تكوين
في عالمٍ عربي تتآكله الصراعات العنفية في شكلٍ متواصل، وحيث غالباً ما يُستخدم الدين ذريعةً لشنّ الحروب واقتراف الآثام بحقّ الانسانية… نجدنا في حاجةٍ ماسّةٍ إلى فكرٍ تنويريٍّ تحديثيّ يُخرج الانسان العربي من حالةِ الصدمة القائمة على وهمية الاستسلام للواقع نحو حالة العقلنة والحداثة.. وما بعد الحداثة.
وقد انبرى العديد من مفكّرينا العرب إلى محاولة اقتحام هذه المتاهة المتصلّبة المؤدّية إلى المراوحة القاتلة، مكانياً وزمانياً، نظرياً وواقعياً.. بهدف فتحِ ثغرةِ أملٍ في التفكّر السليم المنعقد على اللوغوس الخالص. ومن أبرز هؤلاء المفكّرين كان الفيلسوف المغربي محمد سبيلا1.
أولاً: بين التقليد والتحديث
تفتّح وعي سبيلا منذ بداياته على تساؤلاتٍ ميتافيزيقيةٍ حول أصل الحياة وغموض الموت وارتباط مصير الانسان برعبٍ محتومٍ من شرور عذابات الآخرة.
وكان لهذه الحالة التأثير المباشر على تكوّن شخصيّته، فحمل على أكتافه طفولةً موسومةً بالانطواء على الذات. وما جعل هذا الانطواء أكثر استفحالاً عاملان:
- علاقةٌ متوتّرة مع والدته
- وتربيةٌ دينيةٌ متشدّدة في “الكتّاب” حيث لم تفارقه قط ذكرى سوط الفقيه وساديّته وتأويلاته الترهيبية كما وصفها.
وقد شكّلت هذه المعطيات التراجيدية لديه، على حدّ قوله:
“شخصيةً قاعديةً قلقة، متوتّرة، متسائلة، لم تجد إلا في المطالعة والمتخيّل بعض ما يلطّف من غلوائها، سواء في مجال العلوم والفلكيات أو في مجال الفلسفة والميتافيزيقيا أو في مجال الأدب.”2
مع هذه السمات الشخصية، وجد سبيلا نفسه خلال طفولته أمام مشهدَين متناقضّين:
- مشهد الطبيعة في البادية برونقها التقليدي، وجمالها الهادئ، وطابعها التكراري الداخل في الملل من جهة
- ومن جهةٍ أخرى، مشهد العالم المتّصل بالآلة والحركية والتقنية.. فتحضّر، على المستوى النفسي، لولوج مرحلة النضج حيث بدأ مفهوم “الحداثة” بالتبلور تدريجاً في مقاربته الموضوعات الفلسفية والسوسيولوجية، بعدما وصّف العلاقة بين التقليد والتحديث بالمركّبة والمعقّدة وذات الأبعاد المتعدّدة، لا بل الشائكة.
أراد سبيلا، من خلال الفلسفة، أن يحقّق انعتاقاً متكاملاً، على رغم صعوبته، من صنمية التقليد، وانتقالاً إلى حركية التحديث، وهو القائل:
“لقد وجدتُ ضالّتي في التفكير في الحداثة.”3
مع أنه لم يستسهل مطلقاً أمر القطيعة مع التراث الذي يسكن وجداننا العربي ويتبدّى في لغتنا وفي مخيّلتنا.
أن نكسر التقليد، ونحافظ على ثراء تراثنا، وننطلق نحو التحديث.. أمرٌ غير مستحيل، لا سيّما إذا ما استخدمنا ملَكَة العقل في الوجهة المناسبة.
ثانياً: “دفاعاً عن العقل والحداثة”
واجه سبيلا منظومة التحجّر التقليدي وسلك، كما يدلّ على ذلك عنوان كتابه “دفاعاً عن العقل والحداثة”، سبيل “التبشير” بالحداثة في العالم العربي، بروح المفكّر الحرّ والجريء الذي لا يهاب نقداً ولا يرتهن لدين. وقد ساعدته في مهمّته أولاً إحاطته الدقيقة بواقع المجتمع المغربي والتحوّلات الحاصلة فيه، وتالياً إطّلاعه على فلسفة كلّ من مارتن هايدغر ويورغن هابرماس وميشال فوكو وهانس بلومنبرغ وماكس فيبر وسواهم… ففي رأيه مثلاً أنّ هايدغر أسهم، على الرغم من نقده الراديكالي للحداثة، وبخاصة “بخلفيّاتها ومرتكزاتها الميتافيزيقية أو الفلسفية، في الحفر في أعماق الحداثة الفكرية“4 لإبراز بُنيتها. واعتبر فيبر التحديث في جوهره عملية عقلنةٍ وتنظيمٍ للمجتمع والاقتصاد والسياسة، ونزعاً “للطابع السحري عن العالم“5 من الناحية الفكرية.
وإذا كانت الحداثة تحوّلاً ذهنياً وثقافياً وسلوكياً، وهي تتماهى مع الابداع والتجديد لتتجاوز التخلّف والتقليد.. وإذا كان العالم العربي يتماثل مع التحديث الغربي، فعلى المثقّف العربي أن يأخذ أمرَين في الاعتبار: بداءةً الدور الأول للعقل في حمل لواء الحداثة، وتالياً وجوب التعاطي النقدي مع الفكر الغربي، والتمييز فيه بين العلمي والايديولوجي، وبين المحلّي والكوني، والانتباه إلى تاريخية الثقافة والفكر6 ، ذلك أنّ على العقل النقدي أن يكون الحارس المباشر للفكر العربي المنطلق نحو الانفتاح، عبر مساراتٍ لا تُدرك نقطة انتهاء، لأنّ الحداثة مشروعٌ متجدّدٌ باستمراريةٍ في الزمن، وبتلاقٍ وتلاحمٍ مع مفهوم الرقيّ الحضاري الذي يحفظ للفرد كرامته وحقوقه.. هي انتقالٌ من المعرفة المبنيّة على التأمّل والتنظير إلى تلك المعتمِدة على مواكبة تسارع التقدّم التقني.
كلّ من يقف في وجه هذا المسار غير الناجز بإطلاق، إنّما ينتمي إلى ثقافة رفض الآخر، ويعاني من التباسٍ في إدراكِ إيجابيّات الفعل التحديثي، ولا يعي حقّاً أنّ مرحلة ما بعد الحداثة إنّما تحمل “صورةً أكثر إنسانيةً عن الحداثة، حيث تدمج في منظورها الذات البشرية الفاعلة والمعاني الغائبة، والأبعاد الجمالية، محاوِلةً الحدّ من بعض مظاهر أداتيّتها.”7
ليست الحداثة إذاً مجرّد شعارٍ نحمله أو مصطلح نسعى وراء تفكيك معانيه، ولا هي مجرّد مفهومٍ يشدّنا نحو رؤيةٍ جديدة.. إنها صيرورةٌ تجرف الجميع حتّى رافضيها. تبعاً لذلك، عرف العالم العربي، في مسيرة التحديث، تفاعلاً حادّاً “بين الاستمرارية والقطيعة، بين القفز والتلكّؤ، بين التقدّم والتراجع.”8
ثالثاً: وجوب عقلنة الخطاب الديني
من منطلق انفتاحه العقلاني على كافة مستويات الفكر، تصدّى سبيلا في كتاباته وحواراته لما سمّاه “قصوراً ذاتياً” لدى بعض الناطقين باسم الدين، والاسلامي على وجه الخصوص، ولدى مقدّمي التحليلات الدينية غير المقبولة علمياً، فرأى أنهم ينتمون إلى ثقافةٍ تجمّدت في الزمن منذ القرن العاشر الميلادي، وبقيت خارج الأحداث والاكتشافات التي شهدتها البشرية المتقدّمة في ميادين الفلك والجغرافيا والبيولوجيا وسواها من العلوم. ووصف ثقافتهم بالدفاعية إذ أنها تسعى وراء تبرير التخلّف وإفراز
“بدائل تعويضية واستبدالية قوامها أَمثَلَة الذات، وتمجيد الماضي، وتبديع الآخر، وإنكار الواقع، ونفي التاريخ.”9
ففي رأيه أنّ الخطاب الديني المرتكز على التشكيك بالحقائق العلمية المثبَتة، وبإيجابيات الثورة التكنولوجية… هو خطابٌ عقيمٌ لا يتلقّفه سوى من أغلق الباب أمام العقل، وغرق في أوهام الأساطير والتأولات، وهذه حال الجَهَلة والمنقادين في شكلٍ أعمى خلف بعض الأصوات المنادية بإخفات صوت العقل.
فبماذا نردّ على من أنكر كروية الأرض ومركزية الشمس معتبراً كوبرنيكوس ومن يصدّقه من الكَفَرَة؟ أو على من انتقد الثقافة التلفزيونية وحرّم مشاهدة “ما يفتن الناس ويُلهيهم عن ذكر الله“؟ أو على من سخر من الأميريكيين “الذين قادهم إبليس إلى التصديق بأنهم صعدوا إلى القمر“؟ أو على من رأى في التسونامي عقاباً إلهياً ضدّ السياحة الجنسية؟.. وبماذا نردّ على من يرفض الديمقراطية لأنها موروثٌ غربي، ومن يتشبّث بالغيبيات لإنكار أسس الفكر الحديث، ومن يدّعي إبصار الملائكة ومجالسة الأنبياء؟!
هي تساؤلات طرحها سبيلا مؤكّداً وجوب عقلنة الخطاب الديني، ونزع الطابع الميتولوجي عنه، والحدّ من توظيفه إيديولوجياً. كيف يكون ذلك؟
ينبغي، في رأيه، أن تتلاءم تأويلات الخطاب الديني مع المعطيات الأساسية للعلم، وأن يتمّ قبول الإبداعات التقنية والثورات الفكرية، واستيعاب الحداثة في تنظيم المجتمع والسلطة، لمواكبة النقاشات الفلسفية المركزية لعصرنا الراهن… “حتى لا يصبح هذا الخطاب الديني، إما نقيضاً للخطاب العلمي، أو في أحسن الأحوال تشبّثاً بحقائق معرفية أجمَعَ المجتمع العلمي العالمي على رفضها وتجاوزها.”10
خاتمة
لم تكن الحداثة، في مؤلّفات محمد سبيلا، مفهوماً أراد فقط الاستفاضة في تحليله وتقييمه وتبيان إرهاصاته وانعكاساته، وبخاصة في المجتمع العربي. فأمام مشهدية الانزلاق الفكري، الطوعي حيناً والقسري حيناً آخر، في جمود الخطاب الديني المتزمّت، غدت الحداثة المتناغمة مع العقلنة هاجساً فلسفياً لديه، فشدّد في كلّ ما كتب على ضرورة الخروج من لوثة الذاتية والانطباعية نحو رحابِ فكرٍ حديثٍ قابلٍ للنقد والمساءلة، على قاعدة عصرنة الثقافة بحكمة الساعي دوماً نحو الأفضل والأمثل.
وفي واقع ما نعيشه اليوم حيث الغرائزية الدينية، الغريبة عن أيّ دين، تحرّك من يكفّر الآخر ويصل إلى حدّ قتله باسم الدين.. نجدنا في حاجةٍ إلى حكماء وعقلاء كأمثال سبيلا، لننخرط معهم في زمن العالم والعلم والانسان!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] محمد سبيلا (1942-2021): مفكّر مغربي، باحث وكاتب ومترجم في الحقل الفلسفي. من مواليد الدار البيضاء. درس في جامعة محمد الخامس في الرباط، ثم في جامعة السوربون في باريس. العام 1967، أصبح عضواً في “اتّحاد كتّاب المغرب”، وكان رئيساً لشعبة الفلسفة وعلم الاجتماع في كلّية الآداب في فاس بين العامَين 1972 و 1980. من أبرز مؤلّفاته: مدارات الحداثة (1987)، الأصولية والحداثة (1998)، الحداثة وما بعد الحداثة (2000)، النزعات الأصولية والحداثة (2002)، مخاضات الحداثة (2007)، الشرط الحداثي (2020)… إضافةً إلى ترجماتٍ عديدة جعلته في طليعة مترجمي الفكر الفلسفي الغربي، نذكر منها: “الفلسفة بين العلم والايديولوجيا” لألتوسير (1984)، “التقنية، الحقيقة، الوجود” لهايدغر (1984)، “نظام الخطاب” لفوكو (1986)…
[2] محمد الشيخ، حوار مع المفكّر المغربي محمد سبيلا: في سبيل حداثةٍ فكرية، Centre for Arab Unity Studies, caus.org.lb. ، 12 أبريل 2019.
[3] محمد سبيلا، أمشاج: حوارات في الثقافة والسياسة، المطبعة السريعة، المغرب، 1999، ص. 7.
[4] محمد الشيخ، حوار مع المفكّر المغربي محمد سبيلا: في سبيل حداثةٍ فكرية، مرجع مذكور.
[5] المرجع نفسه.
[6] محمد سبيلا، مدارات الحداثة، الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، 2009، ص. 11.
[7] محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحداثة، دار توبقال، الطبعة الثالثة، الدار البيضاء، 2008، ص. 5.
[8] إدريس الهاني، “حوار: المفكّر المغربي محمد سبيلا: إهتدى الغرب إلى العَلمانية ليُنهي التصادم بين السياسة والدين، مجلّة الاستغراب، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية، العدد 2، شتاء 2016، السنة الثانية.
[9] محمد سبيلا، الايمان والعقل: هل يمكن عقلنة الخطاب الديني؟، democratsudan.com ، 30 أبريل 2013.