تكوين
كلُّ من درس، أو ما يزالُ يدرس، اختصاصًا من اختصاصات العلوم الإنسانية، يُمكنه أن يصل إلى نتيجة مفادها أن التنظيم السياسي لأي مجتمع بشري ليس أمرًا منفصلًا عنه. فكل المجتمعات ومنذ بزوغ الحضارات الأولى، وحتى تلك التي وُجدت منذ ما قبل التاريخ، عَرفت تنظيمًا سياسيًا ما يتوافق مع مدى تطورها. تنظيمًا لا فصل فيه بين “الشعب” و”السلطة” وإن توهم البعض إمكان الفصل؛ لأن كل منهما مُكون وحاكم للآخر، وفقًا لطبيعة العلاقات القائمة بينهما.
لذا ومنذ ذلك الحين، أهتم كثيرٌ من الفلاسفة وغيرهم في محاولة فهم هذه العلاقة القائمة بينهما، فكثر منظرو السياسة، إلى حد الارتقاء إلى المستوى الأكاديمي والقول بأنه “علمًا” ليُدرَّس أكاديميًا تحت اسم “العلوم السياسية”. أهو علم أم لا؟ إشكالية لن نتطرق إليها، لكنْ ضمن هذا الاختصاص “العلمي” توجد “أيقونات” سياسية لا مفر من تدريسها. من هذه “الأيقونات” كتاب “الأمير” لنيقولا ميكيافيلي.
تحول “الأمير” من كُتيب إلى مَدخل لكل مهتم بهذا الحقل، سواء أكان أكاديميًا أم لا. ولا يقتصر الأمر تحوله إلى مَدخل لهذا العالم، بل ثمة من يحفظ أقواله ويطبقها، وكلما سُئل شخص، مُطَّلِعًا أو مدعيًا للاطلاع، عن شأن سياسي يعود إلى “قول” له!
بينما لو بحثنا قليلًا خارج هذا الفكر المهمين، لوجدنا في التراث العربي–الإسلامي مؤلفاتٍ ضخمةً في هذا الحقل، لكنها مُهْمَلة! ومن هذه المؤلفاتُ “العَقْد الفريد”، وهو عملٌ موسوعي لا يقتصر على البعد السياسي فحسب. فأين تقاطع “الأمير” وأين افترق عما ورد في الجزء السياسي من “العقد الفريد”؟ هذا ما سوف نحاول العمل عليه بخطوطه العريضة؛ لأن الغوص فيهما معًا عمل أكبر من رسالة دكتوراة.
“الأمير”
أهدى نيقولا ميكيافيلي (1469 – 1527) كتابه الشهير “الأمير” إلى الأمير لورنزو دي مديتشي.
كتابٌ سياسي بامتياز، ضجَّ به العالم وما يزال ضجيجه صاخبًا منذ قرقعاته الأولى في محيطة حتى الوقت الراهن. وهناك ما يفوق الحصر من الدراسات الأكاديمية وغير الأكاديمية التي تناولت هذا الكتاب الصغير الحجم. وما يزال العمل عليه قائمًا. فهو كتاب لم يفقد قيمته منذ صدوره، والتعمق فيه قضية لم تكتمل بعد.
كل ما فقده “الأمير” عبر الزمن هو بعض الأسماء أو الأحداث التي وقعت في حينه، أما بقيته فهي قائمة لتقرع أصوات أحرفه في الأعمال السياسية العملانية منها كافة، والنظرية على المستوى الأكاديمي وخارجه.
“الأمير” أيقونة من أيقونات عالم السياسة، ودليلٌ لكلِّ من يعمل في هذا الحقل أو يودُّ الانخراط فيه أو التعرف عليه. وكيف له ألا يكون بهذا المقام، والإنسان في إحدى المقولات هو “حيوانٌ سياسي”. فإن حُذفت كلمة “سياسي”، سقط الإنسان في عالم الحيوان مجددًا، بعد أن توهم أنه قطع الصلة مع هذه المملكة البيولوجية التي يشترك معها في كثير من الصفات البيولوجية، وغير البيولوجية.
يوجد آلاف من الكُتب في حقل السياسة، وعلى الرغم من كثرتها بقي “الأمير” واحدًا من أبرزها. طبعًا ليس الوحيد على رأس قائمة هذه السلسلة المتخصصة في العلوم السياسية، فهناك منافسون كُثر له، ومنها على سبيل المثال تعود إلى زمن أفلاطون وفلسفته السياسية وكتابه الشهير “الجمهورية”، وصولًا إلى توماس هوبس (1588 – 1679) وكتابه “اللفياثان”. وجميعهم أوسعُ فكرًا من “الأمير”! فـ “الأمير” لم يصل إلى عتبة الفيلسوف أو عالم سياسي كما نعرفه بمصطلحات زمننا الراهن.
ما ميزَ “الأمير” عن البقية، هو وضوحُهُ وغايتُهُ، وانحصارُهُ في الوسائل العملية التي يجب اتباعها لتحقيق غاية واحدة فقط، وهي: كيف يبقى الأمير أو الوالي أو الزعيم السياسي أو… محافظًا على موقعه السلطوي. لذا يُقال: إنه ما من عامل في حقل السياسة، ويتمركز في مركز سلطوي، من منصب “رئيس” وصولًا إلى أدنى رتبة في هذا الحقل، لا ينام إلا و”الأمير” تحت وسادته!
لماذا لا ينامون إلا و”الأمير” تحت وسادتهم؟ أليس أفلاطون أفضل منه في تفصيل الحكم وطبيعة النظام السياسي الأكثر “اكتمالًا” للإنسان؟ فقد انطلق أفلاطون من الواقع المُعاش للمجتمع، محاولًا إيجاد حلولًا لمشاكله كُلها، وبخاصة على الصعيد السياسي، نظرًا لما للسياسة والنظام الحاكم من تأثير في المجتمع. لا يعني هذا الاتفاق والتطابق مع أفكار أفلاطون، بل إشارة إلى مدى عمق فكر الفيلسوف أفلاطون عند مقاربته للنظام السياسي.
أليس أرسطو أفضل من “الأمير” في تشريحه المُفصل لعالم السياسة؟ أليس هوبز أفضل منه في مقاربته لهذه المسألة أيضًا؟
لسنا هنا في وارد الغوص في مقارنة بين “الأمير” وغيره من أمهات الكتب في حقل السياسة، بل هي أسئلةٌ نطرحها في محاولة للتعرف عليه من دون تعظيم، وكيف يتقاطع مع بعض من كتب التراث العربي–الإسلامي المطموسة، التي سبقته زمنيًا، وتحديدًا “العقد الفريد”.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، أينما توجهت لدراسة العلوم السياسية، وفي أي بلد، تتعرف على “الأمير” و”اللفياثان” وعلى كُتب قبلهم وبعدهم، لكنْ يندر التعرف على “المدينة الفاضلة” للفارابي وغيره! والأمر المُضحك المُبكي: لا تتعرف عليها في كثيرٍ من الجامعات “الراقية” في العالم العربي عند دراستك لهذا الحقل!
ولا يتوقف الأمر عند حدود الدراسة الأكاديمية، بل يخرج من بين الجدران الأكاديمية ليترجم عملانيًا على أرض الواقع في العالم العربي، فيندر من يعرفهم من يتعاطى بالشأن السياسي، لكنَّ أغلبهم تعرف على “الأمير” و”اللفياثان” و”الجمهورية” و…!
إن كان هذا حال الجامعات “الراقية” في العالم العربي، فلا عجب من حال الجامعات خارجه! غياب فتح أبواب التراث العربي–الاسلامي في الحقول جميعها، وهنا ضمنًا السياسي، عن الحقول الأكاديمية غيبه عن عامة الشعب. وفي الوقت عينه انعكس سلبًا في الوعي الاجتماعي ليقع في فخين فكريين وهما: “التغربن” و”الأصولية” وتفرعاتها!
بعيدًا عن أفلاطون وأرسطو والفارابي وهوبس… وكل هذه الأسماء الكبيرة، هناك من هم خارج معادلتها والتفاخر بمعرفتها. هناك أسماء مطموسة، في التراث العربي–الإسلامي، وهم على مستوى تلك الأسماء الكبرى، ويُمكن أن نتعرف من خلال جزء من أعمالهم على عالم السياسية، وتحديدًا: كيف للأمير أن يبقى أميرًا، كما يود مكيافيلي. مع أن مؤلفاتهم أوسع من مؤلفه، لذا وردت كلمة “جزء من أعمالهم” لا “أعمالهم”.
اختيار واحد منهم لا يعني أفضليته على البقية، بل هي فقط محاولة الاحاطة بالخطوط العريضة للموضوع. لأن الغوصَ في أعمالهم يحتاج إلى مركز دراسات ومنشورات تفوق ما يمكن لبحث صغير، أو مقال متخصص أن يقوم به.
يوجد مؤلَّف في التراث العربي-الإسلامي جُمع فيه كثيرٌ من الحِكم والإرشادات والمقولات المتعلقة بأكثر من حقل معرفي. ومن ضمن هذه “المجموعة” يوجد ما له علاقة مباشرة بعالم السياسية وطبيعة الحكم، وكيف للأمير أن يبقى أميرًا. أي هنا نجد نقاط التقاطع بين هذا المؤلَّف و”الأمير”، وكلاهما متقاطعان على المستوى العملي، لا النظري المجرد. والتقاطع لا يعني عدم وجود نقاط تفارق بينهما، فلكل منهما موقفه ومقاربته. بالقراءة الأولى نلحظ أن ما يُميز “الأمير” كثرةَ التزلف للحاكم، وما يُميز هذا المؤلَّف عنه هو قلته!
إن وصل “الأمير” ليكون تحت وسادة كل سياسي، وإن كان هاويًا، يُمكن لهؤلاء الأمراء، والمقصود هنا رجال السياسية، أن يناموًا نومًا أكثر عمقًا وهم مطمئنون على مواقعهم، في زمن لم يَعُدْ النوم فيه يواتيهم؛ لأن غضب “السلطان” قد يصل إليهم في أية لحظة ليخلعهم عن عروشهم عبر رسالة بالبريد الإلكتروني ويعين بديلًا أكثر ولاءً له. كي يناموا بهناء يُمكنهم أن يقتطعوا جزءًا من هذا المولَّف ليضيفوه إلى “الأمير”!
كما يُمكنهم ترجمة الجزء المقتطع، من دون أي عناء بوجود الذكاء الاصطناعي، وإرساله إلكترونيًا إلى كل من هم في مقامهم أو حاشيتهم، لاستكمال الحفاظ على مواقعهم السلطوية وتحاشي غضب “السلطان”. وما يجب أن يأخذوه بعين الاعتبار هو أنهم جميعًا تحت رقابة مباشرة، إلكترونية، من “السلطان”.
نُبذة عن حياة مكيافيلي وزمانه
قبل الدخول إلى عرض هذه النُبذة الموجزة عن حياة مكيافيلي وزمانه، يجب القول إنها ليست للتعرف عليه فقط، ولكنْ غايتها توضيح الظروف الموضوعية والذاتية التي أدَّت إلى هذا الإنتاج الفكري.
وُلِدَ مكيافيلي في فلورنسا بإيطاليا، في عصر النهضة، لعائلة، وإن انتمت بالتصنيف الاجتماعي إلى طبقة النبلاء لكنها غير ثرية. وهذا ما يوضح أحد أوجه الصراع داخل هذه الطبقة. فهي طبقة “نبيلة” بالسلالة، وعليها المحافظة على هذا التقليد الاجتماعي، بكل ما يحمله هذا التصنيف من قيم وعادات وتقاليد موروثة تتعلق به، حتى وإن كانت فقيرة ماديًا، بمعنى عدم امتلاكها الممتلكات المادية أو الدخل الذي يُمكنها من الحفاظ على الموقع الاجتماعي الذي يستلزم بالضرورة قدرة مادية للبقاء فيه.
موقع قد يمنح صاحبه تسهيلات للدخول إلى عالم السلطة السياسية لطبيعة علاقة النظام السياسي بهذه الطبقة الاجتماعية. وهذا ما حدث معه. فقد سهل موقعه الاجتماعي الدخول لهذا العالم “المتقلب”، فشغِل فيه عدة مناصب قبل أن “يُطرد” منه. وفي الوقت نفسه عانى قلةَ موارده المادية ليكون بهذا المقام الاجتماعي وبهذا الموقع السياسي.
دليل معاناته للحفاظ عليهما، الموقع الاجتماعي والسياسي، واضح في كثيرٍ من رسائله الموجه إلى السلطة السياسية لزيادة دخله المادي، وبخاصة عند إرساله في أحد المُهمات الرسمية إلى خارج البلد، أي المدينة-الدولة، ويقول في واحدة منها:
“إنه لا ينفق أكثر من أربع ليرات في كل يوم مع أن رفيقه في أسفاره فرنسوا دي لاكازا ينفق ثمانية، وأنه يضطر احتفاظًا بكرامة الجمهورية إلى مشابهته في النفقة، ويطلب أن تصرف له ما يُصرف لرفيقه مُشاهرةً، وإلا فالأفضل له والأجدر بشرف الجمهورية أن ترده إلى وطنه…”[1].
ومن المناصب السياسية التي شغلها، فقد بدأ مساره السياسي في الخدمة المدنية كاتبًا ودبلوماسيًا لجمهورية فلورنسا، فقد شَغَلَ مناصبَ مختلفة منها: مسؤول عن الشؤون الخارجية وأمين الجمهورية الثانية في فلورنسا (1498 – 1512)، فقد كان مسؤولًا عن الدبلوماسية والشؤون العسكرية.
مع عودة عائلة ميديتشي إلى السلطة في فلورنسا عام 1512، فَقَدَ مكيافيلي منصبه، ثم اتهم بالتآمر ضدهم، فسُجن وتعرض للتعذيب. بعد إطلاق سراحه، نُفي إلى مزرعته الريفية في سان كاشيانو.
في منفاه القسري (1513 – 1520)، كتب أعماله الرئيسة، ومنها “الأمير” الذي أهداه إلى لورنزو دي ميديتشي (حفيد لورنزو العظيم)، على أمل أن يستعيد منصبه. وهذا ما قُصِدَ بالقول إن الفارق بينه وبين جزء من كتاب في التراث العربي–الإسلامي، هو كثرة التزلف.
تُوفيَ في فلورنسا عام 1527، بعد وقت قصير من عودة النظام الجمهوري لفترة وجيزة، وقد رفضته السلطات الجديدة.
لم تكن إيطاليا، في حياته، دولة موحدة، بل كانت مجموعة من الدويلات-المدن المتنافسة وفي صراع دائم فيما بينها من أجل البقاء والتوسع. وبسبب ثروتها وتفككها السياسي، أصبحت إيطاليا ساحة حرب للقوى الأوروبية العظمى، وبخاصة فرنسا وإسبانيا (ممالك هابسبورغ)، اللتان غزتا شبه الجزيرة ودفعتا دويلاتها إلى تحالفات متقلبة.
كما شَهِدَ ذلك العصر، عصر النهضة، ذروة في الفنون والإنجاز الفكري (ليوناردو دافنشي، ميكلانجيلو) لكنه شَهِدَ أيضًا فسادًا في الكنيسة الكاثوليكية ونزاعات البابوات السياسية والعسكرية.
أي أن حياته كانت في داخل الحقل السياسي المتقلب، ما أكسبه تجربة عملانية لهذا العالم بتقلباته كافة، والتعرف على مُجريات الأحداث من داخله.
كتاب الأمير
قَدَّمَ مكيافيلي كتابه “الأمير” هدية إلى الأمير، وفي مقدمته قارن مكيافيلي بين “هديته” و”هدية” الآخرين. المقارنة عنده قامت على أساس القيمة المادية للهدية لا قيمتها الفكرية. وفي هذا إشارة غير مباشرة إلى أن الأمراء، أو أصحاب المناصب السياسية والقرار، لا يُقرون بالأهمية الفكرية للهدية بقدر إقرارهم بالقيمة المادية.
فهُم أشخاص بإمكانهم أن “يشتروا” المفكرين ليكونوا في خدمتهم لتَمْتِين مواقعهم، لذا الاعتقاد بأن لا “قيمة” للهدية الفكرية أمرٌ اعتيادي، ما دام صاحبُ القرارِ بإمكانه امتلاكها، وما أكثر المتزلفين “فكريًا” للسلطان أو الأمير أو… من قاعدة القيمة المادية للهدية وضع ميكيفالي هديته دون مستوى هذه القيمة فقد “… تعود الذين يخطبون وُدَّ الأمراء… أن يبذلوا لهم أعز ما لديهم، أو يهدوا إليهم ما يحبه الأمراء خاصة ويميلون إليه بطبعهم، فترى المتزلفين يهدون المال والخيل… مما يليق بأقدار الملوك السامية”[2].
ذلك النبيل–الفقير يُريد التزلف للأمير أيضًا، لكنَّ فَقْرَهُ لا يسمح له بالتزلف ماديًا كما يفعل المُقتدرون ماديًا. الحل الذي وجده لهذه المعضلة “… فلما أردت أن أتزلف إلى الأمير رأيت أن أقدم له هدية… تكون دليلًا على إخلاصي لعرشه، فلم أجد بين ما أملك شيئًا أعز على نفسي… من أخبار كبار الرجال وأعمالهم… فدونت كل ما علمت مما ذكرت في هذا الكُتيب الذي أقدمه لسموكم”[3].
من هذه الخلفية الفكرية الواضحة كتب ميكيافيلي “الأمير”، خدمةً وتزلفًا للأمير وهو بطريقة غير مباشرة، طلب “مغفرة” الأمير ورضاه، كي يعود إلى خدمة السلطة السياسية.
الأمر الآخر الذي حاول فيه ميكيافيلي عرض قيمة هديته الفكرية، هو الدخول مباشرة في الموضوع من دون حَذْلَقاتٍ لُغويةٍ وتجميليةٍ “… لم أدخلْ في كُتيبي جملًا مزوقة ولا ألفاظًا ضخمة كالتي يُدخلها الكتاب ليزينوا ما ألفوه…”[4].
بالإضافة إلى صِدق النصيحة الموجه إلى الأمير، إخلاصًا في خدمته. لأن الإخلاص في خدمته يستلزم الصدق المُعبر عنه بقول الأمور، الحقيقة، كما هي من دون أي مواربة، وإن اُنتقدت أقواله لأنها أقوالٌ يقولها “صُعْلُوك”، فالمنتقدون “…سوف يقولون أنَّى لهذا الصُعلوكِ من نقد سياسة الأمراء والملوك!”[5].
والنقد عندما يأتي من “صُعْلُوكٍ” لا يُؤخذ بعين الاعتبار إلا إذا كان نقدًا مبنيًا على كم من المعرفة يفوق نقد الآخرين، لذا وَضَّحَ ميكيافيلي أن ما يقوله يعتمد على معرفته الواسعة في هذا الحقل؛ معرفة ممزوجة بتجربة وممارسة فيه. فنقد “الصُعْلُوْكِ” الحامل لهكذا صفاتٍ، يكون أكثرَ صدقًا من نقد الآخرين.
فأتى ردَّهُ على منتقديه على النحو التالي: “فأقول لهؤلاء: إن جمال الشمس لا يستجليه غير ساكن البسيطة…”[6]، طالبًا من الأمير أن يأخذ بأقواله، نصائحه، لأنه: “… لا أرى لومًا على من يريد من الأمراء أن يعرف شعبه حق المعرفة، فيتنزل إلى جميع الطبقات ليسبر غورها، ولا أرى لومًا ولا تثريبًا عليَّ إذا ارتقيت إلى مصافِّ الملوك والأمراء لأعرف طبائعهم ولأعمل جُهدي في معاونتهم على سياسة الأمم وحكم الشعوب”[7].
فهو بهذا يُمَثِّلُ حلقةَ الوصل المباشرة بين “الشعب” و”السلطة السياسية”، لينقل لها معرفته بواقع الشعب، كي تعرف هذه السلطة حقيقة الأرض التي تقوم عليها. واعتمادًا على هذه الحقيقة تتعامل معه لتمكين سلطتها.
ليختم “الصُعْلوكُ” “المُتَزَلِّفُ” مقدمة كتابه، مؤكدًا موقعه هذا بالقول: “الخاضع عند أعتابك نيقولا ماكيافيلي”[8].
مقدمة واضحة بغايتها، وهي: نُصح الأمير وإرشاده إلى أفضل السبل للحفاظ على موقعه السلطوي. وكل هذا بهدف العفو عنه، والعودة إلى العمل في الحقل السياسي؛ تأكيدًا لإخلاصه.
كيف تَرجم ميكيافيلي هذه المقدمة في كتابه؟
في الفصل الأول من كتابه “الأمير”، وعنوانه “في أنواع السلطة وطرق الحصول عليها” يقول: “كانت الحكومات التي حكمت الأمم في الأزمان الغابرة إحدى اثنتين: إما جمهوريات عادلة وإما ملكيات معتدلة…”[9].
فحصر “الأمير” كل الحكومات السياسية التي عرفتها البشرية في نمطين، هما: الجمهورية والمملكة. وهذا تصنيف فضفاضٌ جدًا لأنظمة الحكم “في الأزمنة الغابرة”، مُهْملًا كل نمطٍ آخر أخذه التنظيم السياسي في هذه الحقبة التاريخية التي يُحللها.
قد يكون إهماله لبقية الأنماط السياسية في هذه الحقبة التاريخية الطويلة ناجمًا عن محاولته للدخول مباشرة إلى نُصح الأمير من دون إطالة تاريخية. إلا أن إيجازه أوقعه في فخ تسطيح الفكر. فوقع في تناقض مع ما أورده في مقدمته عن معرفته “العميقة” في هذا الحقل!
الإشكالية الأخرى التي يُوقعنا فيها “الأمير” هي أن نمطي الحكم: الجمهوري والملكي، فهما يقعان، وفقًا له، بين حَدي “جمهوريات عادلة” و”ملكيات معتدلة”.
الشقُّ الأول من الإشكالية هو: إن كانت الجمهوريات عادلة، فلماذا لم تَعُدْ قائمة؟ وما أسباب سقوطها ما دامت عادلة؟ أليس “العدل” واحدًا من أبرز دعائم السلطة السياسية سواء أكانت هذه السلطة تأخذ صورة الجمهورية أو الملكية أو غيرها؟
العدلُ، بوصفه أحد إشكاليات النظام السياسي، ليس بالأمر المستجد على الأنظمة منذ الأزمنة الغابرة وصولًا إلى زمن “الأمير” وما بعده، أي وصولًا إلى تاريخ الزمن الراهن. وإن كان لهذا المفهوم أن يأخذ أُطرًا معرفية مُتغيرة مع مرور الزمن. ومن تغيراته، على سبيل المثال لا الحصر، حتى في زمن الجمهوريات القديمة من العدل أن يكون “الرئيس” ليس منتخبًا من الشعب بالأسلوب الذي نعرفه اليوم. كان يكفي في حينها، أن يكون “الرئيس” ذا شأن في قومه ليُعين رئيسًا. بينما اليوم لم يَعُدْ الأمر كذلك وإن تم فهو فعل غير عادل.
الشقُّ الثاني من الإشكالية هو: ما المقصود بـ “ملكيات معتدلة”؟
إنْ كانت “الجمهوريات عادلة” و”الملكيات معتدلة”، فمن البدهي القولُ إن “الاعتدال” في سياق النص يعني الانتصاف بين “العدل” و”الظلم”. فيأخذنا “الأمير” بهذه الجملة إلى فلسفة أرسطو لفهم ما يريد قوله، وهو المُطَّلعُ على فلسفة أرسطو وأكثر. فمن يقرأ “الأمير” يَلْحظ سِعَةَ اطالعه من خلال الأمثلة الواردة فيه.
لنتوقف بُرْهةً، والغاية منها الإشارة إلى مسألة لا بُدَّ من ذكرها. مسألة تتعلق بمدى الإشكاليات التي تُثيرها الترجمة من لغة إلى أخرى. فترجمة ما قد تُدخلنا في سوء فهم للنص بلغته الأصلية، فنصل منه إلى ابتداع إشكاليات مُشوهة تتعلق بالنص. أو أن نحمله بهيئته المُشوهة، بسبب الترجمة غير الصحيحة، وندخل به عالم “الفكر” أو “الممارسة” فنشوهما بدخولنا إليهما ونحن محملون بهذا التشوه الفكري.
لمَ نقفُ بُرْهَةً؟
في العمل على هذا الموضوع، استوقفني معنى كلمة “ملكيات معتدلة”، في الفصل الأول من “الأمير”، كما وردت في ترجمة محمد لطفي جمعة. استيضاحًا لمعنى كلمة “معتدلة”، وكي أبني ما أعمل عليه بِناءً صحيحًا، عُدْتُ إلى النص باللغة الإنكليزية، لعدم معرفتي بالإيطالية.
كانت العودة إلى نسختين بالإنكليزية. النسخة الإلكترونية المتوفرة على الموقع الالكتروني للاونسكو والصادرة عن (Planet PDF). نسخة لا ذكر فيها لاسم المترجم، ولا لسنة الإصدار.
الفِقرة التي تذكر “الجمهوريات العادلة” و”الملكيات المعتدلة” في النسخة العربية، وردت في النسخة الإنكليزية (Planet PDF) على النحو التالي:
All states, all powers, that have held and hold rule over men have been and are either republics or principalities.
أما النسخة الإنكليزية الورقية الصادرة عن دار بنغون (Penguin Books) تقديم تيم باركس وترجمته (Tim Parks) طبعة عام 2009، فقد تَرجمت الجملة نفسها على النحو التالي:
All states and governments that ever ruled over men have been either republics or monarchies.
فزادت مستويات الإبهام بالنص! (powers) ليست رديف لكلمة (governments)! وإذا قفزنا فوق هذا الفارق بين الكلمتين نقعُ في فخ الكلمات التالية: “ملكيات” والتي ذُكرت بنسختي النص الإنكليزي بكلمتين مختلفتين وهنا: principalities و monarchies!
الأولى تعني، إذا أخذنا صيغة المفرد للكلمة، “ولاية” أو “مقاطعة” أو “إمارة”. إذا أخذنا زمنه بعين الاعتبار وطبيعة السلطة السياسية التي كانت قائمة في حينها في إيطاليا تكون “الإمارة” هي الأكثر انسياقًا مع النص. وحاليًا تعني “بلدية”. أما الكلمة الثانية (monarchies) فتعني “مملكة”. لكن إذا أخذنا سياق الجملة “… منذ زمن بعيد…” تكون “مملكة” هي الأقرب لاستكمال المعنى!
يبدو أن ترجمة محمد لطفي جمعة اعتمدت على نسخة بالإيطالية، رغم عدم تصريحه المباشر بهذا الأمر.
بالإضافة إلى إشكاليات الفروقات في معاني المصطلحات بين “ملكية” و”إمارة”، هناك إشكالية أخرى، وهي: “… جمهوريات عادلة وملكيات معتدلة…” نجد أنه في النسختين الإنكليزيتين لا ذكر لكلمة “عادلة” ولا لكلمة “معتدلة”!
كانت هذه فقط إشارةٌ إلى بعض الإشكاليات التي تُثيرها النصوص المترجمة. لذا سوف نبقى ضمن حدود ترجمة جمعة، على أمل أن تكون الأدق، لأنها ترجمة، كما يبدو، من اللغة الأم للنص إلى لغتنا الأم.
حصر “الأمير” نصائحه في الحكومات الملكية فهي السائدة في زمنه، ولم يُهمل تمامًا الجمهوريات لأنه عالجها في مؤلفات أخرى.
تأكيدًا لما ورد، فغاية “الأمير” هي: “شرح الطرق والوسائل التي يتمكن بها الأمراء والملوك من التغلب على الأمم والتحكم فيها”[10]. لكنْ قبل أن يشرحها “الأمير” لا بُدَّ من التمييز بين طبيعة هذه الممالك، أكانت مُتوارثة أم حديثة العهد. لأن لكلٍّ منها طُرقُهُ ووسائلُهُ للتغلب على الأمم الأخرى والتحكم فيها. والأمر لا يقتصر على السياسية الخارجية فقط لتحقيق هذه الغاية، وإنما يطالُ الداخلية أيضًا. فـ “الممالك الموروثة”، أي قديمة التأسيس، ليست في حاجة إلى “حيلٍ سياسية لتعود شعوبها حكم الأسر المالكة”[11].
هكذا ممالك بعد أن ثبتت حكمها، وبدأت عملية التوريث، وتوريث الحكم من طبيعة النظام الملكي، لم تَعُدْ في حاجة إلى اللجوء إلى “حيلٍ” لتثبيت موقع الأمير الجديد الوارث للعرش الملكي. ويعود سبب هذا إلى أن شعب هذه المملكة قد “اعتاد” على العائلة المالكة وتوارثها للعرش. فليطمئن الأمير الجديد: شعبه لن يثور عليه لاعتياده على توارث الحكم من قبل عائلته الملكية!
لكنْ، على الأمير الجديد أن يُفكر ليس على المستوى الداخلي فقط، وإن اطمأن له، بل عليه أن يَبقى حذرًا من تهديدات الخارج ويكون “أبدًا على أهبة الاستعداد لطوارئ الزمان”[12].
عبر هاتين الوسيلتين يأمَنُ ويضمن الأمير بقاءه على العرش: الأولى اعتياد الشعب على فكرة توارث الحكم من العائلة الملكية، وعلى الأمير الجديد أن يسلك مسلك القديم. والثاني أن يكون دائم التنبه وعلى أهبة الاستعداد لمواجهة الخارج الطامع في عرشه.
على المستوى الداخلي وبالإضافة إلى اعتياد الشعب لطبيعة التوريث، هناك مسألة تتعلق بإبعاد الأذى عن الشعب. وكلما أبعده عنهم أحبه شعبه أكثر، فـ “إحجامه عن الأذى يُحببه إلى شعبه فيتعلق بأهداب عرشه…”[13].
اتباع الأمير الجديد لأسلافه، لا يعني أنْ كانَ بعضهم ظالمًا، وهذا جزء مما رآهُ ميكيافيلي “أذًى”، أن يتبع هذا الظلم، بل عليه أن يكون عادلًا بـ “إبعاد الأذى”، كي يُحبه شعبه أكثر فيزيد اطمئنانه داخليًا. كما أنَّ الشعبَ، من وجهة نظر ميكيافيلي، “غفور” لذنوب الملوك، أو الأمراء متوارثي الحكم. فإن ارتكب سلفٌ “ظلمًا” واللاحقون “عدلوا” فالزمان يمحو الماضي!
الأمر الآخر الذي على الأمير فعله في اتباع سلفه، بالإضافة إلى “إبعاد الأذى” عن شعبه، هو الحفاظُ على “القديم والابتعاد عن التبديل مهما كان تافهًا”[14]. مُلغيًا بحفاظه هذا كل ديناميكية اجتماعية أو صيرورة تطورية للمجتمع والإلغاء يأتي من الأعلى، أي من السلطة السياسية بحفاظها على القديم.
خوف ميكيافيلي من التغيير، وإن أتى من الأعلى، مُبررٌ. فالتغيير قد يَهُزُّ موقع الأمير ويعرضه للخطر “لأن الشعبَ يعلم أن التغيير القليل يُمهد السبيل للكثير، وهذا يُهيج سخط العامة ويحفظ الخاصة”[15].
فِقرة تؤكد ما ورد في المقدمة حين قدَّم ميكيافيلي نفسه بأنه عليمٌ بأمور العامة. فهو هنا يقرأ تأثير “التغيير” في العامة وانعكاسه السلبي على موقع الأمير. فكانت نصيحته له بـ “المحافظة على القديم والابتعاد عن التبديل مهما كان تافهًا”.
كان هذا مُوجهًا للمالك القديمة، فماذا عن الجديدة منها؟
تنشأ الممالك الجديدة، وكان الأجدى لو استخدم جمعة كلمة “الدولة-المدينة” لأنه يَفي بشروط المصطلح أكثر من مملكة، بعد ظلم حكامها. ظُلمًا يدفع الشعب إلى الاستقواء على الأمير بالخارج لنصرتهم “فإذا تولى عليهم ملك غير ملكها رحبت به أملًا بأن الخلف يُصلح ما أفسده السلفُ…”[16]. وقد يسبق استقواء الشعب بالخارج ثورات داخل الولاية، لأنه كثيرٌ “ما تدفع تلك الأمنية بعض الولايات إلى سَلِّ السيوف في وجه ملكها القديم”[17]، فيستغل الطامعون الواقع الجديد في الولاية ويتمكنوا “من الاستيلاء على الولاية الثائرة”[18]. وأكثر ما تكون هذه الثورات “نتيجة لخديعة دبَّرها الطامعون”[19].
فكرة منطقية في عالم السياسة يطرحها ميكيافيلي: أسباب الثورات عوامل داخلية، يستغلها الخارج ليُطيح بالنظام الحاكم، ويؤسس نظامًا يخدم مصالحه. إلا أن مكيافيلي يُهْمِلُ وعي الشعوب بتحررها وثوراتها التحررية من دون الاستقواء بالخارج، جاعلًا من الشعوب محض أُلعوبة بين يدي السلطة الداخلية أو الخارجية!
كما أن ميكيافيلي في فكرته المتعلقة بـ “الثورات” والاستقواء بالخارج، يُدخلنا في حال من التناقض مع ما قاله سابقًا فيما يتعلق بالممالك القديمة، ليس زمنيًا فقط، ولكنْ وتلك التي اعتادت شعوبها على توريث السلطة السياسية، وهي شعوبٌ “غفورة” تنسى الأذى مع مرور الوقت. وها هو هنا يخبرنا أن الشعوب التي ظلمها حكامها تثور عليهم وتستقوي بالخارج لنُصرتها، فتنشأ المملكة الحديثة! فنتوهُ زمنيًا بين الفترة التي تستغرقها المملكة لتتحول من جديدة إلى قديمة!
أما ما يتعلق بالاضطرابات التي تتعرض لها الممالك الجديدة فهي كثيرةٌ، لأن “المُغتَصِب” يَفقد حلقة الوصل مع الشعب “مهما كان عادلًا… لأن أهل الولاية المُغتصبَة يبقون على عدائه ما دام في بلادهم…”[20].
ظلمهم حاكمهم فاستدعوا الخارج لنصرتهم، لبَّى طلبهم، لكنهم يُبقون على عدائه، حتى لو كان عادلًا! هل الشعوب عند ميكيافيلي بهذا الحد من الغباء؟!
كما أنه يُدخلنا في متاهة “الاعتياد”. الشعب اعتاد على القديم، وإن كان ظالمًا، وعند استدعاء “الغريب” لنصرتهم يُعادونه بعد النصر، ليعاودوا ثورتهم على “الغريب” مُطالبين بالقديم، وإن كان ظالمًا! يعود القديم وبعودته يَخْضَعُ له شعبه فيطمئن الأمير لوضعه الداخلي ويركز على أعداء الخارج!
وعنده إذا كان المُستقوى به مُتوافق “ثقافيًا”، بكل ما لهذا المصطلح من أبعاد، حينها يُمكن له أن يصمد ويقبله المستنصرون به، ومع الوقت تتحول المملكة الحديثة إلى قديمة وتُوحد “الولايات”.
كما أن هناك سُبلًا وطرقًا وفقًا لمكيافيلي، على المُستقوى به أن يتبعها، كي يؤسس حكمه ومنها على سبيل المثال تحالف الجديد مع أشراف نبلاء “المستعمرة الجديدة”، “تنصيب” نفسه على الولايات الجديدة كُلها…
ليس عند ميكيافيلي أي مُشكل في غزو الأخرين وبلادهم، وتحويل هذه البلاد المغزية إلى “مستعمرات”، فهو يقول: “لا ألوم الملوك المتطلعين للاستيلاء على الولايات؛ لأن طبيعة التملك والسيادة راكزة في نَفْسِ كل أمير، بل أميل إلى الثناء على كل راغب في مدِّ نفوذه إذ كان يُحسن التصرف”[21].
بهذا ربط مكيافيلي بين التملك والحكم، أي السيادة، ومدِّ النفوذ، أي توسيع المُلك استعماريًا. ألهذا رأى نفسه “صُعلوكًا” لعدم امتلاكه ثروة ولا حكمًا ولا يملك سوى نسب نبيل؟ ولا قدرة له على مدِّ نفوذه لانتفاء المُلكية والحكم عنه، فعرض ما يملكه، أي فكره وخبرته، لتكون في خدمة الأمير، من خلال كتابه “الأمير” ليُحقق الأمير مزيدًا من التملك والحكم ومد النفوذ؟ ولتحقيقهم من الأمير لا بُدَّ له من أن “يُحْسِنَ التصرف” وإلا خسرها جميعًا. وحُسْنُ التصرف هو اتباع فكر ميكافيلي، فهو كما وصف نفسه في توقيع مقدمته “الخاضع عند أعتابك”.
وإن اقترحَ “الأمير” طريقتين لحكم “المملكة الحديثة”، وبتعبيرٍ أكثرَ وضوحًا حكم للمستعمرة الجديدة، وهما: “أن يحكم المملكة أميرٌ له أعوان، وهو ولي نعمتهم… والثانية: أن يحكم المملكة أمير يقاسمه المُلك أشراف… لا سلطة له عليهم…”[22]. إلا أنه يُفضل “الأمير الذي لا شريك له في إمارته سوى خدمِه…”[23]. ويبدو المقصود بـ “الخدم” ليس من يخدمه فقط، وإنما كلُّ أعوانه ما دام الأميرُ “وليَّ نعمتهم” فيخضعون له خضوعَ الخدم.
ومن نصائحه عند غزو بلدٍ جديد حُرٍّ لاستعماره، ينصح ميكيافيلي الأمير المُستعمِر باستخدام الوسائل كافة لينجح في استعماره:
“الأولى أن يُخرب الفاتح البلاد المفتوحة، ثم يؤسس سلطته على أنقاض السلطة الغابرة. والثانية أن يَعيش الفاتح في البلاد المفتوحة. والثالثة أن يَمنح البلاد حريتها السياسية… شريطة أن يفرض عليها الجزية… بعد أن يكون قد ترك في البلاد فئة تُحافظ على سلطته في غيابه…”[24].
بتطبيق هذه النصائح يستقر الوضع للمستعمر الجديد ويحافظ على عرشه في مستعمرته الجديدة، و”يعتاد” الشعب على توريث السلطة وتسير الأمور بالمحافظة على “القديم”، وهو حكمُ المستعمر الجديد، لأن الجديدَ مع مرور الوقت يصبح قديمًا.
بعد كل هذه النصائح يعود “الأمير” إلى إقحامنا في تناقضاتِ أقواله. فهو يقول: “لأنني رأيت البشر يسيرون في خُطوات أسلافهم… ولما كان النسجُ على منوال الماضين بالدقة والكمال نادرًا… فينبغي للحكم الحذر أن يتشبه بعظماء الرجال وأن يُقلد أجلّهم وأرفعهم ذكرًا…”[25]. فهنا يُحذرنا “الأمير” من تقليد السابقين لاستحاله تقليدهم! ويدعونا بـ “المحافظة على القديم والابتعاد عن التبديل مهما كان تافهًا”! فأي من السبيلين على المستعمر أن يسلك ليثبت استعماره؟!
يحتوي “الأمير” على كثيرٍ من التناقضات، إلا أنه إذا أردنا توصيفه باللغة السياسية الحالية، يمكن أن نصفه على أنه دليلٌ استعماري عملي، كي يُثبت المستعمر استعماره أينما حل! المستعمر في لغة “الأمير” فاتح فـ “إذا افتتح فاتحٌ بلادًا كانت قبل الفتح حُرة… فللتحكم فيها ثلاثة طرق…”[26]. مُبررًا الاستعمار على أنه من طبيعة “التملك والسيادة ومد النفوذ”!
ويُمكن أن نصيغ جملته بلغة اليوم على النحو التالي، عند استبدال كلمة “فاتح” بـ “مستعمر”: “إذا استعمر مُستعمر بلادًا كانت قبل الاستعمار حرة… فللتحكم فيها ثلاثة طرق”.
ألهذا لا ينام سياسي إلا و”الأمير” تحت مخدته؟ ويبدو اليوم أن كبار ساسة العالم استيقظوا و”الأمير” استعمر عقولهم، بانتقاله من تحت مخدتهم إلى عقولهم في أثناء نومهم وهو تحت وسادتهم، ويعملون على تطبيق إرشاداته الاستعمارية من فلسطين إلى فنزويلا وصولًا إلى غرينلاند وغدًا البقية!
وأكثر ما يُتبع اليوم من وصايا “الأمير”، بالإضافة إلى طرقه الثلاثة من تخريب المُستعمرة كليًا، وهي وصيةٌ مُترسخة في عقول كبارهم هو النصيحة التالية: “… تجارب زماننا دلَّت على أن الأمراء الذين لم يراعوا العهود قاموا بأعمال كبيرة، وتمكنوا من تحيير أوهام الناس بمكرهم، وتغلبوا في نهاية الأمر على الأمراء الذين اتخذوا الأمانة وعادة الوفاء أساسًا لحياتهم”[27]. هل نحن راهنًا في حاجة إلى دليل على هذه الممارسة!
خُلاصة نصائح “الأمير” للمستعمر لنجاح مشروعه الاستعماري: لا تلتزم بأي أخلاق أو اتفاقية توقع عليها، واستخدم كل الوسائل المتاحة بما يخدم مشروع الاستعماري. إذًا يُزود “الأميرُ” السياسيين بمشروعٍ استعماري لا أخلاق فيه، وإلا كيف لهم أن لا يفوا بوعودهم ويكونوا ماكرين لتحتار في فهمهم عقول شعوبهم!
هذا هو الفكرُ المُعمم الخفي عند استخدام ميكيافيلي في الأحاديث أو أحاديث “المفكرين” أو تعليمه في الصروح الأكاديمية على أنه ذاك “المفكر” السياسي. وهو فعلًا كذلك، لكنْ في أي وجه منه؟ سؤال يندر من يُجيب عليه! طبعًا يوجد كثيرٌ من النصائح في “الأمير”، وذكرُ أخطاء وقع فيها السابقون ليتعظ منها اللاحقون!
على سبيل المثال ها هو جمعة، مترجم “الأمير” يقول:
“لمَّا قرأت كتاب الأمير شَغُفْتُ به، وكنت أحمله بجانب رُباعيات الخيام، أقرأ الخيام لدى حزن النفس وانقباض الصدر لأثمل بخمره المقدسة المطهرة، وأقرأ الأمير لأفيق من خمرة الخيال؛ ولأعود إلى ميدان الحقائق المؤلمة التي تصطدم فيه جيوش القوى والرغائب، وتشتبك به سيوف الحوادث ورماح الكوارث”[28].
“الأمير” إلى جانب “رباعيات الخيام” يا لمحاولة المزج بين الماء والزيت! الأول داعٍ إلى مشاريع استعمارية لا أخلاق فيها، مُبررًا إياها على أنها من طبيعة “التملك والسيادة ومدِّ النفوذ”، والآخرُ مؤسسٌ لفلسفةٍ وجوديةٍ! ألم يكن الأجدى به لو ذهب إلى شخص في التراث العربي–الإسلامي كتب في الفكر السياسي ليضعه في وجه “الأمير”؟!
غير مهم، لكنَّ السؤال المطروح: في التراث العربي–الإسلامي من كتب في الحقل السياسي كُثر. وإذا أردنا التعرُّفَ على الخطوط العريضة لهذا الفكر في تلك الحقبة من تاريخ البشرية ونبحث في بعض نقاط التقاطع والافتراق بين الفكرين، الميكيافيلي والفكر السياسي في التراث العربي–الإسلامي، قد يكون أفضل من نعود إليه “العَقْدُ الفريد” لجمعه كثيرًا من الأقوال السياسية في حينها. فكيف تعاطى هذا الفكر، من خلال بعض هذه الأقوال، من يحكم وكيف له أن يحكم؟
العَقْدُ الفريدُ
المرجع الذي سوف نعتمده ليتحاور مع “الأمير”، هو “العقد الفريد” من تأليف أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي.
نُبذة عن حياة الأندلسي وزمانه
وُلِدَ الأندلسي في قرطبة سنة 860 م. وقد يكون الأندلسي لَقَبٌ له لولادته في الأندلس. فالأندلسي ليس بذاك النسب “النبيل” كما هو حال ميكيافيلي. لو كان نسبه “نبيل” لحمل اسم عائلته أحد الأسماء “العريقة” للقبائل العربية، أو الأمراء والسلاطين العرب في حينها.
في زمنه عجَّت قُرطبة بالحياة الثقافية، كما عجَّت بغداد بها، وهي مدينةٌ غنية عن التعريف في هذا الحقل، والفن، وتحديدًا الغناء، ذاع صيته فيها. لكنَّهُ انتقل لاحقًا إلى إشبيلية، لتصبح مركزَ ثِقَلِهِ وتفردت قُرطبة “بالعلم والفقه، وأصبحت عاصمة الأدب وحاضنة علوم الدين”[29].
بعد حياة صاخبة في عمر الشباب، وعند بلوغه عمر الأربعين سنة، تتلمذ الأندلسي في الفقه على كبار شيوخها.
قرار دراسة الفقه، وهو بهذا العمر، يبدو لم يكن بريئًا أو نزعةً للانتقال من الحياة الصاخبة إلى حياة التعبد فقط، ولكنْ يبدو قرارًا يَهْدِفُ إلى تحقيق غاية. قد تكون هذه الغاية هي أنه في قرطبة “في تلك الحقبة من الزمن كانت دراسة الفقه مَدخلًا ومُمهدًا لتسلُّمِ المراكز الرفيعة”[30].
ما يدعم هذا الافتراض هو أن الأندلسيَّ لم يكنْ بعيدًا في صلاته السياسية عن أصحاب القرار السياسي في قُرطبة، وخارجها “فقد مدح أمير قرطبة محمد بن عبد الرحمن الحكم، كما كان على صلة بابنه المُنْذر أيضًا”[31]. ومن علاقاته السياسية مع أصحاب القرار وصلت إلى إشبيلية، وكان على صلة مع “… ابراهيم بن الحجاج الذي جعل إمارته في إشبيلية”[32]. وكان هذا الأمير سَخِيًّا على الأدباء والشعراء، وللأندلسي باعٌ فيهما، كما كان على صِلة طيبة مع “عبد الرحمن بن محمد الملق بالملك الناصر، الذي بَنى مدينة الزهراء، ومدحه بقصائد كثيرة”[33].
البعد التشابكي الآخر بينهما هو: في زمنه لم تكنْ الأندلس بذاك البلد المستقر سياسيًا، بل في تلك “الحِقبة من تاريخ الأندلس كَثُرَت الفتن”[34]. والبعُد الآخر أن ميكيافيلي عاش في عصر “النهضة” والأندلسي في مدينة “الثقافة” والعلم.
صلاتٌ “طيبة” مع أصحاب القرار، في أكثر من ولاية بالأندلس وفي زمن فتن سياسية، أكسبته معرفة قوية ببعض متاهات وخفايا هذا الحقل لاستطاعته بناء أكثر من علاقة مع أصحاب القرار في أكثر من ولاية، وإن كانت أقل من معرفة ميكيافيلي لانخراطه “وظيفيًّا”، فيه. قدرته على بناء علاقات سياسية مختلفة في زمن الفتن تُشير إلى مدى ضلوعه في الحقل السياسي بالإضافة إلى مدى حنكته السياسية. فقد مزج الأندلسي الفكر بالممارسة.
تُوفيَ الأندلسي في عمر 81 سنة بعد إصابته بالفالج. له كثيرٌ من المؤلفات وأشهرها “العَقْدُ الفَريد”، ووفقًا له، عن سبب تسميته مؤلفه بهذا الاسم: “وسميته كتاب العَقْدِ الفريد لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة المسلك وحُسن النظام”[35].
العَقْدُ الفريدُ
صلاتٌ سياسية مع كثيرين من أصحاب القرار السياسي في الاندلس، اضطرابات سياسية وفتن، ومحاولات التقرب من أصحاب القرار… جميعها تتقاطع مع ميكيافيلي مع بعض الفروقات، طبعًا، آخذين اختلاف الزمن بينهما والتطورات التي حدثت في هذه الفترة الزمنية الفاصلة بينهما بعين الاعتبار. فالأندلسي عاش بين عام 860 وعام 940 أمَّا ميكيافيلي عاش بين عام 1469 وعام 1527.
كتابٌ وفقًا لأقواله قَدَّمَ فيه “جواهرَ الكلام”، وجَمْعُ “الجواهرِ يعتمد اعتمادًا كبيرًا على مدى اقتناع المؤلف بأن يختار هذه “الجوهرة” لا تلك ليضعها في مؤلفه. فالأندلسي باختياره هذه “الجواهر” لا تلك كان مُقتنعًا بمدى أهميتها، لا طامعًا في جمع أكبر كمٍّ ممكن للجمع فقط.
“العقد الفريد” ليس “هدية” لأمير أو ملك أو صاحب قرار سياسي بعينه ليعفوا عن مؤلفه، بل عملٌ قام به مؤلفه لاستكمال أعمال غير مكتملة أو يوجد بها خلل ما، فهو القائل: “وقد نظرت في بعض الكُتب الموضوعة، فوجدتها غير متصرفة في فنون الأخبار، ولا جامعة لجمل الآثار؛ فجعلت هذا الكتاب كافيًا جامعًا لأكثر المعاني…”[36].
أي أنه كتاب موجه إلى الجميع بلا استثناء، وبهذا طَرْحُ “العقد الفريد” أكثر أذكاء من طَرْحِ “الأمير”. فـ “العقد الفريد”، قد يقرأهُ العامة، فيصلون إلى طبيعة علاقتهم بالأمير الحاكم وعلاقته بهم، وقد يقرأه الساسة فيتعرفون على هذه الطبيعة ليكون “نصيحة” لهم في التعامل السياسي. فهو كتابٌ خالٍ من موقف سياسي صريح، رغم موقفه السياسي الخفي بين أسطره.
طبعًا الكتاب يحوي أكثرَ من السياسية، فهو عملٌ موسوعيٌّ ضخمٌ، جزَّئَهُ صاحبه إلى “خمسة وعشرين كتابًا، كلُّ كتاب منها جزآن… انفرد كل كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد…”[37].
ينحصر موضوع هذا المقال بجزءٍ من البُعد السياسي منه، فيه البحث عن الخطوط العريضة للفكر السياسي السائد حينها في التراث العربي–الاسلامي، وهل يلتقي مع “الأمير” أم يتعارض معه.
يتفقُ الأندلسي مع “الأمير” في عدم دعم الثورة على الحاكم، وتقديم الطاعة له. فعند الأندلسي “قالت الحكماء: إمام عادل، خير من مطرٍ وابلٍ، وإمام غَشُوْمٍ، خيرٌ من فتنة تدوم”[38]. مهما كان المطر مُفيدًا للإنسان والحيوان والنبات، يبقى “الأمام العادل” أفضل منه! ومهما بلغ طغيانه، يبقى أفضل من الفتنة!
هنا ندخل معهما، الأندلسي وميكيافيلي، على أهمية طاعة الحاكم سواء كان عادلًا أو طاغيًا.
يُعيد الأندلسي وجوب طاعة الحاكم إلى نوع من الفتوى الدينية، فلا ننسى أنه كان يُقيم في ظل حكم ديني ثيوقراطي، موردًا “الجوهرة” التالية في مؤلفه: “إني أنا الله مالك الملوك… فمن كان لي عليه طاعة جعلت الملوك عليهم رحمة، ومن كان لي على معصية، جعلت الملوك عليهم نقمة”[39].
لقد تم اثبات براءة الحكام من حمل وزر “الرحمة” و”النقمة” ليحملها الشعب. إن كان الشعبُ مطيعًا للخالق، ولَّى عليه خالقه حاكمًا “رحيمًا”، وإن لم يكنْ، ولَّى عليه حاكمًا ظالمًا! وما دام الأمر عائدًا إلى العلاقة بين “الشعب” و”الخالق” فالحاكم خارج “ثورة” الشعب عليه لبراءته من معصية أو طاعة الخالق! هذا قال بـ “الفتوى”، ضمنًا لتثبيت الحاكم، وهكذا يضع الاندلسي مواقفه السياسية من دون الافصاح بها، وذلك قال بـ “الاعتياد” لتثبيته. والشعب عند كلاهما محض مجموعة أفراد عليها السير وفقًا لإرادة الحاكم لأنه “أعلم” منها بمجريات الأمور.
وإن كان الحاكم “بريئًا” من تحمل وِزْرَ “الرحمة” و”النقمة”، وفقًا للفتوى، إلا أن عليه الاهتمام بشؤون الرعية، وهذا مبدأ أخلاقي–ديني، “فحق على من قلَّده الله أزمة حكمه… أن يكون من الاهتمام بمصالح رعيته، والاعتناء بمرافق أهل طاعته”[40].
تطبيقًا لهذه القاعدة، وجب على الحاكم أن يقوم بمهمتين: سواء كان “رحيمًا” أو “ظالمًا” وهما: الاهتمام بمصالح رعيته، وهي مُهمة ليست بالسهلة. فمصطلح “مصالح” فضفاضُ المعنى والحدود، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بأمور الشعب لوجود كثيرٍ من “المصالح” المتضاربة!
أما المُهمة الثانية فهي: الاعتناء بمرافق أهل طاعته، فمن “طاعَهُ” توجب على الحاكم أن “يعتني بمرافقه” أكثر من بقية الشعب. كي يبقى الحاكم حاكمًا عليه الأخذ بهاتين المُهمتين، فيأمن حكمه وتطيعه رعيته. والأمر الأبعد من هذا، وتأكيدًا لموقعه و”سلامة” حكمه، أن هاتين المهمتين تنبعان من الفكر الديني.
وبهذا يكون الأندلسي قد “أصاب ثلاثة عصافير بحجر واحد”، لا عُصفورين، فما يتعلق بتثبيت الحاكم في حكمه وهم: خلط بطريقة ذكية للبُعد الديني مع الدنيوي، المُتمثل بطبيعة علاقة الحاكم بالشعب، والثالث علاقة الشعب بالحاكم. لتبقى العلاقة بين الشعب والحاكم، والعكس صحيح، قائمة على قاعدة أساسية وهي مفهومُ العدالة. ولتأكيد وجوب العدل من الحاكم، يذكر الأندلسي حديث نبوي: “عدل ساعة في حكومة، خيرٌ من عبادة ستين سنة”[41].
العدل هنا مسألة أساسية عند كلٍّ من: الأندلسي ومكيافيلي، وإن اختلف مصادر موجبات العدل. لكنه عند ميكيافيلي وسيلةٌ وعند الاندلسي غايةٌ!
لا يقوم حكم بلا “حاشية” مُحيطة بالحاكم، و”الحاشية” تشمل “ناصحي” الحاكم وصولًا إلى أصغر موظف في أجهزة السلطة السياسية. فعند “ناصحيهِ” هناك أيضًا قواعد لهم عند الأندلسي. فالسلطان بشر والبشر خطاؤون، لذا وجب نصحهم لتجنب الخطأ. والنصح يجب أن يكون صادقًا، فالصدق مسألة ضرورية في النصح وغايته تثبيت موقع الحاكم. فيتحول الصدق من مسألة أخلاقية بحتة، إلى مسألة أخلاقية غايتها الحفاظ على سلطة الحاكم. والحال عينه عند ميكيافيلي، مع بعض الفروقات!
عند الأندلسي للنصيحة شروط، ومن شروطها: “لا تُفشي له (أي للحاكم) سرًا، ولا يجرينَّ عليك كذبًا، ولا تطوِ عنه نصيحة، ولا تغتابنَّ عنده أحدًا”[42]. من هذه الشروط ما هو متقاطع مع ميكيافيلي، وما هو مُفترق عنه. من أبرز الافتراقات عنه، هو البُعد الأخلاقي في الشروط التي ذكرها الأندلسي.
والمسألة الأخلاقية غالبًا ما تكون بصراع مع اللا أخلاقية. فالأندلسي العارف بعالم العلاقات مع الحكام ومجريات أحداث ما وراء الكواليس في عالمهم، لم يكنْ “مثاليًا”. فقد حذَّر ناصح الحاكم الملتزم بالأبعاد الأخلاقية من مغبة التزامه الأخلاقي لأنَّ “من صحب السلطان بالصحة والنصيحة أكثر عدوًا ممن صحبه بالغش والخيانة؛ لأنه يجتمع على الناصح عدو السلطان وصديقه بالعداوة… فصديق السلطان ينافسه في مرتبته، وعدوه يُبغضه لنصيحته”[43].
التزام أخلاقي بالنصيحة يُدخل صاحبها في عداوة مع الجميع، حتى مع السلطان. لكنْ على الرغم من كل هذه العداوات والتحديات التي سوف يواجهها الناصح الاخلاقي، لم يدفعه الأندلسي إلى التخلي عنها، بل حذَّره من التحديات والعداوات ونبَّهَهُ إلى الصعوبات التي سوف يواجهها. بينما غيَّب مكيافيلي كل هذا، مع أن ما أصابه من طرد ونفي في جزء كبير منه يعود إلى “انعدام” الأخلاق في حاشية الأمير، وهو الداعي لانعدامها!
لا يعني هذا أن ما أصاب ميكيافيلي لغياب الأخلاق، لم يُصِبْ أحدٌ من أمثاله في التراث العربي–الإسلامي، بل كُثرٌ من أصابهم ما أصاب ميكيافيلي، والتراث العربي–الإسلامي مليء بهكذا أمثلة، فهو ليس بتراثِ “المدينة الفاضلة”.
من أصول النصيحة عند الأندلسي، ألا تُوجَّهَ مباشرة إلى السلطان، بل هناك أصولٌ ولغة لها. وهنا يُدخلنا الأندلسي إلى عالم “الدبلوماسية”، وقد يكن هو أولُ من وضع أصول المخاطبة في هذا العالم، وبخاصة إن كانت من موجهة من مرتبة أدنى إلى مرتبة أعلى.
فالنصيحة يجب أن تُقال للسلطان “وإن استثقلها، وليكنْ كلامه (أي الناصح) له رفق لا كلام خرق، حتى يُخبره بعيبه من غير أن يواجهه بذلك، ولكنْ يضرب له الأمثال، ويُخبره بعيب غيره ليعرف عيب نفسه”[44]. أمر يُذكرنا بـ “كليلة ودمنة” في التراث، وهذا أيضًا أمر يستحق الدرس في عالم السياسة!
هنا يلتقي الأندلسي مع ميكيافيلي فـ “الأمير” مليء بالأمثلة من زمن اليونان وصولًا إلى زمنه، وكلها أمثلةٌ تمسُّ سلطة “الأمير” وتنبهه إلى بعض الأخطاء التي وقع فيها السابقون. إلا أن الأندلسي يُشدد بالإضافة إلى هذا على “اللغة الدبلوماسية”.
كل ما وردَ يدور حول الأمير أو السلطان أو الحاكم أو… وكأنه غير موجود. فماذا عنه؟ قد يكون مُعاوية بن أبي سفيان أحد أبرز الشخصيات السياسية في التراث العربي–الإسلامي، وأكثرهم إثارة للإشكاليات والجدل حوله وعنه.
يعود كل هذا الجدل حوله إلى حنكته السياسية، ومثال واقعي لتطبيق هذه الحنكة لبناء الامبراطورية والحكم. لذا يورده الأندلسي، بالإضافة إلى آخرين، ليكون “مُعلمًا” لمن يريد تثبيت حكمه، فيقول معاوية، كما أورده الأندلسي: إني لا أضع سيفي حيث يكفي سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفي لساني؛ وأن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا مدوها أرخيها، وإذا أرخوها مددتها”[45].
لقد أدخل الأندلسي شخصية الحاكم وحنكته ضمن معادلة بِناء الحكم ولم يقتصر فقط على “الحاشية” والنصح… فاكتملت صورة الحكم لديه. صورة وإن غلب عليها البُعد الأخلاقي، إلا أنها صورة واقعية لا “مثالية” لعالم السياسية.
خلاصة أولية
وإن اتفق الاندلسي مع مكيافيلي في الغاية، تثبيت الحاكم في موقعه، إلا أن الأول ركَّز على البُعد الأخلاقي وبخاصة مسألة العدل، كما ركَّزَ على شخص الحاكم. أمَّا الأخير جعل من البُعد الأخلاقي مسألة ثانوية، ولم يُركز على شخص الحاكم. والمسألة المشتركة بينهما تتعلق بدور الشعب، فكلاهما جعلا منه محض محكومٍ لا قرارَ له في السلطة السياسية إلا الخضوع. وكلاهما عاشا وبرَّرا “فتح” البلدان الأخرى. بينما راهنًا، ومنذ نشوء مفهوم الدولة الحديثة، “فتح” دولة لدولة أخرى هو استعمار.
على المستوى الفكري لا يعني هذا رفضًا كُليًا لميكيافيلي، ولا قبولًا كُليًا للأندلسي، بل الأخذ بما يتوافق مع الزمن الراهن، وإبقاء البقية منهما في موقعهما التاريخي. فـ “الفاتح” لم يَعُدْ يحق له “فتح” أي بلد “حرٍّ” يريده؛ لأنه في موقع سلطوي يسمح له بفعل ما يشاء من دون أي التزام أخلاقي، كما يودُّ ميكيافيلي، و”الفاتح” لم يَعُدْ له الحق كذلك كما يودُّ الأندلسي، حتى لو كان أخلاقيًا، وأصبح الشعب واعيًا لمدى قدرته على التأثير بالقرار السياسي.
ولسنا مع أي مشروع استعماري، مهما تعددت تسمياته أو مصادره. لكنْ وفقًا لمجريات الأحداث مرَّت منطقتنا -العالم العربي- بمشاريعَ استعمارية متعددة. ومنها الاستعمار الأوروبي والانتداب. وإن أردنا إجراء عملية تجميل للاستعمار، يُمكن أن نستخدم لُغة ميكيافيلي الذي يرى المستعمر “فاتحًا”، وها نحن اليوم أمام “فاتح” جديد لا يختلف في جوهره عما ينصح به ميكيافيلي لا الأندلسي.
رفض “الفاتح” لا يُمكن أن يتحول إلى فعل رافض له على أرض الواقع، ما لم يُقابل واقعيًا بمشروع سياسي واقعي يطبق من خلال فعل سياسي؛ لبناء دول مستقلة ذات سيادة، واحترام حقوق مواطنيها، وقيام علاقات سياسية مع الخارج على قدم المساواة… وكل مفاهيم الحاضر للدولة الحديثة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1] نيقولا مكيافيلي، الأمير، ترجمة محمد لطفي جمعة، دار هنداوي، مصر، لاز ط.، لا. سنة، ص. 10.
[2] المرجع نفسه، ص. 39.
[3] المرجع نفسه، ص. 40.
[4] المرجع نفسه، ص. 41.
[5] المرجع نفسه، ص. 41.
[6] المرجع نفسه، ص. 41.
[7] المرجع نفسه، ص. 41.
[8] المرجع نفسه، ص. 41.
[9] المرجع نفسه، ص. 42.
[10] المرجع نفسه، ص. 44.
[11] المرجع نفسه، ص. 44.
[12] المرجع نفسه، ص. 44.
[13] المرجع نفسه، ص. 44.
[14] المرجع نفسه، ص. 44.
[15] المرجع نفسه، ص. 45.
[16] المرجع نفسه، ص. 46.
[17] المرجع نفسه، ص. 46.
[18] المرجع نفسه، ص. 46.
[19] المرجع نفسه، ص. 46.
[20] المرجع نفسه، ص. 46.
[21] المرجع نفسه، ص. 52.
[22] المرجع نفسه، ص. 55.
[23] المرجع نفسه، ص. 56.
[24] المرجع نفسه، ص. 59.
[25] المرجع نفسه، ص. 62.
[26] المرجع نفسه، ص. 60.
[27] المرجع نفسه، ص. 100.
[28] المرجع نفسه، ص. 27.
[29] أحمد بنمحمد بن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، بيروت، دار الكتب العلمية، ج.1، ط. 1، 1997، ص. ب.
[30] المرجع نفسه، ص. ب.
[31] المرجع نفسه، ص. ب.
[32] المرجع نفسه، ص. ب.
[33] المرجع نفسه، ص. ج.
[34] المرجع نفسه، ص. ب.
[35] المرجع نفسه، ص. ج.
[36] المرجع نفسه، ص. 6.
[37] المرجع نفسه، ص. 7.
[38] المرجع نفسه، ص. 9.
[39] المرجع نفسه، ص. 9.
[40] المرجع نفسه، ص. 9.
[41] المرجع نفسه، ص. 10.
[42] المرجع نفسه، ص. 12.
[43] المرجع نفسه، ص. 13.
[44] المرجع نفسه، ص. 18.
[45] المرجع نفسه، ص. 25.