التنوع الديني بإيران وأدلجة الدين والجسد

بعثت الاحتجاجات العنيفة التي رافقت مقتل الشابة الكردية الإيرانية، مهسا أميني، في طهران، على يد أفراد دورية “شرطة الأخلاق”، الجدل من جديد بخصوص وضع المراة المأزوم في ظلّ سلطة “الولي الفقيه”، لا سيّما بعد رفض النساء قيود العفة القهرية بحقهن، وكذا “إلزامية” الحجاب بدعاوى سياسية وأيدولوجية. وقد خاضت النساء عبر عدة تكتيكات جديدة حرباً، غير تقليدية، بينما نفذت مناورات لافتة لتهشيم صورة القداسة المتوّهمة لرجل الدين الذي يحكم بقبضته الغليظة على أجساد النساء، ويحدد مساحتها الآمنة. فطارت العمائم السوداء في الهواء، ثم هوت، بفعل مطاردات نسوية تتحدى هذا الرمز المتعالي الذي يرهن مصائرهن، ويخبئ العقول المفخخة والمحشوة بالغبار والتاريخ، وربما العفن.

أربعة عقود منذ صعد الخميني للحكم، وأسّس عام 1979 “الجمهورية الإسلامية” بإيران، تقلّصت فيهم مكانة المراة وهمشت مكانتها، حتى انعزلت عن المجال العام في ظلّ ملاحقتها وقمعها وانعدام فرصها السياسية والاجتماعية والحقوقية.

“امراة، حياة، حرية”. هو هتاف المراة الإيرانية من مختلف القوميات والمرجعيات الدينية والهوياتية، منذ أيلول/ سبتمبر العام الماضي. هذا الهتاف بشعاراته الثلاثة، يكشف عن السعي لاسترداد الحقوق النسوية، التي جرى تغييبها، قسراً، والمطالبة بحياة عادية، بعدما رافق الموت العلني والضرب والشتائم المراة على يد السلطات وأفراد الأمن المعنيين بـ”الأخلاق” في الشوارع بطهران.

المرأة في إيران امتلكت امتيازات عديدة في فترة ما قبل “آيات الله”. فيما سعت إلى كسب المزيد من الحقوق الشخصية والمدنية، منها الحق في العمل والتعليم والحق في الطلاق ورفع سن الزواج. فضلاً عن المشاركة السياسية وبطبيعة الحال، الحق في التصويت بالبرلمان الذي كان محظورا عليها.

ثم ساهمت تلك العوامل جميعها في تنامي دورها المؤثر بعدة محطات تاريخية، منها ثورة التبغ في فترة الحكم القاجاري. وقد ارتبطت هذه الثورة باسم إحدى المناضلات النسويات، هي زينب باشا التي قادت الاحتجاجات من مدينتها تبريز، ونجحت في جعل أصحاب المحلات يعاودون فتح متاجرهم مرة أخرى.

وفي الثورة الدستورية لعبت المراة دورا غير محدود. وفضلاً عن ظهور الدور النسوي في الفترتين الأخيرتين (وأسماء ستخلدها ذاكرة حركة تحرر المراة بإيران مثل زن حيدر خان تبريزي)، فقد تحقق أول برلمان في إيران على خلفية هذه الثورة الأخيرة التي ألحت على ضرورة عمل إصلاحات سياسية ودستورية، وتدشين مؤسسات حديثة، الأمر الذي انعكس على النضال النسوي، فاستفادت منه بتدشين جمعية نسوية هي “أزادي زنان” وترجمتها تحرير المراة، وبروز أول مدرسة لتعليم الفتيات ومديرتها سيدة اسمها “بي بي خانم”. فيما بقى حلم المراة بالحق في التصويت مطلباً ملحاً يرفضه رجال الدين المتشددون، ومنهم الخميني، قبل نجاح ثورته، إلى أن أقره، رغم المعارضة الدينية العنيفة، محمد رضا شاه في آذار/ مارس عام 1963.

تزامن صعود الحركة النسوية بإيران مع بدايات القرن العشرين في ظل الثورة الدستورية التي تمخض عنها أول برلمان إيراني، فيما ساهمت المراة الإيرانية بدور مؤثر وفعال. لكن يمكن مراجعة ما وثقته ابنة الملك ناصر الدين شاه القاجاري التي حازت لقب “تاج السلطنة” واسمها الحقيقي زهرة في مذكراتها المعنونة: “ذكرياتي يوميات تاج السلطنة”، ترجمته الروائية الإيرانية مريم حيدري، لنكتشف حجم الجهود النسوية والطاقة الجبارة للوصول إلى حقوق عادلة للمراة. كما تفضح مستوى آخر من الإذلال التي عانت منه في فترة سابقة. فتقول: “لو كانت النساء في هذا البلد أحراراً كسائر البلاد والممالك، وحازت على حقوقها، واستطاعت النفوذ إلى أمور البلاد والسياسة الداخلية، وترقت في المناصب والإدارات، فإنّني لا أرى ـ يقيناً ـ سبيل ترقيها في أن تغدو وزيرة، تماطل وتتلاعب بحقوق الآخرين، وتأكل أموال المسلمين، وتبيع الوطن العزيز.. ومع الأسف الشديد فقد فصلت النساء الإيرانيات عن نوع الإنسان، وغدون من صنف البهائم والوحوش، إنّهن يعشن حياتهن من الصبح حتى الليل في سجن مليء باليأس والقنوط، ويعانين من ضغوطات صعبة، إنّهن يقضين عمرهن في التعاسة والشقاء”.

كما كتبت: “تتألف حياة النساء الإيرانيات من أمرين: أحدهما أسود معتم، وثانيهما أبيض مشرق، فعندما يخرجن إلى الحياة الدنيا يلبس لباس العزاء الأسود، أمّا عند الموت فيرتدين الكفن الأبيض، وحيث إنني واحدة من تلك النساء فإنّني أرجح ذلك الكفن الأبيض على تلك الهياكل الموحشة، إنني أرفض دائماً ذاك اللباس”.

فيما تطالب تاج السلطنة المراة الإيرانية بـ”استرداد حقوقهن مثل النساء الأوروبيات، وتربية الأطفال، ومساعدة الرجال مثل النسوة الأوروبيات، والعفة والطهارة، وحبّ الوطن، وخدمة الإنسان، وطرد الكسل والخمول، والرقود في البيوت، مع رفع النقاب، فضلا عن: إنّ حجاب المرأة هو خراب الوطن والبلاد، والفساد الأخلاقي، وعدم التقدم في تمام الأعمال”.

وفي ما يبدو أنّ الحراك النسوي، في تلك الفترة، مع الاجتهادات النظرية لتوسيع نطاق دور المراة، وتخفيف الظلم عنها، أتاح جملة مكتسبات مرحلية، ناهيك عن نشوء العديد من الجمعيات والمؤسسات الحقوقية المرتبطة بالقضايا النسوية، وكذا الصحف والمجلات المعنية بحقوق المراة، مثل: مجلة نسوان (مجلة النساء)، دانش (العلم)، نامه بانوان (رسالة السيدات)، زبان زنان (لغة النساء)، جهان زنان (عالم النساء)، عالم نسوان (عالم النساء)، جهان نسوان وطن خواه (عالم النساء الناشدات للوطن)، مجلة سعادت نسوان شرق ودختران إيران (مجلة سعادة نساء الشرق وبنات إيران).

سيرة نضال المراة الإيرانية لم تنقطع في ثورة 1979، إلا أن ما حدث بعد ذلك كان انقلابا مريرا وتدمير لكل الجوانب الحقوقية المهمة التي حازتها المراة وغيرها من فئات بالمجتمع. وقد عبرت عن ذلك الحقوقية والقاضية الإيرانية التي حازت جائزة نوبل للسلام، شيرين عبادي، بعبارة في عنوان أحد كتبها: “الثورة تأكل أبناءها”.

إذاً، ومع الانعطافة الحادة في التاريخ السياسي والمجتمعي الإيراني، منذ 1979، لم يكن الأمر سهلاً على محامية وحقوقية إيرانية، مثل شيرين عبادي، وهي تنتقل بين فترتين زمنيتين الفاصل بينهما ليس بعيداً في حسابات الوقت، لكنّه هائلاً وشاقاً على مستوى الوعي والفارق الحضاري. فارق لم يعد يتسع للحقوق السياسية والاجتماعية وقيم المواطنية والمدنية أمام سلطة المعممين ورجال الدين، ومقولاتهم التي تلغي الآخر، وترفض التنوع، بل تعتبره منبوذاً وترجع بالنساء إلى عصر الحريم وتواصل بسياسات متشددة إهدار حقوقهن كافة.

ففي كتابها: “إيران تستيقظ… مذكرات الثورة التي تأكل أبناءها”، ترجمة حسام عيتاني، تحكي بمرارة الصدام الأول مع السلطة الجديدة “الثورية” التي وصلت للحكم في إيران بعد نجاح الخميني وإسقاط الشاه، حيث باغتها فتح الله بني صدر الذي تولى الإشراف المؤقت على وزارة العدل، عندما التقت به (عبادي) مع آخرين لتقديم التهنئة له، وكان ممتعضاً من عدم التزامها بالحجاب، الأمر الذي تجاوز الصدمة إلى تبديد كل أحلامها بأيّ تغيير إلى الأفضل والتقدم.

قال لها بني صدر: “ألا تعتقدين أنّه انطلاقاً من الاحترام لقائدنا المحبوب (الإمام الخميني) الذي أنعم على إيران بعودته، من الأفضل أن تغطي شعرك؟”. فأجابته شيرين عبادي: “لم أضع غطاء الرأس في حياتي قط، وسيكون من النفاق أن أبدأ ذلك الآن”. فقال بني صدر: “إذاً لا تكوني منافقة وضعيه عن إيمان”.

شيرين عبادي الإيرانية، المولودة في أربعينات القرن الماضي وهي أول قاضية بإيران قبل نجاح ثورة الملالي وحازت جائزة نوبل للسلام عام 2003، لا تخفي حماسها المفرط بسقوط حكومة الشاه، لكنّها، في المقابل، نزلت عليها المآلات الجديدة كالصاعقة وقد كانت نموذجاً حياً ومبكراً للمستقبل الذي ينتظر المراة بإيران وغيرها من الفئات الضعيفة والأقليات.

فالسلطة الجديدة بإيران اعتبرت “ضمناً أنّ الحجاب زي إسلامي، ملزم للجميع. وتولت لجان الثورة تطبيق هذا التوجيه ومتابعة الالتزام به في الشوارع. واندفع الشباب في هذا الاتجاه حتى أساء بعضهم التصرف. وتجاوز حدود النصح والإرشاد إلى الإهانة والتقريع”. حسبما وثق المفكر الإسلامي فهمي هويدي ذلك في كتابه: “إيران من الداخل”. وقد جمع شهادات متفاوتة أثناء زيارته لطهران. وذكر: “قيل لي إنّهم كانوا يستوقفون بعض النساء في الشوارع، ويطالبونهن بإحكام غطاء الرأس، أو إزالة الأصباغ من الوجه”.

لذا، واصل الملالي قمع المراة من خلال تنميطها في صورة الحجاب بالشروط المفروضة قانوناً. الأمر الذي يمكن وصفه بأنّه استثمار سياسي للدين وأدلجة الجسد. من ثم تحويله لأداة دعاية للحكم الخميني في إيران وجعل ذلك بمثابة سلاح في مواجهة التيارات العلمانية واليسارية والليبرالية وخطاباتها التي تقر بالحرية.

فيما يتعيّن النظر إلى أنّ تنميط المراة على مستوى الملبس ليس صداماً مع النموذج المعارض، الليبرالي واليساري، فقط، إنّما هو فرض نمط أحادي للتدين، والذي كان يتميز بالتنوع في إيران. وهذا النمط المتشدد، الذي يناسب الرؤية الفقهية المتشددة لـ”آيات الله”، وفق الحكم القائم على مبدأ “الولي الفقيه”، بنسخته الخمينية، كان تعميمه لأهداف سياسية وأيدولوجية، لا تسمح لغيرها بالشرعية والقبول. وهنا كانت سياسات الخميني مخالفة حتى للعديد من التيارات الفقهية (والحوزوية) داخل إيران، والتي لديها اجتهادات فقهية ونظرية تخالف النسخة الشيعية الممثلة في الخميني وحكومته.

وبينما شدد المرجع الديني الشيعي محمد علوي جرجاني، على أهمية الحجاب: “لا تدعوا نعمة الحجاب تزول، والتعامل مع عدم ارتداء الحجاب هو مطلب مراجع التقليد. لقد قدمنا بضعة آلاف من الشهداء، وكل هذه التضحيات، كي يحفظ الإسلام، والشرف والحجاب”، كما نشرت وكالة أنباء تسنيم الإيرانية، فإن آخرين من المراجع الدينية الشيعية ذاتها لهم آراء مختلفة، حيث يرفض المرجع الشيعي إسحق الفياض “استعمال القوة والإكراه في فرض الحجاب باعتبار ذلك عملية غير فعالة”. وهو أحد المرجعيات الشيعية المهمة في النجف.

كما نجد رجال دين شيعة آخرين أخرى يتخذون خطوات أكثر انفتاحا، بل شجاعة في تمردها على التقليد المحافظ، حيث يرى رجل الدين الشيعي حسن يوسف أشكوري، أنّ الحجاب وغيره من الظواهر أو الممارسات الاجتماعية المرتبطة بالإسلام، يمكن أن تتغير مع تغير الزمن، الأمر الذي تسبب في الحكم عليه بـ”الردة”، ثم الإعدام، وقد خفف الحكم الأخير إلى سجن خمسة أعوام، وفق ما يشير موقع راديو فردا الأميركي، في نسخته الفارسية. وكان يوسف أشكوري ضمن 12 مفكرا دينيا وقعوا على بيان ضد إلزامية الحجاب عام 2018 منهم عبد العلي بازركان وسروش دباغ. ووصفوا إكراه الناس على تعاليم الشريعة بأنه “عمل قبيح”.

المفكر الإيراني وأحد الشصيات المرتبطة بالإصلاح الديني بإيران، عبد الكريم سروش، والذي كان مناصراً للخميني، ثم رفض أطروحاته التي خلطت بين الدين والسياسة، يقول في كتاب بعنوان: “المرأة في الفكر الإسلامي المعاصر.. قضايا وإشكاليات” (يضم مجموعة دراسات لعدد من الباحثين والمفكرين)، إنّ هناك درجة من الالتباس والخلط طاولت قضية حقوق المراة والحجاب معاً. إذ إنّ التضييقات، التي تعانيها اليوم بناء على تأويلات دينية متعسفة، إنّما هي ناتجة عن الفهم المغلوط أو المتأثر بقناعات معرفية، وربما مجتمعية لبعض الأئمة والشيوخ والفقهاء.

يرفض سروش ربط حجاب المراة بمفاهيم العفة واستقامة المجتمع متسائلا: “وهنا يأتي السؤال: ألا يُوجِب ظهور نساء أهل الذمة والإماء الذين كانوا يشكلون عدداً كبيراً في المجتمع، آنذاك، نوعاً من الإخلال بهذا العفاف الاجتماعي؟ نعم؛ فالعفة من المفاهيم الأخلاقية التي تعني أن تكون المرأة امرأة والرجل رجلًا، ولا تختص بالمرأة، أمّا أنّه كيف نتمكن من حفظ العفة عبر القانون فهذا يرجع إلى الطرق المعتمدة في كل زمان والمتناسبة معه ومع العرف السائد فيه، وقد اتبع الإسلام هذا العرف، فلابد عند ملاحظة حكم الشارع بالنسبة للنساء الأحرار أو الإماء أو نساء أهل الكتاب من الرجوع إلى روح مراد الشارع ومعرفة لُبّه”.

وفي الفصل المعنون بـ: “مسألة المرأة بين القوانين الفقهية ونظام القيم الأخلاقية”، يرفض الآراء القطعية والنهائية للفقهاء ورجال الدين الشيعة المحافظين لدرجة أنّه يرى حجاب المراة “لم يكن ذا محتوى صرف اجتماعي حقوقي أو أخلاقي، بل كان ذا بُعد أسطوري أيضاً”.

فالأحكام التي ترجع إلى شؤون الاجتماع في الإسلام لها صفة مؤقتة ما لم يثبت خلافه، وفق سروش، حت وإن “لا يوافق الفقهاء على ذلك، بل يعتبرون كل ما ورد في الشرع أبدياً خالداً إلى أن يثبت العكس”. لكن “التتبع التاريخي لكيفية تكون الإسلام والفقه الإسلامي يدلنا على أن ما جرى كان بنحوٍ آخر، أي أن الشارع صحح القوانين والأحكام الموجودة في المجتمع العربي آنذاك؛ لأنها كانت تتناسب مع عدالة ذلك الزمان وتشكل مصداقاً لها، ولا دليل على أن تلك القوانين التي كانت رائجة وموجودة أفضل القوانين والأحكام الممكنة على مر التاريخ”.

ويضاف إلى ذلك، أنّه يميل العلماء والفقهاء المتأخرون إلى القول بأن دين الإسلام “دين سياسي واجتماعي”. وهذا يعني أن الأحكام الدينية في حقيقتها “أحكام سياسية اجتماعية”، والسياسة والاجتماع في حقيقتهما “عنصران متحولان متغيران، وسبب هذه الصيرورة السياسية والاجتماعية تغير الظروف الحياتية التي ترجع إلى تغير معرفة الإنسان بالإنسان، وتغير معرفته بالواقع الخارجي والطبيعة والتاريخ وغيره”. يقول سروش.

بالتالي، ملاحظة كل ذلك بحسب المفكر الإيراني تؤكد أنّ (الحقوق) من المقولات المتغيرة. “فمن بديهيات علم الحقوق اليوم كون القوانين خاضعة للظروف الحياتية، ومتى سلمنا بذلك فلا فرق حينئذٍ بين كونها دينية أو غير دينية، فجميع الأحكام المترتبة على القوانين غير الدينية تترتب على الدينية منها”. ويتابع: “إنّني أرى في الحقوق والقوانين الحد الأدنى من الأخلاق التي يراها المجتمع لازمة لتحسين العلاقات الإنسانية، فالقوانين محض أحكام تنظيمية تتضمّن الحد الأدنى من الأخلاق الاجتماعية، وتعمل على المحافظة عليها، وهي قوانين اجتماعية بامتياز، وفي اللحظة التي تصبح فردية لا يمكن تسميتها بالحقوق؛ لأنّها تدخل حيز الأخلاق، والحقوق والقوانين تبقى ما دامت تفي بالقدر اللازم من الأخلاق التي انبعثت منها، ومتى لم تفِ بذلك فهذا يعني زوالها لا زوال الأخلاق”.

كما أنّ الأحكام الاجتماعية للمرأة لا تخلو هي أيضاً من تلك “العناصر الأسطورية”، على حد تعبير المفكر الإيراني، والذي يقول “لقد امتلكت المرأة حضوراً منذ القدم في أساطير الأمم والشعوب كافة، وكانت عنصراً منتجاً إلى جانب الأرض والماء والمطر، ولذا كانت تتمتع بنوع من الاحترام وصل إلى حد أصبح يتضمن نوعاً من التقديس الأسطوري، أي أنّ المرأة أصبحت ذات حرمة خاصة؛ لأنّها تمتلك نوعاً من الارتباط بالإله. والذي أظنّه هو أنّ مسألة حجاب المرأة لم يكن ذا محتوى صرف اجتماعي ـ حقوقي أو أخلاقي، بل كان ذا بُعد أسطوري أيضاً، أي أن إلزام المرأة بالستر، وإبعادها عن ساحة الحياة الاجتماعية، وإقرار نوعٍ من العلاقة الخاصّة معها، والنظر إليها بوصفها موجوداً ملوّثاً، هذا كله يحكي عن نوعٍ من الرمزية الأسطورية، وأظن أنّ هذا الأمر يشاهد حتى بالنسبة للإسلام والقوانين الإسلامية، فمثلاً لا تلزم الأمَة أو المرأة الكتابيّة بالحجاب على ما تنص عليه الشريعة الإسلامية، وقد استدل بعض المفكرين والفقهاء كالشهيد المطهري لإثبات ضرورة الحجاب بأنّه إنّما شُرع لصيانة عفة المرأة، أو صيانة العفاف الاجتماعي بشكل عام”.

وتكاد لا تختلف هذه المقاربة عن ما ذكره الفقيه والفيلسوف الإيراني، محمد مجتهد الشبستري في كتابه: “نقد القراءة الرسمية للدين”، والذي يقول إنّ محاولات الحكومة، في طهران، بواسطة الملالي تحويل الدين إلى برنامج سياسي، ثم تسييس الثقافة، في إطار رؤية السلطة وبرامجها الأيدولوجية، لن تؤدي، حتماً، سوى إلى صناعة العنف بحق المواطنين.

فيما اعتبر أنّ نظرية تولي الحكومة للثقافة يعتبر “خطأً فاحشاً”، وينتهي بإنتاج مقولات تروج لأعمال وممارسات مؤيدة للعنف الذي يأخذ صفة المقدس، وتجويز استعمال آليات القهر. وقال إنّ “جعل مسؤولية تثقيف الناس بيد الحكومة يعني شنق الثقافة والقضاء عليها”.

بل إنّه في الفصل المعنون بـ” الفقه الإسلامي وحقوق المرأة رصد الدوافع والمنطلقات” من كتاب: “المرأة في الفكر الإسلامي المعاصر”، يوضح أنّه قد ناقش في زيارة له بالعراق مع المرجع الشيعي السيد محمد باقر الصدر بعض القضايا المتعلقة بحقوق الرجل والمرأة، محاولاً معرفة رأيه في هذا الموضوع، وقد ذكر لي، والحديث لمحمد مجتهد الشبستري، بشكل صريح، أنّ الزمن الذي كان للمرأة فيه حقوق أقل من الرجل، كانت المسؤوليات الحياتية الكبرى  تقع على عاتق الرجل. وقد كان البناء الاجتماعي يقتضي ذلك، وقدمت للرجل مجموعة من الخصوصيات بنحو تتلاءم مع هذا البناء الاجتماعي. قال لي الصدر ذلك بعبارة أخرى: إذا تقرر اليوم أن تكون المرأة (شريكة حياة) بالنسبة للرجل، لا أمينة على حياته الخاصة فلا بد أن تتغير الأحكام الفقهية بنحوٍ يتناسب مع هذا التغيير.

ويتابع: “لا يمكننا اعتبار النظام الطبيعي فرضية مسبقة مسلمة يعتمد عليها عند مطالعة الكتاب والسنة، ومعنى ذلك أنّه لا بد من تغيير نظرتنا للأمور، وقراءة الكتاب والسنّة قراءةً تاريخية. علينا أن نسأل أنفسنا: ما الذي كان يريد النبي أن يؤديه من خلال الكتاب والسنة في ذلك العصر، وضمن الظروف التاريخية والاجتماعية الخاصة آنذاك؟ لابدّ وأن نجد تفسيراً لما كان يقوم به، فماذا كان يريد أن ينجز ويحقق؟”.

كما بدّل النبي بعض الأحكام الظالمة بحق المرأة في ذلك العصر، فأخرجها من” ظلم ذلك العصر إلى عدله”، على حد تعبير الفقيه والمفكر الإيراني مجهتد الشبستري، فأقر (أي النبي) تملك المرأة، وحدد حرية الرجل في تعدد الزوجات، وعدّل أحكام الإرث. في المحصلة، فإنّ ذلك النوع من عدم المساواة الذي كان موجوداً في ذلك المجتمع سار به نحو العدالة بنحو يتناسب وظروف ذلك الزمان، ولو سرنا بهذا النوع من الفرضيات المسبقة، فسيعني ذلك أنّ هذا المقدار من التغييرات التي أحدثها النبي، لا تمثل التغيير النهائي الممكن، إذ إنّ التغييرات هي التي كانت ممكنة وقد تمّت، والرسالة الأساسية التي تؤديها تلك التغييرات هي أنّه لابد من السعي لرفع الأنواع الأخرى لعدم المساواة ممّا فرض على المرأة على مر التاريخ. هذه هي الرسالة العامة التي حملها النبي، كما يقول مجتهد الشبستري.

ومن بين آراء المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله، كما ذكرها في كتاب: “قراءة جديدة لفقه المرأة الحقوقي”، والتي لن نجد لها صدى أو أثر، في إيران، في ظل القمع المتزايد بحق المراة. فيؤكد على أنّه يمكن للمرأة تولي السلطة والحكومة، بل إنّ دليل المنع عن ذلك رواية وردت في كتاب البخاري، إلا أنّها ترجع إلى ظروف خاصة، فلا يمكن تعميم مدلولها، وإضافة إلى ذلك يؤيد القرآن توليها السلطة عبر قصة سليمان وبلقيس. وإذا لم تعهد للنساء أمور السلطة في التاريخ الإسلامي فلا يشكل ذلك دليلاً على المنع، بل كانت أسبابه نابعة من الأعراف والعادات، آنذاك.

وحسب حسين فضل الله، ليس للمرأة أن تتولى فقط سدة القضاء، والاشتغال بالحكم بين الناس في المحاكم، بل لا مانع من أن تصبح (المرأة) مرجعاً للتقليد.

وفي النهاية يقول إنّ آية: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة، من سورة (البقرة: 228)، حاكمة على تمام ألوان العلاقة بين الرجل والمرأة، وأنّ الدرجة التي للرجل على المرأة هي حق الطلاق ومسؤولية النفقة.

يمكن القول إنّ تعاطي الخميني مع المراة كان ازدواجياً وانتهازياً، يريد استمالتها وتوظيفها، لكن في حدود نطاق تبعية تامة لرجاله من المعممين. وهنا جاء التغيير الشامل في البنية القانونية والتشريعية، بل وفي البرامج التربوية والثقافية والإعلامية للتحكم في المرأة. فجرى تعليق ما يعرف بمدونة “الأسرة” وتشمل الكثير من الحقوق النسوية، ومنها الطلاق والحد من تعدد الزوجات وضمان حضانة الطفل. وبدأ العنف الديني ضد المراة بفرض الحجاب وإتاحة الرجل حق التطليق منفرداً فضلا عن التعدد.

باشرت السلطات الإيرانية فرض نمطها على المجتمع، واستعملت أدوات كثيرة لقولبة المجتمع بصبغة جديدة، مثل أسلمة العلوم والمعارف كطريق لأسلمة المجتمع، وكانت تلك الأسلمة مدروسة وممنهجة، حيث اتخذت شكل مشاريع كبرى في الإعلام والإذاعة والتلفزيون، والجامعات والمناهج التعليمية. وكان المقصد من وراء هذه العمليات الممنهجة هو تخليق هوية جديدة ودائمة للمجتمع، وربطه بنظرية ولاية الفقيه المطلقة، والترسيخ لأفكار ومبادئ الثورة، حسبما يوضح محمد الصياد في دراسة بعنوان العلمانية والحوزة: تحولات التدين الإيراني. فقد اعتقد قادة الثورة والنخبة الحاكمة الإيرانية، الدينية والسياسية، أن بإمكان تلك العمليات الممنهجة في أسلمة المجتمع أن تدوم وتستمر وتكفل مجتمعاً متناغماً، ومتجانساً، بهوية واحدة وهموم واحدة. لكن ومع خفوت الهاجس الثوري، ونجاح الثورة في القضاء على معارضيها، وجماعات النفوذ المناهضة لها، وانتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وسقوط الشيوعية بانهيار الاتحاد السوفيتي، وكذلك نشوء أجيال جديدة، لم تشهد الزخم الثوري من مواليد الثمانينات والتسعينات وما بعدهما، علاوة على التطور التقني والمعلوماتي وقفزات التنمية التي شهدها العالم نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، أدى كل ذلك إلى بداية تفكير العقل الإيراني في الواقع المأزوم الذي وصلت إليه الدولة.

وفي دراسة أخرى بعنوان: “موقف النظام الإيراني من المراجع ورجال الدين المخالفين” يقول الصياد إنّه لا نجد الآن صوتاً مسموعاً للمراجع المخالفين لولاية الفقيه، فتحت الضغط المتواصل والإقصاء، السياسي والحوزوي، المستمر اختفوا من الساحة الفقهية الحوزوية، فهم إنّ كانوا موجودين في الحقل العلمي والفلسفي، مثل صانعي وكديفر وسروش، فإنهم منبوذون من الحوزة الرسمية في قم. وقد استطاع نظام الولي الفقيه تأميم الحوزة في قم لصالح خياراته وقراءته للدين والمذهب والسياسة. فقبل مجيء الخميني كان رؤوس الحوزة في قم [شريعتمداري وكلبايكاني ومرعشي نجفي] تابعين جميعا للمدرسة التقليدية والدستورية، ولم يكن أي منهم مؤمناً بالقراءة الخمينية. بيد أنّ الخميني استطاع حسم المعركة بحكم استيلائه على السلطة، وتأميم الحوزة، وتصدر هو وتلاميذه في الحوزة، وانصهرت قم مع الخيار الفقهي الخميني، والقراءة الجديدة الدخيلة على المذهب برمته. وبعد أن كان لرجال الدين في إيران صوت مسموع ما قبل الخميني وكانت الحوزة تمثل جماعة ضغط ديني وسياسي على النظام الإيراني، صارت الحوزة اليوم تابعة للنظام السياسي وصار من حق النظام السياسي أن يمنع الفقيه من التدريس في الحوزة، وصارت الحوزة تلتزم الصمت تجاه رجال الدين المعتقَلين أو المفروض عليهم إقامة جبرية، بخلاف ما كان من نهجها في عهد الشاه نفسه.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete