الحسد والإغريق: أنثروبولوجيا الحسد من العالم القديم إلى المجتمع المعاصر

 تكوين

“إن رُوح الحسد، بوجهها الكريه وصوتها الصاخب، والتي تفرح للشر، سوف تظل الرفيق الدائم للإنسانية البائسة.” — هسيود

تقديم

“الحسد والإغريق” هو كتاب لبيتر والكوت Envy and the Greeks” “، صدر عام 1978، يتناول فيه موضوع الحسد عند الإغريق، ويوضح من خلاله أن فَهْم الحسد لا ينبغي أن يقتصر على عَدِّه شعورًا فرديًا أو انفعالًا عابرًا، وإنما يُمكن أن يتيح لنا فَهْم السلوك البشري وتعقيداته المختلفة. لذلك، أراد والكوت أن يفهم السلوك الإنساني عند الإغريق من خلال دراسة موضوعات مثل “الحسد” Envy و”الغيرة” jealousy بين أفراده، وعلاقتهما بالمكانة الاجتماعية التي يمنحها المجتمع، بل وبالحسد عند الآلهة أيضًا؛ إذ يمكن للآلهة وَفْقًا للتصور الإغريقي أن تحسد البشر، عندما يتجاوزون حدودهم ويتطاولون على ما هو إلهي. ومن ثم، تصبح فكرة النجاح والتفوق في المجتمع مرتبطة بحدود معينة، فإذا تجاوزها الفرد، عرّض نفسه للسقوط، من خلال ما يمكن أن يترتب على ذلك من حسد الآلهة. وترتبط هذه الفكرة ارتباطًا مباشرًا بمفهوم “الغطرسة” عند اليونان، ὕβρις Hybris، الذي يُشير في السياق اليوناني القديم، إلى التجاوز المتعمد للحدود، ويكون هذا التجاوز مصحوبًا بالتعالي والتمادي والإفراط في الثقة بالقوة والمكانة، مما قد يؤدي إلى الاعتداء على الآخرين أو تحدي النظام الأخلاقي والإلهي.

لذلك، فإن مقصد والكوت من دراسة “الحسد” هو فَهْم النظام القيمي والأخلاقي عند الإغريق، وقد لجأ في ذلك إلى أعمال الشعراء والمؤرخين والفلاسفة، مثل: هوميروس، وإسخيلوس، وبندار، وهيرودوت، وأفلاطون، وأرسطو؛ ليوضح كيف يكشف الحسد عن شبكة العلاقات داخل المجتمعات الإغريقية، التي تتشابك فيها المعتقدات الدينية مع طبيعة النفس البشرية، وتفاعلات المجتمع، وتراثه الثقافي.

لكن لماذا علينا أن نهتم بموضوع الحسد في القرن الحادي والعشرين؟

لأننا نريد أن ننطلق من فكرة بسيطة، وهي أن الحسد جزء طبيعي من النفس البشرية، ولكنه في الوقت نفسه جزء مدمّر للحاسد والمحسود معًا. وكي نواجه هذا التدمير، علينا أن نعترف به أولًا؛ ففي المجتمعات المعاصرة، يُنظر إلى مثل هذه الموضوعات على أنها خرافات وترهات لا ينبغي لعاقل أن يتحدث عنها، رغم أن النفس البشرية ما تزال تغلي في أتون الحسد والغيرة، ولكننا لا نعترف بذلك، بل ونوبّخ من يناقشه، حتى تفاقم الأمر إلى مرض لا شفاء منه، ولكنه مرض خفي يلوّث النفس ويزيّف الذات.

“إن الإغريق كانوا صادقين لدرجة أنهم تقبلوا هذه الحقيقة، وذكروها بمنتهى العلنية عند مناقشتهم للدوافع الإنسانية. ومن سوء الحظ أن عددًا قليلًا من العلماء هم الذين يملكون شجاعة ماهافي J.P.Mahaffy، الذي قال منذ قرن مضى، إن الغيرةَ الإغريقية سمةٌ تأصَّلت بشكل خاص في نسيج طبيعتهم منذ أقدم العصور.”[1]

فإذا كان الإغريق قد اعترفوا بالحسد، وواجهوه في نصوصهم بأشكال مختلفة، فإننا في بعض السياقات المعاصرة في المجتمعات العربية، وفي مصر على وجه التحديد، ندفع ثمنًا باهظًا لرفضنا الاعتراف بالحسد، ولجوئنا إلى كبت هذا الشعور وإنكاره أو إسقاطه على الآخر، رغم أنه يُمَثِّلُ جزءًا من تراثنا الديني والشعبي والأدبي.

فنحن نرى اليوم، وفي ظل ادعاءات التحضر المختلفة، أن مشاعر الحسد والغيرة تتملك كثيرًا من الناس، إلا أننا بسبب ثوب الحضارة الذي نرتديه، لم نتوقف بما يكفي لتحليل هذه المشاعر وتأثيرها في النفس البشرية في عالمنا المعاصر. ويبدو هذا الغياب عن التحليل أكثر إيلامًا في عالمنا العربي، الذي يئن من تدخلات سافرة في شؤونه، ومؤامرات قاسية لتقسيمه، وسُوْسٌ ينخر في جسده من الداخل، ويعمل على استمرارية تآكله وإضعافه، فتندر فيه الفرص، ويُحارب فيه النجاح، ويصبح التميز لافتًا ومدعاة للحسد والغيرة والعداء.

حتى أصبحنا، إذا نجح أحدنا، إما أن نشوّه سمعته، وإما أن نحاربه أينما حلَّ. والعجيب أننا نفعل ذلك تحت دعاوى أخلاقية وقواعد سلوكية تبدو في ظاهرها سامية وجليلة، في حين تنم في النهاية، عن مشاعر ضغينة وحسد مكبوتين.

أصبحت التفاهة هي التي تُشَقُّ لها الطُرق، والمدّعون هم من يُملون علينا خططنا الأخلاقية، والسُّرّاق واللصوص هم من يوزّعون الأقدار، حتى بتنا نفرح بالمناصب العُليا، ونحن نحيا في وطن نعلم جيدًا إلى من تؤول المناصب فيه؛ فقد أصبح الفساد كالهواء الذي نتنفسه، وتمتلئ به رئاتنا. لذا، فنحن أمام مفترق طرق طويل ومعقد: فإما أن نرتدي قناعًا يحمينا لبعض الوقت، كي نتمكن من فحص هواءنا الملوث، وإما أن نستمر في التنفس حتى تُنهك رئاتنا، ونستمر في إنكار ما يحدث؛ فيتحول ما نخفيه في داخلنا إلى فساد يستعصي على الإصلاح.

1- مفهوم الحسد في الفكر اليوناني القديم

في البداية، كان علينا أن نفهم أن المصطلح اليوناني الذي يُعبر عن الحسد أوسع بكثير من المقابل العربي. فنحن في العربية عندنا “الحسد”، وقد “قيل: الحسد أن تتمنى زوال نعمة غيرك، والغبطة أن تتمنى مثل حال صاحبك، وقال صلى الله عليه وسلم: المؤمن يغبط والمنافق يحسد. وقيل: الحسد خُلُقٌ دنيء، وقال ابن المعتز: الحسد من تعاطي الطبيعة واختلاف التركيب. وقيل: الحسد داعية النكد”[2].

لكننا في اليونانية نجد φθόνος — phthonos، التي تعني الحسد بالمعنى العربي الشائع، وهو زوال النعمة من صاحبها، والرغبة في امتلاكها، في حين نجد كلمة ζῆλος — zēlos، وهي أقرب إلى معنى الغيرة أو الغبطة، أي تمني النعمة دون الرغبة في زوالها من الآخر، ومن ثم فهي تحمل معنًى إيجابيًا يرتبط بالتطلع والنمو والازدهار دون إلحاق الضرر بالآخر. بينما يحمل الحسد phthonos معاني سلبية، تَتَمَثَّل في الرغبة في زوال النعمة عن الآخر، حتى لو لم أحصل عليها أنا؛ فالمهم أن تزول عنه.

ولذلك يحمل هذا المفهوم شحنة سلبية واضحة، إذ يعني الحسد والضيق من نجاح الآخر، والشعور بدونية الآخر وعدم استحقاقه لهذه النعمة، بل وصل الأمر إلى أن الآلهة نفسها قد تحسد الإنسان على ما يملكه من نجاح أو مكانة. وهذا ما بيّنه والكوت من خلال تناوله لأعمال شعراء مثل هوميروس وهسيود وبندار.

ولذلك تناول والكوت في الفصل الثالث موضوع “حسد الآلهة: الأمراء الشرقيون”، φθόνος θεῶν — phthonos theōn موضحًا أن هؤلاء الأمراء كانوا يتمتعون بمكانة عالية تقترب من مكانة الآلهة، مما كان يعرّضهم للسخط الإلهي، لا لأن الإنسان يمتلك مكانة أعلى من الآلهة، وإنما لأن الآلهة ترفض حتى فكرة أن يتشبه بها الإنسان أو يقترب من صفاتها.

“ولكن الحسد الذي يشعر به أحد الآلهة تجاه أحد البشر الأقوياء، سببه أنه من المحتمل أن يفقد هذا الإله ما يملكه بالفعل، وأنه لا يرغب في أن يشاركه فيه الآخرون الذين يقلون عنه في المكانة؛ لأن مجرد المشاركة تعني تقليل المزايا. وحسد الآلهة سببه رغبتهم في الاحتفاظ لأنفسهم فقط بشيء يحاول الكائن البشري أن يحصل عليه ولا يفقده.”[3]

وفي الفصل الرابع، يتناول والكوت “حسد الآلهة: الطغاة الإغريق”، ويوضح كيف أن للنجاح حدودًا أيضًا، وأن صفات الآلهة من الخطورة بمكان الاقتراب منها. وعرض والكوت كيف صوّر الشعراء تمني النعم الذي يجب أن تصحبه دعوات بألا تكون هذه النعم مثيرة لحسد الآلهة أو غضبهم.

فيقول والكوت: “مما لا شك فيه أن بندار يستطيع أن يشير إلى حسد الآلهة وإلى الحسد الذي يشعر به البشر تجاه الأشخاص الناجحين. ويتحدث الشاعر في القصيدة البيثية عن أن النجاح يصاحبه حسد على قدر حجمه، وفي فِقْرة أخرى يُشير إلى الحسد الذي يشعر به الجيران تجاه بعضهم البعض. إن رسالته للبشر بسيطة للغاية: لا تحاول أن تكون زيوس؛ فإذا صادفك جزء من كل ما هو جميل، فأنت تملك كل شيء.”[4] ويمكن تلخيص الفكرة السابقة في أن الآلهة لا تحسد تفوق الإنسان في المطلق، وإنما تحسد محاولته “المشاركة” في بعض الصفات الإلهية، لأن ذلك قد يُفهم بوصفه انتقاصًا من تفردها ومكانتها. ومن ثم، على الإنسان أن يلتزم بهذه الحدود إذا أراد السلامة، وألا يحاول تجاوز المسافة الفاصلة بين البشري والإلهي.

أما في الفلسفة، فنجد تصوَّر أفلاطون للدولة التي يُمنع فيها الحكام والحراس من التملك؛ لأن التملك يُفسد النفس، ويزرع الطمع والحسد بينهم، فبدلًا من حماية الدولة يتحولون إلى سارقين. لذلك، فإن تصور أفلاطون لعدم التملك يقوم على الحد من وجود الحسد من الأساس؛ فالحسد ينشأ من المقارنة بين وضعي ووضع الآخر الذي أراه أو أعرفه، ومن ثم ينشأ التنافس بين الناس في أن يحصل كل منهم على الأكثر، وأن يكون الأكثر تملكًا.

ويقول الشاعر الأثيني أجاثون: “ما كان سيوجد حسد في حياة الإنسان، لو ولدنا جميعًا متساوين”[5] لذلك، ربما يفسر هذا رؤية أفلاطون للدولة التي يتساوى فيها الجميع، وتقوم على المشاع وعدم التملك، ومن ثم يبطل التنافس والحسد وغيرهما من شرور النفس البشرية، التي تتفاقم في حالة امتلاك السلطة. “وكما يلاحظ المتحدث الأثيني في محاورة “القوانين” لأفلاطون، فإن المجتمع الذي يفرز أفضل الشخصيات هو المجتمع الذي ليس فيه ثروة ولا يعاني الفقرَ، حيث لا يوجد فيه مجال للعنف أو للجريمة أو لمشاعر الغيرة والحسد”[6] ويُقصد بـ “الأثيني” هنا، المتحدث الرئيس في المحاورة الذي يُمَثِّلُ آراء أفلاطون.

2- طبيعة الحسد: المقارنة والندية والنجاح

“وَفْقًا لأرسطو، فإن الحسد واحد من الانفعالات التي يثيرها ازدهار الآخرين، ويظهر في صورة “ألم ينشأ عند رؤية الحظ السعيد للآخرين الذين يشبهوننا…”[7] وهذا التعريف يشبه إلى حد ما مفهوم “الغيرة” jealousy؛ إذ يشير الاستخدام الحديث في اللُّغة الإنجليزية إلى أن الغيرة والغبطة والحسد يشتركون في سياق متشابه، لأن وجود موضوع للرغبة يمكن أن يخلق توترًا بين شخصين. لذلك، فإن الحسد عند أرسطو يقوم في الأساس على علاقة بالمقارنة والندية بين فردين، إلا أنه لا يتجه بصورة عشوائية إلى أي شخص، وإنما يظهر بصورة خاصة تجاه الأشخاص الذين نراهم شبيهين بنا. فقد أحسد شخصًا قريبًا مني أو يتشابه معي في العمر أو المكانة الاجتماعية أو المكانة العلمية، كأن ننتمي مثلًا إلى مجال عمل واحد. ومن ثم، فإن الحسد ليس مجرد استجابة لامتلاك الآخر نعمة، بل هو في الأساس نتيجة المقارنة بين الذات والآخر.

ويمكننا تحليل الموضوع بصورة أعمق من خلال مواقفنا الحياتية المعاصرة. فقد تثير رؤيتي أو معرفتي بنجاح ساحق لشخص ما الإعجاب، إذا كان هذا الشخص لا يشبهني أو لا يُمَثِّلُ مجالًا أقارن نفسي به؛ فقد أشعر بالإعجاب مثلًا، بِلاعِب كرة قدم، مثل أسطورة كرة القدم الآن “محمد صلاح”، لكنْ إذا كنت لاعب كرة قدم أيضًا، فإن باب الحسد يصبح أكثر انفتاحًا، وقد يتحول الشعور من الإعجاب إلى المقارنة ثم إلى الغيرة والحسد. ومن هنا يمكن فَهْم العلاقة بين الحسد والمنافسة بأن الآخر: “لا يصبح تهديدًا لمكانتي، إلا عندما أشعر أنه يقف في المجال نفسه الذي أقف فيه”[8].

وتظهر هنا مفارقة شديدة الأهمية، وهي أن الحسد لا يشترط وجود عداوة سابقة، بل إنه لا يشترط عداوة على الإطلاق، ولا حتى تعاملًا مباشرًا مع الشخص الذي أحمل تجاهه مشاعر الحسد. فقد يظهر الحسد تجاه صديق، أو قريب، أو زميل، أو حتى تجاه شخص سبق لي أن قدَّمت له يد المساعدة. لكن المفارقة تظهر عندما كان الشخص الذي ساعدته يبدو ضعيفًا أو مُتعثرًا، ثم ينجح لاحقًا بصورة تفوق ما كنت أتوقعه؛ عندها قد يتسلل شعور غريب بالضيق أو الندم على مساعدته، وكأن نجاحه كان مقبولًا ما دام لا يتجاوزنا، أما حين يتفوق علينا، فإن الشعور يتغير.

ويظهر هذا بصورة لافتة بين الأصدقاء في الدراسة؛ فقد يشعر بعضهم بالأسى لرسوب صديقهم، ويسعون جاهدين إلى مساعدته على النجاح، لكن سرعان ما تنقلب الآية إذا هو تفوق عليهم، رغم أنه هو الشخص نفسه الذي كانوا يرغبون في مساعدته كي ينجح، وعندها قد يتحول الشعور إلى حسد، وكأن الرسالة الضمنية تقول: كان بإمكانه أن ينجح، ولكنْ ليس لدرجة أن يتفوق علينا.

“وبالنظر إلى طبيعة الحسد، فقد وجد سقراط أنه نوع من أنواع الألم، لكنه ليس ألمًا بسبب مصيبة تصيب صديقًا، ولا بسبب حظ سعيد يصيب عدوًا؛ وإنما قال إن الذين يشعرون بـ بالحسد هم فقط أولئك الذين ينزعجون من نجاح أصدقائهم. وقد أبدى بعضهم دهشته من أن يشعر شخص يحب آخر بالألم بسبب نجاحه، لكنه ذكّرهم بأن كثيرين تربطهم بالآخرين هذه العلاقة؛ فهم لا يستطيعون تجاهلهم في أوقات الشدة، بل يساعدونهم في مصائبهم، ومع ذلك يشعرون بالألم عندما يرونهم يزدهرون.”[9]

ويدعم هذا ما حلّله والكوت من موضوع حسد الآلهة؛ إذ كان الإغريق يرون أن النجاح الجيد هو النجاح المحكوم بالحدود، وألا يتجاوز صاحبه حدوده، لأن النجاح المفرط قد يثير الحسد عند البشر، أو يزعج الآلهة خَشْية أن يقترب الإنسان من صفاتها أو يتطاول على مكانتها. وكان الخيط المشترك هنا هو أن كلًا من الآلهة والبشر يعملون بوصفهم “حراسًا للحدود”؛ فالآلهة تحرس حدودها حتى لا يقترب منها الإنسان أو يتجاوزها، ويحرس المجتمع حدوده من خلال الحسد، فيقاوم من يتجاوز المكانة المألوفة أو يبتعد كثيرًا عن حدود الجماعة. وهذا يجعلنا نفكر في “أنثروبولوجيا للحسد” إذ نجد أن: الحسد ليس مجرد كراهية للآخر، بل قد يكون اضطرابًا ينشأ عندما يصبح نجاح الآخر مرآةً لذواتنا ومكانتنا”[10].

ولكن من يأمن حقًا من الحسد؟ في مفارقة لافتة، لا يكاد أحد يأمنه إلا بموته؛ إذ يشير مَثَلٌ مأثور يورده ثيوپومبوس إلى أنه من وجهة النظر اليونانية، لم يكنْ الإنسان يأمن حقًا من حسد الآخرين إلا بعد موته، فيقول: “أعلم أن كثيرين يتفحصون الأحياء بنظرات يغلب عليها الحسد، أما الموتى، فبسبب مرور السنوات، وكثرة ما يفصل بيننا وبينهم، فإنهم يكونون أقل عُرْضة للحسد.”[11]

ويبدو وَفْقًا لهذا التصور، أنه لا مفر من مواجهة الحسد إذا أردنا النجاح، وكأنه ملازم له أو جزء منه. فوجود الإنسان بين الناس، ونجاحه، وظهوره، وتفوقه، يجعله عُرْضة لنظرات الآخرين وحسدهم؛ أما الموت فيزيل عنصر المنافسة، لأن الميت لم يَعُدْ منافسًا.

3- أنثروبولوجيا الحسد: المكانة والسلطة والمجتمع

يبدو أن الأمر لا يتوقف فقط عند الأفراد ذوي المكانة الاجتماعية المتشابهة؛ فقد ناقشنا أن الحسد يتطلب في بعض صوره، قَدْرًا من التقارب أو الندية، إلا أن الأمر يبدو أكثر تعقيدًا من ذلك؛ “فالوصف الذي يقدمه هيرودوت على لسان أوتانيس للسلوك السيئ للملوك تجاه رعاياهم، في إطار النقاش حول أشكال الحُكْم في الكتاب الثالث من “التواريخ”، يوضح أن الحسد يمكن أن يتجاوز حدود الندية والمكانة الاجتماعية المتقاربة. وهنا تتسع دلالة الحسد بصورة مُهمة؛ إذ لم يَعُدْ الأمر متعلقًا فقط بشخصين متقاربين في المكانة، وإنما يمكن أن يتجه أيضًا إلى الأقوى والأكثر نجاحًا”[12] ومن هنا يصبح الحسد مرتبطًا ليس بالملكية فقط، بل بـ النجاح والمكانة والقوة والتفوق والظهور الاجتماعي أو حتى الجمال والقدرة على الخطابة والتأثير.

وقد قدَّم هيرودوت نموذجًا أكثر تعقيدًا مما يبدو. فقد اعتدنا القول إن الأدنى يحسد الأعلى، وقد يحسد الرعايا الملك لأنه يملك كل شيء، في حين أنهم ربما يكونون لا يملكون شيئًا، إلا أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ إذ لا يستبعد هيرودوت أن يحسد الملك نفسه أفضل رعاياه، لأنه محبوب من الشعب أو لأنه يملك عليهم سلطة التأثير أو يتجمعون حوله، ويلجأون إليه، فيصبح الأدنى موضع حسد للأعلى؛ فتنقلب الآية.

وتظهر هنا المفارقة الأعمق في طبيعة الحسد: إذ ليس شرطًا أن أحسد من هو أعلى مني فقط؛ فقد أحسد من هو أدنى مني، إذا رأيت فيه شيئًا يُهدد مكانتي. وقد أحسد من هو أقوى مني، لأنه يمتلك ما أتمنى زواله، بل قد أحسد من هو قريب مني، لأنه ينجح في المجال الذي أرى نفسي جديرًا بالنجاح فيه. ولذلك يبدو أن الحسد لا تحكمه علاقة ثابتة بين “أعلى” و”أدنى”، وإنما تحكمه علاقة أكثر تعقيدًا، هي علاقة القيمة والمكانة والمقارنة والتهديد الرمزي.

وهنا ينشأ تساؤل مطروح: هل المساواة بين البشر تمنع الحسد؟ فالحسد لا ينشأ من وجود النعمة وَحْدها، بل من المقارنة بين الأشخاص. وإذا كان الحسد مرتبطًا بالمقارنة الاجتماعية، كما أن السلطة تجعل هذه المقارنة أكثر خطورة.

يرى والكوت أن الحسد لا يأتي من التملك فقط، بل يمكن أن ينشأ أيضًا من المكانة الاجتماعية أو الفكرية أو الفخر؛ فالحسد قد يتجه إلى الأشخاص الناجحين وذوي المكانة المرموقة والأكثر شهرة. ومن ثم، لا يأتي الحسد فقط من امتلاك شيء ما، بل قد ينشأ أيضًا بسبب الذكاء أو الجمال أو النفوذ أو أي شيء يرفع مكانة الفرد في مقابل الآخر، أو يجعله يحظى باحترام المجتمع وإعجابه بدرجة أكبر.

لذا، يحلل والكوت نموذجًا مؤثرًا “في محاورة “الدفاع” لأفلاطون، ودفاع سقراط في أثناء المحاكمة، نجد ما يؤكد أن سقراط أيضًا كان ضحية من ضحايا الحسد. فقد كان سقراط واثقًا أن إدانته ستكون نتيجة الافتراء وحسد الغالبية، وليس نتيجة التُّهم الموجهة إليه. ويُعد سقراط نموذجًا مُهمًا للضحية؛ لأننا هنا نجد رجلًا في مكانة تجعله موضعًا لحسد الجماهير، ونادرًا ما نجد ذكرًا لشخص عادي”[13] لذلك فالحسد مرتبط بالأشخاص المميزين، الذين يثيرون ضجة وليس الأشخاص العاديون.

كما تتجلى عظمة أفلاطون في تصوره للدولة من خلال إدراكه لعلاقة التملك بالحسد، وربطهما بعديدٍ من أسباب الشرور؛ فربما كان أفلاطون يخشى “الفقر المدقع” الذي يؤدي إلى الإذلال والشعور بالحاجة، مما قد يصل بالإنسان إلى الجريمة والصراع، إلا أنه خشي أيضًا “الثراء الفاحش”؛ لأنه يُولّد الترف والطمع والغرور والفساد. فكلا الحالتين مدمرتان لبقاء الدولة واستمرارها: فلا فقر مدقع ولا ثراء فاحش. ومن ثم يأتي الحل في المساواة والحد من التملك، بما يضمن الحد من التنافس والحسد؛ إذ تَخْفُت المقارنة بين الأفراد ويقل الصراع كلما اقترب المجتمع من حالة من التوازن والمساواة.

ولقد رأينا مما سبق عرضه من الأنثروبولوجيا الثقافية للحسد التي قدمها بيتر والكوت في دراسته عن الحسد عند الإغريق، أننا نستطيع من خلال دراسة الحسد، فَهْم السلوك البشري داخل المجتمعات، ولكنْ علينا أولًا الاعتراف بأهمية ذلك. وإذا كان هناك تساؤلٌ يستدعي الاهتمام حقًا، فهو: إذا كان الحسد على الرغم من سلبيته، معترفًا به على مر العصور بوصفه نزوعًا طبيعيًا من نوازع النفس البشرية، فلماذا ننكره اليوم؟

فمن الطبيعي أن نشعر بالحسد لأننا بشر، ولكننا في الوقت نفسه في حاجة ماسة إلى فَهْمه وفَهْم كيفية التعامل معه. فليس الشر في أن تكون النفس حاسدة، وإنما الشر في أن تظن أن الحسد أمر طبيعي؛ فتتمادى فيه. والحقيقة أن النفس الحسودة في حاجة إلى تهذيب، كما يقول الخطيب لسياس: “إن آفة الحسد يجب أن تُعالج بتهذيب النفس”[14].  وفي حاجة إلى التعامل مع هذا الشعور ومحاولة التخلص منه؛ لأنه يجلب الشر للحاسد والمحسود معًا. فقد قال ابن المقفع: “الحسد والحرص دعامتا الذنوب، فالحرص أخرج آدم عليه السلام من الجنة، والحسد نقل إبليس من جوار الله تعالى. وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: رُفِعَت البركةُ عن خمسة: الناكث والباغي  والحسود والحقود والخائن. وقال صلّى الله عليه وسلم: الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.”[15] فالنفس الحسودة إن لم يكنْ يعنيها الآخر الذي سوف يتضرر جراء فعل الحسد، فعلى الأقل ينبغي أن يعنيها ما يلحق بها هي نفسها من ضرر؛ فالحسد نار حارقة تحرق الاثنين: الحاسد والمحسود، وكما يؤكد والكوت أيضًا النصيحة العامة التي تقول: “الإنسان الحقود هو أسوأ عدو لنفسه”[16].

ولكن ما يسترعي الاهتمام حقًا في مجتمعاتنا المعاصرة، هو إنكار الحسد، ويتم إنكاره بصورة مبالغ فيها. فقد جاءت الحضارة لتنفي البدائية، وارتبط الحسد في الوعي الحديث بالبدائية، وكأن لا وجود له في مرحلة الحضارة؛ إلا أن الوضع الحقيقي هو أن الحضارة نفسها مُتْخَمَة بالحسد، لكنْ لا ينبغي البوحُ به حتى لا تتصف المجتمعات المتحضرة بما تنسبه إلى المجتمعات البدائية.

فإذا كان والكوت قد استطاع أن يؤسس من خلال دراسته، لأنثروبولوجيا ثقافية للحسد، بهدف فَهْم السلوك البشري في المجتمعات الإغريقية؛ فنحن أيضًا نحتاج إلى إعادة التفكير في الحسد من منظور أنثروبولوجي وثقافي؛ لا كي نفهم الحسد نفسه وعلاقته بالمجتمعات على الأصعدة المختلفة فحسب، بل كي نفهم أيضًا: لماذا يُخْفى؟ ولماذا يُنكر وجوده؟ وماذا يُمكن أن يكشف لنا هذا الإخفاء والإنكار من سمات عن المجتمعات المعاصرة؟ وهذه -في تقديري- نقطة تستحق الفحص.

فقد رأينا أن الحسد عند الإغريق كان يُنظر إليه بوصفه حقيقة إنسانية ونفسية مقبولة، بل وحقيقةً من حقائق الحياة، وأمرًا أساسيًا لِفَهْمِ النفس البشرية، فلم يخجلوا من الاعتراف به، لدرجة أنهم نسبوه إلى الآلهة، وهو ما أشرنا إليه عند حديثنا عن “حسد الآلهة”، إذ تكشف النصوص اليونانية التي تناولت الحسد أنه لم يُنظر إليه بوصفه شعورًا فرديًا فحسب، بل بوصفه عاملًا مؤثرًا في السلوك الفردي والجماعي. “والآن لننتقل إلى فهم الكيفية التي يتحول فيها الحسد إلى أداة للرقابة الاجتماعية، بل وأداة خطيرة للعنف أيضًا، قد تؤدي إلى فقدان الفرد لحياته، وهذا ما أوضحته إستر إيدينوف Esther Eidinow، أستاذة التاريخ القديم بجامعة بريستول، في كتابها “الحسد والسم والموت” في ثلاثية قاتلة، إذ يسري “الحسد” بين الأفراد “كالسم” الذي يفتك في النهاية بالآخر ويقضي عليه، وتركز إيدينوف على الوظيفة الاجتماعية للحسد، واستخدامه بوصفه آليةً للرقابة الاجتماعية؛ فهي تُمنح للبعض، في الوقت الذي تُستخدم ضد البعض الآخر، تمامًا كما يحدث الآن في مجتمعاتنا أيضًا.

تُحلل إيدينوف كيف أن النميمة والشائعات وتشويه صورة الفرد قد تنشأ من الحسد، ومن ثم، وكي نقضي على نجاح هذا الآخر أو نَحُدَّ منه، نستخدم آليات للرقابة الاجتماعية تَتَمَثَّل في كل ما يساعد على تقليل مكانته والحد من تأثيره. إنه أمر غريب حقًا، لكننا نعيشه ونشعر به ونمارسه، ومع ذلك لا يمكننا الاعتراف به. إنه يعمل في الخفاء، ويحرك المجتمعات ويتحكم فيها، وليس متاحًا لنا أن نعترف به. وهذه هي بداية السلسلة التي تجعل النار تضطرم تحت الرماد ولا تهدأ أبدًا.

4- الحسد والسم والموت: آلية الرقابة الاجتماعية

لتحليل ما سبق عن عدم الاعتراف المجتمعي بالحسد، أو تنصُّل الحضارة الحديثة منه وربطه بالبدائية، سوف نستعين بعدسة مزدوجة لتحليل واقعنا المعاصر، تكشف لنا التناقضات الجوهرية في طريقة تعاملنا مع الحسد.

سوف ننتقل من أفكار كتاب بيتر والكوت عن “الحسد والإغريق”، وتناوله للحسد بوصفه حقيقة إنسانية ونفسية مقبولة تحظى بالاعتراف، على نحو يختلف عما نراه اليوم، إلى كتاب إستر إيدينوف “Envy, Poison, and Death” (الحسد والسم والموت). إذ يقدم الكتابان نموذجًا من الماضي يقوم على أساس أن الحسد كان مُعترفًا به، وأن المجتمع كان يعترف بوجوده ببساطة، ويناقش آثاره، بل وينظمه عبر مؤسساته، مثل المحاكمات الأثينية التي تناولتها إيدينوف، إلى جانب حضوره في الأساطير والفلسفات.

تبدأ إيدينوف حديثها عن الحسد باقتباس مؤثر من الموسوعة البيزنطية “سودا” (Suda)[17]، التي تقدم عددًا من التعريفات إلى مفهوم الحسد phthonos، مُستمدةً إياها من أنواع أدبية كلاسيكية مختلفة. وتعود الموسوعة إلى القرن العاشر الميلادي، وتعرّف الحسدَ بأنه: “مرضٌ يصيب النفس البشرية، ويأكل كل نفس يستولي عليها، كما يأكل الصدأ الحديد.” وفي موضع آخر، وفي إطار الأبيات اليامبية أو الشعر اليوناني القديم، تَرِدُ العبارة: “إذا كشطت المقطع الثاني من كلمة الحسد phthonos، سوف تحصل على كلمة phonos، التي تعني القتل.”[18]

ركزت إيدينوف على البعد الاجتماعي للحسد، الذي انتقل من مجرد انفعال يتعلق بنجاح الآخر، إلى أداة قوية للإدانة والهدم والتهديد والوعيد. وتتمحور أفكار الكتاب حول ثلاث محاكمات جرت في أثينا خلال القرن الرابع قبل الميلاد لثلاث نساء، وكانت الاتهامات الموجهة إليهن تدور حول ممارستهن أنشطة وطقوسًا سحرية، وقد حُكم على امرأتين منهن بالإعدام.

وما يهم إيدينوف هنا ليس صحة التهم ذاتها أو الأدلة الجنائية عليها، وإنما الديناميات الاجتماعية المتعددة التي تكشف عنها هذه القصص. فهي تركز على الدور المزدوج للحسد (phthonos) والنميمة أو الشائعات (gossip) لِفَهْمِ الآليات التي يستخدمها المجتمع لتحديد الأشخاص والأنشطة الخطرة، أو التي يعدُّها كذلك. وقد رأينا أن هذا “الحديث عن الحسد” كان يتولّد ويُعبَّر عنه من خلال النميمة والشائعات؛ وهي في ذاتها خطاب سام ذو قوة هائلة، إذ تجعل الشك حيًا وفاعلًا، وتمنحه قوة حقيقية عندما تتوافر الظروف الملائمة”[19]. وقد كشفت تحليلات هذه المحاكمات عن البيئة الاجتماعية والسياسية لأثينا خلال أوائل ومنتصف القرن الرابع قبل الميلاد. وهكذا انتقلت إيدينوف من سيكولوجيا الحسد إلى أنثروبولوجيا الحسد؛ أي من كونه مجرد شعور فردي إلى كونه قوة اجتماعية مؤثرة، يمكن أن تفرض العقوبات، وتنسج الاتهامات، بل وتدفع إلى نتائج قد تُوْدي بحياة الآخرين.

فالحسد قد يؤدي إلى النميمة ونشر الشائعات بهدف تشويه السمعة، ومن ثم صناعة صورة “الشخص الخطِر”، مما ينشر الشك، ويتحول لاحقًا إلى اتهام، فيؤدي إلى تدخل المجتمع، ثم يصدر قرار قضائي أو سياسي. ومن هنا تبرز أهمية تركيز إيدينوف على الوظيفة الاجتماعية للحسد؛ إذ تصوره بوصفه أكثر من مجرد شعور سيئ، بل قوة ديناميكية تعمل بوصفها آلية مخيفة للرقابة الاجتماعية.

ففي أثينا القديمة مثلًا، تُحلل إيدينوف كيف أصبحت النميمة والشائعات وتهمة السحر أدوات يستخدمها المجتمع لتأديب من يخرج عن المألوف أو عن الصورة التي يرسمها المجتمع للسلوك الطبيعي والمقبول. ومن ثم، لم يكنْ الحسد مجرد انفعال فردي أو حتى ظاهرة جماعية عابرة، بل كان فاعلًا ومعترفًا به، ليس فقط بوصفه جزءًا من النسيج الاجتماعي، وإنما أيضًا بوصفه محركًا لبعض القضايا القانونية.

وفي واقعنا المعاصر، نجد تحليلات إيدينوف مفعَّلة بدقة؛ فعندنا إنكار ومنافقة بشأن الاعتراف بالحسد، الذي لا يتوافق في تصورنا، مع مرحلة الحضارة التي نعيش فيها، إلا أننا نعيشه بكل تفاصيله؛ فنجد أن الحسد يملأ الفضاءات الاجتماعية، مثل منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، ويمتد إلى بيئة العمل والعلاقات بين الزملاء، وكذلك إلى العلاقات الشخصية. فقد أصبح محركًا للتنافسية والكراهية والشماتة والانتقاد اللاذع.

لكن بدلًا من الإغريق الذين كانوا يتناولون هذه الأمور على العلن، نتخفى نحن اليوم وراء ستائر متعددة؛ فخلف منشور على “فيسبوك” أو تغريدة على “إكس”، أصبحنا نستطيع أن “نصنع من الحَبَّةِ قُبَّة”، كما يقولون، وأن نحوّل الموضوع البسيط إلى قضية كبرى، ونخلق الأهمية لمن لا أهمية له، والعكس صحيح أيضًا؛ فإذا أردنا أن نحطَّ من شأن أحدهم أو نشكك في مكانته الاجتماعية نقوم بذلك بسهولة عبر المنصات المختلفة، فلم تَعُدْ المحاكمات الأثينية تختلف كثيرًا عما نعقده من “محاكمات” على وسائل التواصل الاجتماعي للنيل من شخص ما، لأنه متفوق أو مميز، أو لأنه حصل على ما لم نحصل عليه نحن.

5- الحسد والامتنان: الجذور النفسية المبكرة

نصل هنا إلى نقلة نوعية في فهمنا للتناقض المعاصر المتعلق بعدم الاعتراف بالحسد، من خلال كتاب ميلاني كلاين (Melanie Klein) “الحسد والامتنان” (Envy and Gratitude and Other Works). فبينما ركز والكوت على حضوره الثقافي، وركزت إيدينوف على وظيفته الاجتماعية، جاءت كلاين لتكشف عن جذوره النفسية العميقة؛ فتقول: “لقد كنتُ مهتمةً ولسنوات عديدة بالمصادر الأولى لموقفين كانا دائمًا مألوفين لنا، وهما: الحسد والامتنان. وقد توصّلت إلى أن الحسد عامل شديد القوة في تقويض مشاعر الحب والامتنان من جذورها، لأنه يؤثر في أقدم علاقة على الإطلاق، وهي العلاقة بالأم.”[20] لذلك، تدور فكرتها الأساسية حول أن الحسد أقدم مما نتصور؛ فتؤكد كلاين أن الحسد ليس مجرد انفعال يظهر في مرحلة متأخرة من الحياة، بسبب المنافسة الاجتماعية أو المقارنة مع الآخرين فحسب، بل ترى أن له جَذْرًا أوليًا مبكرًا جدًا في الحياة النفسية للطفل  إذ ارتبط بفعل الرضاعة وعلاقته بالأم، وتحديدًا بالثدي الذي يطعمه، بوصفه موضوعًا مُنفصلًا عنه يمتلكه الآخر، أي الأم.

ونلاحظ العمق التاريخي لهذه الفكرة فيما لاحظه أوغسطينوس قبل كلاين بقرون، ففي الاعترافات، الكتاب الأول، يتأمل أوغسطينوس في سلوك الأطفال، ويستشهد بمشهد طفل يَغَارُ من أخيه الرضيع الذي يشاركه الرضاعة، فيقول: “لقد رأيت بنفسي طفلًا صغيرًا يشعر بالغيرة، ولم يكنْ يجيد الكلام بعد، ولكنه كان شاحبًا وكانت نظراته القاسية مصوبة نحو أخيه في الرضاع”[21].

وانطلاقًا من هذه الجذور المبكرة، تُعرّفُ كلاين الحسد بأنه في جوهره، شعور غاضب تجاه شخص يمتلك شيئًا مرغوبًا فيه ويستمتع به، مع نزوع إلى أخذه منه أو إفساده، وترى أن الحسد يستهدف “الخير” نفسه، لا مجرد امتلاك الشيء. تبدأ كلاين من الجذور الأولى عند الطفل، عندما يَتَكَوَّنُ الاستعداد النفسي للحسد من خلال تجرِبة الرضاعة التي تحقق للطفل الإشباع والأمان. فالطفل ينظر إلى الثدي بوصفه موضوعًا منفصلًا عنه، يمتلك الخير، وقد يمنحه إياه أو يمنعه عنه؛ ومن هنا يبدأ يَتَكَوَّنُ الاستعداد النفسي للشعور بالحسد؛ فتقول: “الحسد يُسهم في الصعوبات التي يواجهها الرضيع في بِناء موضوعه الجيد؛ إذ يشعر بأن الإشباع الذي حُرم منه قد احتفظ به الثدي لنفسه. ويعني ذلك أن الرضيع قد يشعر بأن الثدي، حين يحرمه الإشباعَ، يحتفظ لنفسه بالخير الذي كان يتوق إلى الحصول عليه.”[22] فتتعقد العلاقة ويبدأ الشعور بالحسد الذي يصل إلى الرغبة في إفساد مصدر طعامه.

ولكن السؤال المهم هنا: إلى أين يمكن أن يقودنا هذا الحسد؟ هل يظل مجرد انفعال مؤقت، أم يتحول إلى طمع، أم يتطور إلى رغبة في التدمير؟ لذلك تضع كلاين تمييزًا دقيقًا بين ثلاثة انفعالات تختلط أحيانًا في الاستخدام اليومي، وهي: الحسد، والغيرة، والطمع.

الحسد: أن تمتلك خيرًا، ولكن الآخر لا يحتمل كونك تملكه، ويرغب في زواله عنك أو إفساده.

الغيرة : أن أملك شيئًا، أو علاقة أخشى أن يأخذها مني شخص آخر.

الطمع:  رغبة في المزيد دون الشعور بالاكتفاء.

تجعل كلاين الحسد مرتبطًا بـ إفساد الخير نفسه، وليس فقط بمجرد الرغبة في امتلاكه. وكأن منطقه يقول: إذا لم يكنْ الخير لي، فلا ينبغي أن يكون لك أيضًا وهنا ننتقل من الحسد بوصفه شعورًا داخليًا إلى الحسد بوصفه تشويهًا للآخر وإفسادًا لمكانته وصورته.

وهذا المفهوم التدميري للحسد يجده المرء متجسدًا في أكثر الأعمال الأدبية تعقيدًا، مثل مسرحية “عطيل” Othello لشكسبير، إذ نجد أن عطيل يدمر الموضوع الذي يحبه، بدافع غيرته.”[23] ولذلك، فالشخص الحسود بطبيعته لا يشبع؛ لأن حسده ينبع من داخله، ولذلك يجد دائمًا موضوعًا جديدًا يركز عليه. وهذا يوضح أيضًا الصلة الوثيقة بين الغيرة والطمع والحسد. ويبدو أن شكسبير لا يميز دائمًا تمييزًا واضحًا بين الحسد والغيرة؛ وتكشف الأبيات الآتية من مسرحية “عطيل” بصورة كاملة دلالة الحسد بالمعنى الذي حددته كلاين هنا:

“احذر يا سيدي من الغيرة؛

فهي الوحش ذو العينين الخضراوين،

الذي يسخر من الطعام الذي يتغذى عليه…“[24]

وهنا نفهم لماذا تعمقت كلاين في تحليل علاقة الطفل بثدي أمه بوصفه موضوعًا منفصلًا، ولماذا عدَّتهُ نقطة مُهمة في نشأة أول شعور بالحسد؛ فالطفل قد يشعر بالضغينة تجاه الموضوع الذي يمدّه بالغذاء والإشباع. ويستدعي ذلك إلى الذهن القول المأثور: “عضّ اليد التي تطعمه“[25]، أو التعبير الشعبي المأثور: “عضّ الإيد اللي اتمدّت له” وقد قدمت كلاين تعميقًا نفسيًا لفكرة الحسد؛ إذ رَسَخَت عندها فكرةٌ مفادها أنني إذا لم أمتلك ما عندك من خير، فسوف أسعى إلى إفساده. وربما يمكننا القول: إن الحاسد لا يريد دائمًا أن يمتلك الخير لنفسه، بل يريد أن يفسد الخير عند الآخر؛ لأنه لا يستطيع تحمّل رؤيته سعيدًا.

وهنا نجد تقاطعًا مثيرًا جدًا مع مفهوم الحسد عند أرسطو؛ فعند أرسطو كما رأينا، يمكن أن يكون جوهر الحسد هو الرغبة في ألا يمتلك الآخر ما يمتلكه. وهذا يجعل الحسد أكثر تدميرًا من مجرد الرغبة في امتلاك الشيء؛ لأن الحاسد لا يسعى بالضرورة إلى الحصول على النعمة، وإنما قد يكون همه الأساسي هو حرمان الآخر منها أو إفسادها. ومن هنا لا ترى كلاين الحسد مجرد انفعال بسيط، بل تَعدُّه قوةً نفسية يمكن أن تؤثر في قدرة الإنسان على بِناء علاقة صحية مع الآخرين.

6- كيف تعامل اليونانيون مع الحسد؟

بالطبع لم يضعوا علاجًا نهائيًا للحسد، ولكنهم اعترفوا به، وسعوا إلى الحد من آثاره لمصلحة الفرد والجماعة. وقد كان الحسد حاضرًا في الأدب والشعر والتاريخ والخطابة والفلسفة والأساطير. لذلك، جاءت التعاليم الأخلاقية بالدعوة إلى تهذيب النفس، وجاءت الفلسفة بتأكيد ضبط الانفعالات والتحلي بالحكمة، وجاء الشعر ليتوارث الوسائل القديمة التي اتُّبعت للحماية من الحسد، مثل القلائد والتمائم وغيرها.

وحين طالب الخطيب لسياس بتهذيب النفس، كما ذكرنا لاحقًا، كان يؤكد أن الحسد انفعال قد يوجد في النفس، لكن الفضيلة تتحدد في قدرة الإنسان على ضبطه. وكذلك جاء التحذير من أن الامتلاء بالنجاح قد يدفع الفرد إلى الغطرسة التي تُهلك صاحبها؛ لذلك قيل: “لا تكن زيوس”، فالغطرسة لا تلفت انتباه عين الحسود فحسب، بل قد تصل إلى استفزاز الآلهة أيضًا. ومن ثم، كان على الإنسان أن يتحلى بالتواضع، مهما بلغ نجاحه.

إلا أن المثير للدهشة حقًا، هو تشابه الطقوس التي ابتدعها اليونانيون للتعامل مع الحسد مع الطقوس التي استخدمها الموروث الشعبي المصري قديمًا وحتى الآن. فغالبًا ما نجد الفرد، إذا شعر بأن الآخر ينظر إليه بعين الحسد أو الغيرة، يرسم علامة “الخمسة” بأصابع يده، ويظل يحركها في وجه الشخص الحاسد (أي يُخمِّس في وجهه)، معتقدًا أن ذلك يكسر شر عين الحسود. ونجد أيضًا من يبصق في صدره ثلاث مرات، أو يرتدي قلادات وتمائم معينة، مثل علامة الكف أو الخرزة الزرقاء.

وحتى اليوم، يعتقد بعض الناس أن الأطفال حديثي الولادة يتعرضون للحسد؛ لذلك، في “سبوع” الطفل، توضع “عَلّاقة الكف”، وهي قلادة ذهبية تتدلى أمام جبين الطفل، لتقف أمام عين الحسود؛ فتصرف انتباهه، ويلهيه لمعان القلادة الذهبية عن حسد الطفل.

وقد يمكن تبرير كل هذه الممارسات بوصفها خرافات أو أوهامًا عند الفئات الشعبية أو التقليدية، أو حتى “البدائية”، أيًّا كان الوصف الذي نطلقه عليها. ولكنْ كيف نصف معالجة الإغريق للأمر بالوسائل والطرق نفسها؟ ربما يكون هذا التشابه دليلًا قويًا على أن الخوف من الحسد يمكن النظر إليه بوصفه ظاهرةً إنسانية تتجاوز الثقافات، وأن الحلول الطقسية قد تتشابه حيثما وُجد هذا الخوف.

يذكر بيتر والكوت في الفصل السابع، المُعنون “العين الحسود” (evil eye)، مثالًا يقول فيه: “وينكر الكيكلوبس أنه قبيح المنظر، فقد وجد أسنانه أكثر بياضًا من الرخام؛ لذلك يقول: لقد بصقت في صدري ثلاثَ مرات حتى لا يحسدني أحد. فقد علمتني العجوز كوتيتاريس ذلك، ولقد عُدَّ البَصْقُ ثلاثَ مرات إجراءً كافيًا لتجنب عين الحسود”[26] ومن خلال الفصل السابع يشير والكوت إلى عددٍ كبيرٍ جدًا من الشواهد الأدبية اليونانية المتعلقة بالعين الشريرة، وقد بلغت أكثر من مئة موضع في الكتابات القديمة، إذ نجد كيف واجه اليونانيون العين الحسودة، واستخدموا التمائم والعلامات والأشكال التي تمنع الحسد، والتي تتطابق مع ما يفعله المصريون حتى الآن، وإن كانت قد توجد في ثقافات أخرى بأشكال مغايرة.

ولهذا يناقش الحلول التي قدمتها الفلسفة والدين لمشكلة الحسد، خصوصًا عندما أصبح واضحًا أن ترك هذه المشاعر بلا ضبط قد يؤدي إلى اضطراب الفرد والجماعة. يعرض والكوت الأصل الديني للحسد من خلال رؤيته عند كبريان القرطاجي (Cyprian of Carthage)، وبالتحديد في رسالته اللاتينية “De zelo et livore”، أي “عن الغيرة والحسد”، وهي من النصوص المسيحية المبكرة المهمة في تاريخ تصور الحسد، فهو لا يتعامل مع الحسد على أنه مجرد شعور أخلاقي سيئ، بل يربطه بأصل لاهوتي في قصة خروج الشيطان من الجنة نتيجة حسده لآدم؛ أي أن للحسد أصلًا شيطانيًا في هذا التصور. فالشيطان حسد الإنسان، ومن ثم أصبح الحسد طريقًا إلى الاقتداء بالشيطان. فقد كان الشيطان في موضع قبول وقرب، لكنه لم يحتمل أن يمنح الله الإنسان مكانة وكرامة خاصة.

ويقول كبريان: “إن أصل الحسد موجود في الشيطان الذي كان مقبولًا عند الرب وعزيزًا عليه، ولكن عندما رأى أن الله قد شكّل الإنسان على شاكلته، بدأت الغيرة والحسد الشرير، وبسبب هذه الغيرة شعر هو نفسه بالهموم قبل غيره، ووقع أسيرًا قبل أن يأسره غيره، وتحطم قبل أن يحطم.”[27] لذلك فالحسد تقليد شيطاني ونتيجته تتشابه مع ما حدث للشيطان.

خاتمة

لقد بيّن والكوت أن الحسد جزء من النسيج الاجتماعي والثقافي، واستطاع من خلاله فهم السلوك البشري وتحليله، في حين أوضحت إيدينوف كيف يمكن أن يتحول الحسد إلى قوة اجتماعية تنتج الشائعات والاتهامات، وتؤدي إلى تشويه السمعة والمحاكمات والقتل. أما كلاين فبحثت في المكان الأعمق الذي يبدأ منه هذا التدمير: النفس التي لا تستطيع احتمال خير الآخر.

واليوم، ما يزال عندنا هذا السم، وإن اختلفت الوصفة، إلا أن النتيجة واحدة: تدمير الآخر وخسارة الذات. فالحسد والضغينة سمٌّ اجتماعي صامت ينتشر في المجتمع، ولا يكاد أحد يأمنه إلا الموتى. ولذلك، يتوجب علينا فَهْمه وتحليله من أجل فهم السلوك البشري ومحاولة معالجته؛ فالنتيجة في النهاية خاسرة لجميع الأطراف. وتشهد ساحة مواقع التواصل الاجتماعي على ذلك كل يوم، والضحايا كُثر.

 

________________________________________

المصادر والمراجع:

[1] بيتر والكوت، الحسد والإغريق، ترجمة: منيرة كروان، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، العدد (39)، الطبعة الأولى، مصر، 1998. صـ9-10.

[2] الراغب الأصفهاني، محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء – ومما جاء في الحسد، ج1 – ص312، المكتبة الشاملة.   الرابط:https://shamela.ws/book/9078/308

[3] بيتر والكوت، الحسد والإغريق، مرجع سابق، صـ35.

[4] المرجع السابق، صـ 59.

[5] المرجع السابق، صـ 84.

[6] المرجع السابق، صـ 85.

[7] Eidinow, Esther. Envy, Poison, and Death: Women on Trial in Classical Athens. Oxford: Oxford University Press, 2016. p75.

[8] Ibid.

[9] Ibid.p76.

[10] Ibid.

[11] Ibid.p103.

[12] Ibid.

[13] بيتر والكوت، الحسد والإغريق، مرجع سابق، صـ 95.

[14] المرجع السابق.

[15] كتاب محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء – ومما جاء في الحسد – مرجع سبق ذكره، ج1 – ص312 .

[16] بيتر والكوت، الحسد والإغريق، مرجع سابق، ص129.

[17]  Phthonos: phi 510 Adler, Suda On Line, tr. Boeri, 23 July 2008 (accessed 3 Feb. 2015), http://www.stoa.org/sol-entries/phi/510.

[18] Eidinow, Esther. Envy, Poison, and Death: Women on Trial in Classical Athens. Oxford: Oxford University Press, 2016. P71.

[19] Ibid.p326.

[20] Klein, Melanie. Envy and Gratitude and Other Works, 1946–1963. With an introduction by Hanna Segal. London: Vintage, 1997.p188.

[21] بيتر والكوت، الحسد والإغريق، مرجع سابق، ص132.

[22] Ibid.p192.

[23] Ibid.p194.

[24] Ibid.

[25] Ibid.p194.

[26] بيتر والكوت، الحسد والإغريق، مرجع سابق، صـ111-112.

[27] المرجع السابق، صـ131.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete