التفلسف في زمن التطرّف

يتمايل في هذا الزمن ظلّ الكلمات على شاشة الوعي بحثاً عن المعنى، وتتدفّق موجات الأفكار التائهة في فضاء العالم المعاصر سعياً وراء أرضية ثابتة يُبنى عليها منبرٌ للتفلسف. يضجّ الأفق بالصراخ الآتي من من مكان، حيث تئنّ الإنسانية من هَول ما يجري.

تكسّرت المرآة أمامي عندما سألتها عن الصورة التي تعكسها في الوقت الراهن بخصوص المشهد الإنساني في عالم اليوم. ارتجفت خائبة، خجلة، وكأنها تودّ الإستقالة من مهام انعكاس الصور التي اشمأزّت من نقلها وتقيّأت لشدّة فظاظتها، فتردّدت آلاف المرّات قبل إدخالها في الذاكرة.

اسودّت عدسات الكاميرات المنتشرة في كل مكان، أرادت أن تعلن العصيان، لم تعد تهوى القيام بدورها، لم يعد يروقها نقل الخبر، أي خبر؟ هي التي اعتادت منذ زمن على بثّ إنجازات العنف المقدس كما المدنس، وألِفت الارتكابات الوحشية على مرّ الحقبات، لكن ما يجري في هذه الأيام قد جعلها عاجزة عن البوح، تائهة في مدى تفاقم التطرّف المستشري في مملكة الإنسان، هذا الكائن المنعوت بصفات عدة نظراً الى ما يمثّله في سلّم الخلائق التراتبي.

هذا الكائن الذي تفنّن في إبداع الجمال، وإنجاز العديد من المشاريع الفذّة المتميّزة برقيّها، وتفوّقها، وقيمتها العلمية كما المعرفية والفنية، هذا الكائن بالتحديد، يضعك اليوم أمام مأزق السؤال عن معنى التطرّف؟ عن أصول هذا العنف الضارب في الأفعال البشرية؟ عن جذور السلوك الوحشي المستشري في تطرّفه، عن طريق استسهال إلغاء الآخر، ورفض الاختلاف، وقمع الحريات، ونحر الأمل بغدٍ أفضل. كيف يمكننا أن نتصوّر انساناً ما، مكتمل القوى الذهنية، متّزن الشخصية، منغمساً في علاقاته الاجتماعية، (له أم وزوجة وأولاد وأصدقاء…)، يُقدم على قتل إنسان مدني لا دخل له بأي صراع قائم والتنكيل به بأفظع الطرق، وهو لا يعرفه مسبقاً، لم يصادفه في أي مناسبة مضت، لم يعتدِ عليه، ولم يتعرّض له بأي فعلٍ مؤذٍ؟ كيف له أن يتمتّع ويتلذّذ بقتله مضيفاً إنجازه هذا نقطة ذهبية الى سيرته الذاتية؟ لا تقف الامور عند هذا الحد بل نجد أن هناك من يرتقي بالقاتل سريعاً الى مرتبة الشهيد، فيُنصّبه كبطلٍ لا مثيل له، وتُرسم له أيقونة من سراب. إنه المثال المحتذى، إنه نواة التغيير الآتي، إنه الباني صرح العدل والسلام.

ما الذي يدفع الفاعلين الاجتماعيين الى التطرّف في عالم من المفترض أن يكون قد اختبر عبثية الحروب، وتشرّب على مهل شرعة حقوق الانسان، وتشبّع حتى التخمة من أشكال وأصناف الرغبة المثيرة لحب الحياة والدافعة نحو التّمتع بالمزيد من مغامراتها؟ ما الذي يجعل من المتطرّف بطلا، نجماً، أنموذجاً يحتل الشاشات بمختلف أشكالها من صغيرة وكبيرة والكترونية وغيرها؟ لماذا انتشر التطرف في أكثر من اتجاه، إذ لم يعُد محصوراً بنهجٍ فكريٍ محدّد، ولا بمجالٍ معرفيٍ أو سياسي معين؟ كنا نتحدّث بشكل علمي رصين عن التطرّف الديني، والتطرّف السياسي، والتطرّف السلوكي، والتطرّف إما في إثبات الأشياء أو نكرانها، مستفيضين في إنتاج النظريات الملائمة التي من شأنها أن تنير العقل وترشدنا الى سبيل المعرفة الحقة، أما اليوم فبتنا لا نعرف كيف نوصّف أو نحدّد بدم بارد، وعلى نار هادئة ماهية ما يجري. إذ إن التطرّف قد ضرب في أكثر من اتجاه، حتى أنه ضرب نفسه فتطرّف في إظهار التطرّف، وغرِق في المغالاة عندما احتلّ الساحة المعاصرة. لم يعد محصوراً في مجتمعٍ من دون سواه، وفي مذهبٍ فكريٍ محدّد، أو في عقيدةٍ دينية أو سياسية أو فلسفية معينة. وكأننا نعيش في زمن الفائض والزائد عن حدّه:Excès  على أكثر من صعيد. لقد تمّ اختراق الأفق في اتجاه زحزحة الأطر التي يضعها العقل عادة لتسهيل عملية فهم واستيعاب ما يجري فعلاً.

يبدو أن بعض النماذج البشرية المعاصرة لم تعد تكتفي بما تحصل عليه، ولا بما تقدّمه لها مباهج الحياة وأطيابها، وكأن تعدّد الألوان بات مضجراً، وتنوّع الملذات أصبح رتيباً، فصار من الضروري خرق الواقع بأمر صادم يفتح الشهية على العيش، أو على الموت لا فرق. من الضروري العبث واللهو بما توفر من أجل إضفاء المعنى على ما أصبح باهتاً.

لن أغوص في مختلف أشكال التطرّف، لكن سأكتفي بالوقوف عند العنف باعتباره أحد أبرز تجليات التطرّف، إذ إنه الأداة التي يستخدمها المتطرّف في الوصول الى مبتغاه، كما سأتوقف عند الارهاب كأحد مفاعيل التطرّف الذي يؤدّي بالانسان الى إراقة الدماء البريئة، وتجريم الآخر المختلف لا لشيء الا لأنه سكن في المقلب المغاير، وسلك المنحى المختلف.

من هنا يمكن أن نسأل: أين تكمن العلّة المولّدة لفقدان التوازن إن في عالم الأفكار أو في المسلكيات؟ ما الذي يجعل من الاعتدال والتموضع في الوسط موقفاً ضعيفاً؟ ما هو سر العلاقة التي تجعل من التطرّف والعنف زوجين شبه متلاصقين؟ وهل العنف أداة سلبية في معظم الأحوال يجب التصدّي لها ومحاربتها بأي ثمن؟

لذا سنجول في هذه العجالة على أربعة مفكرين استوقفهم العنف، فدرسه كل منهم وفق منهجه الخاص، ورؤيته الفكرية الخاصة. ما يجمع بينهم هو اتباع النقد منهجاً، وعلوم الانسان واللغة سبيلاً لتعرية الواقع وفهم التباساته. اتّبعت التسلسل الزمني في ترتيب كل منهم، لذا سأبدأ بحنة أرنت وكيفية مقاربتها للعنف بعد أكبر حربين شهدهما القرن الفائت، ومن ثم أنتقل الى محمد أركون الذي انشغل في فهم ظاهرة العنف في المجتمعات العربية الاسلامية محاولاً البحث عن جذورها، لأنهي بكل من يورغن هابرماس وجاك دريدا اللذين خضّهما تفجير البرجين في نيويورك بتاريخ 11 أيلول 2001، فشاركا في حوار تحت عنوان: الفلسفة في زمن الارهاب.

 

أولاً: في قراءة العنف عند حنة أرندت

 

تعتبر حنة أرندت أنه لا يمكن لأي شخص أعملَ فكره في شؤون التاريخ والسياسة، أن يبقى غافلاً عن الدور العظيم الذي لعبه العنف، دائماً، في شؤون البشر”. وتلحظ أن “العنف نادراً ما كان موضع تحليل أو دراسة خاصة”. كما تشير الى أي “درجة يُعتبر العنف، والتعسف المرتبط به، معها أمرين عاديين، بحيث أنهما لا يلقيان أي عناية خاصة…فالمرء، عادة، لا يطرح أسئلة حول أمور تبدو بديهية للجميع، ولا ينصرف الى تحليل مثل هذه الأمور”.[1]

نجدها تميّز في هذا الاطار بين العنف من جهة وبين السلطة والقوة والقدرة من جهة أخرى، وتعتبر أن العنف يحتاج الى أدوات، مشيرة الى أن جوهر فعل العنف نفسه “إنما تسيّره مقولة الغاية والوسيلة التي كانت ميزتها الرئيسة، إن طُبقت على الشؤون الانسانية ، أن الغاية محاطة بأن تتجاوزها الوسيلة التي تبرّرها والتي لا يمكن الوصول اليها من دونها. وبما أنه من المستحيل التنبؤ، بشكل يحمل مصداقيته، بالغاية المتوخاة من أي عمل بشري، ككيانٍ مستقلٍ عن وسائل تحقيقه، من الواضح أن الوسائل المستخدمة للوصول الى غايات سياسية ترتدي في أغلب الأحيان، أهمية بالنسبة الى بناء عالم المستقبل، تفوق الأهمية التي ترتديها الغايات المنشودة”.[2]

بين العنف والسلطة

تشدّد حنة أرندت على أن العنف “بطبيعته، أدواتي، وهو ككل وسيلة، يظلّ على الدوام بحاجة الى توجيه وتبرير في طريقه الى الهدف الذي يتّبعه. ويحتاج الى تبرير يأتيه من طرف آخر، لا يمكنه أبداً أن يكون في جوهر أي شيء”.[3]

نلحظ هنا أنه على الرغم من تمييز أرندت بين السلطة والعنف، فهي ترى أنهما تظهران معاً. فالسلطة هي المرجع الذي يبرّر استخدام العنف كأداة ابتغاء الوصول الى الهدف المنشود. كما تذكر أرندت بأن العنف “لا يعتمد على العدد أو على الرأي العام، بل على الأدوات، وأدوات العنف، (…)، من شأنها، قبل كافة الأدوات، أن تزيد وتضاعف من القدرة البشرية. وأولئك الذين يجابهون العنف بالسلطة وحدها سرعان ما يجدون أنفسهم على تجابه، ليس مع البشر، وانما مع الآلات التي يصنعها البشر، الآلات التي تتزايد لا إنسانيتها وفعاليتها التدميرية، بالتناسب مع المسافة التي تفصل بين المتجابهين. إن بإمكان العنف أن يدمر السلطة دائماً، فمن فوهة البندقية تنبع أكثر القيادات فاعلية،  مسفرة عن أكثر أشكال الطاعة كمالاً. أما ما لا يمكن أن ينبع من فوهة البندقية، فهو السلطة”.[4]

كذلك ترى أرندت أن “فقدان السلطة يصبح مغرياً لأصحابها بإحلال العنف محل السلطة”، وهي تلحظ أن “العنف نفسه يقود الى العجز. فحين لا يعود العنف مدعوماً من قبل السلطة، نصبح أمام ذلك الانقلاب المعروف، حين تصبح الوسائل غاية ذاتها. عند ذلك تصبح الغاية محددة من قبل الوسائل – وسائل التدمير- وتكون النتيجة أن هذه الغاية تؤدّي الى تدمير كل سلطة”.[5]

تصل أرندت في تحليلها الى انه لا يكفي التمييز فقط بين السلطة والعنف، بل يجب التأكيد على أن “السلطة والعنف ليسا الشيء نفسه. فالسطة والعنف يتعارضان: فحين يحكم أحدهما مطلقاً يكون الآخر غائباً. والعنف يظهر حين تكون السلطة مهدّدة، لكنه إن ترك على سجيّته سينتهي الأمر باختفاء السلطة. وترتّب على هذا أنه من غير الصحيح التفكير باللاعنف بوصفه نقيض العنف؛ والحديث عن سلطة لا عنيفة هراء لا معنى له. إن بإمكان العنف أن يدمّر السلطة..لكنه بالضرورة عاجز عن خلقها”.[6]

من الملفت هنا هذا التنظير لجدلية العلاقة التي تربط بين العنف والسلطة من منظور أرندت، إذ تشدّد على عدم التوافق بينهما، لا بل ترى أن غياب الأول يعني حضور الثاني بقوة، والعكس صحيح. كما أن استخدام العنف لا يمكنه أن يخلق السلطة على الرغم من قدرته على هدمها. تحاول أرندت في هذا السياق أن تظهّر صورة للعنف انطلاقاً من علاقته بالسلطة.

في الوجه الآخر للعنف:

تلحظُ أرندت أن الجميع متفق على أن العنف ينتج عن الغضب الذي هو بدوره لا عقلاني ومرَضي. وتستنتج “أن ما يكون مؤشّراً واضحاً على انتزاع الانسانية عن الانسان، هو غياب الغضب والعنف، لا حضورهما. ليس الغضب، بأي حال من الأحوال ردّ فعل تلقائي إزاء البؤس والألم؛ فما من أحد يتصرّف تصرّف الغضب إزاء داءٍ لا دواء له أو إزاء هزةٍ أرضية أو إزاء أوضاعٍ اجتماعية تبدو له غير قابلة لأي تغيير. يطلع الغضب فقط حين تكون هناك احتمالات لحدوث تبدّل في الأوضاع..لكن هذا التبدّل لا يحدث. فقط حين يُخدَش حس العدالة لدينا، نتصرّف بغضب، وردّ الفعل هذا ليس من شأنه، بأي حال من الأحوال أن يعكس شعورنا الشخصي بأننا نحن الذين لحق الظلم بنا، وهو ما يبرهن عليه تاريخ الثورات جميعاً، حين يحدث-دائماً- أن يتحرّك عددٌ من أبناء الطبقات العليا في ردّ فعلٍ على سوء الأوضاع والظلم، فيقودون الثورات التي ينتفض فيها المضطهدون والبائسون.في مواجهة أحداث وشروط اجتماعية مثيرة للغضب، يكون ثمة إغراء كبير بضرورة اللجوء الى العنف بسبب قدرته التفجيرية وميزته كعمل فوري”.[7]

كذلك، تلحظ أرندت أنه في الحياة الخاصة، كما في الحياة العامة، يمثل العنف – باعتباره “الفعل المنجز من دون استثارة العقل”، ومن دون كلام ولا إعمال الفكر- يمثل، في بعض الاوضاع ” الترياق الوحيد الناجع” من خلال قدرته التفجيرية، حيث يتحول العنف الى “الوسيلة الوحيدة لإعادة التوازن لميزان العدالة”. فهو يسهّل تفجير الغضب المكبوت ويعمل على استعادة التوازن المفقود. وتضيف أرندت قائلة:”ان الغضب، والعنف الذي يتواكب معه أحياناً -انما ليس دائماً- ، ينتميان معاً الى العواطف الانسانية “الطبيعية”، أما شفاء الانسان منهما، فلا يعني أي شيء آخر غير نزع الانسانية عن الانسان وخصيه.”.[8]

تربط أرندت بين العنف والموت في إطار يبرز المنحى الايجابي المخفي لهذين المفهومين. ترى أنه اذا تمّ النظر الى الموت من زاوية “العمل الجماعي سرعان ما يغيّر سماته؛ إذ حينذاك ستبدو حيويتنا وكأنها قد انتعشت بفضل اقتراب الموت. في مثل هذه الحالة يقفز الى مركز تفكيرنا أمر نكون عادة بالكاد قد تنبهنا له الا وهو أن موتنا الذاتي إنما سيتواكب مع إمكانية خلود الجماعة التي ننتمي اليها وخلود النوع كله في نهاية التحليل. يبدو الأمر هنا وكأن الحياة نفسها، حياة النوع التي لا تفنى، الحياة وقد اغتذت بفضل الموت المتواصل لأفراد الجماعة، هي التي تنهض وتتجدّد عبر ممارسة العنف”.

وتضيف في هذا السياق أنه في الحقبة اليونانية كان “يقين الموت هو ما يدفع الناس للبحث عن خلودهم عبر أفعالهم وكلماتهم، وما يحثهم على توطيد البنيان السياسي الذي كان، هو، أقدر على الخلود. من هنا كانت السياسة بالتحديد الوسيلة التي يتمّ بفضلها الفرار من التساوي أمام الموت الى تمايز يؤمّن لأصحابه وضعية خالدة”.[9]

تذكر أرندت بعض المواقف الفلسفية الممجّدة للعنف إذ تبرره كتعبير عن الحياة والخلق والابداع ( فلسفات الحياة كما صاغها مثلا برغسون ونيتشه وجورج سوريل وغيرهم). هناك من يعتقد بأنه حيث تكون الراحة يكون الموت، هو الذي يشبّه بالراحة الابدية. وما الهدوء سوى تجلّ لفقدان الحياة. وفعل العنف هو من مزايا الشباب الذين يتمتعون بالحيوية، فيصبح بذلك امتداح الحياة امتداحا للعنف. كذلك في أمور الطبيعة نجد أن الدمار والخلق وجهان متلازمان لسيرورة طبيعية واحدة، مما يجعل “عمل العنف الجماعي، وفي استقلال عن جاذبيته الخاصة، يبدو طبيعياً كعنصر تقدّم للحالة الاجتماعية للبشرية بمقدار طبيعية الصراع من أجل البقاء، وطبيعية الموت العنيف كعنصر ملازم لاستمرارية الحياة في عالم الحيوان”.[10]

 

أختم هنا بالعودة الى ما أكّدته أرندت منذ البداية من أن العنف هو أداة في طبيعته، لذا فهو واقعي من حيث هو فعّال في الوصول الى الغاية التي من شأنها أن تبرّره. انها ترى “أن العنف لا يعزز من شأن القضايا، ولا من شأن التاريخ ولا من شأن الثورات، ولا من شأن التقدّم أو التأخر: لكن بإمكانه أن يفيد في إضفاء طابع درامي على المطالب وإيصالها الى الرأي العام لافتاً نظره اليها”.[11]

 

 

ثانياً: محمد أركون والمثلث الانتروبولوجي: العنف/المقدس/الحقيقة

 

لم يكن مشروع محمد أركون النقدي المنشغل بتفكيك العقل العربي الإسلامي ودراسة الظاهرة الدينية في المجتمعات العربية الاسلامية منغلقاً ضمن دائرة واحدة، طريقها مرسوم مسبقاً، وأهدافها محدّدة بوضوح. من هنا يمكن أن نشير منذ البداية الى أن اعتماد أركون على أكثر من منهج، وأكثر من مدرسة فكرية، جعله في المقلب الآخر من التطرّف، وهو لا يتردّد في نقد الوقوع في المغالاة إن في رفض الفكرة أي فكرة أو في تبنّيها. لذا نلفت منذ البداية أنه على صعيد مقاربة موضوعاته العديدة لم ينغلق ضمن منهجٍ واحدٍ مهما كان مفيداً، ولا اكتفى بعلمٍ واحد مهما كان صائباً، انما حاول الدخول الى التراث العربي الاسلامي بمخزونه الديني بخاصة والفكري الفلسفي بعامة من زاويةِ تعددية المناهج. إن هذا الأمر يجعلنا نضعه خارج إطار التطرف في الدفاع عن نظرية محددة، أو تفضيل منهج من دون سواه ورميه في دائرة اللاجدوى. حتى في مقاربته النقدية لمنهجية اشتغال المستشرقين، كان يشير الى الافادة التي يمكن أن تُجتنى منها من دون التطرّف في رميها ضمن دائرةٍ ما يجب تخطّيه أو تجاوزه بالمطلق. إن هذه المنهجية المتعدّدة تفتح أفق البحث، وتشرّعه على احتمالات عدّة، وهي في الوقت عينه تحميه من الوقوع في النظرة الأحدية المتطرّفة التي تبعد الاحتمالات الأخرى وتقصّيها عن دائرة البحث والتطبيق. ولعل في ذلك خير انعكاس للحداثة وما بعدها بخصوص التموضع ضمن النسبي والمتعدّد بدل الادّعاء بامتلاك الحقيقة الواحدة المطلقة. من هنا نجده يلتجئ الى الانتروبولوجيا الدينية مثلاً، والى علم اجتماع التلقّي وعلم النفس التاريخي وعلم الاجتماع، بالاضافة الى ما توفّر من علم تفسير القرآن من أجل مقاربة ظاهرة العنف والبحث في جذورها.

ان الاهتمام بظاهرة العنف قد دفع محمد أركون الى البحث في أسبابها وأهدافها، فوجد أنها مرتبطة بشكلٍ وثيق بالتقديس (Le Sacré)، وذلك من أجل فرض حقيقة محدّدة تعلو على أي نقاش أو جدل. يلحظ أن الانسان لكي يتمكّن من الدفاع عن نفسه، والعيش في المجتمع، والتوصّل الى المعنى الذي يبحث عنه، يحتاج الى كل من العنف والتقديس والحقيقة. يؤكّد في هذا السياق الى أن التوتر بين المفاهيم الثلاثة كان قد عرفته المجتمعات في مختلف العصور، وهو ليس حكراً على دين محدّد. إذ أن كل الجماعة البشرية، أو الفاعلين الاجتماعيين، مستعدّون للعنف دفاعاً عن حقيقتهم المقدسة.

شدّد أركون على ان الحقيقة التاريخية هي مزدوجة، لذا على الجميع أن يتفهّموا ذلك. هناك في الدرجة الأولى ما يتصوّره العقل عن هذه الحقيقة، أي ما قد تشكّل عن ذلك الماضي لدى المسلمين. وهناك في الدرجة الثانية ما جرى حقيقةً أي الواقع الذي أخفاه وقنّعه واستبعده كل من يدّعي انه يتحدّث باسمه أو يعبّر عنه. من هنا ينتقد مؤلفنا الاستشراق بسبب اكتفائه بالسرد الأمين المخلص للّغات المتداولة ورفضه بالتالي “أن يأخذ الحقيقة المقنّعة أو المخفية بعين الاعتبار”. لذلك نجد المستشرق يقوم بعملية دعمٍ للوهم الخادع الذي يظهره على انه ” يقدّم معرفة مطابقة وصحيحة من وجهة نظر المسلمين أنفسهم ومن وجهة نظر المؤرخ الحديث الذي يتحدّث عنهم في آن معاً “.[12]

بالعودة الى المثلث الانتروبولوجي الذي يربط بين الحقيقة والعنف يرى اركون ان مفهوم “الدين الحق” الذي يرد في القرآن يحمل بوضوح معنى العنف، الى جانب فكرة اللاإكراه في الدين. هناك منطق فكري لبناء الحقيقة ، كما في بناء طرق اقناع الآخرين بها، من الاضطرار الى اللجوء الى العنف، برأي مفكرنا. من هنا نجده يؤكّد على ان مفهوم الاقتناع الحر يُلزم البحث في الشروط النفسية والاجتماعية واللغوية التي تتمّ فيها صياغة الايمان، ويرى ان هذا الاخير، اي الايمان، ” هو تسمية ايجابية للمعتقد، يمكن أن يتحول الى عنف اذا لم تصاحبه يقظة نقدية من قبل العقل. وهذا ما يحدث عندما يتخلّى القيمون على المقدس عن تلك اليقظة وعن المعارف اللازمة لتطبيقها على تعبيرات الايمان. وتمكن ملاحظة هذه الظاهرة في جميع الانحرافات الاصولية والتكاملية لكل أشكال الايديولوجيا الدينية أو الدنيوية. ان تحليل المثلث الانتروبولوجي يتجه تحديداً نحو هذين الوجهين لكل من الحقيقة والمقدس “.[13]

اذا اردنا ان نرسم مسار العلاقة التي تربط بين زوايا المثلث الانتروبولوجي، فيمكننا التحدّث عما يلي:

كل جماعة دينية لها مفهوم خاص بحقيقة الله والكون والوجود، ولها نظام خاص من الاعتقاد واللااعتقاد، تطرحه وتدافع عنه بقوة لكونه يجسّد الحقيقة المطلقة التي لا حقيقة خارجها. من هنا نجد ان مفهوم الحقيقة يتمّ حصره في دائرة ما هو مقدس، ما لا يجوز المس به من قبل اي كان. الامر الذي يسوّغ استخدام العنف من اجل الدفاع عن المعتقد، عن الحقيقة، اي عما هو مقدس. وكأن هناك طاقة تربط بين الزوايا الثلاث وتجعلها متلازمة. ان من يعمّق النظر من الناحية الانتروبولوجية في الدين وحضوره الفاعل في المجتمع، يمكنه ان يعقل بقوة العلاقة الكامنة بين الحقيقة التي تُرفع من قِبل الجماعة المؤمنة بها الى مقام التقديس، وتُعزل بالتالي عن ظروف انبثاقها الاجتماعية والسياسية واللغوية الملموسة، وبين تبرير اللجوء الى العنف في سبيل المحافظة عليها، اي في سبيل الدفاع عما يميّز فعلاً هوية هذه الجماعة عن غيرها. هذا الأمر يمكن ملاحظته، من وجهة أركون، ليس فقط على المستوى اللاهوتي التقليدي للوحي انما ايضاً ” على مستوى البناءات الحديثة للشرعيات الحقوقية والسياسية والفلسفية: هذه المقاربة تعني أن من الملح تفكيك جميع نظم الفكر والقيم التي بناها الدين، او العقل الحديث المسمّى عقل الانوار، وذلك لالقاء الضؤ على المقدمات والمسبّقات والتغطيات على الواقع فيما لا نزال حتى اليوم نلوّح به على أنه الحقيقة المنزلة، أو الحقيقة المثبتة والمتحقق منها على أكمل وجه من قِبل المدافعين عن “العقل الخالص” وعن “العقل العملي”.”[14]

نجد أركون هنا يتوجّه بموضوعية نحو مسلمات العقل الغربي، عقل الانوار، لكي يشير الى ضرورة تفكيك الحقيقة المثبتة، ليس فقط في الاطار الديني انما ايضاً في الاطار الفلسفي. هناك جهد نقدي مطلوب القيام به من اجل المزيد من التسامح، والتفهم العقلاني للأمور. انه لا يوفر مناسبة لكي يشير الى ضرورة زعزعة الموروثات الدينية والنظم الفلسفية التي بناها العقل التقليدي كما الحداثي. يشدّد مفكرنا على هذه الخطوة النقدية بخاصة وأن مختلف الانظمة اللاهوتية التفسيرية لنصوص الديانات التوحيدية راحت منذ فترة القرون الوسطى تؤكد ” شرعية عمل المثلث في التاريخ الملموس للمجتمعات “. من هنا يرى انه ” ليس من العدل أن نحبس الاديان التقليدية وحدها، والاسلام خصوصاً، في دائرة العنف الدائم لما يُسمّى الحروب الدينية. إن أحد العناصر التي جاء بها المثلث الانتروبولوجي هو في كونه ينقل الى جميع نظم الفكر القديمة والحديثة ضرورة تجذير التحليل النقدي لمفاهيم العنف والمقدس والحقيقة، على أساس أن هذه الاقطاب المفاهيمية تُستخدم كقوى غير منفصلة عن الانتاج التاريخي للوجود البشري “.[15]

كذلك نجده يشير في مجال آخر الى عملية “التنافس على المعنى” بشكل عام، اذ ان الجميع يطلبونه، وتدّعيه مجمل الفئات الاجتماعية التي تبحث عن هويتها. كما ان المذاهب الفكرية تتنافس في طريقها نحو اكتشاف المعنى الحقيقي، ومن ثم فرضه على الاخرين. ويقصد بالمعنى هنا، ذاك الذي يتمّ اشتقاقه من المصدر التشريعي الاعلى، وهو الذي من شأنه أن يؤدّي الى المعنى الكلّي والاخير.هكذا فعل الفقهاء ورجال الدين سابقاً، كذلك فعلت ايضاً الانظمة الماورائية الكلاسيكية حين توهّمت بأنها توصّلت الى المعنى الكلّي وقبضت عليه.

لذلك نجد أركون منخرطاً في مشروعه النقدي من اجل تفادي اسقاط الحاضر على الماضي، وكشف أكبر قدر ممكن مما قد حدث من تلاعب في تظهير الحقائق والتعاطي معها، في ما يتعلّق بطبيعة العلاقة بين الديني والسياسي.اخترت نصاً له في كتابه ” الاسلام،أوروبا، الغرب،رهانات المعنى وارادات الهيمنة “، يرصد فيه مسار “ايديولوجيا الكفاح”، فيجد انه قد بدأ منذ الولادة ولغاية الان مروراً بعدة حقبات. سوف أتركه يصف لكم ما حدث، يقول:” الاسلام كدين ( أي كجملة من الطقوس الشعائرية والعقائدية التي تهدف الى تقريب الانسان من الله ) ما انفك طيلة تاريخه أبداً، أي منذ ولادته وحتى اليوم، يُستخدم من قِبل الفاعلين الاجتماعيين، أي المسلمين، كأداة. أقصد بانه استُخدم دائماً كأداة لايديولوجيا الكفاح التي كانت تُدعى بالجهاد سابقاً. فقد استُخدم كأداة كفاحية من أجل توسعه الاول وفتوحاته ( 632-750 تقريباً ) ، ثم استخدم كأداة كفاحية ضد حملة استرجاع اسبانيا في الاندلس والمغرب الكبير. ثم استُخدم كأداة كفاحية ضدّ الصليبيين في منطقة الشرق الاوسط. ثم استخدم كأداة كفاحية من أجل توسعه الثاني في العصر العثماني الاول وحتى الهزيمة الكبرى امام الاوروبيين (…) عام 1572. ثم استُخدم في ما بعد كأداة للحماية الذاتية بعد القرن السابع عشر. ولكن الكفاح لم ينته بعدئذ. فها هي الحركات الاسلاموية (أو الاصولية) تنشّطه من جديد في عصرنا الراهن عن طريق استخدام نتف متقطعة من المعجم الديني القديم والعقيدة التقليدية الموروثة. انها نسنخدمه ضد الانظمة الحاكمة والدول القومية والامبريالية ( أي التوسعية ) التي يمثّل الصرب آخر تجسيد لها”.[16]

نلحظ في هذا النص كيف ان المؤلف يركّز على ان النضال والجهاد يحتاجان الى ايديولوجيا تبررهما، وقد واكبا تاريخ الاسلام منذ بداياته التوسعية.فالانسان، هذا الكائن التوّاق للحياة وللعيش بسلام، ما الذي يجعله يذهب الى الحرب، والقتال وبذل الدماء، مبتعداً بذلك عما يحب ويبغي؟ سؤال بديهي، الاجابة عليه تأتي من خلال الفكر. أي ان الانسان المتوجه نحو ساحة النضال، حيث يمكنه أن يخسر كل شيء، لا بل أثمن ما يملك، أي نبض الحياة الذي فيه، ما الذي يجعله مقتنعاً بقرار كهذا؟ ما الذي يدفعه الى الموت؟ انها منظومة الافكار التي استخدمت من اجل اقناعه بذلك. انها الاديولوجيا التي تمكنت تغيير القناعات والخيارات وبالتالي المسارات الفردية كما الجماعية. كيف يقرأ اذاً أركون ظاهرة العنف؟

 

في مفهوم العنف

يرى أركون ان ما نشهده في المرحلة الراهنة هو عنف مزدوج : هناك اولاً العنف الذي تمارسه انـظمـة    ” الدولة- الوطن- الحزب ” التي نشأت بعد حقبة الاستقلال. وهنااك ثانياً العنف الذي نتج عن النظام الدولي في نسختيه القديمة والجديدة، لأن هذا النظام يضغط ويعرقل التطور الذاتي. ثم يضيف عنفاً آخر مكبوتاً في الداخل، في اعماق المجتمعات العربية والاسلامية المعاصرة.

يعود هنا الى الفيزياء لكي يبحث في اصل العنف فيجده في الضغط والكبت. القانون الفيزيائي واضح في هذا الخصوص: الضغط يولّد الانفجار. وبالعودة الى علم الاجتماع فإنه يجد تحديد العنف كتعبير عن انعدام الحوار في المجتمع. ان لم يستطع المجتمع ان يعبر ويتكلّم على نحو طبيعي، فمصيره الانفجار، لأنه في ذلك السبيل الوحيد للتعبير عن نفسه.

يعتبر أركون ان الحقيقة التي تؤمن بها أي جماعة من “الفاعلين الاجتماعيين” تتعرّض للتهديد باستمرار، سواء من قِبل “الكفار” في حال كانت الجماعة دينية، أم من قِبل أعداء الوطن في حال كانت الجماعة سياسية. ويشير الى أن التعاليم في كل الأديان لا تتردّد أبداً في إدانة العنف أخلاقياً ورفضه بشدّة، لكنها في الوقت عينه تباركه وتدعو اليه إذ كان الأمر يتعلّق بالدفاع عن الحقيقة من أجل مواجهة الكفار، أو في سبيل فرض هذه الحقيقة بالقوة على كل من يعترض عليها. كما إن الدولة العلمانية الحديثة تقوم بالفعل ذاته، عندما تدعو مواطنيها الى خوض ” الحرب العادلة ” وهي التي يقابلها مفهوم الجهاد في الاسلام. لقد أخذت الأحزاب العلمانية الحديثة تحلّ اليوم محلّ المذاهب والطوائف الدينية، لكن الآلية العميقة في الربط بين العنف والتقديس والحقيقة هي ذاتها على الرغم من تغيّر صيغتها الشكلية. يلحظ أركون ان هناك نوعين من العنف: الأول، عنف مقدّس يضفي المشروعية على ذاته من خلال التعاليم “الالهية” للأديان التي لم تتم مقاربتها بعد من زاوية النقد العلمي. والثاني، عنف مادي أو دنيوي محض نُزعت عنه قيود التقديس وأحكامه. يقصد بالعنف المادي هنا، تلك الممارسات الشائعة في المجتمعات الأوروبية والأميركية الحديثة التي انحسر عنها الدين وتعلمنت فأصبحت قيمها نسبية، وفرضت بالتالي إرادة القوة والهيمنة كقيمة عليا.

يصرّ مفكرنا على التوقف عند ضرورة معرفة وضع الشعوب الاسلامية والعربية المعاصرة، يراه وضعاً صعباً لا يُحتمل. يشير الى أن هذه الشعوب ” تعاني اليوم من أسوأ أنواع الفوضى المعنوية ومن التمزقات الايديولوجية المأساوية التي تغذّي الحروب الاهلية. كما تحسّ احساساً مريراً بالاحباط نتيجة الوعود التي بُذلت لها ولم تتحقق. وفي الواقع، ان جميع هذه الشعوب كانت قد توقفت عن انتاج تاريخها الخاص بواسطة اللعبة الداخلية لمكوناتها الاجتماعية وبواسطتها وحدها منذ القرن التاسع عشر. بمعنى آخر، فان مصيرها لم يعد بيدها منذ ذلك التاريخ بالضبط. أصبحت العوامل الخارجية هي التي تحسمه. ان هذا المعطى الحاسم يسيطر على مصيرها التاريخي المعاصر أكثر من عوامل التطور الداخلية الخاصة بكل فئة عرقية- تاريخية- ثقافية “.[17]

ان هذه الاشارة الى التمزّق الايديولوجي والفوضى المعنوية تدلّ على غياب المرجع العلمي والفكري الضروري لكل تحرّك في مواجهة الواقع المرير. لذا يرى مفكرنا أن هذا الوضع سيسهّل من انتشار ثقافة العنف المبنية على فكرة الدفاع عن الحقيقة التي تمّ تقديسها، وهي بخطر يستوجب الانخراط في المعركة من أجلها.

يفضّل اركون عند معالجته لموضوع العنف ان يدمجه في عملية التفاعل المتبادل بين القوى الثلاث التي تتفاعل ضمن الحيّز المغلق الذي اطلق عليه تسمية: المثلث الانتروبولوجي المؤلف من: العنف والمقدس والحقيقة، مستعيناً برينيه جيرار الذي اقتصر في ابحاثه على الثنائي: العنف والمقدس. لقد أدرج اركون الحقيقة داخل الحيّز المقفل للمثلث لأنه يعتقد بأن أنماط بناء الحقيقة وادارتها ارتبطت ” بنظم الفكر الديني والفلسفي” و” سعت الى ابعاد او احتواء فورات العنف عبر التبشير بنظام الاخلاق والقانون المرتكزين على المسلمات المنظِّمة للحقيقة المعطاة بوصفها منزَلة او ذات طبيعة ماورائية “.[18]

 

لكي يوضح اركون العلاقة القائمة بين اركان هذا المثلث الانتروبولوجي نراه يعود مرة أخرى الى الآية الخامسة من سورة التوبة المعروفة باسم: آية السيف، والتي كان الفقهاء قد اعتمدوا عليها من أجل تشريع الجهاد العادل ابان القرون الثلاثة الاولى للهجرة. يجد ان هذه السورة تتحدث صراحة عن الوظيفة السياسية الدينية للمثلث. ” مجمل آيات السورة يقول ما معناه: يا خلائق الله في الارض، عليكم أن تشهروا الحرب في كل مرة تتعرّض فيها للتهديد هذه الحقيقة المنزلة والمعهود بها كـ”أمانة” تحت ادارة البشر “.[19]

ويعتبر ان السورة كلها تدلّ على وجود العنف سابقاً كما على امكانية وجوده لاحقاً، اي كلما كانت الحقيقة المطلقة مهدّدة بالخطر أو حتى عندما تواجَه بالرفض. لقد درس اركون الكيفية التي تُنتج بها سورة التوبة معنىً يحرّك السامعين ويقوم بتعبئتهم منذ زمن النبي الى الاجيال التالية من المؤمنين.  مفصلاً مضمون الآية الخامسة من الناحية السيميائية الدلالية، ثم الناحية التاريخية، ثم من الناحية الأنتروبولوجية في الفصل الثالث من كتابه “الفكر الاسلامي قراءة علمية”، كما ذكرنا سابقاً.

يرى مفكرنا ان مقاربة مسألة الجهاد انطلاقاً من المثلث: عنف، مقدس، حقيقة، تتيح فهم دور الحقيقة ضمن نظامها اللاهوتي الديني، او ضمن نظامها الفلسفي العلماني في تبرير وشرعنة مجمل انواع اللجوء الى العنف والحرب في مختلف الأزمنة والسياقات. ويشير في هذا السياق الى ان ” مفهوم نظام الحقيقة لا يلتبس مع مفهوم الحقيقة الذي عُزل طويلاً عن ظروف انبثاقه الاجتماعية والسياسية واللغوية الملموسة. ويمكننا أن نتوسّم مستتبعات هذه المقاربة انطلاقاً من المثلث: عنف، مقدس، حقيقة على مستوى الموقعية اللاهوتية التقليدية للوحي، ولكن أيضاً على مستوى البناءات الحديثة للشرعيات الحقوقية والسياسية والفلسفية (…)”.[20]

يشير جوزف مايلا في سياق حواره الفكري مع اركون الى ما يحدث اليوم من تبرير لاستخدام العنف من قِبل الاسلام السياسي الذي يستعيد مفاهيم الفكر الاسلامي كما وردت في الاساس متناسياً ” ارتباط هذه المفاهيم منذ البداية بنُظم لاهوتية أو فلسفية قروسطية متعدّدة ومختلفة. ثم ان نقلها الى السياق الراهن يتمّ بطريقة يشتهيها الفقه الاسلامي المجهّز أدواتياً لخدمة أغراض القضية، اي بطريقة القياس”.[21]

يعطي امثلة عدّة على هذا النوع من الاسقاط او المغالطة التاريخية، كما يسميها اركون، متوقفاً عند السيد قطب الذي قارن بين اعمال عبد الناصر واعمال المغول الذين قاموا بتدمير بغداد في القرن الثامن وأسهموا في سقوط الخلافة العباسية، وذلك من أجل تشريع الدعوة الى الجهاد ضد عبد الناصر. كذلك ما يحدث اليوم من خلال نقد السياسة الغربية عن طريق مقارنتها بالحروب الصليبية بهدف التوظيف السياسي والكفاحي وتحريك الجماهير في خط نضالي محدّد. ويضيف ان ” هذه الاستعارات الغريبة من التاريخ ليست استعارات تعسّفية بمعنى أنها غير صحيحة، أو غير دقيقة تتاريخياً، حتى ولو كان طابعها غير المنسجم مع الراهن واضحاً للعيان. فغياب التوسّط النقدي، والفراغ القائم بين التمثّل الحاد للتاريخ وحاضرٍ غير مفكرفيه بتعابير غير تعابير لغة نشأت في الماضي، كل ذلك يجعل من الممكن استعادة المعنى على طريقة حركات كطالبان أو القاعدة، مع تركيب تصورات فكرية ودينية على ظروف التخلّف التنموي الواقعية لاستخدام ذلك في استخلاص ايديولوجيات دموية “.[22]

ان من يتابع اركون في مجمل مؤلفاته يجد ان المقاربة النقدية هي الركيزة الأولى في مساره الفكري. انها مقاربة تحاول ان تبرز ما هو مشترك بين الاقطاب التي تبدو عادة متقابلة. فهو هنا يحاول ان يجمع من الخلال الكلام على المثلث الانتروبولوجي بين ديانات التوحيد والفكر الفلسفي العلماني على صعيد الممارسة التاريخية. انه يهدف الى تجاوز التعارضات الثنائية، مثل: الدين والعلمنة، والكنيسة والدولة، والمقدس والدنيوي، والروحي والزمني، والايمان والعقل،…الخ. يراها كلها على انها تطرح الحقيقة باعتبارها مسلَّمة، تكمن خارج النقد والتفكيك. ويشير الى ان هذه ” التعارضات هي في الواقع ايديولوجية أكثر مما هي نقدية”. ان اعتماد منهج التاريخ المقارن لنظم الافكار سيوفر مجالاً لتجاوز ” التفسيرات الناشئة عن الرؤية الخطية والمجرّدة التي تُقصر تاريخ الافكار على كل تقليد، مع العلم بأن كل واحد من التقاليد خاضع للمثالية الدينية او الماورائية. كما أننا نتحرّر بذلك أيضاً من الممارسات التي تنوّه بالدين وتنتقي الآيات أو الافكار الملائمة للأطروحات الدارجة، وتضرب صفحاً عن التعاليم والتفسيرات التي طالما وجهت أنماط تفكيرالقوى الفاعلة الاجتماعية ومسلكيات هذه القوى “.[23]

تجدر الاشارة في هذا السياق الى أن أركون لم يحصر عمله في درس العلاقة بين العنف والحقيقة في المجال الاسلامي فقط انما يسحب مفاعيل هذا المنهج النقدي على العقل الحديث، أي عقل الأنوار من أجل المزيد من القاء الضوء على المقدمات والتغطيات التي حصلت لإخفاء حقيقة ما يجري في الواقع. لقد تمّ اعلان تقديس “العقل المحض” باعتباره الحقيقة المثبتة والمتحقق منها على أكمل وجه من زاوية المدافعين عنه في الغرب، كما تمّ رفع مفهوم الجمهورية في فرنسا مثلاً الى مستوى التقديس والحقيقة المنزلة.

 

ثالثاً: العنف كـ”مرض تواصلي” عند يورغن هابرماس

يعتبر هابرماس أن حياة الانسان اليومية مكونة من الممارسة التواصلية التي تسمح للناس بأن يفهم بعضهم بعضاً. يرى أن فعل الكلام وحده يجعل البشر “متفقين ضمنياً على مجموعة من القواعد النحوية التي نستخدمها جميعاً بصدق، وذلك بقصد التواصل، لا بقصد التلاعب”. ثم يشير الى أنه بالطريقة عينها يتمّ التوافق على بشكل ضمني على قواعد الثقافة والمجتمع والجماعة التي ينتمي اليها كل فرد. ينظر هابرماس الى هذه القواعد بصفتها “قاعدة صلبة من القناعات القائمة على خلفية مشتركة من الحقائق الثقافية البديهية ومن التطلعات المتبادلة”. ترى جيوفانا بورادوري في هذا السياق أن هذه الخلفية المشتركة تضمن لنا “إمكانية أن نضع أنفسنا مكان الآخرين، الأمر الذي يوضحه هابرماس على أنه جملة “شروط متماثلة يتم فيها تبادل وجهات النظر”. ولكن، اذا لم يظهر هناك تفاهم متبادل، لسبب أو لآخر، فإن كلا من المستمع والمتكلم سيصبح غريباً عن الآخر، وغير مبالٍ يإثبات إدعاءاته. هذه هي بداية التشوه في التواصل؛ بداية سوء الفهم أو التحايل، التي يمثل الإرهاب نسختها الأكثر تطرفاً”.[24]

يحدّد هابرماس بداية العنف في فعل “التواصل المشوّه” بين طرفين. لذا فهو يعتبر ان الإرهاب “تواصل مرضي، يغذي منابعه التدميرية الخاصة”. يقول: “يبدأ العنف تواصلاً مشوهاً، ثم يقوده انعدام الثقة المتبادل والخارج عن السيطرة الى انقطاع التواصل”. ثم يشير الى “أن العولمة غذّت حركة العنف التواصلي المتسارعة، فبتكثيفها للتواصل المرضي، تقوم بتوزيع الأدوار توزيعاً غير عادل، مقسمة العالم بلا رحمة بين رابحين ومستفيدين وخاسرين، بحيث يصبح التفاهم التبادلي أصعب فأصعب في مواجهة هذه التحديات التي تطرحها العولمة. تقع مسؤولية ذلك بوضوح على عاتق الأمم الأقوى، ولهذا السبب يدعو هابرماس الديمقراطيات الليبرالية الغربية الى إعادة إنشاء قنوات للتواصل؛ إذ إن الرأسمالية المنفلتة والتراتبية الاجتماعية الصارمة للمجتمع العالمي هما السبب الجذري في انهيار الحوار”.[25]

لا يوافق هابرماس هانتغتون في ما أورده حول صراع الحضارات، وبخاصة في ما يتعلق بأسباب هذا الصراع. في حين يرى هانتغتون أن الصراع يرتكز على دوافع ثقافية ودينية، وأن الثقافة هي القائد والمحرك الأساس للصراعات القائمة، يعتبر هابرماس أن “المرض التواصلي الذي سببته العولمة ليس ثقافياً، بل هو اقتصادي”، ويقترح على الإئتلاف الغربي مسارين للعمل على الشفاء منه. المسار الأول: تحسين صورة الغرب، لأنه من الضروري أن تتوقف الدول النامية عن رؤية توصيف السياسة الأجنبية للدول الغربية بوصفها جبهة امبريالية، لا يهمها سوى إيجاد السبل لتوسيع مصالحها المالية.والمسار الثاني: العمل على عدم حصر دور الديمقراطيات باستراتيجية التسويق من دون سواها، “فالحقيقة المحزنة هي أن نزهة الاستهلاك الغربية تنفجر كلغم موقوت وسط أكثر طبقات سكان العالم حرماناً.” هذا الانفجار الاستهلاكي برأي هابرماس قد ولّد “ردّة فعل روحية” كبديل وحيد لكثير من الناس عن الصمت والاستسلام.[26]

يشدّد هابرماس على أن نموذج اللاتسامح الديني الذي تجسّده الأصولية يشكّل “ظاهرة حديثة بامتياز”. وهو هنا يرى أن الحداثة تغيّر “في وضعية الإيمان أكثر من كونها مجموعة من المعتقدات المنسجمة”. لذا فإنه يلفت الانتباه الى أن وضعية الإيمان تشير ” الى الطريقة التي نؤمن بها أكثر مما تشير الى ما نؤمن به. ومن ثم، ليس لدى الأصولية سوى القليل لتفعله مع أي نص محدد، أو مع أي عقيدة دينية، ولكن لديها الكثير لتقوله عن طريقة الإيمان: فحين نناقش المعتقدات الأصولية الإسلامية أو المسيحية أو الهندوسية، فإننا نتحدث عن ردود فعل عنيفة على الطريقة الحديثة في فهم الدين والمشاركة فيه”. من هنا، وانطلاقاً مما تقدّم، تصبح الأصولية “جواباً مرعوباً” على حداثةٍ تُرى بوصفها تهديداً أكثر من كونها فرصة للعودة الى الطريقة الماقبل حديثة في العلاقة مع الدين.[27]

يلحظ هابرماس ان العنف باعتباره “تواصلاً مرضياً” يتوسط العلاقة بين الاصولية والارهاب. يقول: “يبدأ العنف كتواصل مشوّه، ثم يقوده انعدام الثقة المتبادل، والخارج عن السيطرة، الى انقطاع التواصل”. ويميز بين العنف الموجود في المجتمعات الغربية (التي تعاني من عدم المساواة الاجتماعية والتمييز والتهميش)، وبين العنف الناتج من تعارض الثقافات. يعتبر أن الثقافات ” لا يلتقي بعضها مع بعض كما يلتقي أعضاء المجتمع، الذين لا يُقصي أحدهم الآخر، الا إذا كان التواصل مشوهاً منهجياً في ما بينهم”. ويضيف في هذا السياق أن الاطار القانوني للعلاقات الدولية لا يمكنه أن يقوم شيء الكثير في مجال فتح القنوات الجديدة التي تهدف الى تغيير الذهنية الناتجة “من خلال تحسين شروط الحياة والتخفيف الملموس من الضغط والاضطهاد. عندما تصبح الثقة قادرة على أن تتطور عبر ممارسة التواصل اليومي، عندها فحسب، ينتشر تنوير فعال وواضح في وسائل الاعلام والمدارس والبيوت. ويجب أن يحدث ذلك عبر التأثير في المقدمات الثقافية والسياسية الخاصة”.[28]

يرى هابرماس اذا أن الارهاب عيب في التواصل المحلي الحاصل ضمن حدود الثقافة الواحدة او الامة الواحدة او الدين الواحد، كما أنه عيب في التواصل على الصعيد العالمي. من هنا يحدد هدف الفلسفة “بطرح إعادة بناء الشروط التي لا تجعل التواصل ممكناً فحسب، بل فعلاً ومنتجاً أيضاً، وذلك على كل من المستويين: الفردي والجماعي”. كما يرى أن إعادة بناء هذه الشروط تضع بين يدي الفلسفة “أداة نقدية حادة” تمكّنها من تقييم الحاضر بما فيه من تشوهات تواصلية، وذلك لما كانت عليه حال “الفلسفة السياسية الكلاسيكية التي تقوم مهمتها على تلخيص متطلبات المجتمع المنظَّم والعادل”. من هنا تضاف الى مهام الفلسفة من منظور هابرماس “إمكانية تشخيص أمراض المجتمع وعيوبه التواصلية على نحوٍ خاص”.[29]

 

رابعاً:  الإرهاب  “أزمة المناعة الذاتية” عند دريدا

يعتبر دريدا أن تفكيك مفهوم الارهاب يمثّل المسلك الوحيد والمسؤول الذي يمكن اعتماده. يرى أن الاستخدام العام للفظ الارهاب يظهره كما لو أنه يحمل مدلولاً واضحاً بذاته، الأمر الذي يحوّله الى خادم لقضية الإرهاب بشكل غير مباشر. من الضروري عدم الاكتفاء باستخدام هذا المفهوم كأمر بديهي، لأن التفكيك من شأنه أن يبين أن ضروب التمييز التي نفهم من خلالها الارهاب بات مثقلا بالمشكلات. يشير دريدا الى أن الحرب ليست هي “المسؤولة الوحيدة عن ترهيب المدنيين، أو الوحيدة التي تنطوي على عناصر الارهاب؛ إذ لا يمكن الفصل على نحو صارم، بين مختلف أنواع الارهاب، اي بين ارهاب الدولة والارهاب المحلي أو العالمي. ونحن إذ نرفض إمكان ربط ذلك الجوهر المفترض للإرهاب بمدلولات معينة، فإننا ننكر بوضوح أن يكون للإرهاب معنى ثابت، أو جدول عمل أو محتوى سياسي”.[30]

كذلك يدعو دريدا الى التيقظ بخصوص العلاقة التي تربط بين الارهاب ونظام الاتصالات العالمي الأمر الذي بدا واضحاً إثر بثت الكثير من الصور والبرامج والقصص عن الارهاب منذ اعتداءات 11 أيلول 2001. من الضروري التوقف عند هذه العلاقة والقيام بمراجعتها نقدياً، إذ يبدو من خلال ما يجري “أن الارهاب لا يظهر كحدث مضى بقدر ما يظهر كاحتمال مستقبلي”. يشير في هذا السياق الى دهشته من “سذاجة وسائل الاعلام بمساهمتها في مضاعفة قوة هذه التجربة الصادمة”. هناك أيضاً ارتباك تجاه “واقعية الخطر المتمثّل في إمكانية استخدام الإرهاب الشبكات التقنية وشبكات الإعلام”.[31]

يدعو دريدا الى تمييز الارهاب من الارهاب الدولي والخوف والهلع والقلق. يرى أن “التاريخ السياسي لكلمة “الارهاب” يُشتقّ أساساً من مرجعية عهد الارهاب الثوري الفرنسي، الذي مورس باسم الدولة، والذي طَبق تماماً الاحتكار القانوني للعنف”. ثم انه يبحث في التحديدات الشائعة للارهاب فيجد انها تشير الى “جريمة ضد الحياة البشرية، عبر انتهاك القوانين (القومية والدولية) التي تستلزم التمييز بين المدني والعسكري (يُفترض أن يكون ضحايا الارهاب من المدنيين)، كما تستلزم، في الوقت نفسه، غاية سياسية (التأثير أو تغيير سياسة بلد ما من خلال ترهيب سكانه المدنيين)”.[32]

يلحظ دريدا أن هذه التعريفات لا تستثني “إرهاب الدولة”، من هنا نجد أن ارهابيي العالم بمجملهم يدّعون أنهم يقومون بالدفاع عن أنفسهم، وهم يقومون بالرد على إرهاب الدولة الداخلي الذي لا يقدم نفسه تحت اسم الارهاب، انما يلجأ الى مختلف أنواع التبريرات التي يجوز او لا يجوز تصديقها.

كذلك يرى أن الارهاب الدولي مفهوم غامض، وغير محدّد بوضوح، استخدم في خطاب مجلس الامن المنعقد اثر تفجيرات 11 أيلول. يعتبر دريدا انه “كلما كان المفهوم أكثر غموضاً، كان من السهل مواءمته انتهازياً”. وهو يشير الى أنه نتيجة “للقرارات المستعجلة للأمم المتحدة وإدانتها، بلا نقاش فلسفي لموضوع “الارهاب الدولي”، تكون قد خوّلت الولايات المتحدة استخدام جميع الوسائل، التي رأتها الادارة الأميركية مناسبة، فقامت بملاءمتها، وفقاً لأغراضها، لتحمي نفسها مما يُدعى “الإرهاب الدولي””.[33]

من هنا يشير دريدا الى انه يمكن في الوقت عينه امتداح الارهابيين كمقاتلين من أجل الحرية في سياق ما (مثلا في الكفاح ضد الاحتلال السوفياتي لأفغنستان)، أو التشهير بهم كإرهابيين في سياق آخر (وهم غالباً المقاتلون أنفسهم مع الأسلحة نفسها)، فإن علينا الا ننسى ايضا الصعوبة التي كان يمكن لنا مواجهتها للتفريق بين الارهاب “القومي” والارهاب “الدولي”، كما في حالة الارهاب الذي طبع تاريخ الجزائر وإيرلندا الشمالية وكورسيكا واسرائيل أو فلسطين”.[34]

يسأل دريدا بعد ان استعرض حالات عدة من الاحداث التي يمكن نعتها تارة بالنضال وأخرى بالارهاب، استناداً الى تجارب عدة (فلسطين، ايرلندا، أفغنستان، الشيشان، الجزائر…)، فيقول: “اعتباراً من أي لحظة يتوقف الارهاب عن أن يُقدَّم بوصفه كذلك، وتتمّ تحيّته بوصفه المصدر الوحيد لصراع شرعي؟ أو بالعكس؟ أين يمكن تجاوز الحدود بين القومي والدولي، بين الشرطة والجيش، بين التدخل من أجل “حفظ السلام” والحرب، بين الارهاب والحرب، بين المدني والعسكري، على أرض ما، وفي البنى التي تضمن الممكن الدفاعي أو الهجومي لـ”مجتمع” ما؟”.[35]

يدعو دريدا الى “تجنب تحليل عدم الاستقرار الدلالي، والاضطراب غير القابل للاختزال للحد القائم بين المفاهيم، والحيرة في مفهوم الحد ذاته، بوصفه فوضى نظرية، أو تشويشاً مفاهيمياً، أو منطقة اضطراب عشوائي في الكلام العام أو السياسي، بل على العكس، يجب التعرّف فيه الى استراتيجيات وعلاقات القوة”. يرى أن “السلطة المهيمنة هي تلك التي تنجح، في وضع معطى، في أن تفرض، أي أن تشرعن، بل تصدق (فهي تقامر دائماً بالقانون) المشهد الدولي أو العالمي وفق التسمية أو التأويل الذي يناسبها”. ويستنتج أنه خلال تاريخ طويل ومعقد، “نجحت الولايات المتحدة في تحقيق إجماع بينحكومي (intergouvernemental) في أميركا الجنوبية، لكي تطلق رسمياً تسمية “الارهاب” على كل مقاومة سياسية منظمة للسلطة الموجودة، أو التي تم إيجادها في الحقيقة، من أجل دعوتها، في الوقت نفسه، الى تحالف مسلح ضد ما يُدعى “الارهاب”، ومن أجل إلقاء المسؤولية بارتياح على حكومات أميركا الجنوبية، وتجنب الاتهامات المبررة تماماً ضد سياسة التدخّل العنيفة”.[36]

يوصف دريدا الارهاب بـ“أزمة مناعة ذاتية”،[37] انه بمثابة “اعتلال ذاتي للمناعة” يهدد كلا من: “حياة الديمقراطية التشاركية والنظام القانوني الذي يصادق عليها، وإمكانية ذلك الانفصال الحدّي بين الأبعاد الدينية والعلمانية. تؤدّي شروط المناعة الذاتية لهذا الاعتلال الى الموت التلقائي للجهاز الدفاعي، الذي من شأنه حماية النظام العضوي من العدوان الخارجي”.[38]

بالعودة الى موضوع الندوة: الفلسفة في عالم متغيّر، نجد أن دريدا يشدّد على الفائدة الكبيرة التي يمكن ان تجنيها السياسة العالمية والدبلوماسية لما بعد 11 أيلول من خلال “العمل مع الفلسفة جنباً الى جنب”. يركّز على أن التحدّي القائم في عالم اليوم يكمن في “تطوير إطار نقدي، تُقوّم من خلاله لغة العلاقات الدولية، ويُعاد ابتكارها. تستطيع الفلسفة أن تقوم بدورٍ فريدٍ في هذا الظرف، لأنها تعرف كيف تمتحن حلقات الربط بين النظام القانوني – السياسي والإرث الفلسفي الذي أنتجه، فلن يتجلّى تحوّل النظام الا عبر مواءمة هذه الشبكة المعقدة لحلقات الربط الواضحة والضمنية. بامتيازها المتجلّي في قدرة وصولها الى هذه الحلقات قد تستطيع الفلسفة أن تساعد في تقويم اللغة المستخدمة في السياسة الدولية، وتطرح السؤال أخيراً حول مسؤولية أولئك الذين يديرونها”.[39]

واضحٌ مما تقدّم مدى المسؤولية الملقاة على عاتق الفلسفة في هذا العالم الرازح تحت وطأة الأزمات المتجدّدة، والتحدّيات المربكة، والأسئلة المقلقة. إنها التي تشير الى المنهج الذي يمكن اعتماده من أجل المزيد من الفهم للظواهر الاجتماعية، والتغيّرات التي تطاول البنى الفكرية للفاعلين الاجتماعيين. فالمقاربة النقدية أمر بات أكثر إلحاحاً من أي وقت سبق. زمن مراجعة المفاهيم قد حان، وما إعادة النظر في الكثير من الطروحات الفكرية والمقولات الثابتة الا خطوة منهجية أولى تليها العديد من المحطات والاستنتاجات التي لم يعد تأخيرها يفيد الفلسفة بشيء.

 

خاتمة:

 

وبعد، ليس هذا التنقل بين أربعة مفكرين توقفوا عند ظاهرة العنف في المجتمع الانساني سوى محاولة لإبراز تعقيدات الواقع المعاصر، وتبدلاته المتسارعة، إذ ينجلي ذلك من خلال البحث الدؤوب عن سبل جديدة لمقاربة الظاهرة الواحدة، الأمر الذي يفرض على كل فيلسوف إيجاد الأداة المنهجية الخاصة به لكي يحللّ ويفكك موضوعه على النحو الذي يريد. إن العالم المتسارع الخطى في فرض تحدياته على الفكر الفلسفي قد أجبر المتفلسفين على فتح باب تعددية المناهج على مصرعيه وتوخي المزيد من الجدّة في طرح الأفكار ومقاربة الإشكاليات. من هنا يأتي هذا الرصد السريع لمقاربة كل أرندت وأركون وهابرماس ودريدا لكي يطرح على طاولة الفكر العربي المعاصر تحدياً إضافياً يقوده نحو خرق الحدود الضيقة والدخول المستمر في دوائر البحث المنفتح على التبدّل والتغيّر في عالم اليوم، وعدم الاكتفاء فقط بما سبق إنتاجه، والاستشهاد به كنموذج يحتذى في كل زمان وأي مكان على الخريطة العربية.

يمكننا أن نختتم هذا التجوال في التفلسف حول العنف والارهاب بشذرات من نظرية إدغار موران في هذا الخصوص، هو الذي توقف منذ العام 2007 في كتابه: الى أين يسير العالم؟ عند ما يعتري الانسان المعاصر من جنون وضياع، ودوامة عنف قاتل. يتحدث عن إمكانية خلق صنف جديد “من دعاة السلام”. يشدّد على أن “الخلاص لا يمكنه أن يأتي لا من العنف ذاته ولا من اللاعنف، اي من عالم منغلق، ومنكمش لأشخاص من دون عزيمة، وفي كلل، وضجر، ولا مبالاة، وقابعين أمام التلفزة لتأمل مذابح بيافرا، والفيتنام، وبوروندي، والكمبودج، وأفغانستان، وتيمور. لا يعني هذا فقط أن ما تحت العنف هو عبارة عن حياة دونية. ذلك أن اللاعنف هو الأمر الذي يسمح للعنف بالإنتعاش والهيجان. ومن وقع تحت رعب العنف يستسلم دائماً تحته”.[40]

من الوضح أن معركة المفكر اليوم تقوم على محاربة اللامبالاة والتقهقر الضارب على أكثر من صعيد. إن مهمة الفيلسوف تتحدّد مع تبدّل الوضع المأزوم والاشكاليات الناتجة عنه. نهر هيراقليطس جار وهو يضعنا اليوم في موجهة مفهوم مغاير للتفكر الفلسفي: انها المقاومة المفتوحة على أكثر من جبهة. نظراً الى حجم المخاطر المحدقة، وتسارع الانقلابات التي تقض مضجع الوعي، هناك دعوة صريحة وواضحة من إدغار موران الى خوض المعارك المفتوحة، الى المقاومة من أجل البحث عن المعنى، والتأسيس لمفهوم متجدد للإنسانية، يروي ظمأ الكائن التواق دائماً نحو آفاق جديدة.

يشدّد إدغار موران على ضرورة استعجال بزوغ الانسانية على أثر ما يتعرّض له البشر اليوم في أي مكان على الكوكب من تهديدات نووية وكارثية عديدة. يرفع لواء المقاومة، فهي بنظره الحل الوحيد المتاح. يقول:”يجب علينا مقاومة العدم ومقاومة قوى التقهقر والموت الهائلة. وفي كل الفرضيات، يجب المقاومة. فالحد من الموت مقاومة. النضال ضد الوحشية مقاومة. والمستقبل لم يعد ذلك التقدّم اللامع الى الأمام، أو بالأحرى ينبغي القول إن هذا التقدّم اللامع لتهديدات العبودية والخراب يجب أن تُقاوم أيضاً. وبشكل أكثر اتساعاً، يجب علينا من اليوم، ومن دون توقف مقاومة الكذب، والخطأ، والخلاص، والاستسلام، والايديولوجيا، ومقاومة التكنوقراطيّة، والبروقراطية، ومقاومة الهيمنة والاستغلال والقساوة. وأكثر من ذلك علينا أن نهيئ أنفسنا الى أشياء جديدة من القمع، أي الى أنماط جديدة من المقاومة”.[41]

 

 الاونسكو في 17 تشرين الثاني 2016

           نايلة ابي نادر

 

[1] – حنة أرندت، في العنف، ترجمة ابراهيم العريس، بيروت، دار الساقي، ط2، 2015، ص10

[2] – حنة أرندت، م.ن. ص6

3- حنة أرندت، م.ن. ص 45

[4] – حنة أرندت، م.س. ص47

 

[5] – حنة أرندت، م.س. ص49

[6] – حنة أرندت، م.ن. ص50

[7] – حنة أرندت، م.ن. ص56-57

 

[8] – حنة أرندت، م.س. ص57

[9] – حنة أرندت، م.ن. ص61

[10] – حنة أرندت، م.ن. ص68

[11] – حنة أرندت، م.ن. ص72

[12] – محمد اركون، تاريخية الفكر العربي الاسلامي، ترجمة هاشم صالح، بيروت، مركز الانماء القومي، ص 255

[13] – محمد أركون وجوزف مايلا، من منهاتن الى بغداد، ما وراء الخير والشر، ترجمة عقيل الشيخ حسين، بيروت، دار الساقي،2008، ص 238-239

[14] – محمد اركون، م.س. ص 85

 

[15] – محمد أركون، م.س. ص240

 

[16] – أنظر، محمد أركون، الاسلام، اوروبا، الغرب، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 1995ص 95

 

[17] – محمد أركون، الاسلام، أوروبا، الغرب، م.س. ص 163

[18] – محمد اركون وجوزف مايلا، من منهاتن الى بغداد، ما وراء الخير والشر، بيروت، دار الساقي، ط1 2008، ص 83

[19] – محمد أركون، م.ن. ص 23

 

[20] – محمد أركون، من منهاتن الى بغداد، ص 84- 85

[21] – جوزف مايلا، م.ن. ص 89

[22] – جوزف مايلا، م.ن. ص 89-90

 

[23] – محمد أركون، م.س. ص 240- 241

 

[24] – جيوفانا بورادوري، الفلسفة في زمن الإرهاب، ترجمة خلدون النبواني، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2013، ص121

[25] – جيوفانا بورادوري، م.ن. ص 121

[26] – انظر:جيوفانا بورادوري، م.ن. ص122

 

[27] – جيوفانا بورادوري، م.س. ص57

[28] – جيوفانا بورادوري، م.ن. ص 58

[29] – جيوفانا بورادوري، م.س. ص 96

 

[30] – جيوفانا بورادوري، الفلسفة في زمن الارهاب، م.س. ص27

[31] – جيوفانا بورادوري، م.ن. ص28

[32] – جيوفانا بورادوري، م.ن. ص 172

[33] – جيوفانا بورادوري، م.ن. ص174

 

[34] – جيوفانا بورادوري، م.س. ص 174

 

[35] – جيوفانا بورادوري، م.ن. ص175

 

[36] جيوفانا بورادوري، م.ن. ص 176

[37] – أنظر، جيوفانا بورادوري، م.ن. ص246

[38] – جيوفانا بورادوري، م.س. ص59

[39] – جيوفانا بورادوري، م.ن. ص 259

[40] –  ادغار موران، الى أين يذهب العالم؟، ترجمة أحمد العلمي، بيروت، الدار العربية للعلوم، ط2، 2010، ص79

[41] – ادغار موران، م.ن. ص83

 

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete