تكوين
المقدمة
يُعد سؤال الجسد الأنثوى سؤالًا إشكاليًا ومحوريًا فى المسائل الأخلاقية والجمالية، وموضوعًا -حديث نسبيًا- للبحث فى الفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية وغيرها، وقد خضع الجسد الأنثوي عبر تاريخ الفكر الإنساني، بصفة عامة، والفكر الفلسفي بصفة خاصة إلى عدد هائل من محاولات وسمه بالدونية والتشويه والنقص والجنسية المفرطة، فضلاً عن ارتباطه بالخطيئة الأصلية، لذا ظل هذا الجسد، دومًا، ساحة للجدال ومحلاً للتحكم والضبط والمراقبة، فلم يكن، أبدًا، ملكًا للنساء أنفسهن، بل تنازع على التعريف بطبيعته عديد من الخطابات الذكورية المختلفة؛ سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية أو حتى طبية، ولم يُفهم الجسد الأنثوي تاريخيًا إلا من خلال هذه الخطابات.
ويجب أن أشير أولاً، إلى عدم إفراد دراسات مستقلة للجسد الأنثوي، وهذا أمر بديهي لأنه بطبيعة الحال لا مجال للأنثوي داخل سياق التاريخ الإنساني الذكورى. ولكن تم تناول الجسد الأنثوي، ضمنًا، في سياق الحديث عن المرأة وعندما كان المُراد التأكيد على نقصها ودونيتها ففى هذه الحال كان يُعول على طبيعتها الجسدية، وذلك قياسًا بالجسد الذكورى، ولم يتغير هذا الوضع إلا في النصف الثاني من القرن العشرين حيث أصبح الجسد الأنثوى والقضايا المتعلقة به من إشكاليات البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية والجندرية.
لكن كيف نظر الفكر الفلسفي الغربى إلى الجسد الأنثوي، ولمَ ظلت رؤاه عنه –أي عن الجسد- والحاضرة عبر عصور الفكر المختلفة هي الحاكمة والمهيمنة لتصورنا عنه؟ هذا ما سوف أتحدث عنه في هذا المقال، ولقد اخترت له عنوان الجسد المُدان، لأنه يعبر بصدق عن حال الجسد الأنثوي الذي حُكِمَ عليه بالذنب بل وقد ثبتت إدانته بالفعل –وفقًا لمنظري هذا التوجه.
أعرض، من خلال هذا السياق، رحلة الجسد الأنثوى التاريخية عبر الفكر الفلسفي الغربى، وفى هذا أتناول، أولاً، تصور فلاسفة اليونان لهذا الجسد، من خلال نموذجين ممثلين هما؛ أفلاطون وأرسطو، وذلك من خلال عرض مفهوم الحتمية البيولوجية بينهما.
ثانيًا – الجسد الأنثوي في العصر الوسيط: جسد الخطيئة والإغواء، وذلك من خلال العرض لبعض آراء القديس أوغسطين والقديس توما الأكوينى بوصفهما ممثلين لكل من الفكر الفلسفى واللاهوت المسيحى .
ثالثًا- الفلسفة المعاصرة؛ الجسد الأنثوي ثائرًا على نفسه، وأعرض فى هذا السياق رحلة الجسد الأنثوى من مقاومة السرديات الذكورية عنه، مرورًا بمحاولة تحرره، ووصولًا الى الثورة والتمرد على نفسه.
أولًا– الجسد الأنثوي في الفكر اليوناني بين الحتمية البيولوجية والاستخدام السياسى
تناول كل من أفلاطون وأرسطو الجسد الأنثوي،لا كمقولة مستقلة، وإنما في سياق الحديث عن المرأة، والحقيقة أنهما لم يقدما طرحًا منصفًا لها، وإن كان أفلاطون أقل سلطوية في هذا، ذلك لأنه لم يعول على حتمية البيولوجية الأنثوية
–كما فعل أرسطو- الأمر الذي جعل البعض يظن –خطًأ- أنه من أنصار الفكر النسوي.إن حديثه عن المرأة وطبيعتها الجسدية التى لا تختلف عن الرجل، لم يكن موقف أفلاطون الإجمالى فى محاوراته، لكنه كان استغلالًا للقوة العددية الأنثوية فى جمهوريته.
يرى أفلاطون في “محاورة التيماوس” في سياق حديثه عن الطبيعة البشرية والتناسخ: «إن من زل تحول في ولادته الثانية إلى طبيعة إمرأة»([1])، أي أنه في بداية الأمر كان هناك افتراض نوع إنساني واحد كله ذكور، ثم أدى التحول إلى ظهور جنس النساء حيث تناسخت نفوس الرجال الذين تصرفوا بدناءة في أجسادهن. ومن ثم، تجسدت في المرأة وفي جسدها كل عيب ونقص وتشوه([2]).
أما حديثه “في الجمهورية” عن أن للرجل والمرأة طبيعة واحدة، وإنها قادرة على الأعمال التي يقوم بها الرجل، كأعمال الحراسة مثلاً، فإن ذلك مرجعه أن أفلاطون قد ربط الاختلاف بين البشر بالنفس أكثر من الجسد، فالبشر قد يختلفون في قدراتهم الطبيعية، لكن هذا الاختلاف لا يؤثر في مظهرهم أو هيئاتهم، فعلى سبيل المثال، لا يمكن أن نخمن بمجرد النظر إلى شخص ما طبيعة العمل المنوط به أداؤه بمعنى أن الاختلافات الجسدية لا تظهر أهمية في ذلك([3])، فالاختلافات في قدرة الأفراد –وفقًا لأفلاطون- لا تعول على الجسد بل على النفس.
ولم يكن أفلاطون في آرائه هذه مثاليًا –كما يُظن- لكنه قدم طرحًا براجماتيًا، يسعى من خلاله لاستخدام المرأة في تحقيق مشروعه السياسي.
أما أرسطو فقد كان من أقوى أنصار الحتمية البيولوجية التي تبرر دونية المرأة وتبرر أيضًا الهيمنة الذكورية عليها حيث اعتبر أرسطو الأنوثة تشوهًا، فالجسم الأنثوي يتضمن علامات النقص والضعف؛ فالأنثى أضعف عقليًا، ومفاصل جسدها أقل وضوحًا، وقدما الأنثى أصغر من قدمي الذكور، وصوتها أضعف، ومخها أصغر من حيث الحجم، فالجسد الأنثوى –كما يقول- مثل جسد الطفل، غير كامل، ومثل جسد الرجل العقيم … وهو وهن بالطبيعة … يهرم بسرعة، لذا فالأساس في عيوب الأنثى هو الطبيعة المؤنثة نفسها([4]).
يرى أرسطو أيضًا أن الجسد الأنثوي مفتقر للحرارة الحيوية مما يُعد سببًا لفيض الحيض، وهو علامة على برودة الجسد الأنثوي، وهو لايسهم فى عملية التوالد بصورة متساوية مع الإسهام الذكورى فيها، فالجسد الأنثوي هو المكان الذي تنمو بداخله بذرة الرجل، وهو مادة فحسب، عنصر سلبي، لا يحتوي –أي الحيض- على روح أو حركة أو شكل، وإنما تُعد هذه الأمور من طبيعة الجسد الذكوري([5]).
ثانيًا- الجسد الأنثوي في العصر الوسيط: جسد الخطيئة والإغواء
لقد كان للفكرة التي تقول إن المراة أصل الخطيئة أثٌر بالغ في تشكيل صورة المرأة في العصور الوسطى المسيحية(*). ولقد بدأ هذا التوجه من كلمات بولس الرسول الذي كان يردد الفكرة اليهودية القائلة بإن المرأة هي أصل الغواية، وإنها هي التي انحرفت بآدم وأخرجته من الجنة، وذلك عندما أطاعت الحية فأكلت من الشجرة المحرمة، وفي هذا يقول: «وآدم لم يُغْوَ، لكن المَرْأة أُغْويَتْ»([6]).
هذا الخطأ امتد لبنات حواء كلهن، فأصبحت المرأة دائمًا مصدر غواية للرجل، ومن ثم، فإن خلاص المراة في أن تعلو على طبيعتها الأنثوية، وأن ترفض وتتجاوز متع الجسد([7]).
أما القديس أوغسطين (354-430) فيرى إنه إذا ما نظرنا إلى المرأة على أنها إنسان فهي صورة الله، أما عندما ننظر إليها على أنها جسد فهي تنتمي إلى الأمور الدنيوية الزمنية العابرة ومن ثم تكون موجودًا أدنى، ولا تكون على صورة الله،- وهنا نتساءل لمَ هذه النظرة الثنائية للمرأة فحسب ولا للرجل؟!- أما عن الجسد الأنثوي فهو –وفقًا لأوغسطين- خاضع لجنس الذكر بنفس الطريقة التي تخضع بها الشهوة للإرادة، ويرى أن خضوعها للرجل هو جزء من طبيعتها التي لا مفر منها([8]).
أما القديس توما الأكويني (1225 – 1274) فقد جمع بين اللاهوت المسيحي والفكر الأرسطي، ورأى أن المرأة نتاج مشوه للرجل، والجسم الأنثوى معيب وناقص، ولا ينبغي أن يكون هناك نقص في بداية الخلق، لذا ما كان ينبغي أن تخلق المرأة مع بداية خلق الكائنات، وهو كذلك يتبنى آراء أرسطو حول طبيعة الجسد الأنثوي ودوره السلبي في التوالد([9]).
ولقد كان لهذه الآراء اللاهوتية والفلسفية عن الجسد الأنثوي بوصفه جسد الإغواء والخطيئة وينبغي تهذيبه وضبطه والتحكم فيه، بل والانتصار على طبيعته الأنثوية المغرية الخاضعة للشهوة الجنسية. كان له مردود عملي ظهر ذلك فى كيفية معايشة الحياة لدى النساء، حيث جعل كثيرًا منهن يلجأن إلى ممارسات الزهد والصوم وجلد الذات الجسدية، وربما كان هذا نتاجًا لكراهية الرجال وإزدراءهم لجنس النساء، ولضعف أجسادهن، مما دفع النساء إلى التعبير عن ذواتهن من خلال زهد ماسوشي متطرف في كثير من الأحيان([10]).
ولقد ظل الخطاب الدينى والشعبي، بل والنخبوي أيضًا، يرى في الجسد الأنثوي نقصًا وضعفًا وشهوانية، وظلت الفلسفات المختلفة تتلقف تصورها عنه، إما تهميشًا وإقصاءً وإدانة وإما حيادًا لايستدعى البحث والتأمل، فلم تتوقف عنه ولم تنظر إليه، وإما مقاربة له كمفهوم مناقض للجسد الذكوري أو على أقل تقدير تراه من منظور دونى، وقد ظل الأمر كذلك وصولًا إلى العصر المعاصر ، حيث ظهرت القراءات النقدية التى تحاول تفكيك هذا الخطاب المناهض للمرأة ولقدراتها الجسدية والعقلية، وربما كان سبب هذا الحراك ظهور الفلسفات النسوية التى قدمت مراجعات ومساءلات لهذه الأفكار، وتحدثت عن الجسد الأنثوى والأنوثة كما تختبرها وكما تعيشها المرأة بنفسها، لا كما يُملى عليها من الآخر المختلف عنها.
ثالثًا- فى الفلسفة المعاصرة؛ الجسد الأنثوي ثائرًا على نفسه
تمثل سيمون دي بوفوار نموذجًا فريدًا ورائدًا فى الفكر النسوى الذى ناقش مفهوم البطريركية، والأنوثة، والاختلاف بين الجنس والجندر، وذلك فى كتابها “الجنس الآخر” 1949، و تحاول فيه إثبات أن الجسد ليس مقولة بيولوجية، بل وجودية أى بنية ثقافية واجتماعية؛ وفي محاولة استكشاف ماهية المرأة، تكون البيانات البيولوجية هى إحدى مكوناتها؛ فالطريقة التي تختبر بها الفتاة الصغيرة، ثم المرأة، جسدها هي نتيجة استيعاب نظرتها إليه في سياق نظرة الآخرين له، ولقد قدمت سيمون دي بوفوار وصفًا فينومينولوجيًا للجسد عبر مراحل حياة المرأة المختلفة؛ ففي طفولة الفتاة يحيا الجسد الأنثوي بصورة مختلفة عن تلك التى يحيا بها جسد الصبي، وتُدرب الفتاة على طريقة مختلفة للتعامل معه، فبينما يلعب الصبي الألعاب العنيفة ويتسلق الأشجار، تعامل الفتاة جسدها كدمية، ككائن سلبي، ومن ثم، تكون النتيجة كبت لحركاتها العفوية ولحيوية الحياة فى جسدها، فضلًا عن نقص قوتها البدنية، كل هذا يؤدي بها إلى إحساس كبير بالخجل ، وربما عدم الاستحقاق([11]).
في هذه اللحظة من تاريخ الفكر بدأ الجدال حول إشكالية البيولوجيا والثقافة فى الفكر الفلسفى، وبدأ الجسد الأنثوي يحاول أن يتحرر من الحتمية البيولوجية التى يراها قيدًا وسجنًا لابد من الهروب منه؛ فالمرأة لا تولد امرأة بل تصبح كذلك، أي أن ماهية الجسد الأنثوي، وسماته لا تُعد شفرة وراثية وإنما نتاج ثقافي واجتماعي. لكن هذا الجسد المُدان لم يكتفِ بإمكانية التحرر وإنما واصل رحلته وصولاً إلى التمرد والثورة ، وقد ظهر هذا جليًا من خلال القراءات النسوية للجسد الأنثوي، وذلك بظهور بعض المدارس النسوية التى انغمست فى هذا الجدل الإشكالى، وأكثرها تطرفًا هى النسوية الراديكالية التى نظرت إلى الجسد الأنثوي بوصفه موطنًا للقمع الذكوري، وأن البيولوجيا الأنثوية بناء اجتماعى ثقافى لا طبيعى، وقد دللت النسوية الراديكالية على ذلك ببعض الدراسات الأنثروبولوجية التى تؤكد هذا، لذا دعت إلى تفكيك أسطورة الأمومة والزواج.
ورغم هذه الدعاوى لتمرد المرأة على طبيعتها ومهمتها الرئيسية في الحياة أي الإنجاب، فإن هذا التوجه لا يُعد موقفًا كليًا في الفلسفة النسوية ، حيث ترى كثيرات من النسويات أن قدرة المرأة على الإنجاب هى تأكيد لقوة ولقيمة الجسد الأنثوي.
لقد كان الجسد الأنثوي عبر التاريخ موضوعًا للمراقبة والضبط من قبل سلطة خارجة عنه، قد تكون سلطة الرجل أو المجتمع أو المعرفة الطبية، وقد أشار ميشيل فوكو (1926 – 1984) إلى ذلك في كتابه “المراقبة والمعاقبة … ولادة السجن”، ورغم أنه لم يقدم أية نظرية فلسفية عن الجسد الأنثوي ولم يُظهر اهتمامًا بقضايا النوع، حيث إن سردياته محايدة جندريًا، لكنه تحدث عن الجسد بصفة عامة، ومجمل آرائه في هذا، أن الجسد ليس كيانًا بيولوجيًا، بل بناء ثقافي تشكله علاقات السلطة. لكنه أشار إلى كيفية تحول الجسد الأنثوي إلى موضوع للمعرفة العلمية الطبية منذ القرن الثامن عشر.
ويؤكد ميشيل فوكو فى هذا السياق أن الطب لم يقدم معرفة علمية نزيهة حرة عن الجسد الأنثوي وإنما ألبسه لباس الهستيريا الجنسية فيقول: «من خلال تحليل جسد المرأة بمزاياه وعيوبه –كجسد مشبع إشباعًا كاملاً بالجنس، فقد دمج ضمن حقل الممارسات الطبية، وتم وضعه في تواصل عضوي مع الجسم الاجتماعي (والذي يجب عليه أن يوفر له الخصوبة) ومع المدى العائلي (الذي يجب أن يكون فيه عنصرًا جوهريًا وظيفيًا) ومع حياة الأطفال (الذين ينتجهم ويجب أن يكون كفيلاً بهم بمسئولية بيولوجية وأخلاقية فترة التربية)»، ثم يقول: “إن الأم –الشيء بصورتها السلبية المتمثلة بصفة المرأة العصبية، تمثل الشكل الأوضح عن ذلك اللباس الهستيري…” ([12]).
يؤكد فوكو من خلال النص السابق عدم حياد المعرفة العلمية فى النظر إلى الجسد الأنثوى، بل إنها- أى المعرفة- قد جعلت من الاختلاف الجسدى انحرافًا مرضيًا يقتضي الهيمنة والسيطرة على الجسد الأنثوى، وترى أن جسد الأنثى ليس مهمًا إلا من حيث خصوبته، وأن الأمومة ليست قيمة إنسانية، بل وظيفة فُرضت على الجسد الأنثوى، وهذا يتضح فى قوله” الأم- الشئ”.
ومن ثم، فلقد أكد الخطاب الطبي والعلمي مرضية البيولوجيا الأنثوية وشرعن استسلام النساء لهذه الحقيقة، كذلك سمحت الممارسات الطبية الخاصة بالأمراض المعدية في القرن التاسع عشر بإخضاع النساء لفحوصات قسرية للكشف عن الأمراض الجنسية، وتم تحديد عدد متزايد من الحالات الأنثوية التي شُخصت بالبرود الجنسى أو الهستيريا أو الإصابة بالوهن العصبي، و كانت تلك الاضطرابات العقلية تُعزى إلى اختلالات في الرحم الأنثوي([13]).
رغم ارتباط الجسد الأنثوى بطبيعته الأنثوية وكونه قالبًا للأمومة ، فإن المعرفة الطبية، أيضًا، قد جعلت منه مستقبلًا سلبيًا لا دور له فى مسألة الإنجاب، فقد كانت النصوص البيولوجية التى تصف عملية التخصيب حتى عام 1980 تركز على سلبية البويضة القابعة فى انتظار حيوان منوى يوقظها، ولقد كشف مؤخراً باستخدام المجهر الإلكترونى للمسح أن الحيوان المنوى لا يحفر طريقه إلى البويضة وبدلاً من هذا التصور، نجد أن السطح الخلوى للبويضة تنتشر عليه نتوءات صغيرة تشبه الأصابع “زغبيات” (microvilli) تعانق الحيوان المنوى وتجذبه إلى الداخل ، ولقد تم تجاهل كومة الزغبيات التى تحاول الوصول إلى الحيوان المنوى، برغم أنها لوحظت منذ عام 1895، كذلك كشفت الدراسات عن أن الحيوان المنوى قبل أن يستطيع تخصيب البويضة لابد له من إفرازات تصدر عن الجهاز التناسلى للأنثى تمكنه من هذا، ومع وصول الحيوان المنوى إلى البويضة، يطلق إنزيمات تهضم ما يحيط بالبويضة من الخارج-على أن هذه الإنزيمات لا يمكنها القيام بوظيفتها إلا بعد أن يتم تفعيلها بإفراز آخر يصدر عن الجهاز التناسلى للأنثى([14]).
والسؤال الذى يطرح نفسه هنا هو: لم أغفل العلماء الملاحظة سابقة الذكر –كومة الزغبيات ودورها فى التخصيب- ما يقرب من قرن من الزمان، ولا يفترض أبداً جهل هؤلاء بالملاحظات العلمية قيد البحث والنظر، ولكنه أيضاً ذلك التوجه الذكورى الذى يجعل من الذكر العنصر الفعال الإيجابى فى عملية التكاثر، والنظر إلى الأنثى بوصفها ذلك العنصر السلبى المادى، ولا أبالغ فى قولى هذا، حيث أصبح العلم فى بعض مناحيه أداة لحرمان النساء من حقوقهن.
يؤكد هذا الرأى، أيضًا، ما ذهب إليه علم “الكرانيولوجى”- على سبيل المثال- أى علم قياس الجمجمة والمخ، وهو مبحث علمى هام فى القرن التاسع عشر، حيث أجريت الأبحاث على القدرات الذهنية والمخ، ورأى علماؤه أن الذكاء يرتبط ارتباطاً مباشراً بحجم المخ، ولما كانت جماجم النساء فى المعدل العام أصغر من جماجم الرجال، فقد استنتج علماء الكرانيولوجى أن النساء أدنى ذكاء من الرجال- وهو ما استند إليه “أرسطو” قديماً- وبالتالى هن أقل قدرة على التفكير([15]).أى أن الخطاب الطبى لم يكن منصفًا فى تناوله للجسد الأنثوى وللأنوثة، بل كان من مرسخى السرديات الذكورية.
لم يُمثل الخطاب الطبي، فحسب، قيدًا حاكمًا على طبيعة الجسد الأنثوي لكن كان هذا القيد محكمًا عبر السياقات الاجتماعية والدينية والسياسية أيضًا؛ فالأنوثة دائمًا مقلقة، تستدعي كل أشكال الضبط الذي لا تخضع له الذكورة ، ولقد كان لهذا القمع والقيد ردود أفعال مفرطة تجاه التعايش مع الجسد الأنثوي، يمكن أن نجملها في اتجاهين؛ الأول منهما هو الاتجاه المنشغل على نحو خاص بإبراز مواطن اختلاف الجسد الأنثوي ولفت الانتباه إليه –مستغلاً إياه- كما هي الحال فيما يتصل بالموضات النسائية، والاتجاه الثاني هو التمرد المفرط على الطبيعة الأنثوية والجسد الأنثوى بل والهوية الأنثوية والدعوة إلى ما يمكن أن نسميه الأنثوية السيبرانية.
فيما يتصل بالاتجاه الأول؛ الذى يتصل بقيود الملبس والموضة والتجميل ففى هذه الحال يجب أن يخضع الجسد الأنثوي لمجموعة من الممارسات الحياتية كأن يخضع، مثلًا، لنظام يومي محدد، ثم لمستحضرات التجميل، كالرموش وقطع الشعر والأظافر الصناعية، ومن أجل بشرة نضرة، يجب ألا تتعرض المرأة للعوامل الطبيعية؛ كالشمس والرياح، وفى هذا الاتجاه تتوقف معايير الجمال على الجسد وزخرفه وهيئته، وينظر إلى الأجساد الشابة –أو ما تظهر كذلك- على أنها هي الأجساد الجميلة ذات القيمة، وفي حين يخشى كل من الرجل والمرأة الشيخوخة، فإن المنتظر من المرأة أن تمنعها! لذلك يتزايد هوس إجراء جراحات التجميل رغبًة في الحصول على جسد أنثوي مقبول اجتماعيًا تنطبق عليه معايير الجمال الشكلية([16]).
أما الاتجاه الثاني؛ والذي أسميته الأنثوية السيبرانية فيعود إلى فكرة النسوية “دونا هاراواى Donna Haraway” عن كائن هجين بين الإنسان والآلة وذلك فيما أطلقت عليه السايبورج Cyborgs، وهو تصور خيالى في عالم ما بعد جندري لا شأن له بإزدواجية الجنس، مستندة في ذلك إلى أن التكنولوجيا الهائلة والمتسارعة لم تعد تفرق بصورة دقيقة بين الطبيعي والصناعي، أو بين العقل والجسد، أو بين ما يتطور ذاتيًا وما يصمم خارجيًا، وقد يكون الفرق بينهما ملتبسًا على نحو جذري، وذلك لأن الآلات التكنولوجية الحديثة أصبحت مفعمة بالحيوية بشكل مقلق، وأصبحنا نحن أنفسنا خامدين على نحو مخيف. وترى هاراواى أن الوعي بالجندر أو العرق فرض علينا بفعل التجربة التاريخية لوقائع اجتماعية متناقضة قوامها البطريركية والاستعمار والرأسمالية، ولا توجد مقولات جوهرية ثابتة، بل هو اعتراف بالائتلاف والألفة، لا بالهوية([17]).
وحقيقة الأمر، أن هذه الآراء تمثل رد فعل عنيف وغير موفق تجاه النظرة الدونية المقيدة للجسد الأنثوي، ولكونه مساحة للقمع الذكوري وللضبط والمراقبة، التي تنال من حرية المرأة وتبرر إدانتها لجسدها، مما يؤدى إلى شعور المرأة بعدم الاستحقاق. فالأزياء والموضة ومستحضرات التجميل ليست مؤامرة ذكورية ضد النساء، بل قد تكون من اختيارها – نعم و قد يكون هذا الاختيار مقيدًا بثقافتها المجتمعية، لكنه يظل اختيارها رغم ذلك- فقط، لا يجب أن تحول هذه الممارسات والإجراءات التجميلية جسد المرأة إلى زخرف صناعي، يسهم فى ترسيخ مكانة المرأة بوصفها جسدًا فحسب، وفيما يتصل بالسايبورج والدعوة –الخيالية- إلى هذا الكائن الهجين و الذى يمثل ثورة على مفهوم الهوية الأنثوية، فإنني أراه هروبًا لا تحررًا، وتدميرًا للإنسانية نفسها، فضلاً عن كونه يمثل نوعًا جديدًا من الخضوع والخنوع للآلة عوضًا عن المجتمع الذكوري .
الخاتمة
لقد عانى الجسد الأنثوى فى رحلته للوعى بنفسه، كثيرًا من العثرات التى أوقفته وقيدته وشككته فى قوته وقدرته، بل وكانت مصدر خجل وشعور بعدم الاستحقاق، وقد شكلت هذه العثرات سردياتٌ كثيرة؛ لاهوتية، سياسية، اجتماعية، وطبية، وكانت فى مجملها نتاجًا للفكر الذكورى، فالجسد الأنثوى ناقص، معيب، مشوه، ثم هو موطن الغواية وأصل الخطيئة، ثم هو حاضن لنسل الذكورة، أسير رغباتها، وفى رحلته إلى الوعى بنفسه كان عليه أن يفكك تلك السرديات ويقف منها موقفًا نقديًا بما يعرفه هو عن نفسه لا بما يدعى الآخر من معرفة غير منصفة عنه، لكنه أمام آليات الضبط والمراقبة، بل والمعاقبة، أحيانًا، تخبطت قدماه، ولم يستمع إلى صوته، بل إلى أصوات الظلاميين أو أصوات المسرفين المغالين فى ردة فعلهم تجاه هذه السرديات الذكورية، الأمر الذى جعله ينكر طبيعته البيولوجية، ويحاول أن يتبرأ منها. كما هى الحال فى بعض الخطابات النسوية.
ويبقى السؤال، لماذا يجب أن تكون هناك ثنائية متناقضة بين الطبيعة والثقافة؟ لماذا يجب أن تنتمى المرأة لإحداهما دون الأخرى، نعم، يُعد الجسد الأنثوى نتاجًا ثقافيًا واجتماعيًا، لكنه أيضًا نتاج البيولوجيا الأنثوية، وعلى المرأة أن تحتفي باختلافها الجسدي، وترى فيه مصدرًا لقوتها ولأخلاقها، وينبغي، أيضًا، أن تنظر إلى جسدها بوصفه جزءًا من هويتها، ومرآة لعقلانيتها وثقافتها.
______________________________________________
المصادر والمواجع:
[1] أفلاطون: التيماوس، ف 13، فقرة 42، ترجمة فؤاد جرجي بربارة، تحقيق وتقديم: ألبير ريفو، منشورات وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي، 1968م، ص 243.
[2] جوليا سيسا: الفلسفات الجنسية لأفلاطون وأرسطو، موسوعة النساء في الغرب، ج1، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005م، ص 105.
[3] Abla Hasan: Plato Antifeminism: a new dualistic approach, art in E-Logos electronic Journal for Philosophy, university of Economics. Progue, 23, 2017. Nb.vse.cz/kfil/ e logos/ethics/hassan12pdf.
[4] جوليا سيسا: الفلسفات الجنسية لأفلاطون وأرسطو، ص ص 110-111.
[5] Helen King: Hippocrates’ women reading, the female body in ancient Greece, Routledge, London, 2014, p. 10.
(*) حقيقة الأمر، لم يكن تأثير فكرة الغواية في العهد القديم وقفًا على الفكر المسيحي فحسب، لكنها أثرت أيضًا في الفكر الإسلامي، فنجد الطبري –في تفسيره ورغم أهميته- متأثرًا بالإسرائيليات التي ترى المرأة رمزًا للغواية وسببًا في معاناة الجنس البشري.
فيقول على سبيل المثال: عندما غضب الله منهما قال: «يا حواء أنت التي غررت بعبدي…». وفي قول آخر، قال الله: « فإن لها على أن أدميها في كل شهر … وأن أجعلها تحمل كرهًا وتضع كرهًا …»، أي أن الطبيعة الجسدية للمرأة هي لعنة لعنها الله بها.
انظر الطبري: تفسير الطبري: ج1/ 1/ 187، جامع البيان عن تأويل القرآن، تحقيق: محمود محمد شاكر، مراجعة: أحمد محمد شاكر، مكتبة ابن تيمية للنشر، القاهرة، 2001م، ص526، 529.
[6] رسالة بولس إلى تيموثاوس، الإصحاح الثاني 2.14، مكتبة أنبا تكلا هيمانوت st.takla.org/pub-newest/54-timol.html.
[7] إمام عبد الفتاح إمام: الفيلسوف المسيحي والمرأة، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996م، ص ص 54-55.
[10] Caroline W. Bynum: Holy Feast and Holy Fast: The religious significance of food to medieval women, 19, p. 281.
[11] Peg O’Connor: Feminist perspectives on the Body, art. in, Stanford Encyclopedia of Philosophy. الرابط من هنا
[12] ميشيل فوكو: تاريخ الجنسانية، إرادة المعرفة، ترجمة: سلمان حرفوش، دار التنوير للطباعة والنشر، القاهرة، 2016م، ص 136.
[13] Angela King: The prisoner of Gender: Foucault and the disciplining of the female body, in, Journal of International Women’s Studies, Vol (5) p.31. الرابط من هنا
[14] ليندا جين شيفرد: أنثوية العلم، ترجمة: يمنى طريف الخولى، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2004، ص 77.
[16] Angela King: The prisoner of Gender: Foucault and the disciplining of the female body. p. 35.
[17] Donna J. Haraway: Simians, Cyborgs and women, the Reinvention of Nature Routledge, New York, art in, Science Technology and Socialist Feminism in the Late Twentieth Century, 1991, p. 150, 152, 155.