ إصلاحيٍ، أو أيُّ رؤيةٍ نقدية، في تغيير الواقع.
هناك نوعٌ من الخيبة بعد انكسار المشاريع النقدية وتراجعِها أمام المدّ الإيديولوجي المكبِّل للعقل، والداحضِ لأيّ محاولةٍ نقديةٍ قيّمة. وضعُ المرجعية الدينية في مواجهة المرجعية الفلسفية والتفكيرِ الحرّ جعل أهلَ النقدِ ينكفئون ويكتفون بنشر أفكارهم من بعيد، من دون أن تلقى الأثرَ المطلوبَ في النفوس كما في المجتمعات.
بالنسبة إليه، عبثاً نطلبُ الإصلاح أو نسعى إلى الحداثة طالما أن “أهلَ المسؤولية في الساحتين الدينية والمدنية وعبر المؤسّسات التي يشرفون عليها”، لم يقوموا بما يأتي:
- العمل بجدّية على إنجاز قراءة معاصرة للنصوص الدينية، تتقدّمُ فيها المعاني الإنسانية الجامعة على أيّ معنى آخر.
- جعلُ تشريع الفصل بين الدينيّ والسياسيّ غايةَ هذه القراءة ومحورَها الأساس.
- العملُ على إمداد المجتمع بثقافةٍ تتبنّى هذه القناعة، تبنّياً جازماً وصادقاً.
- التبشير بهذه القناعة وتشجيع الناس على الاستنارة بمقاصدها البنّاءة في نشاطهم الفكري وحياتهم (اليومية).
- العملُ على استنهاضِ الناس وحثّهم على اكتشاف محاسن القراءة المعاصرة للنصوص الدينية من أجل تحقيق التقدّم المنشود.[19]
واضحٌ من خلال ما تقدّم أن د.وليد الخوري يحاولُ هنا وضع الإصبع على الجرح، والإجابة على السؤال النهضوي الشهير: “لماذا تقدّم الغرب وتأخر العرب؟”، وهو يعي تمام الوعي صعوبةَ هذه المهام لا بل استحالتَها، إن جاز التعبير. إنه يعلمُ جيّداً أن التحدّيات كثيرة، والواقعَ بالغُ التعقيد، والمعالجةَ تفترضُ جهوداً فكرية مُخلِصة، وسياساتٍ متنوّرة، كلّ ذلك لا يتمّ من دون الصبر الطويل والإصرار على التغيير “في وعي المُخاطَبين” الذين يشكّلون التربةَ التي يجبُ بذلُ ما يلزم للاهتمام بها قبل أي أمرٍ آخر. نجده يقولُ بحزم: “تلك هي المعضلة-التحدّي…، معالجةُ، الأرضِ قبل الزرع، إعدادُ المجتمعِ وتحضيرُه، لكي يتقبّل خطاباً يعيدُ النظر في مسلّمات ثقافيّة نشأ عليها وتربّى، وعاش في ظلّها وفكّر بواسطتها، وقد باتت كأنها عائقٌ يمنعُ انسلاكَه في ركبِ الحداثة ومقتضيات المعاصرة”.[20]
في الختام
يهمّني أن أشير إلى ما أنهى به د.وليد الخوري كتابه. لقد أسدل ستارة سوداء على العقل العربي، لكي يظهّر لنا صورة قاتمة عن واقع هذا العقل، ومستقبله، في حال بقي يتحرّك ضمن المسلّمات والأطر والحواجز التي سبقت الإشارة إليها. لستُ مع هذه السودواية، لكنّي أقدّر سياقاتها. إنه يعتبر أن العقل العربي “معتقلٌ” فيَحكُم عليه بأنه عقلٌ “يخاف أن يكون ذاته، تحدُث المعرفة عنده لا به، ويحصل الفعل عنده لا به، (…)، مسكونٌ بالخوف والتردّد، تُعوزه الجرأة على التفكير الحر والواثق، يرتاحُ إلى من يفكّر عنه، ويفهمُ عنه ويقولُ عنه، يُلقي بهمومه على “قادرٍ” حاضرٍ في الأديان والمذاهب والأيديولوجيات، يُملي عليه اجتراراً عقيماً لمضامينها وتصوّراتها، ويسدّ أمامه كلّ مسلكٍ من مسالك السؤال النقدي المثري والبنّاء”.[21]
__________________________________________________________
المصادر والمراجع:
[1] – أنظر تقديم د.محمدحسين الرفاعي في: وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، بيروت، بغداد، دار التنوير ومركز دراسات فلسفة الدين، ط1، 2025، ص 11.
[2] – محمدحسين الرفاعي في: كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 11.
[3] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. 18.
[4] – محمدحسين الرفاعي، ما هو المفهوم؟، بيروت، بغداد، دار التنوير، مركز دراسات فلسفة الدين، ط1، راجع: ص 14-17.
[5] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 18.
[6] – لمزيد من التفصيل أنظر: محمدحسين الرفاعي، محاضرة بعنوان: “كلام على شفير الميتافيزيقا” بوصفه تفلسفاً أصليّاً في التساؤل وبنيته، ضمن ندوة حول كتاب “كلام على شفير الميتافيزيقا” للدكتور وليد الخوري، بتاريخ 22 / 1/ 2026، الحركة الثقافية، أنطلياس. www.mcaleb.org
[7] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 22.
[8] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 23.
[9] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 47.
[10] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 48.
[11] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 49.
[12] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 50.
[13] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 52.
[14] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 55-56.
[15] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 221.
[16] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 221.
[17] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 25.
[18] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 25.
[19] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 32.
[20] – وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 31.
[21] – وليد الخوري، على شفير الميتافيزيقا، م.س. ص 222.