تكوين
يُثير الجمع بين النِسْوية ونيتشه إشكالًا فلسفيًا حادًا، لأن هذا الجمع يضع الفكر النِسْوي في مواجهة مشروع نقدي شديد الراديكالية، ومشحون في الوقت نفسه بتصورات تراتبية عن الإنسان والقيمة والاختلاف. فقد زَعْزَعَ نيتشه الأسس الميتافيزيقية التي استندت إليها الفلسفة الغربية في بِنائها للحقيقة والذات والأخلاق، وكشف الأبعاد القيمية الكامنة في دعاوى الموضوعية والعقل الكوني والمعيار المجرد. ومن هذه الناحية، بدا حضوره مُهمًا داخل الأفق النِسْوي، لأن النِسْوية لم تتجه فقط إلى نقد أوضاع النساء داخل البِنى الاجتماعية، وإنما اتجهت إلى تفكيك الأنساق المعرفية والأخلاقية التي منحت الهيمنة الذكورية مشروعيتها النظرية.
غير أن موقع نيتشه في هذا السياق يظل موقعًا إشكاليًا. فهو يفتح إمكانًا نقديًا واسعًا لتفكيك الثوابت، ويصوغ في الآن نفسه تصورًا للقيمة يستند إلى القوة والتفاوت والسمو، وهو ما يجعل المرأة والأنوثة والضعف عناصر متصلة بصميم بنائه الفلسفي، لا محض عرضية في هوامش النص. من هنا لا تُختزل علاقة النِسْوية بنيتشه في جمع تعليقاته عن النساء أو في إصدار حكم أخلاقي مباشر عليها، وإنما تتصل بالبِنية التي ينتج من داخلها مفاهيمه عن الإنسان، والحقيقة، والمعيار، والتفاضل.
وقد سارت القراءات النِسْوية لنيتشه في مسارين رئيسين. انصرف المسار الأول إلى فحص أقواله عن المرأة والأنوثة، وساءل طبيعة هذه الأقوال: هل تُقرأ على ظاهرها، أم تُفهم في ضوء أسلوبه القائم على المفارقة والقناع وزعزعة المعنى المستقر؟ واتجه المسار الثاني إلى سؤال أشد عمقًا: ما القيمة النظرية التي يمكن أن تتيحها فلسفة نيتشه للنقد النِسْوي؟ هل يفتح نقده للحقيقة والموضوعية والعقل والذات المستقلة أفقًا فعالًا لمساءلة الإقصاء التاريخي للنساء من الحقل الفلسفي؟ أم أن منطقه القيمي يظل محكومًا ببِنية تراتبية تُعيد إنتاج الاستبعاد داخل تصوره للإنسان والقوة والتفوق؟
وتنبع أهمية هذا البحث من هذا التوتر نفسه. فالمسألة لا تتصل بالدفاع عن نيتشه أو بإدانته، ولا بمحاولة إدخاله قسرًا في أفق نِسْوي جاهز، وإنما تتصل بفحص القيمة النظرية لفلسفته داخل منظور نِسْوي نقدي. فالسؤال الذي يحكم هذا البحث هو: إلى أي مدى يمكن الإفادة من الطاقة التفكيكية في مشروع نيتشه من غير التسليم بالبِنية التراتبية التي تتخلل تصوره للقيمة والاختلاف؟ هنا تتحدد الإشكالية في صورتها الدقيقة: تواجه النِسْوية في نيتشه تصورًا متكاملًا عن الإنسان والمعيار والحقيقة، وتواجه معه حدودها هي أيضًا حين تختبر مفاهيمها عن العدالة والمساواة والذات خارج الأطر المعيارية المستقرة. وقد تأخر تبلور هذا السؤال داخل الدراسات النيتشوية؛ إذ مالت قراءات مبكرة، تحت تأثير تأويلات من قبيل تأويل فالتر كوفمان، إلى التعامل مع ملاحظات نيتشه عن المرأة بوصفها تعليقات عرضية لا تمس البِنية المركزية لفلسفته. ثم فقد هذا الاتجاه حصانته تدريجيًا، وصارت صورة المرأة والأنوثة في نصوصه جزءًا من صُلب الاشتباك الفلسفي والنِسْوي معًا.
وينطلق البحث من فرضية مفادها أن أهمية نيتشه في الأفق النِسْوي لا تكمن أساسًا في أقواله المباشرة عن المرأة، وإنما في قدرته على تفكيك أوهام الحقيقة الثابتة والذات المتعالية والمعيار الكلي. غير أن هذه الإمكانات النقدية لا تنفصل عن حدود داخلية في خطابه نفسه، لأن تصوره للقوة والاختلاف يظل مشدودًا إلى بِناء قيمي لا يخلو من نزوع استبعادي. وعلى هذا الأساس، يتعامل البحث مع العلاقة بين النِسْوية ونيتشه بوصفها علاقة اختبار فلسفي صارم: تختبر النِسْوية فيها حدود الخطاب النيتشوي، ويختبر نيتشه فيها قدرة النِسْوية على إعادة بِناء أدواتها النقدية في مواجهة سؤال الحقيقة والقيمة والإنسان.
ولهذا يعتمد البحث مقاربة تحليلية تأويلية تنطلق من مساءلة البِنية المفهومية في نصوص نيتشه ذات الصلة، وتضعها في حوار نقدي مع أبرز القراءات النِسْوية التي اشتبكت معه، من أجل الكشف عما تتيحه فلسفته من أدوات تفكيك، وعما تفرضه في الوقت نفسه من حدود واعتراضات. وعلى هذا النحو، لا تُقرأ المرأة من هامش المشروع النيتشوي، ولا يُقرأ نيتشه من خارج الإشكال النِسْوي، وإنما يُعاد بِناء موضع الاشتباك بينهما في المستوى الذي تَتَكَوَّنُ فيه مفاهيم الحقيقة، والقيمة، والاختلاف، والإنسان.
ما الذي يجعل نيتشه مقروءًا نسويًا؟
يَظْهَرُ نيتشه في تاريخ الفلسفة بوصفه مفكرًا اقترن اسمه بالهدم وإعادة التقييم. لم ينشغل بوصف العالم كما هو، وإنما انشغل بإعادة بِنائه فكريًا على نحو يضع القيم والمعايير الموروثة موضع مساءلة. ومن هنا تكتسب ملاحظة فؤاد زكريا أهميتها حين يرى أن نيتشه “لم يقف أمام الحياة وجهًا لوجه، وإنما وقف أمام أفكار ومشاكل أحياها في ذهنه؟”[1] تكشف هذه العبارة طبيعة اشتغاله الفلسفي؛ فقد جعل من التفكير نفسه ميدانًا للصدام مع المسلمات. ولهذا وصف نفسه بأنه “عُبُوَّةُ ديناميت.”[2] هو تعبيرٌ دقيقٌ عن وعيه بطبيعة مشروعه بوصفه مشروعَ تقويضٍ وإعادة تقييم.
وترتبط هذه الحدة الفكرية بخلفية تكوينه المبكر. فقد عرف نيتشه المرض مبكرًا، وشهد التدهور الجسدي والنفسي لوالده، ونشأ، كما يذكر عبد الرحمن بدوي، في وسط نسائي بعد وفاة الأب وهو في سن الخامسة.[3] هذه المعطيات لا تصلح لتفسير فلسفته تفسيرًا نفسيًا مباشرًا، لكنها تساعد في فَهْم بعض التوترات الكامنة في خطابه، خاصة ما يتصل بموقفه من الضعف والحنان والقيم المرتبطة ثقافيًا بالأنوثة. وتنبع أهمية هذا الجانب من أن سؤال المرأة عند نيتشه يرتبط بسؤاله الأوسع عن الإنسان، وعن الشروط التي تؤهله للقوة وصنع القيم وتجاوز الوضع القائم.
وتتضح هذه الصورة أكثر في ضوء ما أبرزه دولوز من أن فلسفة نيتشه لا تُفهم إلا عن طريق تعدديتها. فالمعنى عنده غير نهائي، والحقيقة لا تظهر في صورة واحدة، والنص يتحرك باستمرار بين القناع والكشف.[4] لذلك لا تكفي القراءة المباشرة لفهمه، لأن خطابه لا يستقر في مستوى واحد. إنه فيلسوف يجعل من التفسير جزءًا من إنتاج الحقيقة نفسها. ومن هنا تصير قراءته نِسْويًا؛ فالمشكلة لا تتعلق بجمع أقواله عن المرأة، وإنما تتعلق بالبِنية الفكرية التي تُنتج هذه الأقوال، وبالصورة الكُلية للإنسان التي تستند إليها.
وعلى الرغم من أننا لا نستطيع قراءة نيتشه اليوم كما كان يُقرأ لعقود من غير الالتفات إلى ملاحظاته عن النساء وإلى استخدامه لاستعارات الأنوثة والأمومة، فإن القارئ الذي يترصد مثل هذه الاستعارات والملاحظات سيلحظ سريعًا أنها منتشرة في كل كتاباته. فهو يستخدم استعارات وفئات جندرية في جميع نصوصه: استعارات الحمل، والخصاء، والتخنث، ونزع الرجولة، والحمل، والمخاض، والولادة، والقدرة الجنسية، والعجز الجنسي، وغيرها. وما إن ندرك هذا التمفصل الجندري في نصوص نيتشه، حتى يغدو من الصعب تفسير فلسفته من غير الالتفات إلى هذه الملاحظات والاستعارات[5]. وإذا كان نيتشه ينتقد بعض الأنماط بوصفها منزوعـةَ الرجولة أو مُتَخَنِّثَةً، ويمدح أنماطًا أخرى لكونها حبلى أو رجولية، فلا بد إذن من أن نفسر ما الذي يعنيه بالمذكر والمؤنث، وبالأمومي والأبوي.
لهذا لا يمكن تناول نيتشه في هذا البحث عن طريق عرض مختصر أو تلخيص عام. فهو يكتب داخل التوتر، ويصوغ أفكاره بطريقة تفتح النص على تجدد التأويل. والمطلوب هنا هو التوقف عند المحاور التي تجعل فلسفته موضع اشتباك حقيقي مع النِسْوية. فهو يهدم يقينيات راسخة، ويفضح الأقنعة التي تتخفى وراءها السلطة، ويزعزع ادعاءات الحقيقة المكتملة. وفي الوقت نفسه يطرح تصورًا للإنسان محكومًا بمفاهيم القوة والتفاوت والسمو. عند هذه النقطة تتحدد الإشكالية المركزية لهذا البحث: هل تستطيع النِسْوية أن تستفيد من الطاقة التفكيكية في فلسفة نيتشه من أجل مُساءلة الأنساق التي رسَّخت الهيمنة الذكورية، أم أن هذه الفلسفة نفسها تقوم على بِناء قيمي يُعيد إنتاج الإقصاء داخل تعريف الإنسان الجدير بالفعل والقيمة؟
لهذا ظل نيتشه حاضرًا بقوة في التلقي النِسْوي. لم يبقَ محض فيلسوف أطلق أحكامًا قاسية عن المرأة، وإنما تحول إلى نقطة اشتباك فلسفي حول الإنسان، والحقيقة، والقيمة، والسلطة. وقد كشفت القراءات النِسْوية المتعددة أن نصوصه لا تُقرأ من جهة واحدة، لأن فيها إمكانًا نقديًا واسعًا، وفيها أيضًا بِناء تراتبيًا يقاوم كل استقرار تحرري.
وقد التقطت كيلي أوليفر هذا العمق في كتابها كيلي أوليفر Kelly Oliver[6]، في كتابها Womanizing Nietzsche: Philosophy’s Relation to the Feminine، حين رأت أن سؤال المرأة عند نيتشه لا يقف عند صورة المرأة في النص، وإنما يتصل بعلاقة الفلسفة نفسها بما تسميه الأنثوي والأمومي[7]. عند هذا المستوى لم يَعُدْ النقاش حول نيتشه محض جمع لعباراته المتفرقة عن النساء، وإنما صار بحثًا في البِنية الرمزية والمعرفية التي تنتج هذه العبارات وتمنحها معناها. ومن السؤال نفسه انطلق كتابFeminist Interpretations of Friedrich Nietzsche[8] (تأويلات نِسْوية لفريدريك نيتشه) الذي حررته: أوليفر ومارلين بيرسال Marilyn Pearsall[9]، حين طَرح سؤالًا بالغ الدلالة: لماذا بقي نيتشه مُهمًا للنِسْويات رغم سمعته بوصفه مفكرًا معاديًا للنساء؟[10] ويكشف هذا السؤال وَحْده أن نيتشه لم يكن في الفكر النِسْوي موضوعَ رفضٍ نهائي، وإنما موضوعُ تأويلٍ وصراع وإعادة قراءة.
ومن زاوية أخرى، دخلت لوس إيريغاراي Luce Irigaray[11] إلى نيتشه عبر اللُّغة والرغبة والتمثيل في[12]Marine Lover of Friedrich Nietzsche، فقررت مساءلته داخل مساءلة أوسع للخطاب الفلسفي الذكوري. وأبرزت سارة كوفمان Sarah Kofman[13] في Nietzsche and Metaphor[14] أن أسلوب نيتشه ومجازاته ليسا عنصرًا عرضيًا في فلسفته، بل جزءٌ من تكوين المعنى نفسه. ومن هنا اكتسبت كتابته أهمية خاصة في القراءة النِسْوية، لأن التراتب لا يسكن المفهوم وَحْده، ولكن يتسرب أولًا إلى اللُّغة والصورة والاستعارة. وفي امتداد هذا المنحى، رأت واحدةٌ من معاصراته، لو أندرياس-سالومي، أن نيتشه يُعرِّفُ كتابته نفسها بوصفها أنثوية. وقالت إن ثمة شيئًا أنثويًا في طبيعته الرُوحية، وإنه كان يَعُدُّ العبقرية من جنس المؤنث. وفي أفق لاحق، يتخذ جاك دريدا مقاربة مشابهة حين يقترح أن نيتشه يمارس في كتابته عملية مؤنثة[15]. من هنا لم يَعُدْ الطابع المؤنث لفلسفة نيتشه قضية هامشية، بل غدا مسألة نقدية مركزية في دراسات نيتشه وفي الفلسفة النِسْوية. ومن هذا المستوى نفسه، أي من تحويل الأسلوب والتفكيك إلى أداة نقدية، وجدت جوديث بتلر[16] في الإرث الجينالوجي النيتشوي أداة لتفكيك فكرة الذات السابقة على الفعل، وظهر ذلك بوضوح في كتاب Gender Trouble[17]، إذ يُستخدم نيتشه في زعزعة ثبات الهُوية الجندرية ونقد الجوهرانية.
وقد أثار نيتشه، في أفق التلقي النِسْوي، اشتباكًا يتجاوز مسألة المرأة بوصفها موضوعًا مباشرًا، ليمتد إلى الإنسان، والقيمة، والسلطة، وحدود التحرر. وتكشف أوفيليا شوت Ofelia Schutte[18] في كتابها: Beyond Nihilism: Nietzsche without Masks[19]، (ما بعد العدمية: نيتشه بلا أقنعة) لهذا الاشتباك جانبًا مُهمًا من البعد السياسي في فلسفته، حين تربط اختلاف القراءات السياسية له بعدم التمييز بين نموذجين للقوة في أعماله. ومن هنا يتضح أن النقاش حول نيتشه لا ينفصل عن النقاش في الإنسان، والقيمة، والسلطة، وحدود التحرر.
واكتسب هذا المنظور أهمية خاصة لأن بعض محاولات إحياء الفكر النيتشوي كانت تميل إلى إسقاط النخبوية السياسية الواضحة في أعماله. وتشير ليندا مارتن ألكوف Linda Martin ALcoff[20] أن هذه المحاولات لم تمنح سياسة نيتشه تحليلًا نقديًا كافيًا، وأن كتاب ما بعد العدمية: نيتشه بلا أقنعة، كان في وقته من أوائل الأعمال التي تناولت هذا الجانب بإنصاف.[21] ولهذا تبرز أهمية هذا المسار النقدي في إعادة نيتشه إلى ساحة المساءلة السياسية، وفي الكشف عن أن فلسفته لا تُفهم فَهْمًا دقيقًا إذا جرى عزلها عن تصوراته للقوة، والتفوق، وترتيب القيم.
ويتأكد هذا المعنى إذا نظرنا إلى أعمال نيتشه في المرحلة الممتدة من 1883 إلى 1888، إذ تتبلور رؤيته للتغلب على العدمية، وتتضح ملامح نظرية القيم عنده، ويظهر مشروعه في تأكيد الحياة.[22] ففي هذه المرحلة لم يَعُدْ المجاز عنصرًا ثانويًا في خطابه، ولم يَعُدْ القناع محض صيغة أسلوبية، لأن الحقيقة نفسها تصاغ عنده داخل التوتر بين المفهوم والصورة، وبين الفلسفة واللغة الشعرية.[23] ولهذا لا تكفي قراءة نيتشه من زاوية المضمون الفكري وَحْده، لأن كتابته نفسها تدخل في إنتاج المعنى، وتكشف أن الفيلسوف هنا لا يشرح العالم من الخارج، ولكن يعيد تركيبه لُغويًا وقيميًا في آن واحد.
ومن هذا الموضع تحديدًا ظهر نيتشه داخل التلقي النِسْوي مفكرًا إشكاليًا بحق. فقد فهمت ديبرا بي. برجوفن[24] Debra B. Bergoffen هذه العلاقة على أنها علاقة متوترة، لأن نيتشه يمد النِسْوية بأدوات نقدية حادة، وفي الوقت نفسه يقاوم أن يتحول إلى مرجع تحرري مستقر.[25] وهذه الازدواجية لا تعود إلى تردد في القراءة، بل إلى طبيعة نيتشه نفسه. فهو يزعزع الثوابت، ويفكك أوهام الحقيقة، ويكشف أقنعة السلطة، ثم يظل محتفظًا بعناصر تراتبية يصعب تجاوزها بسهولة داخل خطابه عن الإنسان والاختلاف الجنسي.
ومن هنا اتجهت القراءة النِسْوية إليه من زاوية التحرر، لا للبحث عن فيلسوف نِسْوي جاهز، ولا لتبرير أفكاره رغم غموضها، بل للوصول إلى فَهْم نقدي للعلاقة بين رؤاه عن الواقع الإنساني والميتافيزيقي والنفسي والأخلاقي، وللكشف عن الصلة المنطقية بين سياسته ونقده للأخلاق التقليدية. وفي هذا الإطار تظهر أهمية التنبيه إلى سياسة الاقتباس، لأن المفكر الذي ينتقد الغرب من داخله قد يظل حاملًا لبعض مركزيته في الوقت نفسه.[26] ولهذا يصبح السؤال أكثر دقة: كيف يمكن قراءة نيتشه بوصفه مفكرًا نقديًا كبيرًا من غير إعادة تدوير المركزية التي حاول زعزعتها؟ وكيف يمكن الإفادة من أدواته من غير التسليم بالتراتب الذي يتسرب إلى بعض تصوراته عن الثقافة والقوة والإنسان؟
وتذهب برجوفن إلى أن غموض تركة نيتشه هو ما يجعل الاستشهاد به أساسًا تحرريًا أو سياسيًا متينًا أمرًا صعبًا. ومع ذلك، فإن هذا الغموض نفسه هو ما يمنحه قيمة خاصة، لأنه ابتكر طريقة وجودية-فينومينولوجية Phenomenology [27] في التفكير تساعد على تفكيك الواقع الأبوي. كما تلاحظ أن نيتشه يُلَمِّحُ إلى أن الرجال والنساء يرتبطون على نحو مختلف بالمظاهر، والحقيقة، والقيم، وأنفسهم، لكنه لا يتتبع الاختلاف الجنسي على نحو منهجي، ولا يجعل من أسطورة المرأة مسألة أخلاقية أو سياسية مركزية، لأنها تظهر عنده بوصفها أحد المسالك التي تكشف كيف تُبنى أسطورة الواقع وكيف تُخفى لعبة المظاهر.[28] ولهذا فإن الاستفادة النِسْوية من نيتشه لا تتحدد في أقواله المباشرة عن المرأة، ولكن في طريقته في تفكيك الأوهام التي تتخفَّى داخل ادعاءات الحقيقة ذاتها.
ومن هنا اهتمت شوت بنيتشه لا لتبرير أفكاره رغم غموضها، بل للوصول إلى فَهْم نقدي للعلاقة المتبادلة بين رؤاه عن الواقع الإنساني والميتافيزيقي والنفسي والأخلاقي، وللكشف عن الصلة المنطقية بين سياسته ونقده للأخلاق التقليدية. وترى برجوفن أنه إذا لم يُختزل إصرار نيتشه على الاختلاف الجنسي إلى غموض أبوي أو حتمية بيولوجية، وإذا قُرئ هذا الإصرار في ضوء الفرق بين العلاقة المتشككة للنساء بالحقيقة والعلاقة الدوغمائية للرجال بها، أمكن تصور أنه ربما كان سيعيد النظر في موقفه المضاد للنِسْوية لو واجه تيارات نِسْوية معاصرة تقوم على الاختلاف.
وعند هذه النقطة تتحدد قيمة نيتشه داخل هذا البحث. فالمشكلة لا تتعلق بالسؤال عما إذا كان نِسْويًا أم لا، ولا بالبحث له عن موقع جاهز داخل الفكر النِسْوي، لأن الأهم هو استخدام توتره الداخلي في اختبار حدود النِسْوية نفسها وحدود الخطاب النيتشوي معًا. ومن هنا يصبح السؤال: كيف يمكن لمفهومه عن تحول القيم أن يُقرأ من منظور الذين رفضوا الفصل بين المظاهر والواقع؟ وكيف يمكن للنساء، حين يرفضن أن يعشن شكهن بصورة سلبية، أن يفتحن إمكانًا آخر لتقييم القيم خارج المنطق السياسي السائد؟
ويزداد هذا السؤال تعقيدًا إذا أخذنا في الاعتبار أن إصرار نيتشه على الاختلاف الجنسي لا ينبغي اختزاله في غموض أبوي أو حتمية بيولوجية، لأن روايته عن هذا الاختلاف ترتبط، في بعض مستوياتها، بالفرق بين العلاقة المتشككة للنساء بالحقيقة والعلاقة الدوغمائية للرجال بها. ومن هذا المنظور يمكن تصور أن نيتشه، لو واجه تيارات نِسْوية معاصرة قائمة على الاختلاف.[29] ربما كان سيعيد النظر في بعض مواقفه المضادة للنسوية. كما يمكن القول إن مفهومه عن تحول القيم لا يستطيع أن يعيشه إلا من رفضوا التفريق المتقاطع بين المظاهر والواقع، أي المتشككون الذين لا يحولون الشك إلى سلبية، بل إلى أفق جديد للتقييم. [30]وهنا تبرز إمكان أن تُقرأ النساء، في هذا السياق، بوصفهن قادراتٍ على فتح أُسس مُغايرة لتقييم القيم خارج الاستراتيجية السياسية السائدة.
ومن هنا يظهر الدور المُلقى على عاتق الفكر النِسْوي المعاصر في كشف الازدواجية الواضحة في فكر نيتشه. فهو يدعو إلى تقويض القيم التقليدية، ويظل شديد التحفظ فيما يتعلق بأدوار الجنسين. هنا تبلغ الإشكالية ذُروتها: إذا كانت أدوار الجنسين جزءًا من البِناء الثقافي الذي أنتجته القيم السائدة، فلماذا لم تمتد مطرقة نيتشه إليها بالقوة نفسها؟ وهل كانت هذه الأدوار، بوصفها جزءًا من ثقافته، مُحصنة إلى الحد الذي جعل حتى صاحب عبارة موت الإله يعجز عن هدمها؟
المرأة بين الرمز والبناء القيمي:
تكشف كتابات نيتشه عن المرأة ازدواجية واضحة تجعل تأويلها مجالًا مفتوحًا للخلاف. فهو يقدم المرأة، في بعض المواضع، بوصفها جزءًا من ممتلكات الرجل، ثم يعود في مواضع أخرى ليجعلها أكثر وفاءً وحبًا وعمقًا من الرجل. من هنا اتسع نطاق تقييم كتاباته عن النساء، وتعددت المواقف منها على نحو لافت. فقد تراوحت القراءات بين موقف حاد، مثل موقف أوفيليا شوت التي رأت أن نيتشه مناهض للنسوية في موقفه من الاختلاف بين الجنسين ومن المساواة الاجتماعية والسياسية، وموقف أكثر تعاطفًا، مثل موقف ديفيد كريل، (David Krell’s)[31] الذي كان أكثر تعاطفًا مع نيتشه وقال: “إنه شخصٌ يكتب بِيَدِ امرأةٍ، ورأى في كتابات نيتشه إمكانًا مختلفًا يستدعي قراءة أقل مباشرة. وانطلاقًا من هذا التباين، أمكن التمييز بين أربعة مواقف أساسية: من يرى كتابات نيتشه نِسْوية في جوهرها، ومن يعدها مفيدة للنِسْوية جزئيًا، ومن يؤكد أنها كارهة للنساء على نحو لا يقبل الإصلاح، ومن لا يرى أي صلة معتبرة بين نيتشه والنِسْوية. ويكشف هذا التعدد أن السؤال المتعلق بالمرأة عند نيتشه لا يُحسم بردّه إلى موقف واحد بسيط، لأن نصوصه نفسها تفتح هذا التوتر وتعيد إنتاجه.”[32]
عبّرت كاثلين جيه وينينجر (Kathleen J. Wininger)[33] عن هذا التردد التأويلي حين أشارت إلى أن نيتشه “كان أصيلًا على نحو مدهش في جوانب كثيرة، مع بقاء نظرته إلى النساء مصدر خيبة وتأويل متضاد؛ إذ قرأ بعضهم أقواله بوصفها امتدادًا لكره النساء التقليدي، في حين وجد فيها آخرون استخدامًا لاستعارات أنثوية غير مألوفة، بل ومفيدة.”[34] عند هذا المستوى لا يعود السؤال: هل نيتشه مع المرأة أم ضدها؟ لأن هذا السؤال على أهميته، يبقى أقل دقة من سؤال آخر: ما موقع المرأة داخل البِنية الفلسفية التي يقيمها نيتشه حول القوة والقيمة والاختلاف؟
ومن هنا برزت محاولة فالتر كوفمان في الدفاع عن نيتشه، حين رأى أن أحكامه على النساء ليست ذات صلة فلسفية حاسمة، وأنها أقرب إلى تصريحات إنسانية أو شخصية يمكن رد بعضها إلى تجارِبه الخاصة.[35] غير أن أوفيليا شوت اعترضت على هذا الفصل، ورأت أن التصريحات المتعلقة بالمرأة، والطبقة العاملة، وحاجة الطبقة المتميزة إلى العبيد، ليست آراء معزولة عن بنائه الفكري، لأنها ترتبط منطقيًا بمفاهيم مركزية يُشاد بها عادة في فلسفته، مثل التمييز بين الإنسان الأعلى والقطيع[36]. ومن هنا يغدو عزل الجانب الملموس من خطابه عن بِنيته التجريدية ضربًا من التخفيف التأويلي الذي يفقد فلسفته تماسكها الداخلي بدل أن يفسرها.
وعند هذه النقطة تبرز المرأة في خطاب نيتشه بوصفها تمثيلًا ذكوريًا، لا حقيقة قائمة بذاتها. وهذا ما التقطه فرانسيس أوبيل (Frances Oppel) في كتابه ((Nietzsche on Gender حين رأى أن نيتشه يعتمد على الثنائيات الاجتماعية الموروثة، مثل الخير والشر، والعقل والجسد، كي يكشف أن الصفات المنسوبة إلى المرأة ليست جوهرًا ثابتًا فيها، وإنما نتائج لصورة يصوغها الخيال الذكوري ويفرضها عليها.[37] ويؤكد نيتشه هذا المعنى حين يقول في العلم المرح: “فالرجل هو من يخلق لنفسه صورة المرأة، والمرأة تصنعُ نفسها وَفْق هذه الصورة.”[38] وتنبع أهمية هذه العبارة من أنها تكشف آلية بِناء صورة المرأة، حتى حين يظل نيتشه نفسه واقعًا داخل بعض آثارها.
غير أن هذا الكشف لا يحرر خطابه من التناقض. فهو يشكك في بعض الهياكل الاستبدادية في الثقافة الغربية، لكنه لا يهدم جميع صور الاستبداد، كما تؤكد شوت. أنه لم يبدّد جميع أنواع الاستبداد، فدفاعه عن حق الأعلى في استغلال الأدنى، عبر هياكل سلطة يراها ملائمة، يمتد إلى فَهْمه للعلاقات بين الرجال والنساء[39]. من هنا يتبدَّى التناقض بين تأكيده المقصود للحياة وبين المضمون الرجعي الذي تتخذه بعض تصوراته السياسية والاجتماعية. وقد أصابت شوت حين ربطت بين المثالية الذكورية والثقافة السائدة ونظام الاستغلال السياسي والقمع النفسي، لأن فكرة الإنسان الأعلى تكشف، في أحد وجوهها، منطق الهيمنة الأبوية في صيغته الأكثر صراحة.[40] وعلى كل فقد حاول نيتشه مقاومة التأثيرات الديمقراطية في العصر الحديث والسعي إلى نظام أنقى للهيمنة الأبوية تحت راية التغلب على شرور الأنوثة، مع تأكيدها أن الحسم في المستقبل السياسي والأخلاقي يظل شأنًا يخص من يقرؤون نيتشه اليوم، لا شأنًا يملكه نيتشه نفسه.[41]
ومع ذلك لا يمكن اختزال نصوصه في إدانة أحادية. فبعض أقواله تتيح قراءة مغايرة، خاصة حين يربط التفوق بقوة الإرادة لا بالتعليم الموروث أو الامتياز الاجتماعي وحده. لذلك يمكن القول إن نيتشه، حتى وهو يعيد إنتاج صور تقليدية عن المرأة، يكشف في الوقت نفسه عن الآلية التي صنعت هذه الصور وثبّتها. وهذه الازدواجية نفسها هي ما يجعل الاشتباك معه ضروريًا، لأن خطابه لا يكتفي بوصف المرأة، وإنما يكشف أيضًا الشروط التي جعلت هذا الوصف ممكنًا.
يسخر بعضهم من القول إن نيتشه لم يكن معنيًا بتعليم المرأة الحديث، مستندين إلى قوله: “إن أكثر النساء سلطة ونفوذا في العالم ووالدة نابليون لا يُدن بسلطتهن وتفوّقهن على الرجال للمدرّسين، لقوة إرادتهنّ بالذات.”[42] غير أن هذا النص لا يُقرأ بسهولة بوصفه انتقاصًا مباشرًا من المرأة، لأن منطقه الأعمق يتصل بإعلاء الإرادة والاستقلالية والقدرة على تجاوز الامتثال. ومن هذه الجهة تحديدًا يمكن القول إن بعض عناصر فلسفته تُحسب له لا عليه، ما دام يربط القيمة بالقدرة على الخروج من سياسة الانصياع. وهو ما ينسجم مع قوله: “لا يمكن أن يُحْتَرم حقًا إلاّ ذاك الذي لا يبحث عن ذاته.”[43] وفي هذا المستوى لا يبدو نيتشه مكتفيًا بإعادة إنتاج صورة المرأة، وإنما يكشف أيضًا آلية بنائها، حتى وهو يظل واقعًا داخل حدودها.
ومن هنا يُمكن فَهْم بعض نصوصه بوصفها دعوة غير مباشرة إلى انتزاع الذات من الصور التي فرضتها الممارسات الإقصائية والإرث الذكوري المتراكم. فالمسألة لا تتعلق فقط بما قيل عن المرأة، وإنما بما يمكن أن تفعله المرأة إزاء هذه الصورة حين تعيد بِناء نفسها خارج ما رُسم لها سلفًا. وعند هذه النقطة تكتسب عبارته الآتية دلالة أوسع من ظاهرها الفردي: “فالمرء ليس عنده من شيء أفضل يستطيع القيام به هو من يزجّ بنفسه في معركة ضد مساوئ العالم في هيئة الجندي المقاتل من أجل الثقافة.”[44] فالمعنى هنا لا يقف عند تمجيد الإرادة المجردة، وإنما يفتح إمكانًا لقراءة الذات بوصفها مشروعَ مقاومة، لا محض موضوع خاضع للتحديد الخارجي.
ويزداد هذا الاشتباك عمقًا حين ننتقل من صورة المرأة في الخطاب العام إلى ما يمكن تسميته بسيكولوجيا الاختلاف الجنسي عند نيتشه. فهو ينسب “الوفاء إلى حب المرأة، أمَّا الحب عند الرجل ليس سوى امتلاك، وهذا الامتلاك الذي لا يعترف به إلا نادرًا، هو الذي يُوجد الحب عنده، فالرجل لا يقبل بسهولة أن يتبقى للمرأة شيء تتخلى له عنه.”[45] ثم يضيف “فهو يريد تملك المرغوب فيها تملّكا يقتصر عليه وحده، يريد أن يمارس سلطة مانعة على روحها، كما على جسدها،[46] وفي ضوء هذا التصور لا يكتفي نيتشه بالتمييز بين الرجل والمرأة على المستوى الاجتماعي أو الثقافي، وإنما يبني لكل منهما تكوينًا نفسيًا وقيميًا مختلفًا. فالمرأة، في هذا التصوير، تمنح الجسد والرُوح في الحب من غير تحفظ، في حين يتحول الرجل، إذا أحب على هذا النحو، إلى عبد. ومن هنا جاء رفضه الصريح للمساواة بينهما في الحب، لا لأن أحدهما أعلى من الآخر في قيمة مجردة، وإنما لأن كلًّا منهما يقصد بالحب شيئًا مختلفًا في الجوهر.
ولهذا يقول بوضوح: “لن أقبل أبدًا أن يتكلم الناس عن مساواة حقوق الرجل والمرأة في الحب، فهذا شيء غير موجود، بمعنى أن الرجل والمرأة يَقْصِدُ كلُّ واحدٍ منهما شيئًا مختلفًا بكلمة حب، فما تعنية المرأة بالحب واضحًا جدًا، عطاء الجسد والرُوح الكامل ليس التخلي فقط دون تقييد ولا تحفّظ، لكن الرجل الذي يحب مثل المرأة يصير عبدًا؛ لكن المرأة التي تحب كامرأة تصير بذلك المرأة الكاملة.”[47] وتكشف هذه الصياغة أن نيتشه لا ينظر إلى الحب بوصفه تجرِبة متقابلة ومتماثلة، وإنما بوصفه ميدانًا ينكشف فيه اختلاف البِنية النفسية بين الجنسين. فالمرأة الكاملة[48] بحسب هذا المنطق، ليست صورة عاطفية رخوة، وإنما صورة قصوى للكثافة الوجدانية والاكتمال في العطاء، حتى إن هذا الاكتمال نفسه يغدو مصدر سطوة على الرجل، لا علامة ضعف أمامه.
ومن هذا المنظور نفسه يواصل نيتشه بِناء سيكولوجيته للاختلاف الجنسي حين يقول: “تؤمن المرأة بأن الحب قادر على كل شيء ذاك هو إيمانها الفعلي”[49] لذلك تبدو المرأة، في نصوصه، أكثر عرضة للمعاناة والعطب، وأكثر حاجة إلى الحب، وأكثر اقترابًا من التجرِبة الوجودية بوصفها انكشافًا على الألم. ولهذا يكتب أيضًا: “بهاذين الإحساسين وقف الرجل حتى الآن أمام المرأة، دائما على حافة التراجيديا التي تُسحر وتُمزق معًا.”[50] عند هذه النقطة يصبح رفض المساواة بينهما في الحب نتيجة منطقية داخل بنائه النفسي، ولهذا يقول: ولذا يرفض المساواة بينهما في الحب فيقول: “إن الآمال العريضة التي تعقدها النسوة على الحب الجنسي وحياءها في هذه الآمال يفسد عليها كل الأفاق سلفًا”.[51] فالحب عند المرأة، في هذا السياق، ليس علاقة جزئية أو عابرة، وإنما انخراط كلي يفتحها على أقصى إمكانات العطاء وأقصى احتمالات الانكسار في آن واحد.
ومن هنا لا يعود الانتقام عند نيتشه نقيضًا للحب، وإنما صورته المنقلبة تحت وطأة الجرح. فالحب الذي يمنح المرأة كثافته القصوى هو نفسه الذي يفتح فيها إمكان الرد العنيف إذا انقلب إلى خذلان أو إذلال. لذلك يحذر الرجل من المرأة إذا حقدت، ويكتب أن “المرأة في الانتقام والحب، أكثر بربرية من الرجل.[52]” ويقول أيضًا: “لكن ليحذر الرجل المرأة إذا حقدت، فالمرأة سيئّة في العمق، أما الرجل في أعماق نفسه خبيث”[53]. تستمد هذه الصياغة معناها من البِنية النفسية نفسها التي أقام عليها نيتشه تصوره لحب المرأة؛ فعمق التعلق هو ما يفسر عنده عمق الجرح، وعمق الجرح هو ما يفسر شدة الرد. فبهذا التأويل لا يعود السوء حكمًا جوهريًا على المرأة. وهكذا يخرج نيتشه من التوصيف الأخلاقي المباشر إلى بِناء سيكولوجي يربط الحب والوفاء والألم والانتقام داخل منطق واحد.
وعند هذا الحد يصبح تعليق شوت أكثر وضوحًا، لأنها تلفت النظر إلى أن الاختلاف بين الرجل والمرأة عند نيتشه لا يقف عند حدود الوصف النفسي، وإنما يتحول إلى علم نفس معياري يوزع الأدوار والقيم والمواقف على نحو غير متكافئ. ولهذا تقول: “إن المعايير المزدوجة للأفكار والمشاعر تفصل النساء والرجال في علم النفس المعياري حسب نيتشه للاختلاف بين الجنسين.”[54] وبهذا المعنى لا تعود سيكولوجيا الحب عند نيتشه محض تحليل للعاطفة، وإنما تغدو جزءًا من بِناء أوسع للاختلاف الجنسي، بِناءٍ يُفسر فيه المرأة والرجل نفسيًا، ثم يعيد ترتيب موقعيهما قيميًا داخل تصور أشمل للحياة والقوة والهُوية.
الزواج والجنس والتسامي:
بعد أن ظهر موضع المرأة في خطاب نيتشه بوصفها بِناء رمزيًا وسيكولوجيًا متوترًا، تنتقل الإشكالية إلى مستوى أكثر التصاقًا بالبِنية الاجتماعية والأخلاقية، أي إلى الزواج والجنس وتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة. ففي هذا المستوى لا تعود المرأة موضوعًا للتمثيل فقط، وإنما تصبح جزءًا من تصور أشمل للعائلة، والرغبة، والسلطة، والتراتب. ومن هنا تكتسب أفكار نيتشه عن الزواج أهميتها الخاصة، لأنها تكشف أن منطقه في الاختلاف بين الجنسين لا يقف عند حدود الوصف، وإنما يمتد إلى تنظيم العلاقة بين الطرفين داخل مؤسسة يحمّلها دلالات أخلاقية وقيمية تتجاوز الحياة الخاصة إلى تصور أوسع عن النظام والانحطاط والرتبة.
وقد استخلصت شوت من أفكاره عن الزواج عنصرين رئيسين للقمع: أولهما ما سمته بمفهوم الزواج العقلاني، أي إخضاع العاطفة لمنطق الضبط، وثانيهما تثبيت الهيمنة المطلقة للرجل على المرأة؛ لأن الغرائز الذكورية، في هذا التصور، تُحيل إلى العقلانية، في حين تُردّ الغرائز الأنثوية إلى العاطفة. ومن هنا تبدو تفضيلاته واضحة حين يجعل الزوج مركز القوة في الزواج، ويرى أن الزواج المنحط يعرج على كلتا الساقين، وأن الزواج ينبغي أن يكون أبديًا، وأن اختيار الزوج يجب أن تُمليه البِنية السلطوية للعائلة[55]. لذلك لا يتجه اعتراضه إلى الزواج في كونه مؤسسة، وإنما إلى صورته الحديثة التي يراها منفصلة عن الانضباط والتراتبية والاستمرار. وعلى هذا الأساس تستنتج شوت أن نيتشه كان يعترض على الحداثة في الزواج، لا على الزواج نفسه.
وعلى الرغم من أن تصريحاته حول قمع المشاعر تبدو غير متسقة نفسيًا مع تعاسة تجرِبته العائلية، ولا تنسجم تمامًا مع دفاعه عن العفوية، فإنها لا تتعارض مع آرائه الفلسفية عن الحداثة والانحطاط وترتيب الرتبة وإشكالية الجنسين وسيكولوجية الهيمنة. فنيتشه يعلن عدم رضاه عن الزواج الحديث.[56] ويطرح في المقابل تصورًا خاصًا للمبادئ التي ينبغي أن تقوم عليها مؤسسة الزواج. ومن هنا تقول شوت إنه ينتقد طريقة الزواج لا الزواج نفسه. ويظهر هذا التوجه في قوله: “نزوات جنون عابرة كثيرة، ذلك تسمونه حُبًا، ثم يأتي الزواج حماقة دائمة تضع حدًا لكل النزوات العابرة”.[57] فينبغي، حين يعقد الزواج، أن يطرح المرء على نفسه هذا السؤال: هل تعتقد أنه بإمكانك التحدث بلطف مع هذه المرأة حتى سن الشيخوخة؟ كل الأشياء الأخرى في الزواج عابرة، أما الحديث فيكاد يشغل كل الوقت.[58] هذا النص لا يعامل الحب بوصفه أساسًا كافيًا للزواج، وإنما يربط الزواج بقدرة أطول على الاحتمال والمصاحبة والتماسك.
ويتأكد هذا المعنى حين يقترح نيتشه سلسلة من الأسئلة على من يُقبل على الزواج: “أنت شاب وترغب لنفسك في زواج وبنين، لكنني أسألك: هل أنت بالإنسان الذي يحق له أن يرغب لنفسه في ولد؟ هل أنت المنتصر على نفسك، المتملك بحواسك وسيد فضائلك؟ أم ترى الحيوان هو الذي يتكلم من خلال رغباتك؟ أم هي الوحدة؟ أم عدم رضى عن نفسك؟ أريد أن تكون حريتك ونصرك هي التي تَتَوَّقُ إلى توليد معالم حيّة ينبغي أن تشيّد لانتصارك ولتحررك. ليس نموًا وتكاثرًا فقط هو المطلوبُ منك، وإنما ارتقاءٌ، وستساعدك حديقة الزوجية على ذلك![59] فالزواج هنا لا يُفهم بوصفه إشباعًا مباشرًا للرغبة، بل اختبارٌ للسيادة على النفس، ولأهلية الإنجاب، ولإمكان الارتقاء. ومن هنا أيضًا يكتب: “في الغالب تفوق الشهوانية نمو الحب سريعًا، فتبقي جذوره ضعيفة وسهلة الاستئصال”،[60] ثم يحذر من العقد السيئ بقوله: “فلتعلموا على ألا يكون عَقدا سيئًا! فأنتم تعقدون بسرعة؛ وتكون النتيجة بالتالي: انفراط الرابطة الزوجية، وإن كسر رابطة زواج لأفضل على أيه حال من زواج معوجّ وزواج كاذب! [61] وهذه النصوص كلها تجعل الزواج عنده جزءًا من اقتصاد أخلاقي ونفسي يحكمه سؤال القوة والانضباط والاستمرار.
ومع ذلك لا يقدم نيتشه موقفًا واحدًا بسيطًا من هذا الموضوع. فشوت نفسها تشير إلى أن آراءه على تباينها، تكشف نمطًا منطقيًا يمكن تتبعه. ولهذا تلفت النظر إلى ملاحظة غير منشورة يشير فيها إلى إمكان زواج قصير الأجل، لسنوات أو لشهور أو لأيام، بوصفه بديلًا للدعارة ووسيلة لميلاد مزيد من الأطفال في المجتمع. وفي هذه التراتبية لا يرتبط الجنس بالمحبة ارتباطًا ضروريًا، وتُرى النساء على نحو صريح بوصفهن وسيلة لتلبية احتياجات الرجل الجنسية قصيرة الأمد، وكذلك حاجة المجتمع إلى الأطفال.[62] وعند هذه النقطة يتضح أن الزواج لا يخرج دائمًا في فكر نيتشه، من الأفق الأداتي الذي يجعل المرأة جزءًا من بِنية استعمالية أوسع.
ومن الزواج ينتقل الإشكال إلى الجنس نفسه، أي إلى الموضع الذي تتواجه فيه الرغبة مع الدين والأخلاق والزهد. وفي هذا السياق يوجه نيتشه نقده إلى المسيحية لا بوصفها عقيدة رُوحية فحسب، وإنما بوصفها بِنية تُنتج الطاعة وتُعيد خَلْق الوعي على أساس الذنب وإنكار الحياة. ولهذا يقول: “إن الإنجيل يعطي تأكيدًا محضًا بحكمة إلهيه تشرق على مصير الإنسان، فإذا ارتدنا إلى الواقع نجده محكومًا من جانب غير المناسبين والحمقى ممن يُسمون بالقديسين أولئك الذين يشوهون العالم ويطعنون الإنسانية”.[63] تكشف هذه العبارة أن اعتراضه لا ينصرف إلى مضمون الإيمان وَحْده، وإنما إلى أثره في الحياة نفسها؛ فالمسيحية، في أفقه، لا تنتج قوة، وإنما تُنتج خضوعًا، ولا تُحرر الإنسان، وإنما تَدْفعه إلى قبول عالم مشوّه باسم الخلاص. وعلى هذا الأساس يغدو الدينُ أداة لإعادة إنتاج الامتثال، لا أفقًا لتغيير الشروط الأرضية للوجود. وفي هذا المعنى تحديدًا تفهم شوت نقده بوصفه كشفًا لما تسميه «الحل الوسط» المسيحي، إذ تُترك الطبقات المتميزة خارج منطق الخدمة الفعلية للعقيدة، وتُربط الفئات المحرومة بالطاعة في هذه الحياة في مقابل وعد بالخلاص في حياة أخرى.[64].
ولا يقف نيتشه عند حدود بيان هذا الأثر الأخلاقي والسياسي، بل يمضي إلى الأثر المعرفي أيضًا؛ لأن النسق الذي يبني الإنسان على الإيمان والطاعة لا يكتفي بإضعاف الإرادة، وإنما يَحُدُّ من قدرة العقل نفسه على الفعل[65]. ولهذا ينسجم مع ما ينقله كوفمان من أن “التركيز الجديد على الإيمان لا يعني فقط نفي الممارسة المسيحية، ولكن أيضًا الشلل الجزئي للعقل، الإيمان بوصفه ضرورة هو الفيتو ضد العلم [66]“. ومن هنا لا يغدو نقد نيتشه للمسيحية نقدًا موجَّهًا إلى التدين بوصفه شعورًا فرديًا، بل إلى بِنية كاملة تجعل الجسد محل ريبة، والعقل محل تعطيل، والحياة الدنيا محض ممر إلى عالم آخر. وفي هذا السياق تأتي ملاحظة شوت حول الأصوليات الدينية لتؤكد نتيجة كامنة في منطق نيتشه نفسه، إذ ترى أن هذه الأصوليات لا تحرر العقول، وإنما تزرع فيها الإحساس بالذنب والخوف، وتحظر ما يخرج على معتقداتها الجامدة، وهو ما يجعلها مُعِيْقَةً لأي أفق ديمقراطي أو نقدي.
ومن هنا يكتسب استدعاء لوثر وصكوك الغفران معناه داخل الفقرة، لأن المسألة لم تَعُدْ فقط فكرة عن الدين، وإنما مثالٌ تاريخي على الكيفية التي يتحول بها الخلاص إلى آلية سلطة ومقايضة. فنقلًا عن عبد الرحمن بدوي: “لقد كان البابا في أشد الحاجة إلى المال ولم يجد سبيلًا للحصول عليه إلا ببيع صكوك الغفران.”[67] ويعترض مارتن لوثر قائلًا: “فكان يجب أن يُعلم المسيحي أن إخراج الصدقات للفقراء والمحتاجين خير من شراء صكوك الغفران، ويقول أيضًا، أن الإبراء من الخطايا سواء سرًا أو علنًا يسرى فورًا، لأن الغفران غير مشروط.”[68] ثم يتصاعد اعتراضه حتى “أصدر بيانًا يحتوى على خمس وعشرين قضية ضد صكوك الغفران، وصار لوثر يهاجم النظام المسيحي، فصدر قرار بنفيه من سائر بلاد الإمبراطورية الألمانية”[69]، وتأتي الحكاية الساخرة عن ” شراء جهنم”.”[70] لتعرية منطق المقايضة الدينية كله. وعند هذه النقطة يتضح سبب استدعاء لوثر هنا: لأنه يكشف تاريخيًا ما كان نيتشه يكشفه فلسفيًا، أي أن الدين حين يتحول إلى بِنية سلطة يفقد معناه الرُوحي ويغدو أداة للسيطرة على الوعي والمصير. ولهذا يرد أيضًا قول لوثر: “يجب على الفلسفة أن تَقْنَعَ بالبحث في المادة وفي الكيفيات الأولية والثانوية، وأن تقوم بالتمييز بين الأغراض والجوهر”[71].
وعلى هذا الأساس لا يكون نيتشه بعيدًا عن هذه الإحالات، وإنما يظل مركزها الخفي والمباشر معًا؛ لأن اعتراضه ينصب على الآلية التي يُبنى بها الوعي حين يُفصل عن الجسد، ويُربى على الطاعة، ويُدار عبر الرمز الديني أكثر مما يُدار عبر الفعل الحر. ولهذا يرى كوفمان أن هذا الجانب لا يمكن استبعاده من فلسفة نيتشه، لأنه يمس مضمونها المركزي، ويقول: “لا يمكن للمرء أن يفهم ما يعنيه نيتشه إذا لم يقرأ لوثر من يريد أن يكون مسيحيًا يجب أن يمزق عقله، إن عقل وحكمة جسدنا يدينان حكمة كلمة الله.”[72] ومن هنا يمكن فَهْم الوعي الجمعي بوصفه وعيًا مشحونًا بالرموز، يستخدم الرمز في بِناء رؤية العالم وتحفيز الفعل، وهو ما يفسر استمرار أثر البِنية الدينية في الوعي والسلوك معًا[73]. وهكذا يظل نقد نيتشه للمسيحية متصلًا من البداية إلى النهاية بسؤال الحياة نفسها: كيف تُشَوَّهُ الحياة حين يُعاد تفسير الجسد بوصفه موضعًا للذنب، ويُعاد تفسير الخلاص بوصفه طاعة، ويُعاد تفسير المعنى بوصفه انتظارًا لا خلقًا؟
الذاكرة والعَوْد الأبدي
يطرح نيتشه في جنيالوجيا الأخلاق أن الذاكرة البشرية لم تَتَكَوَّن في فضاء بريء أو محايد، وإنما تكوّنت عبر القسوة والعقاب وتعزيز الألم. ولهذا يربط بين التضحيات والنذور الأكثر هولًا، ومنها نذر الولد البكر، والتشويهات الأشد فظاظة مثل الإخصاء، والممارسات الطقوسية للشعائر الدينية، ليردّها جميعًا إلى أصل واحد يتمثل في أن الإنسان لم يتعلم أن يتذكر إلا تحت وطأة الألم.[74] ومن هنا لا تظهر الذاكرة عنده ظهورَ قدرةٍ ذهنية خالصة، وإنما أثرًا من آثار تاريخ طويل من التكوين والإخضاع. وعلى هذا الأساس تكتسب الجنيالوجيا أهميتها في فكره، لأنها لا تبحث عن أصل صافٍ للأخلاق، بل تكشف أن ما يبدو طبيعيًا أو راسخًا في الوعي هو في الحقيقة حصيلة تاريخ من القسر والترسيب والعقاب. وفي هذا السياق، تلتقط شوت دلالة هذا التصور حين ترى أن المُهمة الأولى للذاكرة، في أفق نيتشه، “هي توجيه البشر إلى التكيف مع الظروف التي تضمن بقاءهم، وهو ما يعني ضمنًا أن الذاكرة نفسها شُرطت على العمل تحت منطق التغاير لا تحت مبدأ الهُوية الثابتة”.[75] ومن هنا أيضًا تظهر قيمة نيتشه الجنيالوجيا، لأنه يهدم المنطق القائم على مبدأ الهُوية، ويكشف أن ما يُقدَّم بوصفه جوهرًا ليس إلا نتيجة تاريخية قابلة للمساءلة.[76]
ومن الجنيالوجيا ينتقل نيتشه إلى واحدة من أكثر أفكاره إشكالًا واتساعًا، وهي فكرة العَوْد الأبدي. ففي هو ذا الإنسان (Ecce Homo) يروي أنه توصّل سنة 1881 إلى أكثر أفكاره إلهامًا، أي إلى فكرة العَوْد الأبدي لكل شيء.[77] وفق هذا المنظور، لا تُعاش مرة واحدة ثم تُطوى، وإنما تُفكر كما لو أنها ستتكرر إلى الأبد من غير أن ينقص شيء من مجموعها أو يزيد. ولهذا تتصل الفكرة عنده أيضًا بفكرة التراكم البعيد، وبأن الطبائع السامية ليست معطى آنيًا، وإنما حصيلةُ تجميعات طويلة وطبقات متراكبة من التكوين.[78] ومن هنا لا يعود الماضي عبئًا يقف ضد الحاضر والمستقبل، وإنما مادة لإعادة الامتلاك، بحيث يستطيع الإنسان أن يقول للماضي نفسه: هكذا أردته. وفي هذه النقطة بالذات تتحدد قوة الفكرة النيتشوية: إنها لا تطلب من الإنسان إنكار ما وقع، وإنما تطلب منه أن يبلغه على نحو يجعله قادرًا على احتماله وإعادة توقيعه بإرادته.
غير أن هذا التصور، على قوته الفلسفية، لا يمر من غير اعتراض. فشوت ترى أن قبول العَوْد الأبدي بوصفه حقيقة يجعل الإنسان غير حر من الماضي، لأن نيتشه نفسه قبل هذا الاعتقاد بسرور بوصفه علامة على أن الحياة قد تأكدت تمامًا وأن العدم قد انهزم، ثم ازداد اهتمامه بإعداد البشرية لتقبل هذه الفكرة.[79] ومن هنا تقترح أن ما يعنيه بقدرة الإرادة على التراجع يمكن أن يُقرأ بوصفه تحريرًا للذاكرة. غير أن اعتراضها الأهم ينصرف إلى أن المفهوم الأخلاقي المركزي للعَوْد الأبدي ليس مفهومًا قابلًا للتعميم؛ لأن الذين عاشوا صورًا عنيفة من المعاناة لا يمكن أن يُطلب منهم أن يرغبوا في عودها الأبدي. وتنبع قوة هذا الاعتراض من أنه يكشف حدًّا داخليًا في نزعة نيتشه إلى تأكيد الحياة: فليست كل صور المعاناة نبيلة وليست كل حياة قابلة لأن تُعاد إرادتها بالدرجة نفسها [80]. ومع ذلك يبقى نيتشه هنا هو مركز الإشكال، لأن السؤال الذي يفرضه لا يتعلق بالماضي وَحْده، وإنما بقدرة الإنسان على أن يعيش من غير كراهية للحياة، ومن غير تعليق للمعنى على وعد يتجاوزها.
ومن هذا الموضع نفسه يتصل التفكير في الذاكرة والعَوْد الأبدي بسؤال الجنس والتسامي. فنيتشه لا يرى في الدافع الجنسي عنصرًا دنسًا أو نقصًا أخلاقيًا، بل يرى أن المسيحية هي التي دنسته حين جعلت من الجسد موضع ريبة ومن الرغبة موضع ذنب. ولهذا يقول: “وَحْدها المسيحية بضغينتها العميقة ضد الحياة هي التي جعلت من الجنس دنسًا: لقد لطخت بالوحل شرط حياتنا الأول.”[81] كما يصر على أن اليونانيين كانوا يرون الرمز الجنسي (الرمز الموقر بامتياز)، وأن المسيحية وَحْدها هي التي ألقت القذارة على الأصل.[82] ومن هنا لا يطرح نيتشه الجنس من داخل أخلاق الكبح، وإنما من داخل منطق التسامي: فالرغبة قوة أولية لا تبلغ معناها إلا إذا أُعيد صناعتها وارتفعت عن صورتها الخام. لذلك يعتقد أن الرجل الذي لا يمتلك دوافع لا يستطيع أن يفعل الخير أو يخلق الجمال، وأن صاحب الدوافع القوية قد يبدو شريرًا ما دام لم يتعلم بعد كيف يسمو بدوافعه، غير أن اكتساب ضبط النفس قد يفتح أمامه طريق العظمة. ولهذا فإن التوتر بين زهد العواطف والسيطرة عليها لا يُمَثِّلُ تناقضًا عرضيًا في فلسفته، وإنما يكشفُ أحد أعقد مواضعها: رفض إنكار الحياة، مع رفض الاستسلام الفوضوي للدافع في صورته الأولى.
وفي هذا السياق يظهر سؤال المرأة من جديد بوصفه جزءًا من الكيفية التي تُنظم بها الرغبة وتُوزع بها المواقع داخل منطق الاختلاف. ولهذا نصل إلى ما يمكن تسميه بسيكولوجية Gender في فلسفة نيتشه، فتحدد خيارين سائدين للتعامل مع النساء: إما الاتصال بهن من داخل المفهوم المعياري للجنس، وإما الابتعاد عنهن حيث يبلغ الرجل لحظات القوة الرُوحية الخارقة.[83] غير أن هذا التحديد على أهميته، لا يستنفد نص نيتشه كله؛ لأن نيتشه لا يدافع عن الزواج لغايات المتعة الجنسية وَحْدها، كما لا يقبل قمع الجنس على الطريقة المسيحية. الذي يشغله أعمق من هذا: كيف تتحول الرغبة إلى قوة قابلة للتكوين، وكيف يُعاد ترتيبها بطريقة تصبح فيها عنصرَ خلقٍ لا عنصر انحطاط[84]. ومن هنا لا يكون التسامي عنده إلغاءً للرغبة، بل إعادة تنظيم لها داخل أفق القوة والقيمة.
إقرأ ايضاً: نيتشه في الأفق النِسْوي المعاصر: الإمكان والحدود
وعند هذه النقطة تبرز فلسفة المسافة. فالمسافة في أفق نيتشه، ليست محض بُعْدٍ مكاني أو نفسي، وإنما عنصرٌ مكوّن لإرادة القوة، وعنصر مُحرك تتحدد به المكانات والتراتب التفاضلي. ولهذا ترتبط المسافة عنده بسؤال القيم نفسه، لأن الإنسان هو الذي ابتدع القيم من أجل البقاء.[85] ومن ثم لا يمكن فَهْم العلاقات الإنسانية خارج التوتر بين القرب والاختلاف، وبين الرغبة والرتبة، وبين الحاجة إلى الآخر والحفاظ على مسافة منه. ومن هنا يفهم بعض النسويين أن النساء يُدفعن إلى الاحتفاظ بمسافة لا يملكن اختيارها كاملًا، لأنهن يُجبرن على أنثوية أبدية، ويُحتقرن بوصفهن أجسادًا تذكر بالحدود والصدفة والموت، ومع ذلك يَضِقْنَ بأن يكنَّ فقط مرايا للرجل. وعند هذا الحد تغدو فلسفة المسافة فنًا في إقامة المسافة داخل العلاقات، لكنها لا تفقد طابعها الإشكالي؛ لأن هذه المسافة يُمكن أن تُقرأ بوصفها شرطًا للتفاضل الخلاق، كما يمكن أن تُقرأ بوصفها أثرًا من آثار التراتب والهيمنة.
ولهذا لا تُقرأ فلسفة المسافة عند نيتشه من زاوية واحدة، لأن المسافة نفسها لا تعمل في نصه بوصفها محض فصل بين الذوات، وإنما بوصفها آليةً تُنتج التفاوت، وتحفظ الاختلاف، وتمنع اختزال العالم إلى أفق واحد من الحقيقة أو القيمة[86]. ومن هنا تكتسب هذه الفلسفة طابعها الإشكالي: فهي تتيح أداة حادة لمقاومة الجوهرانية ومحو الفروق، لكنها تظل قابلة أيضًا لأن تُرد إلى منطق تراتبي يعيد تثبيت الهيمنة داخل صورة الاختلاف نفسه[87]. ولهذا يصعب التعامل مع نيتشه بوصفه مفكرًا يمنح النِسْوية موردًا صافيًا أو يفرض عليها رفضًا نهائيًا؛ لأنه يفتح إمكانًا نقديًا لِفَهْمِ الاختلاف، ويترك في الوقت نفسه داخل نصه عناصر تجعل الإفادة منه محفوفة دائمًا بالتحفظ.
ولا ينفصل هذا كله عن التجرِبة الذاتية عند نيتشه، من غير أن يُبيح ذلك ردَّ فلسفته إلى سيرته ردًا اختزاليًا. فقد كتب في رسالة: “لا أريد أن أكون وحيدًا، وأرجو أن أتعلم مرة أخرى كيف أصبح إنسانيًا. أجل، في هذا المجال يجب أن أتعلم شيئًا”.[88] وتكتسب علاقته بلو سالومي[89]Lou Salome، من هذه الزاوية، دلالة خاصة؛ إذ اتجه فيما يبدو، إلى حُبه الجاد الوحيد نحو تلك الفتاة الروسية سنة 1882، التي صارت لاحقًا صديقة حميمة لفرويد، وبدت له “أذكى نساء الأرض”[90]. وقد عرض عليها الزواج، لكنها رفضت، لأن اهتمامها كان منصبًا على أفكاره لا على شخصه، فانقلب إلى السخرية قائلًا” “إني لم أخلق العالم، ولا سالومي، ولو أني خلقتهما، لكانا خيرًا مما هما!”.[91] وفي تلك الفترة كتب عن المعضلة النفسية للمرأة، وأشار إلى بشاعة ما تقوله الفتيات عن الجنس بوصفه شيئًا مخزيًا وفاضحًا بدافع الزواج وحده، وعن دخولهن إلى عرين الرعب الخاص بالرجل الذي تربين على تقديسه، ثم تساءل عن نوع المعاملة التي يتوقعنها بعد ذلك، وقال: (ثمّة شخص تقيد بعقدة نفسية أن ليس هناك مساواة). [92] وهذه الشذرات لا تفسر نيتشه تفسيرًا نفسيًا مباشرًا، لكنها تكشف أن المرأة لم تكن عنده مفهومًا مجردًا فحسب، وإنما كانت موضِعَ تجرِبة وجرح وتأمل.
يُظهر التحليل النفسي كيف يمكن أن تكون الأعراض أو العادات الجسدية ناجمة عن (المشاعر) ويمكن علاجها عن طريق تحليل هذه المشاعر، في حين زعم جون ديوي دائمًا أن العلاج المُنعكس الشرطي يُغري إظهاره، أن المشاعر قد تكون بسبب أنماط سلوكية.[93]
ومن هنا يمكن فَهْم قيمة بعض الشهادات التي ظهرت بعد موته، لا في قدرتها على حسم المسألة، وإنما في منعها للتبسيط الأخلاقي السريع. فنقلًا عن ساندرا جيلمان Sander L. Gilman ، نشرت أيدا فون مياسكوفسكي Ida von Miaskowski مقالًا تقول: “أخبرني زوجي أحيانًا مازحًا ألا أخبر الناس بعلاقاتي الودية مع نيتشه، كانت فقط مزحة، فزوجي مثلي يحتفظ دائمًا بذكريات ودية عن نيتشه، الذي ظل دائمًا سلوكه الفكري النبيل الإنساني لا يُنسى دائمًا لكل من عرفه، وقد كان سلوكه تجاه النساء على وجه التحديد حساسًا وطبيعيًا ورفاقًا لدرجة أنني حتى اليوم في سن الشيخوخة لا أستطيع أن أعتبر نيتشه محتقرًا للمرأة، يبدو لي أن الكلمات العدائية القليلة التي كتبت عن النساء يمكن أن تُعزى إلى مرضه الذي أظهر بطريق متقطع آثاره في أعماله في وقت مبكر جدًا، ومن ناحية أخرى، وهناك كثيرٌ من الكلمات الجميلة والسامية حقًا عن المرأة والزواج في أعماله.”[94] يرى أن هذه الشهادات، مهما بلغت أهميتها، لا تنفي البِنية التراتبية الظاهرة في نصوصه؛ لأنها تتصل بسلوكه الشخصي أكثر مما تتصل بمنطقه الفلسفي. ولهذا لا يُحسم السؤال عن نيتشه على مستوى المزاج أو السيرة، بل على مستوى البِنية التي ينتج من داخلها مفاهيمه عن الحياة والقوة والاختلاف.
ويظهر هذا بوضوح أكبر في تصوره لفكرة التجدد. فنيتشه يربط التحول الجذري للإنسان بالإنسان الأعلى، والعَوْد الأبدي، وإرادة القوة، بوصفها مراكز لإعادة تقييم الحياة من داخلها لا بالعودة إلى أصل متعالٍ خارجها. ومن هنا تنبع قوة مشروعه: إنه يطلب من الإنسان أن يخلق قيمه من داخل التجرِبة نفسها، وأن يتحمل الحياة من غير أن يستند إلى عزاء ميتافيزيقي سابق عليها. غير أن هذا المشروع يظل معرضًا لاعتراض حاسم، لأن صورة الإنسان الأعلى قد تنقلب إلى تبرير للتلاعب بحياة من يُنظر إليهم بوصفهم أضدادًا للحياة أو صورًا للانحطاط.[95] وهنا يظهر مأزق نيتشه لا على هامش فلسفته، وإنما في قلبها: كيف يمكن الدفاع عن خلق القيم من داخل الحياة من غير أن تتحول إرادة القوة إلى صورة استبدادية؟ هذا هو الموضع الذي تلتقط فيه القراءة النِسْوية، ومعها شوت، نقطة الضعف الأشد في مشروعه.
ولهذا حمل نيتشه مطرقته وحطم القيود الأخلاقية والقيمية السائدة، ونادى بظهور نوع جديد من البشر يتبع سعادته ويبحث عن ذاته ويسير عكس القطيع. ويقول في هذا السياق: “إن اللذة والألم متضادان، بل الأخلاقيات، هي سيرك البشرية، فقد زيفت كل شيء سيكولوجيا من البداية حتى النهاية؛ لقد حطت أخلاقيًا من قيمة كل شيء لدرجة اللغو المخيف.” [96] وعند هذا الحد يتصل نيتشه اتصالًا مباشرًا بالسؤال النِسْوي الحديث، لأن المرأة لا تظهر هنا بوصفها معطًى طبيعيًا ثابتًا، بل بوصفها نتاجًا ثقافيًا واجتماعيًا رسخته البِنية الذكورية. ومن هنا تأتي قيمة استدعاء دي بوفوار، التي تؤكد في الجنس الآخر أن الإنسان لا يولد امرأة[97]، وإنما يصير كذلك بفعل التأثيرات الاجتماعية. وتلتقط برجوفن في هذا المسار صدى التحدي الديونيسي النيتشوي لعقلانية سقراط، حين تقول: “أسمع “عقدة نيتشه النفسية” تتحدث. وحينما تستثير بوفوار ما هو إيروتيكيّ[98] ليكون ترياقًا للبِنى الأبويّة للذاتيّة، فإنني أسمع تحدي نيتشه الديونسيوسيّ لعقلانيّة سقراط.”[99] كما رأت بعض القراءات، مثل قراءة لويز كول Lewis Call ، في فلسفة نيتشه موردًا لسياسة راديكالية جديدة، أو لما سماه فوضوية ما بعد الحداثة، أي فوضى الصيرورة التي تعلم الإنسان أن يتجاوز الذات الثابتة، وأن يجد نفسه في نهر من الخسارة المستمرة والتكون الدائم، فتغدو الذات سائلة ومشتتة وغير منغلقة على هُوية نهائية.[100]
ومن هنا فنيتشه لا يظهر مفكرًا يمد النِسْوية بإجابات جاهزة، ولا خصمًا يمكن رفضه ببساطة، وإنما يظهر بوصفه مصدرًا لتوتر فلسفي حاد. إنه يكشف كيف تتكون الذاكرة تحت أثر الألم، وكيف تُعاد إرادة الماضي في فكرة العَوْد الأبدي، وكيف يُفهم الجنس بوصفه طاقة أولية لا بوصفه دنسًا، وكيف تعمل المسافة بوصفها شرطًا للتفاضل والاختلاف معًا. وفي الوقت نفسه يترك في نصه عناصر من التراتب والعنف الرمزي تجعل استدعاءه النِسْوي محفوفًا بالتحفظ. ولهذا يأتي سؤال برجوفن في موضعه: “هل يمكن للنسويّات أن تتقرَّبن من نيتشه بصفته موردًا لنقدهم للسلطة الأبويّة؟”[101]
وعند هذا الحد يبلغ الاشتباك مع نيتشه نقطة لا يعود فيها ممكنًا الاكتفاء بقراءة المرأة في نصه بوصفها صورة أو تمثيلًا أو أثرًا من آثار منطقه القيمي. فما تكشفه هذه الرحلة، من الجنيالوجيا إلى العَوْد الأبدي، ومن الجنس والتسامي إلى فلسفة المسافة، انكشاف لبِنية فكرية شديدة التوتر، ترتبط فيها المرأة بسؤال الحقيقة بقدر ارتباطها بسؤال الجسد، وتتصل فيها مشكلة القيمة بمشكلة الاختلاف اتصالًا لا يمكن فصله. لذلك لا يظهر نيتشه، في ختام هذا الجزء، بوصفه فيلسوفًا صاغ موقفًا مستقرًا يمكن تلخيصه أو حبسه في حكم واحد، وإنما بوصفه مفكرًا خلخل الأصول، وزعزع البداهات، وفكك أوهام الهُوية، ثم واصل، في الآن نفسه، إنتاج مناطق جديدة من الالتباس والتراتبية والعنف الرمزي.
ومن هنا تتحدد أهمية نيتشه، على نحو أعمق، في الكيفية التي جعل بها المرأة والاختلاف والحقيقة والجسد مسائل مفتوحة على إعادة القراءة والتأويل والصراع المفهومي. فإذا كان هذا الجزء قد انشغل بتحليل المرأة داخل المشروع النيتشوي، والكشف عن موضعها في شبكة المفاهيم التي تنتظم هذا المشروع، فإن الجزء الثاني سينتقل إلى مساءلة المصير الذي آل إليه نيتشه حين دخل الأفق النِسْوي الحديث، وصار مادة فلسفية أُعيد تشغيلها داخل أسئلة النِسْوية المعاصرة. هناك يكون السؤال: كيف صار نيتشه نفسه قابلًا لأن يُعاد تأويله نسويًا؟ وما الذي أتاحه مشروعه للفكر النِسْوي؟ وعند هذه العتبة يبدأ نيتشه من جديد، لكن هذه المرة في مرآة التحول النِسْوي، حيث يُقرأ من داخل الأفق الذي أعاد استخدامه، والاعتراض عليه، وتفكيك
___________________________________
المصادر والمراجع:
[1] فؤاد زكريا، نيتشه، نوابغ الفكر العربي، دار المعارف، مصر، ط2، 1966، ص 18،19.
[2] فريدريش نيتشه: هذا هو الإنسان، ترجمة: على مصباح، منشورات الجمل، ط2، بيروت، 2006، ص 153
[3] عبد الرحمن بدوي، نيتشه، خلاصة الفكر الأوربي، وكالة المطبوعات الكويت، ط5، 1975، ص49،50.
[4] أنظر إلى، جيل داولز: نيتشه والفلسفة، ترجمة: أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان، ط1، 1993، ص8، 10.
[5] Kelly Oliver, and Marilyn Pearsall, why feminists Read Nietzsche? Feminist Interpretations of Friedrich Nietzsche. University Park, PA: Pennsylvania State University Press, 1998. P. 10:16.
[6] فيلسوفة ومنظّرة أمريكية معاصرة، اشتغلت على الفلسفة النسوية، والفلسفة القارية، والتحليل النفسي، ونظريات الذات، والاختلاف. اهتمت بقراءة نيتشه من منظور نسوي، وركزت على علاقة الفلسفة بما يُسمى الأنثوي، وعلى قضايا التمثيل، والهوية، والصوت النسوي داخل الخطاب الفلسفي.
[7] Kelly Oliver, Womanizing Nietzsche: Philosophy’s Relation to the “Feminine.” New York: Routledge, 1995.
[8] Kelly Oliver, and Marilyn Pearsall, eds. Feminist Interpretations of Friedrich Nietzsche. University Park, PA: Pennsylvania State University Press, 1998.
[9] باحثة ومحررة أكاديمية اهتمت بالفلسفة النسوية وبالقراءات النقدية للفلاسفة الكبار من منظور نسوي. ارتبط اسمها خصوصًا بمشاركتها في تحرير أعمال جماعية مهمة في الفلسفة النسوية، ومنها الكتاب الذي جمع دراسات نسوية حول نيتشه، وأسهم في تثبيت هذا الحقل داخل الدرس الفلسفي المعاصر.
[10] Kelly Oliver, and Marilyn Pearsall, why feminists read Nietzsche, University Park, PA: Pennsylvania State University Press, 1998, p. 2, 3, 4,5
[11] فيلسوفة ومحللة نفسية وناقدة نسوية فرنسية، تُعد من أبرز الأسماء في الفلسفة النسوية المعاصرة، وقد انشغلت بنقد التمركز الذكوري في الخطاب الفلسفي الغربي، مع تركيز خاص على الاختلاف الجنسي واللغة والتمثيل.
[12] See, Luce Irigaray, Marine Lover of Friedrich Nietzsche, trans. Gillian C. Gill (New York: Columbia University Press, 1991.
[13] فيلسوفة فرنسية بارزة، ارتبط اسمها بقراءات مؤثرة لنيتشه وفرويد، واهتمت بالأسلوب والاستعارة والعلاقة بين الفلسفة والكتابة.
[14] See, Sarah Kofman, Nietzsche and Metaphor, trans. Duncan Large, Stanford, CA: Stanford University Press, 1993.
[15] Kelly Oliver, and Marilyn Pearsall, Why feminists Read Nietzsche? p. 15,16.
[16] فيلسوفة ومنظّرة أمريكية معاصرة، تُعد من أهم الأسماء في الفلسفة النسوية ونظرية الجندر، واشتهرت بنقد الهوية الجوهرانية وتطوير مفهوم الأداء الجندري.
[17] انظر، جوديت بتلر، قلق الجندر، النسوية وتخريب الهوية، ترجمة/ فتحي المسكيني، المركز العربي للأبحاث ودراسة الساسيات، ط2، بيروت لبنان، 2023.
[18] فيلسوفة ومنظّرة معاصرة اشتغلت على الفلسفة القارية، والفلسفة النسوية، ونقد المركزية الأوروبية، وفلسفات التحرر في أمريكا اللاتينية. عُرفت بقراءتها النقدية لنيتشه من منظور نسوي وما بعد كولونيالي، وبمحاولتها الإستفادة من أدواته التفكيكية من غير التسليم ببنيته النخبوية أو دلالاته السياسية المحافظة.
[19] Ofelia Schutte, Beyond Nihilism: Nietzsche without Masks. Chicago: University of Chicago Press, 1984.
[20] ليندا مارتن ألكوف: هي فيلسوفة من أمريكا اللاتينية وأستاذة الفلسفة في كلية هانتر بجامعة سيتي في نيويورك. متخصصة في نظرية المعرفة الاجتماعية، والفلسفة النسوية، وفلسفة العرق، الكولونيالية والفلسفة القارية وخاصة عمل ميشيل فوكو. قامت بتأليف أو تحرير أكثر من عشرة كتب، بما في ذلك الهويات المرئية: العرق والجنس والذات (2006)، ومستقبل البياض (2015)، والاغتصاب والمقاومة (2018). نُشرت كتاباتها الفلسفية العامة في الجارديان ونيويورك تايمز، بما في ذلك الفلسفة النسوية ونظرية العرق النقدي وفلسفة لاتينية وفلسفة. من 2012 إلى 2013 شغلت منصب رئيس الجمعية الفلسفية الأمريكية، القسم الشرقي. في فبراير 2018، تم تعيينها رئيسة لمجلس إدارة Hypatia. أنظر إلى: https://en.wikipedia.org/wiki/
[21]Linda Martín Alcoff, Schutte’s Nietzschean Postcolonial Politics, Published by: Wiley on behalf of Hypatia, 2004, p.148.
[22] Ofelia Schutte, Beyond Nihilism: Nietzsche without Masks Chicago and London: University of Chicago Press, 1984, p.7
[23] ibid, pp.ix ,x
[24] حصلت على جائزة كلية الآداب والعلوم للمنح الدراسية، وجائزة أعضاء هيئة التدريس المتميزين في كلية الآداب والعلوم، وجائزة التميز في التدريس الجامعي. تعمل الدكتورة بيرجوفن في سياق التقاليد النسوية الفلسفية القارية والمتعددة التخصصات، لاستكشاف القضايا عند التقاطعات بين نظرية المعرفة والأخلاق والسياسة. نيويورك: مطبعة جامعة ولاية نيويورك، 1997. أنظر إلى: https://philosophy.gmu.edu/
[25]Debra B. Berge, Engaging Nietzsche’s Women: Ofelia Schutte and the Madres de la Plaza de Mayo, Hvparia, 2004, p.163.
[26] Linda Martín Alcoff, Schutte’s Nietzschean Postcolonial Politics, p.147
[27] الفينومينولوجيا: هي مدرسة فلسفة تعتمد على الخبرة الحدسية للظواهر كنقطة بداية (أي ما تمثله هذه الظاهرة في خبرتنا الواعية) ثم تنطلق من هذه الخبرة لتحليل الظاهرة وأساس معرفتنا بها، غير أنها لا تدعي التوصل لحقيقة مطلقة مجردة سواء في الميتافيزيقا أو في العلم، بل تراهن على فهم نمط حضور الإنسان في العالم. https://ar.wikipedia.org/wiki/
[28]Debra B. Berge, p.163.
[29] Debra B. Bergen, p.163, 164.
[30] ibid, p.163, 164.
[31] ديفيد فاريل كريل (1944- )، فيلسوف أمريكي، وهو أستاذ الفلسفة الفخري في جامعة ديبول، حصل على الدكتوراه. في الفلسفة في جامعة دوكين، حيث كتب أطروحته حول هايدغر و نيتشه. درس في العديد من الجامعات في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا. متخصصة في الفلسفة، وقد كتب العديد من الكتب حول هايدغر ونيتشه، /https://en.wikipedia.org/wiki
[32] Caroline Joan S. Picart, Resentment and the “Feminine” in Nietzsche’s Politico-Aesthetics, Published by The Pennsylvania State University Press, University Park, 1999, p.1,2.
[33] أستاذة الفلسفة ودراسات المرأة والجندر في جامعة جنوب مين. هي محررة الفلسفة والجنس مع روبرت بيكر. وينجر هو مؤلف كتاب فريدريك نيتشه “استصلاح الفلسفة” (رودوبي ، 1997) ويعمل حاليًا على تأليف الكاتب الأفريقي بيسي هيد. تشمل أعمالها مقالات عن النظرية الأخلاقية ونظريات نيتشه الأخلاقية والجمالية وإنهاء الاستعمار والتصوير المرئي للأشخاص المستعمرين. وهي زائر متكرر إلى جنوب وشرق إفريقيا، وقد قامت بتدريس دورات في الفلسفة ودراسات المرأة في كينيا في جامعة نيروبي. https://www.amazon.com/Kathleen-J.-WININGER
[34] Kathleen J. Wininger, Feminist interpretations of Friedrich Nietzsche, edited by Kelly Oliver and Marilyn Pearsall, The Pennsylvania State University All rights reserved, 1998, p.239.
[35]Walter Kauffmann, Nietzsche Philosopher, Psychologist, Antichrist, Princeton, New Jersey Princeton University Press, 1974, p.84.
[36] Ofelia Schutte, Nietzsche’s Politics, Journal of the British Society for Phenomenology, 1983, Published online: 21 Oct 2014, http://dx.doi.org/ p.155, 154
[37]Frances Nesbitt Oppel, Nietzsche on Gender, University of Virginia Press, London, 2005, p.1.
[38] العلم المرح، ترجمة وتقديم: حسان بورقية ـ محمد الناجي، أفريقيا الشرق، ط1، 1993، ص92
[39] Ofelia Schutte, Journal of the British, p.148
[40] Ibid, p.156
[41] Ibid, same placement
[42] فريدريش نيتشه: ما وراء الخير والشر، تباشير فلسفة للمستقبل، ترجمة/ جيزيلا فالور حجّار، مراجعة/ موسى وهبه، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2003، ص 209
[43] المرجع نفسه، ص260
[44] فريدريك نيتشه، إنسان مفرط في إنسانيته، ترجمة/ محمد الناجي، ج1، أفريقيا الشرق، 2002، ج1، ص106
[45] العلم المرح، مرجع سابق، ص231
[46] المرجع نفسه، ص 62
[47] المرجع نفسه، ص 23
[48] مفرط في إنسانيته، مرجع سابق، ص 179
[49] ما وراء الخير والشر، مرجع سابق، ص 264
[50] المرجع نفسه، ص 209
[51] المرجع نفسه، ص111
[52] المرجع نفسه، ص 116
[53] نيتشه، هكذا تكلّم زرادشت، ترجمة عن الألمانية/ على مصباح، منشورات الجمل، ط1، 2007، ص132
[54] Ofelia Schutte, Nietzsche’s psychology of gender difference. In Modern engendering: Critical feminist readings in modern Western philosophy, ed. Bat-Ami Bar On. Albany: State University of New York Press. 1994, pp. 235.
[55]Ofelia Schutte, Journal of the British, p.150.
[56] Ofelia Schutte, Journal of the British, p. 150
[57] زرادشت، مرجع سابق، ص 139
[58] إنسان مفرط في إنسانيته، مرجع سابق، ص 182
[59] زرادشت، مرجع سابق، ص 137
[60] ما وراء الخير والشر، مرجع سابق، ص112
[61] زادشت، مرجع سابق، ص 397، 398
[62] Ofelia Schutte, Journal of the British, p. 150
[63] هذا الإنسان، ترجمة/مجاهد عبد المنعم، مرجع سابق، ص111،112
[64]Ofelia Schutte, Envy and the Side of Alienation, an earlier Version of this paper was presented at the Tenth World congress of Sociology on august 19, 1982, p.236
[65] Ofelia Schutte, Feminist Ethics and Transnational Injustice: Two Methodological Suggestions, Newsletter ON Feminism, by The American Philosophical Association, 2005, p.19.
[66] Walter Kauffmann, Nietzsche, p.352.
[67] عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، ج2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1984، ص 364
[68] سكوت إتش هندريكس، مارتن لوثر، مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة/ كوثر محمود محمد، مراجعة/ هبة عبد العزيز غانم، ط1، مؤسسة هندواي للتعليم والثقافة، 2014، أنظر إلى ص،34، 36، 64.
[69] عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، مرجع سابق، نفس الموضع.
[70] فوزي البدوي/تونس فيديو على يوتيوب بعنوان: (لوثر واليهوديّة)، بتاريخ: 07/01/2017، أنظر إلي:
https://www.youtube.com/watch?v=0EL4ECXi9qk
/https://webcache.googleusercontent.com و https://www.sotaliraq.com/
[71] عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، ج2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1984، ص ،365
[72] Walter Kaufmann, Nietzsche, p.351.
[73] أشرف منصور، الرمز والوعي الجمعي، دراسات في سيسيولوجيا الأديان، رؤية للنشر والتوزيع، ط1، 2010، ص13.
[74] فريدريك نيتشه، في جنيالوجيا الأخلاق، ترجمة/ فتحي المسكيني، مراجعة/ محمد محجوب، المركز الوطني للترجمة، ط1، 2010، ص 68
[75]Ofelia Schutte, Envy and the Side of Alienation, p.235.
[76] ، ما وراء الخير والشر، مرجع سابق، ص9
[77] (العَوْد الأبدي) له تاريخ طويل في الفلسفة، فأصولها ترجع إلى عهد الأديان القديمة التي قامت بها على أساس أسطوري لا يمتُّ إلى العلم أو المنطق العقلي بصلة، واحتلت الفكرة أهمية كبيرة في الفلسفة اليونانية، فقد ظهرت لها بوادر في فلسفة أنكسمندر، حين قال بعدد لا متناهٍ من العوالم، وإن كنا لا ندري إن كانت هذه العوالم تتعاقب أو تتواجد معًا، غير أن مما يعزز الرأي القائل بأنها تتعاقب، اعتقاد أنكسمندر بالفناء الكوني؛ ومن هنا يمكن القول إنه قد عرف نوعًا من التعاقب بين أحوال مختلفة للعالم، يقرب مما تقول به نظرية العَوْد الأبدي، وإن لم نكن على ثقة من أن كل عالم ستتكرر فيه بدقة نفس حوادث العالم السابق كما تقول النظرية. أنظر إلى: https://www.hindawi.org/book و https://ar.wikipedia.org/wiki/
[78] أنا هو الإنسان، مرجع سابق، ص 21،22
[79] Ofelia Schutte, Nietzsche without Masks, p.5,6
[80] Ofelia Schutte, Envy and the Side of Alienation, p.234.
[81] فريدريش نيتشه: غسق الأوثان، ترجمة/ على مصباح، منشورات الجمل، بغداد، 2010، ص178
[82] Walter Kauffmann, Nietzsche, p.223.
[83] Ofelia schutte, Nietzsche’s psychology of gender difference, pp. 242.
[84] Walter Kauffmann, Nietzsche, p.223,224.
[85] المرجع السابق، ص221
[86] Ibid, p. 166,176.
[87] Lewis Call, Postmodern Anarchism in Nietzschean Philosophy, pp.49,50.
[88]مجدي كامل، فريدريك نيتشه.. شيطان الفلسفة الأكبر، دار الكتاب العربي، ط1، 2011، ص 36
[89] التي أصبحت صديقة حميمة فيما بعد لفرويد، لورانس جين، كيتي شين، أقدم لك نيتشه، ترجمة/ إمام عبد الفتاح إمام، المركز القومي للترجمة، حقوق الترجمة والنشر بالعربية محفوظة للمجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002، ص54
[90] صفاء عبد السلام، مرجع سابق، ص26
[91]المرجع السابق، ص27
[92]مروة عبد الله، لماذا يُساء فهم الفيلسوف نيتشه،
(المصدر): Misunderstood Far right, misogynist, humourless? Why Nietzsche is
https://www.sasapost.com/translation/exploding-nietzsche-myths-need-dynamiting
[93] Walter Kauffmann, Nietzsche, p.269.
[94]Sander L.Gilman, Conversations With Nietzsche, Translated by David J. Parent, Oxford University Press, Copyright, 1987 by Sander L. Gilman, p.52.
[95] Ofelia Schutte, Nietzsche without Masks, p.16,17
[96] هذا الإنسان، ترجمة/ مجاهد عبد المنعم، مرجع سابق، ص 76
[97] سيمون دى بوفوار، الجنس الآخر، ترجمة/ سحر سعيد، ط1، الرحبة للنشر، دمشق، سوريا، 2015.
[98]كلمةِ إيروتيكيّة؛ آيروسيّة ومعناها: آيروس في الميثولوجيا الإغريقيّةِ هو إلهُ الحُبِّ والرّغبةِ الإباحيّةِ والجنس والخصوبة والسّعادة، وكانَ ملازمًا لأفروديت أمّه، وراصدًا لتجلّياتِ الجنسِ عبْرَ الحضاراتِ البشريّةِ، كما ظهرَ في الفنِّ القبطيِّ والمصابيح، والكلمةُ إيروتيك erotic مشتقّةٌ مِن الكلمة eros؛ أي جنسيّ وشهوانيّ، يُماثلُهُ في الميثولوجيا الرّومانيّة كيوبيد، ثمّ تبلورتْ فكرةُ الأيروتيك في العصورِ الحديثةِ ما بعدَ عام 1300 م، في التّماثيلِ الإغريقيّةِ ولوحاتٍ تصويريّةٍ ليوناردو دافنشي، أنظر إلى: https://www.diwanalarab.com/
انظر أيضًا، إن الأيروتيكي، ليس الجنسي، وليس العضوي البيولوجي، وليس العلمي، وليس البورنو غرافي بالطبع، وأخيرًا ليس الشعبي الشفاهي، إن الأيروتيكي هو الجمالي، هو النقيض الشعري لكل ما سبق، فهو الروحي من الجنسي، والعاطفي من العلمي، والوصفي من العضوي، والشعوريّ في البورنو غرافي، وأخيرًا هو العشقي من الشعبي الشفاهي، أنظر إلى: https://daraj.com/6743/
[99] Debra B. Bergen, Engaging Nietzsche’s Women, p.162.
[100] Lewis Call, Toward an Anarchy of Becoming: Postmodern Anarchism in Nietzschean Philosophy, Journal of Nietzsche Studies, 2001, pp.49,50
[101] Ibid, p.163