الحوار المسيحي الإسلامي: قراءة جورج خضر النقدية

 

المعيّةُ واقعٌ يحكم الإنسان منذ أن بدأت آثار وجوده تظهر عبر التاريخ. والمثنى صيغة تُثبتها لا بل تتفرّدُ بها لغةُ الضاد، إذ صاغت على مقامها آلاف الصور. العيش المشترك تحدّ يفرض نفسه وسط التعدّد. الصراع والنزاع طبَعا بحزمٍ فصولاً من تاريخ المجتمعات القديمة كما الحديثة والمعاصرة. إلغاء المساحة، وتوحيد كل الألوان خيارٌ قد يؤدّي الى الفناء. من هنا يأتي البحث في أصول الشراكة وفي أسباب الإختلاف كحاجة تُمليها قواعد الوعي المنطلق بشغفٍ نحو المعنى.

تلوح كلماتٌ في أفق الحوار موقعة بإسم رجلٍ طبع بختمه أرشيفاً ملؤه الأدب والفكر واللاهوت. تسجّل له الذاكرة فصولا من حوار ونقاش همّه الأساس فيه : بناء الإنسان. هو الذي عرف كيف يُتقَن فن الخطاب، وكيف تُصاغ أصداء الكلمات…

لقد تمكّن سيادة المطران جورج خضر من نسج خلايا حوارية بديلة يمكن أن تُزرع في أكثر من موضع في الجسد العربي الجريح، على رجاء أن يتعرّف عليها هذا الجسد ويتآلف معها من دون الإنتهاء الى رفضها.

الشرق والغرب، المسيحية والإسلام، السلطة الحاكمة والشعوب، الكنيسة والعالم، التقليد والتجديد، العلمنة والدين، ثنائيات تتصارع تارة، لتتآلف تارة أخرى. تتباعد وتتنافر لكي تعود وتتكامل عبر التاريخ ، وفق ظروف محددة تفرضها الأيام على المجتمعات البشرية. تناول العديد من الفلاسفة واللاهوتيين والأدباء مسألة الحوار بين الأديان والشعوب ، في إيجابياتها وسلبياتها، في غناها وإخفاقاتها. يأتي سيادة المطران خضر في سياق تسلسل تاريخي من المفكرين الذين رسموا أقلامهم على مذبح الحوار خُدَاماً ناشطين في بناء السلم الأهلي والعيش المشترك بين الشعوب والأديان والحضارات. نذكر على سبيل المثال لا الحصر، أسماءً لمعت في النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الحالي: الأب يواكيم مبارك، والأب فريد جبر، والإمام موسى الصدر، والشيخ صبحي الصالح، والأب ميشال حايك، وبول خوري، وغريغوار حداد، والأب عادل تيودور خوري، ومحمد أركون، وهانز كونج، وغيرهم كثر ممن أغنوا المكتبات والذاكرة بنصوص ومواقف مثمّنة حول موضوع الحوار الإسلامي المسيحي.

يطلق العنان لعطشه الحواري فيتفجّر فيضاناً على الورق أو المنابر أو في المناسبات الإجتماعية والروحية، وكأن به مسّاً بداء الحوار والتخاطب والمناظرة. تنتابه شطحات نحو الآخر الذي يقف هناك في أفق الإختلاف. والآخر في المشرق العربي هو المسلم الذي يحمل تراثاً غنياً زاخراً بما يميزه، وهو المسيحي الذي انغرس في هذه الأرض وأثمر فيها لغة وتاريخاً مشبعاً بالأحداث والإنجازات.

… كادت معظم طاولات الحوار أن تودي بالجالسين حولها في دوامة هذا العود الأبدي ، والإنطلاق دائماً من نقطة البداية عينها. تحولت قائمة الموضوعات المطروحة على بساط البحث منذ زمن الى تردّدات تحمل في طيّاتها لازمات تتكرر بحرفية قاتلة ومملّة، وشارفت المناقشات المحتدمة على أن تصبح شعارات تُتلى غيباً ومن دون تفكير.

من هنا نرى من الأنسب، التحدّث عن مائدة الحوار لدى المطران جورج خضر كتعبير يكشف عن مضمون فكره في هذا الشأن، وذلك لما في لفظة المائدة من دلالة ودّ ومحبة وقبول بالآخر واستقبال له ، بكل ما يحمل من اختلاف ، وذلك أكثر مما في عبارة طاولة الحوار، بخاصة وأن هذه العبارة تتمتّع ، في لبنان تحديداً، بحمولة سلببية، وعبثية غير مجدية، لا تتناسب وموضوع بحثنا.

إن أراد الباحث أن يتوقف بدقة عند تصوّر المطران خضر لمفهوم الحوار، فإنه سيعثر على مجموعة كبيرة من النصوص التي كتبت في مناسبات عدة، وتواريخ متباعدة، تطرح كلها مسألة الحوار الإسلامي المسيحي، بأسلوب يختلف وفق المتلقّي، والمناسبة التي تجمعه به. فالنص إن كان ورقة عمل في مؤتمر، ليس كالنص المُعَد للقاء جمع من الشباب، كما أنه يختلف عن النص الذي سينشر في الصحيفة، أو المجلة الرعائية.

لا يجد الباحث كتاباً موقعاً بإسم المطران جورج خضر، مؤلفاً خصيصاً للبحث في الحوار، والتوقف عند أسسه، وشروطه، عند إخفاقاته ونجاحاته…، ومبنياً على التنظير المترابط الذي يتدرّج عبر تراكم الصفحات وتتالي الفصول. إنك ترى مجموعة مقالات ونصوص كتبت في مناسبات عدّة، تمّ صهرها بين دفتي كتاب تحت عنوان ” أفكار وآراء في الحوار الإسلامي المسيحي والعيش المشترك”، لتقدّم الى القارئ ممهورة بختم جورج خضر، ضمن سلسلة : المسيحية والإسلام في الحوار والتعاون، يحمل الرقم 11.

( أنظر: جورج خضر، أفكار وآراء في الحوار المسيحي الإسلامي والعيش المشترك ، جونية، المكتبة البولسية،2000 )

قد يكون هذا الأمر ناتجاً عن أن الإنهمام الحقيقي لسيادة المطران ليس في الكتابة بحدّ ذاتها، ولا في التنظير العقيم الذي يملأ صفحات بعض الكتب. وكأن الهدف الرئيس من خلال ما قيل ونُشر، يكمن في البشارة، في إعلان الكلمة، في عيش الحوار أكثر مما هو في البحث في أسسه الأنطولوجية، وأهدافه المصيرية. جورج خضر هو في الأساس رجل دين، يتولى رعاية أبرشية محدّدة، وله هواجس رعائية أكثر مما هي تنظيرية. طرَح مسألةَ الحوار من زاوية العيش المشترك الذي اختبرَه، هو ابن الشمال حيث الإختلاط ينبت عفوياً، والحوار يتبلور تلقائياً، ولقاء الانا بالآخر لا يندرج في سلسلة من التنظير الاكاديمي البارد والبعيد عن واقع التجربة.

إن هذه الملاحظة، لا تعني البتة أن المطران جورج خضر لم يعط مسألة الحوار حقها من الناحية النظرية، فما سنورده في الصفحات التالية يدلّ على غزارة في النصوص، وحماسة في المواقف، وتماسك في النظر الى الحوار، في أسسه وشروط نجاحه. الأمر الذي سمح لنا أن نتوقف عند “مائدة الحوار” التي أعدّها جورج خضر ليستضيف بحفاوة مشرقية كل فكر توّاق الى نبذ العنف والتباغض، ومشتغلٍ في سبيل إرساء قواعد مشتركة للغةٍ حواريةٍ لا يتراشق ابناؤها الإتهامات والنفي المتبادل. هذه المائدة التي تعكس لنا وجه إنسانية الإنسان في أبهى حلاها، تقدّم أطباقاً مطهوة على نار المحبة في قالب سحره عربي، وطعمه مشرقي.

كيف ينظر المطران جورج خضر الى الإسلام، والى المسائل الخلافية معه ؟ ما هي في نظره أسس الحوار البنّاء، وكيف يقيّم نتائج حلقات الحوار المنعقدة في أكثر من مكان؟ هذان هما المحوران اللذان سنتوقف عندهما في سياق معالجة موضوعنا حول المطران جورج خضر ومائدة الحوار.

 

 

1 – النظرة الى الإسلام بعامة والى المسائل الخلافية بخاصة:

 

“نحن نشعر بأننا من هذه الأرض، من تراب هذا المشرق العظيم. وبالتالي نحسّ أننا طبيعياً ، مباشرة ، تلقائياً ، نحسّ أننا مقيمون في أُخوّةٍ مع المسلمين”.

(أفكار وآراء في الحوار، ص 89)

ملفت هو استخدام فعلَي “نشعر” و”نحس” مع تكرار هذا الإخير في عبارة واحدة. قد يأتي ذلك من أجل لفت الإنتباه الى العفوية والتبلور الطبيعي غير المصطنع لعملية التحاور. وكأن الأمر لا يستدعي بذل جهدٍ فكري كبير لإثبات الحوار والتحدّث عن ضرورته. فالأمور هنا، في المشرق ، تسير بشكل تلقائي. لم يستخدم المطران لفظ حوار مع المسلمين، بل قال بالـ “أُخوّة” معهم. فالمسألة محلولة من الناحية الحياتية، والإختبار اليومي. تظهر هنا جلياً آثار البيئة الشمالية عليه، هو الذي تنقّل في شوارع طرابلس وتربى عفوياً على جمالية العيش المشترك، معايناً القربى مع المسلم، ومختبراً الأخوة في علاقته معه. يُخيّل اليك وكأن الأمر لا يستوجب  الحوار، فالذي يتحدّث عن أخوّة تربطه بالآخر المختلف، لم يعد بحاجة الى حوار يسمح له بالتعرّف عليه وتسليط الضوء على معتقداته وممارساته المختلفة. فهو تلقّفها منذ صغره، وتفاعل معها تلقائياً.

لكن المسألة تدخل في التعقيد والتأزّم عندما ننتقل بها من مستوى العيش اليومي والإختبار الحياتي الى مستوى آخر أكثر تعقيداً وأشد مواجهة، هو مجال العقائد والأسرار والنص المنزل. نراه يميّز هنا بين مصطلحين: المواجهة والمجابهة. “والمواجهة هي أن يكون الوجه الى الوجه، في حين أن المجابهة أن تكون الجبهة الى الجبهة. المواجهة ليس فيها ما يصدع كما الجبين يصدع. وهي تنطلق من الأخوّة إيماناً، والأخوة طبعاً تنبع عند المؤمن من اعترافه بالله مهيمناً على الجميع ولطيفاً بالجميع “.

(المصدر السابق، ص88)

يعتبر أن الإنسان الذي يريد الحق فعلا هو من يسعى الى المواجهة لا الى المجابهة. العنف مرفوض على مائدة جورج خضر، فالمكان يتّسع للإختلاف وللسعي الدؤوب الى التموضع في المواجهة، في الكلمة التي تشرق لمعاناً حوارياً لا يخفت تحت وطأة الصراع المحتدم، ولا يترك للحروب الإيديولوجية ما تستأثر به. إنه يحارب الحقد الذي لا ينتهي داعياً الى فتح ” القلوب بعضها الى بعض ” لكي يستقرّ الله فيها. يرفض سيلان الحقد هباءً باسم العنف الوحشي المدمّر. إنفتاحُ القلوب من شأنه أن يترك مكاناً يسكن فيه الحق ويطمئن اليه الإنسان. فالنفس عنده تتوق الى الوحدة، بعدما اختبرت ” شدّة التنافر ورهبة العزلة “. لا يغضّ جورج خضر طرفه عن احتدام الخلاف هنا أو هناك، إنه يرى جيداً حجم “الإستكبار” السياسي ، وكيفية استلهام الديني وتطويعه في خدمة المنفعة والرغبة في السيطرة على الآخر وإخضاعه عبر الأزمنة.

من هو هذا الآخر عند جورج خضر؟ كيف يفهمه، ويقدّمه؟

اخترت أن أبدأ أولا بالتصورات التي تكوّنت لدى غير المسلمين عبر التاريخ عن الإسلام، وكيفية رفض سيادة المطران لها معلناً عدم موافقته على ما تضمّنته من أفكار وأحكام مجحفة ومتهوّرة.

هناك من يرى أن الإسلام من “العالم الثالث”، والعالم الإسلامي ” قابع في الخطابية والإنشائية “. وهناك من يشكّ في قدرة المسلم على ” الإعتماد الحقيقي للعقل العلمي “. كما أن العقل الفلسفي النقدي قد غُيّب بعد الغزالي، كذلك الإشكالية الفلسفية. ويبدو له من الناحية المسيحية ” أن المسيحي حزن طوال أربعة عشر قرناً لمجرّد ظهور الإسلام. وكثيراً ما اعتبر أن الديانة الجديدة هي اقتصاص الهيّ من المسيحيين الذين كانوا منشقّين في ما بينهم، بل رأى ميخائيل السرياني أن الإسلام عقوبة أنزلها الله بالقائلين بطبيعتي المسيح وهو القائل بالطبيعة الواحدة. المسيحي يعيش بالتأكيد أن الإسلام مصيبة كبرى حلّت في تاريخ الكنيسة لكون الإسلام ينسخ ما قبله. هذه قولة شائعة في الفكر الإسلامي. ولذلك عاش المسيحيون الإسلام جرحاً في جسدهم بليغاً “.

(المصدر السابق، ص115-116)

بالطبع هناك تصورات تكوّنت في المقابل لدى المسلمين عن المسيحية زادت في اتساع الهوة بينهما نظراً الى أنها غير موضوعية، يذكرها سيادة المطران متوقفاً عند ما تركته الحملات الصليبية وحقبة الإستعمار من آثار سلبية في النفوس. فالتاريخ بالنسبة اليه ” لا يأتي من الوثائق فقط “، إنما من اليوميات التي تصنعه. الحادثة هي التي تسكن في الذاكرة وتحزّ فيها أكثر من الفكرة، إذ تبقى حية تنخر فيها من دون هوادة. كل الشعوب تعاني في نظره من إحساس الضحية، أو كبش المحرقة. ” مورس العنف بحق الجميع ويبكي الجميع. غير أن التجدّد الروحي يقضي علينا بأن نتخطّى هذا كلّه ولا نستمر على ما علق بنا شخصياً من صور ماضينا الشخصي أو ماضي آبائنا “.

(المرجع السابق، ص108)

كيف يتخطّى جورج خضر هذا كله، وما هو تصوّره للإسلام؟

” في الصحراء ليس من أشياء تحدّ مشهد الطبيعة، لذا يمتدّ النظر الى مسافات شاسعة، في صفاء عجيب. فعلى أرض قاحلة في مواجهة السماء يتميّز كل شيء عن الأشياء الأخرى، فيدركه البصر بكليّته. وهكذا يتدرّب العقل على معرفةٍ، يكون الكل فيها بارزاً، لا الأجزاء، حيث تستغني الخبرةُ المعاشةُ عن المعرفة المنطقية ، فتتقبّل الإيمان كاختبار شخصي. ويتحوّل هذا الإيمان الى صيحة توحيد لا تضيف أية عقيدة شيئاً اليها: ” لا اله الا الله “. وإذا ما حدث أن نبياً نهض يهذي، فإنه لا يكاد يقول شيئاً مغايراً. وإن كان الفكر منظّماً، فموضوعه ليس الغيب، بل واقع العالم، فالله وحده يعرف الرؤى. والتفاصيل هنا لا حدود لها إذ إن العالم متعدّد، ويتعيّن عليه أن يعكس في نظامه الخاص، انسجام تعاليم الشريعة اللامتناهية، وبساطة الرب التي لا توصف”.

(المرجع السابق، ص 27-28)

يتوقف جورج خضر في هذا النص عند أثر البيئة في تكوين الفكر، ملفتاً الإنتباه الى أن كل شيء مميّز في البيئة الصحراوية الواسعة. الأرض تحدّها السماء، والمكان رحبٌ ، فارغٌ يتّسع للبحث عن أي شيء، عن كل شيء. من هنا جاءت المعرفة مرتبطة بهذا الجو حيث الخبرة المعاشة أجدى من المنطق والتنظير. فالكل أهم من الجزء، والإختبار الحسي أفضل من المقولات المنطقية. الأمر الذي سيطبع الرؤية الإسلامية للأشياء بخصوصية تميّزها عما سواها. فمن أراد أن يفهم كيفية نشوء الإسلام عليه ألا يغفل عن هذه الناحية، لما سيكون لها من دور حاسم في تكوين الفكر الديني. لقد سبق لمحمد عابد الجابري أن تحدّث في كتابيه تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي عن أثر البيئة في انبناء الفكر لدى الإعرابي في الصحراء ، ومن ثم في الفكر الإسلامي. فالإعرابي، أبن هذا الإمتداد الأصفر الرتيب، لم ينتج لغة غريبة عنه، ولم يبلور تصوّراً للعالم وللماوراء بعيداً عن حيّز وجوده. الإنسان إبن بيئته، أجل، والدين كذلك. لا يوجد دين معلّق في الفضاء مجرّد من أي انتساب الى مجتمع محدد، وقوم معروفين عبر التاريخ، لهم تراثهم، وعاداتهم، وتصوراتهم الخاصة في مسائل الكون والوجود والماورائيات.

يبرز هنا أثر العلوم الإنسانية والطفرة المعرفية التي عرفتها في تغيير النظرة الى الدين، وربطه بالبيئة والتاريخ والإنسان والمجتمع واللغة… هذا ما شهده الغرب منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وأدّى الى تغيير المقاربة الكلاسيكية للنصوص التراثية بخاصة، والى أي نص آخر بعامة. فالإيمان في الصحراء هو اختبار شخصي، والعقيدة ليست هاجساً غيبياً يجب تحليل جوهره وتفسير مضمونه. هذا ما يميّز في نظر جورج خضر النظرة الإسلامية عما سواها الى أمور الدين. نجده ينطلق متوجهاً نحو الإسلام من الموقع الأرثوذكسي الذي يسمح له بقراءته ليس فقط في النصوص إنما انطلاقاً من مساكنة المسلم، متسائلا:” هل الأرثوذكسي مسلم بطريقة ما؟ أم هل المسيحية الشرقية والإسلام ثمرة لسامية واحدة هي نمط ثقافي لكلام الله الذي لا يتغيّر؟ ”

(المصدر السابق، ص10)

يرى تقارباً فعلياً بين المسيحيين في الشرق والمسلمين، فما يجمع بينهم أكثر من الذي قد يجمع هؤلاء المسيحيين بالغرب العلماني. يرى تقارباً بين “الحرفية التاريخية” التي هي عنصر أساس في اللاهوت الإنطاكي من جهة، وبين التفسير الحرفي في المجال الإسلامي من جهة أخرى. يشير الى أن “المسيحي العادي” في الشرق، ينظر الى النص الكتابي نظرة تضفي عليه طابع القداسة، ولا يسمح لنفسه المسّ به، تماماً كما المسلم، إذ يعتبر أن الوحي منزل. يؤكد أن الأرثوذكسية، خارج الأوساط الأكاديمية ” تغذّي نفسية وممارسة على شيء من الأصولية، ولو كانت قد انفتحت على قدر كبير من الحداثة “.

(المصدر السابق، ص11)

يريد من خلال ذلك الإشارة الى التقارب بين المسيحية المشرقية والإسلام، فكراً وممارسة. نجده يربط في ما بعد بينهما وبين اليهودية عبر بعض الأمثلة المتعلّقة بمنع المرأة من دخول قدس الأقداس والتقرّب من المناولة في فترة الحيض، تماماً كما تُمنع المسلمة من إقامة الصلوات الطقسية في الفترة عينها. فالإسلام “متهوّد” أيضاً في بعض جوانبه. هذا ما يتّضح أيضاً في النَهي عن أكل الخنزير وعن التصوير وغير ذلك.

 

كذلك يتوقف عند أهمية اللغة في الإسلام والى ما يجمع بينه وبين الأرثوذكسية. إذ يرى أنه في الديانتين ˗ باستثناء الأرثوذكسية الناطقة بالعربية والأرثوذكسية الرومانية ˗ تتلى الصلوات باللغات القديمة حتى لو لم يفهم المؤمنون شيئاً مما يُقال. كما أن المسيحية البيزنطية قد أهتمّت بثقافة الكلام، بجمالية اللغة الحاملة للفكر ” الذي به يستقرّ الروح في القلب ” . الكلام هو الكشف عن الإسم، أي ” إزالة البرقع ” الذي لا يبطل إلا في المسيح. يتجلّى الله من خلال ذلك، محبة تتجسّد في صميم التاريخ، في قول الأنبياء، وفي اللوغس. ” كل ذلك، إذ يستحيل أن يستنهض الله محبة الإنسان إن لم يُلامس جسده التاريخي المحسوس ، ويستحيل أن يخلّص الإنسان دون أن يغيّر حياته “.

(المصدر السابق، ص 30)

أما في الناحية الإسلامية، فإننا نجد جورج خضر يستعين بإبن عباس لكي يجمع بين الحرف والنور، مبرزاً أهمية الكلمة. يربط هذا الأخير أصل الحروف بـ ” برزٍ من نور هو نور الله السابق للوجود. فبعد أن تاهت نقطة من نور في الكون تحوّلت الى “ألف”، ومنها برزت كل الحروف الأخرى”.

(المصدر السابق،ص 30)

فالبدء كان مع الكلام في عالم الإسلام، ومن ثم خلق الله بكلامه الإنسان الاول، ” وعلّم آدم الأسماء كلها “، أي أنه وهبه الكون بأكمله لكي يصونه بقوة الكلام الإلهي، الكلام ˗ الحكمة. لكن سقطة آدم أفقدته هذه اللغة، وما تمرّده، بحسب تفسير إبن حزم لرواية السقوط، إلا لأنه ” حرّف هذه اللغة عن مركزها وغيّرها وأفسدها.

يقدّم جورج خضر قراءة خاصة بالإسلام ترتكز على دور اللغة وأهميتها التأسيسية التي جعلت من هذا الدين ديناً كتابياً مبنياً على الكلمة. فالنص القرآني ، من وجهة اللاهوت الإسلامي ، هو صوت الله كما عبّر عنه النبي بالعربية من دون سواها، وهو تجسيد لجمال الله غير المنظور الذي ” اهتزّ في جسد كل نبي” .

يعتبر الإسلام أن محمد هو أعظم الأنبياء ” لأنه وحده استولت عليه رغبة التلاشي، دون تحفّظ ، في وجه الله المتعذّر إدراكه. وبفعل صدمة اللقاء تصوّرت كلمة الله، عبر نشيد حب النبي الداخلي، الذي سجّله ، بعد ذلك في تعبير القرآن الخطّي. فقراءة القرآن هي تحليق عبر مرآة الله” .

(المصدر السابق، ص30)

يبدو هنا جلياً إعجاب جورج خضر بالنص القرآني ، وتقديره لأهمية الكلمة في الإسلام، هو إبن اللوغس اليوناني الذي تجسّد ليصير إنساناً في المسيح يسوع. وما التعاطي مع النص القرآني الا عملية تحرّر من المحدودية نحو التحليق في التأمل في ” مرآة الله”. كذلك ، عندما يستخدم عبارة ” نشيد حب النبي الداخلي “، فإنه يغمس قلمه باللغة الكتابية التي تنشد ألحان الحب الإلهي للبشر.

يشير في هذا السياق الى أن هناك قرآنين، واحد أبكم صامت، وآخر ظاهر ينكشف للإنسان الذي يقرأه. يمثّل الأول وجه الله الذي يصعب إدراكه، أما الوجه الثاني ، فهو الصورة الحرفية للنص القرآني.” الكلام ، إذن، والكلمة هي في الأرض العربية، أملنا الأكبر في التواصل ، وأفضل جسر يمكن أن يؤدّي بنا الى لقاء الآخر في عالمه الخاص”.

(المرجع السابق،ص31)

أجل، إن الكلمة هي التي تنبذ العنف، وتكشف المحجوب، وتضيء الطريق نحو الآخر، وترشد الى حيث الحقيقة. من هنا جاء تركيز جورج خضر على ” ترجمة الرموز” في كلا الديانتين، لكي تصبح واضحة في سياقها الخاص، وبيّنة متماسكة أيضاً في السياق الآخر. يقول:” من الدلالة بمكان أن يسمّي الإنجيل المسيح بـ :”الكلمة”، فالمسيح هو ما إراد الله أن يقوله لنا. وفيه يتكلّم الله. هنا نجد أنفسنا أمام أول عقبة تجعل حقيقة الإنجيل ، بالنسبة الى شريكنا في الحوار ، مجموعة مفاهيم مستغلقة على الفهم، لا بل أمام لا معقولية بحتة. وهو لن يدرك حقيقة الإنجيل إلا بقدر ما نوفّق الى توضيحها بتعابير مألوفة لديه، وبقدر ما نتجاوب مع ما يعتبره صحيحاً”.

(المرجع السابق، ص 31-32 )

يدعو جورج خضر هنا أصحاب الإختصاص لكي يبذلوا الجهد الكافي من أجل إيجاد إطار سليم للحوار، وذلك من خلال فكّ الرموز التي تشكّل حاجزاً أمام المعقولية. فاللغة الدينية حافلة بالصور والتشابيه والإستعارات والمصطلحات التي تنتمي الى بيئة معينة، من هنا ضرورة الغوص في تأويلها وجعلها أقرب الى الآخر الذي لم يعتَد عليها، ولم يتربَّ في كنفها. فهو غريب بعض الشيء عنها، وعن مكنوناتها.

تجدر الإشارة هنا الى أهمية اللغة الحاملة للخطاب، وضرورة السعي الى كشف المعنى الكامن فيها، ليس فقط من أجل تحقيق فهمٍ موضوعي للمضمون، إنما أيضاً من أجل تأمين حيّز من التواصل المُجدي الذي يقرّب المسافة بين المتحاورين، على الرغم من انتمائهم الى تراث مغاير، مشحون بالمواقف والأحكام التي لم تكن مصيبة دائماً، وبالنزاعات المتّشحة غالباً بسواد مدمّر.

يرى جورج خضر أن الله “يتكلّم” في الإسلام عبر النبوة التي تبلغ أوجها في القرآن. أما في المسيحية، ” فالله يتكلّم بيسوع المسيح وكلامه حياة إنسانية بلغت كمالها، لا في النص، بل في شخص تحمّل في ذاته كل ضعف الجسد. فيسوع المسيح هو،(…)، الجهد الأخير الذي قام به الله، كي يفسّر طبيعته ويعبّر عنها بلغة بشرية سهلة المنال على الناس. والكتاب المقدّس يغدو أيضاً (…) تعبيراً غامضاً، بمعنى أنه فرعي، محوّل للإنتباه، ونوع من مرآة تعكس حقيقة الكلام الالهيّ، المحوّل الى كلام بشري”.

(المصدر السابق، ص 32)

يشير هنا الى الفرق في النظر الى مفهوم الكتاب المقدّس بين المسيحية والإسلام. يتحدّث عن ذروتين، الأولى تتحقق في كتاب: القرآن، والثانية في شخص: يسوع المسيح. واضح الفرق بينهما في تحديد مفهوم الكلام الالهي. الله الذي يتكلّم من خلال كتاب في الإسلام، يتحوّل كلامه الى حياة إنسانية تجلّت في شخصٍ يحمل كل ضعف الجسد، لكي يصل الى البشر في محاولة أخيرة لتفسير طبيعته على نحو يدركه بنو البشر. فالكلام الالهي قد تحوّل فعلا الى كلام بشري.

 

هناك أمور عدّة تميّز بين الإسلام والمسيحية، وقضايا لاهوتية جمّة، وعقائد وتعاليم كثيرة تذهب في اتجاهات مختلفة، نذكر منها على سبيل المثال: النظر الى مفهومَي الوحي والتنزيل وعلاقتهما بالكتاب المقدس، بالإضافة الى شخص يسوع المسيح الاله المتجسّد، وعقيدة الثالوث الأقدس، وغيرها من الموضوعات التي شهدت مناظرات ونزاعات عبر التاريخ.

يقول جورج خضر في سياق تحديده لما يميّز الإسلام كدين عن المسيحية ما يلي:”يريد الإسلام أن يكون دين الفطرة، دين الحالة الطبيعية، القريبة جداً من الوحي “الطبيعي”. وهو لذلك يلحّ بإفراط على ما يتقبّله العقل، وعلى علامات الله في المخلوق، أي على الآيات. فالإنسان يُدرك بالحكمة نفسها، ما هو كونٌ مادي وما هو وحيٌ الهي. يريد الإسلام كذلك أن يكون كتاباً مقدّساً، ليس كتكميلٍ لكتاب مقدّس قديم ˗ كما يبدو العهد الجديد بالنسبة الى العهد العتيق ˗ بل كناقل لرسالة الكتب المقدّسة القديمة ذاتها. فالقرآن لا يعرف مفهوم التتميم، بل مفهوم التصديق. وإذ هو مطابق للكتب المقدسة السابقة، فإنه يحتوي عليها، وبذلك يُعفي منها. فاعتبارها خارجة عنه، هو منحها وضعاً خاصاً، وبهذا يكون استمرار الدين اليهودي والدين المسيحي في الوجود إعلاناً لحقيقة من خارج الإسلام، وبالتالي، تحريفاً للوحي القديم. والروابط بين الكتاب المقدس والقرآن شأن ثانوي، ومسألتها غير مطروحة في دار الإسلام، وهي، بالضبط، مسألة مسيحية “.

( المصدر السابق،ص 125 )

نلحظ أن خضر يركّز في هذا النص على أمرين في سياق توقّفه عند ما يميّز بين المسيحية والإسلام:

الأول: كون الإسلام يريد أن يكون دين الفطرة، فهو يشدّد على دور العقل في قراءة علامات الله.

الثاني: يقدّم الإسلام نفسه كخاتمة للديانات السابقة، فهو يحتوي في آن على ما سبق ويعفي منه، واضعاً إياه في إطار التحريف.

في ما يتعلّق بالأمر الاول، يمكن أن نشير الى أن ما ورد في القرآن من آيات تدعو أصحاب العقول الى “الإعتبار”، وإعمال العقل من أجل التوصّل اليه والكشف عن وجوده، كان إبن رشد قد أستند اليه في سياق دفاعه عن الفلاسفة لكي يبرهن أن الإرتكاز على العقل أمرٌ واجبٌ في القرآن، يكافئ من يقوم به، ولا يجوز أن يعاقب. فالإسلام يدعو الى الإستدلال بالشاهد على الغائب، وهو منهج عرفه العديد من علماء الكلام، وأبرزهم المعتزلة. أعتقد هنا أن المطران خضر يريد من خلال الإشارة الى هذا الأمر في سياق التمييز بين الإسلام والمسيحية، أن يبرز خاصية هامة، جرت العادة على إغفالها لدى المسيحيين في تعاطيهم مع الدين الإسلامي، وهي التركيز على دور العقل في التوصّل الى الله. كذلك، يمكن أنه قد يبغي لفت الإنتباه الى المنحى العقلاني في البحث عن الله وفي الله، لدى الإسلام، خلافاً للمسيحية، ولما ورد في الكتاب المقدّس حيث يتمّ التركيز على الإيمان، والتواصل مع الله عبر عمل الروح في المؤمن.

أما في ما يتعلّق بالأمر الثاني الذي يثيره خضر في النص السابق، فهو الفرق بين مفهوم الكتاب المقدّس لدى كل من الديانتين. فالإنجيل هو كتاب يتمّم ما سبق أن ورد في العهد القديم، أما القرآن فهو يحتوي على كل ما ورد قبله، لذا انتفت الحاجة الى العودة الى ما هو سابق، لأن اللاحق يستوعب السابق ويلغيه. من هنا الحكم بالتحريف على النص الإنجيلي الذي يقدّسه المسيحيون.

هناك إذا موضوعات ومسائل عدّة شكّلت جدلاً ونزاعاً بين المسيحية والإسلام، تتعلّق بأمور التقديس وبالعقيدة. اخترنا أن نتوقف في هذا البحث عند ثلاث نقاط جوهرية تبرز الفرق بين المسيحية والإسلام، وهي على التوالي: مفهوم الوحي في علاقته بالكتاب المقدّس، وشخص يسوع المسيح وحقيقة الصلب والقيامة، وعقيدة التثليث. كيف يعرضها جورج خضر، وما هي بالتالي الإقتراحات الني يقدّمها من أجل تقريب وجهات النظر؟

 

المسألة الأولى: نظرة الإسلام الى الوحي وعلاقته بالكتاب المقدّس

 

يمكن أن نوجز هذه المسألة كما عالجها جورج خضر في كتابه:أفكار وآراء في الحوار المسيحي الإسلامي والعيش المشترك ، من خلال التوقف عند ثلاث محطات رئيسة كان قد أشار اليها، وهي تميّز بين الإسلام والمسيحية على هذا الصعيد.

أولاً: إنه بالإضافة الى الفرق في الأسلوب وصياغة النص الذي يميّز بين الكتاب المقدس والقرآن، هناك مسألة تعدّد الكتب، ووفرة المؤلفين، وامتداد فترة الكتابة الى أكثر من ألف سنة. مما يتناقض مع المفهوم الإسلامي للكتاب الموحى. كما يصعب على المسلم أن يتقبّل وجود أربعة كتّاب للنص الإنجيلي، لأن الله قد عهد الى النبي يسوع بإنجيل واحد، لاغير، فقدته الكنيسة الأولى.

ثانياً: إسلامياً، يتعلّق الأمر بعملية ” نقل شفهي وحرفي لنص حقيقي “، إذ أن كل نبيّ يبلّغ ما تلقّاه مباشرة من الله على نحو محدد وتام. الأمر الذي أدّى الى النظر الى الرسالة التي أُوحيت الى النبي يسوع، كمجموعة نصوص فقدت عبر التاريخ، وضاع أثرها لدى الجماعة المسيحية، لكنها، في الوقت عينه، نُقلت بحرفيتها الى النبي محمد. إن ما ينظر اليه المسيحيون في إنجيلهم لا يوافق عليه المسلمون. فالإنجيل، بالنسبة الى الإسلام، ليس كلام البشارة، ولا أيقونة الكلمة التي تجسّدت في الجماعة الكنسية.

ثالثاً: إن القرآن يجسّد كلام الله الذي تمّ تبليغه الى الأمة بواسطة النبي، من دون أن يكون هناك علاقة تربط ما هو الهي بما هو بشري. الله متعال، وكلامه أزليٌّ. فالحدث القرآني يبقى فوق نسبية الظروف التي تخصّ حياة النبي محمد.

هذه الأمور الثلاثة، تميّز في رأي خضر بين نظرة المسيحية ونظرة الإسلام الى الوحي في الكتاب المقدّس، و يكمن حلّها في خطوتين:

الخطوة الأولى تكمن في مساعدة المسلمين على قبول فكرة “الوحي الشخصي” الذي يؤثر على عقل ” الممسحَنين “، فيجدّدهم لكي يشاركوه في الخلق ” بحصة كاملة”، معبّرين بكلام بشري عن “الكلمة التجسّد”.

( المصدر السابق، ص 38 )

أما الخطوة الثانية فتتعلّق في توضيح رسائل العهد الجديد التي تكشف عن حاجة الله الى الخبرة الإنسانية. إن هذا الأمر مستغلقٌ على الفهم من الناحية الإسلامية. إذ كيف يمكن لنصوص تشكّل مراسلة خاصة أن تكون بمثابة التعبير عن الوحي الإلهي؟

نجد أن الحل الذي يقدّمه جورج خضر في خطوتين متتاليتين يتطلّب جهداً حوارياً كبيراً، ومقدرة على مخاطبة الآخر بلغته، ومعرفة تفاصيل مكوناته الفكرية واللاهوتية. كذلك فإنه يقتضي الجلوس الصادق والشفاف على مائدة الحوار من أجل مشاركة الآخر معارفه، ورموزه، ومدلولات خطابه. يبقى ذلك رهن الرجاء بمستقبل حواري أفضل…

 

هذا بعض ما اختصرناه مما يميّز بين الإسلام والمسيحية في ما يتعلّق بالكتاب المقدّس والوحي، في نظر خضر، لكن ما يوحّد بينهما، بالنسبة اليه، هو أنهما يعتبران الله يقوم بالإفصاح عن إرادته عن طريق الكلام. الله يتكلّم، يعبّر عن إرادة، عن نظرته، عن طبيعته. على الرغم من الإختلاف في النظر الى مفهوم الكتاب المقدّس، ” يظلّ قوام الرسالة المسيحية أن الله يفصح عمّا يريد، ويتكلّم. وهذا هو القاسم المشترك بين المسيحية والإسلام: لله، وحده، أن يكشف لنا طبيعته، وهو يكشفها لنا بطريقة تعبير خاصة. صحيح أنه أرسل لنا خدّامه وأنبياءه، لكن ما قالوه لنا غامض، وكانت مهمّتهم، مهمّة نقل الى يوم شاء الله، برحمته الودودة، أن يستخدم لغة مباشرة، فكلّمنا هو نفسه وجهاً لوجه كأصدقاء وشركاء في الحوار”.

( المصدر السابق، ص 32 – 33 )

يمكن أن نفهم من هذا القول أن ما حمله الأنبياء من كلام مفعمٍ بالرموز، سيظلّ موضع تأويل ونقاش واختلاف، حتى يوم القيامة. من هنا تظهر الحاجة الى الدخول في حال الحوار، والتدرّج في مقاماته. فالحوار هو بدايةً، حوارٌ الله مع الإنسان، وهو ثانياً، حوارُ الإنسان مع الكلمة الموحاة، أو الكلمة المتجسّدة، وهو ثالثاً، حوارُ الأنا مع الآخر. المعنى يفوق قدرة إنسان واحد، أو مجموعة واحدة، على التأويل، ويتتطلّب بالتالي جهداً، تُراكمه الأجيال عبر تاريخها، لسبر أغواره، ولنقله الى من يريد تلقّيه.

أما بخصوص الإعتقاد بأن القرآن يحتوي على كل العلم والتكنولوجيا، من أجل التأكيد على أن قدرة الإنسان على الخلق تبطل قدرة الله الوحيدة على ذلك، فيرى جورج خضر أن هذا الموقف لا يوافق عليه معظم المفكرين المسلمين، بخاصة الذين انخرطوا وتفاعلوا مع الحداثة. ويشير الى أن الحضارة الإسلامية قد عرفت ازدهار الفكر منذ بدايات الإسلام لغاية القرن الرابع الهجري، عندما تفتّحت العلوم الإسلامية ” في حرية تامة إزاء الوحي وسنّة الرسول “. وهو يلحظ أنه في الوقت الحالي، وعلى الرغم من حضور السلفيين في أكثر من موقع، فإن المسلمين ما زالوا يقيمون ” علاقة جدلية مع الحداثة. إلا أنهم لا يتمكّنون من القبول بها قبولاً ناجحاً على مستوى الفكر. والأمر الأكثر غرابة هو أنهم لا يتساءلون هل كانت دينامية الإنجيل، بشكل أو بآخر، من العناصر التي كوّنت الحضارة الغربية”.

(المصدر السابق، ص19 – 20)

ينتقد في هذا السياق المسلمين كما المسيحيين الأرثوذكس، مشيراً الى نقطة ضعف تكمن في ” استبعاد علم النفس والإقتصاد والإجتماع أكان مسيحياً أم مسلماً”. يودّ من خلال ذلك أن يبيّن كيفية تمكّن كل منهما من “ملاقاة الإنسان المعاصر”.

(المصدر السابق، ص 20)

فالمسيحي الأرثوذكسي لم يضع نفسه في مواجهة مع الحداثة، لأنه ليس في وارد أن يخوض معركة معرفية مع الغرب العلماني. يربط خضر بين الهمّ المعرفي والهمّ السياسي لدى المسيحي الغربي الذي لا يخفي رغباته في السيطرة والإحتلال. أما المسيحي الأرثوذكسي فليس لديه هذا الطموح، حتى ولو تعاظم النفوذ الروسي. كذلك إن الأرثوذكس لم يتمكنوا من تطوير مشروع فكر اقتصادي خاص بهم، بينما قام الإسلام بتأسيس نظام مصرفي خاص، نظراً الى الدور الذي لعبه وضع العالم الثالث في ذلك. وهو يصرّ هنا على أن ” التاريخ والروح مرتبطان” بشكل وثيق. ليس في وسع الروحانيات أن تتجاهل أسئلة الناس الذين يعيشون قلق اللحظة الراهنة. فالروحانية منهمّة في البحث عن جواب يشفي غليل الباحث عن إجابة مقنعة.

تبرز هنا إشكالية الروحي والزمني التي تخبّط بها الغرب، وحاولت العلمانية الفصل بينهما. أما المطران جورج خضر فإنه يرى في عدم الفصل بينهما أمراً طبيعياً، واقعياً، يعكس حقيقة ما يحدث في المجتمع، ولدى الأفراد. ليس الأمر مطروحاً لديه من زاوية النضال العلماني، إنما من ناحية المحنة التي يعاني منها إنسان اليوم، والمحاولة لإيجاد حلّ مناسب. يقول:” إن المحنة الناجمة عن فصل المادة عن الروح، والطبيعة عن التاريخ، والفرد عن الجماعة، إن المحنة التي يتألم منها الإنسان المعاصر، نتجاوزها باختبارنا الروحي للجماعة الإفخارستية وفي رجائنا بالكنيسة الممجّدة أي بكل البشرية المفتداة “.

( المصدر السابق، ص 25 )

يعتبر خضر هنا أن الأمة الإسلامية والجماعة المسيحية تتصالحان في ما يشير اليه اللاهوتي الأرثوذكسي أُوليفيه كليمان بـ ” المجيء الإسخاتولوجي”، وما يرِد في القرآن من أن العالم فانٍ:” ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام “(55:27). هذا التوق الى الزمن الأخروي، الى لحظة الأبد، من شأنه أن يقرّب مسافة الإختلاف، يجهل المتحاورين أكثر تفاهماً ومشاركة. كذلك هذا الخلط، أو التوحيد بين الروحي والزمني أمر من شأنه أن يُظهر تشابهاً في المنهج وفي السلوك المعرفي.

 

 

المسألة الثانية: شخص يسوع المسيح وحقيقة الصلب والقيامة

إن ما يختلف حوله الإسلام والمسيحية لا يُلخّص فقط في مسألة الوحي والبحث في مفهوم الكتاب المقدّس، إنما هناك أيضاً النظر في شخص يسوع المسيح. فكيف يطرح جورج خضر هذه المسألة الخلافية؟

إن ما يعترض عليه الإسلام بشكل أساس يتعلّق بشخص يسوع المسيح، هناك رفض لألوهيته انطلاقاً من الآية: ” لم يلد ولم يولَد “.إن القول بالوهية المسيح يعتبر عبادة وثن و” شرك “.إنه تأليه للإنسان. يعترف الإسلام ببتولية مريم، لكن لا يقرّ بأن الإبن الذي أنجبته هو اله. لا يرفض الإسلام عقيدة التجسّد، بالنسبة الى خضر، لأنها لا تنطبق على يسوع المسيح وحسب، إنما لأن التجسّد بحدّ ذاته لا يليق بالله.

لكن كيف العمل لحل هذا الإختلاف، أو لتقريب وجهات النظر على الأقل؟

إن التركيز على ” مركزية الله ” في الكتاب المقدّس لا يحسم المشكلة. كذلك إن التشديد على إنسانية يسوع وصفاته البشرية لتقريبه من الإسلام، والإبقاء عليه في منطقة الجليل، يجعله نبياً بسيطاً، مما يخالف الصورة التي قدّم المسيح نفسه فيها. صعد الى أورشليم حيث سيصلب، ويموت، ويقوم، أي الى حيث سيظهر الها، رافضاً البقاء في الجليل. لقد واجه الصلب ليس لأنه نبي، إنما لأنه أعلن نفسه إبن الله. من هنا يرى خضر أنه ” ليس لنا أن نقدّمه للآخرين، إلا بالعبارات التي استعملها هو نفسه. علينا أن نقدّمه في ملء طبيعته وعلاقته بخطيئة البشر، وفي إيماننا به مخلّصاً متجسّداً”.

( المصدر السابق، ص 40 )

يعتبر أنه ” لا يمكن فصل الإيمان بالمسيح، عما يؤكّده هذا الإيمان. وما يُطلب منا أن نفسّره ليس عقيدة، بل هو لقاءٌ شخصي بُنيت عليه العقيدة. وهذا اللقاء هو الذي يكوّن، في الواقع، التدبير الإلهي. لا يستطيع الإسلام أن يقبل حقيقة هذا التدبير، إنما ينبغي له على الأقل، أن يكون واعياً تماماً، لما يرفض“.

( المصدر السابق، ص 41 – 42 )

يبدو جلياً في هذا القول لخضر عدم المراوغة من أجل تبسيط الخلاف وجعله أمراً قابلا للأخذ والرد. هناك حقيقة صعبة الفهم، وصعبة القبول، مطلوب من الآخر قبل أن يرفضها في حال إصراره على ذلك أن يعي فعلاً أبعادها. يغوص هنا في لاهوت التجسّد الذي أنتجته أجيال عبر التاريخ، والذي يغفله الفكر الإسلامي. يشدّد على أن الآب يلد الإبن الذي به يتمّ كل شيء. ” فالله هو الموحي والموحى به “، وهو يعطي ذاته في هذا الوحي. يؤكّد خضر على ما يلي: ” ليس إيماننا بألوهية المسيح إهانة لله وإساءة الى وحدانيته وخطيئة عظمى من الوجهة العقائدية ˗ كما يعتقد الإسلام ˗ ، بل هو، بالعكس، مصدر وأساس رجائنا بالله الأوحد، الإله الأزلي الذي بادر وقال لنا من يكون”.

( المصدر السابق، ص 42 )

واضح هنا هذا الفرق في النظر الى الكلمة المتجسّدة في شخص يسوع المسيح، الأمر الذي يتطلّب الكثير من التفرّغ للشرح والتفسير من أجل تحقيق تواصل موضوعي على هذا الصعيد. لذلك نجد جورج خضر يقترح الإنطلاق، في تقديم شخص يسوع المسيح، ليس من الإصرار على كونه إبن الله، إنما يجب ” الإنطلاق من علم الإناسة المسيحي، ومن المسيح كآدم الجديد، من أجل تفسير المسيح الكلمة “.

( المصدر السابق، ص 42 )

يرى أنه يصعب ليس فقط على المسلم ، إنما على الفكر العبري أيضاً أن يقول بأن المسيح هو إبن الله الوحيد، ومحاكمة المسيح خير دليل على ذلك. الحل يكمن إذا في علم الإناسة المسيحي، من دون أن يُفسَّر ذلك بالتجديف. فالحديث عن آدم الأول وآدم الثاني من شأنه أن يخلق مساحة حوارية محدّدة، يمكن أن يلتقي فيها المختلفون والمتباعدون. لم يفصّل خضر القول في ذلك، إنما استند في ذلك الى ما ذكره القديس مكسيموس المعترف حول طبيعة العمل الذي على الإنسان أن يقوم به حسب التوراة.

( لمزيد من التفصيل أنظر المصدر السابق، ص 43 – 44 )

ليس التجسّد فقط هو ما يختلف حوله الإسلام والمسيحية، إنما أيضاً هناك حادثة الصلب. إذ من الأصعب هنا إيجاد مساحة حوارية، وفسحة تواصل. شرح الصليب أمر في غاية الصعوبة، والتعبير عن هذه العقيدة بلغة الإسلام مهمّة قاسية.

يقرّ القرآن بقرار اليهود القاضي بصلب المسيح، لكنه يتجاهل أقوال المسيح المتعلقة بصلبه. لذا يتمّ التحدّث عن إنقاذ المسيح بصلب رجل آخر شبيه بيسوع، قد يكون يهوذا.  يفسّر خضر إصرار القرآن على التدخّل الالهي له أسس تاريخية، وعقيدية في الإسلام. إن صلب النبي يسوع يعني فشل الله الذي يرفض أن إهانة خدّامه. لذا نجد رجلاً آخر تألّم مكان يسوع.

يصرّ خضر هنا على ضرورة تفسير مفهوم الصلب للمسلمين. يؤكّد على أن الله الذي تؤمن به المسيحية لا يرضى بالحل الذي قدّمه القرآن. الله يحمل الصليب بنفسه في المسيحية. يشير في هذا السياق الى أن ” الإسلام يقدّم لنا مسيحاً غريباً عنا “. ويستنتج أن ” مسيح الإنجيل هو غير مسيح القرآن، بل هو المسيح الذي نزل عن الصليب، ورفض الكأس التي قدّمها له، ونقض (…) ” إسلامه ” لمشيئة الآب في تكريس للذات، وطاعة غير مشروطة “.

( المصدر السابق، ص 45 )

رفض الصليب بالنسبة الى المسيحية يعني تماماً رفض القيامة. والإسلام يؤمن بقيامة مقبلة ليسوع، الذي سيعود ليموت. لذا يرى خضر أن من واجب المسيحي أن يؤكّد على أن الصليب هو أكبر دليل على القيامة، إذ انه ”  “يقيم الدليل” على القيامة ويثبّتها، هنا والآن، بصفتها ناتجة، بلا أدنى ريب، عن طبيعة الله الذي هو محبة. فليست القيامة، بالنسبة الينا، نوعاً من خاتمة كيفية أو اعتباطية، بل هي برهان على أن المحبة قد غلبت الموت “.

( المصدر السابق، ص 46 )

يشير خضر الى تفادي عرض الإيمان المسيحي بكل تفاصيله أمام رفض الإسلام، وكأن المسألة تتعلّق بمناقشة نظريات عقدية. ينحصر دور المسيحي بـ ” الإبانة عن يسوع المصلوب “. عليه أن يؤكّد واقع الصليب بروح المسيح الذي حمله. يعرض خضر كيفية فهمه للصليب على النحو التالي: ” الله ينزل الى هذه الجحيم وهذا الموت، بطريقته التي هي طريقة المحبة. وعندما تجسّد الله غلب الموت بالموت. وهو ينزل جحيمي الداخلية، الى هذا العمق من القلق والظلام فيّ، فيبدّدها بقيامته، والموت يصبح بالنسبة الينا، وجه القائم من الموت، أن تطلّ على النور “.

( المصدر السابق، ص 50 )

إن هذا التفسير اللاهوتي المفعم بالروحانية لمعنى الصلب والقيامة كما تفهمهما المسيحية، هو محاولة قام بها جورج خضر لتفسير الصليب للإسلام. لكن السؤال الذي يبادر سريعاً الى ذهن القارئ، هل في كل ذلك ما يقنع الإسلام حقاً ؟ هل بإمكانه أن يقرّب المسافة فعلاً، ويقلل من مساحة التباعد التي تتزايد تباعاً؟ هل إن جورج خضر مقتنع بالصميم بجدوى هذه المحاولة التي تمسّ العقيدة وتخالف القرآن؟.

أسئلة تعوم تلقائياً على سطح الوعي، مباشرة بعد قراءة نص خضر في هذا الخصوص.يبقى لنا أن نطرح عقيدة التثليث في سياق التوقف عند النقاط الجوهرية في الختلاف القائم بين المسيحية والإسلام.

 

المسألة الثالثة: عقيدة التثليث

يبدأ خضر بطرح المسألة انطلاقاً من التحدّث عن “موهبة الإيمان” التي تعطي مكانة للقلب في كشف سر المعرفة. فالعقل وحده لا يملك القدرة المطلقة على المعرفة. يستشهد هنا بصلاة قرآنية تقول: ” ربّ أحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ” (20:27 – 28) لكي يشير الى أن الإسلام لا ينكر دور القلب في فهم الحقيقة . يعتبر خضر أنه بمجرّد الإعتراف بمحدودية العقل، وعدم قدرته على الإدراك الكلي المطلق، من شأنه أن يفتح قناة حوارية، وحالة من التقبّل تجعل الإنسان أكثر انفتاحاً على سر ” الآخر المختلف “. ويشير الى أن الإسلام الصوفي كان قد عاش هذه التجربة عندما أعطى الأولوية للقلب في معرفة الله. حتى أن خضر يعتبر عملية إنكار وجود الله من خارج لغة القلب، ليست سوى ” إنكار على مستوى المفاهيم المجرّدة وموضوعيتها “.

( المصدر السابق، ص 51 )

يترك جورج خضر المجال واسعاً للقفز فوق حدود الحرف، وحاجز العقيدة، وإلحاح العقل، ودقة الموضوعية. يغوص في الإيمان العميق الذي يوحّد ويحفر في عمق الحقيقة التي تبقى دائماً أبعد من تُسجن في قوالب المعرفة. إنها نفحة صوفية تفسح المجال للروح في الإنطلاق عالياً للدوران في مدار الألوهة، بعيداً عن كل التناقضات، والصراعات، وتسجيل المواقف، والمحافظة على الموقع، والنضال الشرس في سبيل الدفاع عن العقيدة.

إنه يصرّ على أهمية دور الإيمان تمهيداً لطرح عقيدة التثليث في نص ملفت يقول فيه:       ” ليس السرّ ما ندركه، بل هو ما يُدركنا. والمفاهيم هي أصنام، وحده الإنفعال المتأتّي عن التعجّب هو الذي يدرك بعض الشيء في الآخر. ومرآة النفس لا تعكس، بحسب الآباء، فكرة الله، بل وجه الله. والإنسان إذ ينظر فيها، يعاين الله “.

( المصدر السابق، ص 51 )

من الواضح أن جورج خضر المؤمن ورجل الدين هو الذي يحلل هنا، والإنسان المستغرق في التأمل بالسر الإلهي هو الذي يتكلّم ويستفيض. و ما التشديد على معنى السر والإشارة الى الإنفعال والتعجب الا خطوة في طريق طرح عقيدة الثالوث التي تفوق القدرة المعطاة للعقل على التحليل والتفهّم والإستيعاب. وهو، بحسب اعتقادنا، يودّ أن يلفت نظر المسلمين الى أن العقل لوحده عاجز عن إدراك سرّ الله، والغوص في سبر أغواره والتحدّث عن طبيعته بإسم المنطق. فما المانع إذاً من تقبّل الصورة الثالوثية التي تظهّرها المسيحية عن الله؟

من هنا فإن جورج خضر لا يرى في عقيدة الثالوث نظرية معقدة مستعصية على الفهم، كما يعتقد المسلمون، إنما هي تجسّد المعرفة المنطلقة من القلب كما عاشها القديسون. فالقلب هو الذي ينير العقل لكي يستوعب عمق المحبة الإلهية. وهو يشير في هذا السياق الى ان فعل الإيمان بالثالوث لا ينفي البتة وحدة الله بل يصونها. يقول: ” نحن عندما نؤكّد على ضوء تراثنا التوحيدي العبراني، أن “الله واحد”، لا ندخل في إشكالية ” التثليث ” و “التوحيد” . ونقطة التباين بيننا وبين الإسلام، تتعلّق بفهم التوحيد انطلاقاً من التعبير: الله واحد. وكل ما هو خارج هذا “التعبير” عن الله، هو غريب عنا” .

( المصدر السابق، ص 53 )

لا يهتمّ المسيحي بالبرهنة على أن الله واحد، فالأمر محسوم عنده. ثم إن معرفة طبيعة الله جاءت في مرحلة زمنية متأخرة عن الإلتقاء بالمسيح المتجسّد والحي القائم من الموت.  لذا يركز خضر على أهمية اختبار الثالوث في الممارسات اليومية كما فعل القديسون الذين اكتشفوا وجه الله من خلال الوجود البشري، وليس عن طريق إعمال العقل، أو اللجوء الى المنطق. ويرى من الضروري، قبل تبرير عقيدة الثالوث عقلياً، أن يُصار الى ” هداية إخوتنا الى الله، في المسيح، قبل أن نحاول تبرير العقيدة في عقلهم” .

( المصدر السابق، ص 53 )

وهنا نسأل مرة أخرى، هل هذا الطرح المحلّق في الروحانية من شأنه أن يبدّد الحواجز بين الإسلام والمسيحية في شأن عقيدة التثليث؟ وهل هو قادر على تقديم طرح يؤدّي الى تقريب وجهات النظر في طبيعة الله لدى الديانتين؟

بعد أن استعرضنا النقاط الثلاث الأكثر جدلاً بين المسيحية والإسلام، وبعد أن توقفنا عند اقتراحات أفكار وتفاسير تؤسّس لحوار صلب ومجدٍ، ما هي تصورات جورج خضر للحوار الجدّي والرصين؟ وكيف يقيّم بالتالي التجارب الحوارية بين الطرفين؟

 

2 – الحوار: أسسه، شروطه، نتائجه

“أنا داعية مسيحي وأستعمل الطرق الخلقية الروحية لبث الدعوة.ولكن إذا اتخذت موقفاً حوارياً فأنا لست قائماً بالدعوة. هذا شيء آخر. هذا عمل يقوم على الصدق، على التفاعل، على التكامل. أريد أن أعرفك وأريدك أن تعرفني، من أجل المعرفة،من أجل نورانية المعرفة”.

( المصدر السابق، ص 96 )

” إن الإنسان إن لم يكن في موقع القوة قد يكون أكثر صفاءً أن هو حاور”.

( المصدر السابق، ص 72 )

“الحوار وضعٌ دائم، بل فلسفة ترجو أن الآخر يبقى حيثما وجد ولكنه يتجلّى،يستنير،يتّسع،يهدأ،يلين ويصبح لك عشيراً بالقضاء على نتوءات نفسه،(…)”.

( المصدر السابق، ص 75 ) 

إن ما سبق أن أوردناه في القسم الأول من البحث ليس ببعيد عن رسم نهجٍ متينٍ للحوار من منظور جورج خضر. لكن سنتوقف هنا عند بعض التحديدات التي تبلور مفهومه الخاص بالحوار.

يعتبر خضر أن هناك حوارين في العالم: حوار الحياة وحوار الفكر. الأول يتمّ اختباره كل يوم بعفوية بين أهل الديانتين بخاصة بين الملمين والمسيحيين العرب. يعتقد أن المسيحيين العرب “أداة تواصل”، فهم ” يعرفون القرآن ويستلذونه “. يرى أن المسيحي العربي ” هو إنسان يعيش في هذا التوقيع الإسلامي للزمن ويستمع الى خطبة الجمعة” . الحياة المجتمعية واحدة، وأثرها بادٍ في النهضة العربية إبان القرن التاسع عشر. يشير الى دور المسيحيين العرب في صقل اللغة العربية والمحافظة عليها ونشرها، مما أسهم في الإنتقال من عصر الإنحطاط الى النهضة. إنهما معاً اليوم في مواجهة التحدّيات الراهنة، وما يهدّد المصير.وهو يختصر هذا الواقع بكلمة:القدس.

يتكلّم في هذا السياق على النظرات المتبادلة وأهميتها في بناء الحوار، ملفتاً الإنتباه الى دور الذاكرة، يقول: ” الذاكرة السيئة تشفيها ذاكرة الصالحات. والعقل في موضوعيته الجافة، إذا نزل الى القلب المحب، يتجاوز نفسه إذ يكون الوجه أي إذا رأيت الله بين وجهينا. نحن، إذ ذاك، في لقاء ثالوثي هو حركة المحبة بيننا .

مشكلة البشر في ما بينهم أن كلا منا يصطنع الإنسان الآخر، يقرأه من الصورة التي نحتها عنه”.

( المصدر السابق، ص 108 )

ننتهز الإستتشهاد بهذا النص الذي يقدّم قراءة روحانية للحوار لكي ننتقل مباشرة الى أسس الحوار وشروطه لدى جورج خضر، نوجزها في النقاط التالية التي تتضمّن الحوار في وجهيه الحياتي والفكري:

˗ أساس الحوار يكمن في معرفة الديانة الأخرى في مصادرها. يُعرف الإسلام في القرآن والحديث والإجماع والقياس والتراث الإسلامي. كما تعرف المسيحية في الكتاب المقدّس وفي ما تقوله هي عن نفسها.

˗ إن الكلمة المفتاح هي ” المعية “،” لا أحد فوق، ولا أحد تحت أو على الجنبات…”

˗ السعي الى “التلاقي الوجداني بشراً في المساواة الكاملة”.

˗ اعتماد لغة السماء في التخاطب مع الآخر، والدعوة الى الإحتراق بالحب الإلهي لكي يصبح المؤمن منارة دائمة، الأمر الذي يجعله يقيم في “حوارية باطنية”، فيأتي الكلام بعد ذلك.

˗ إن توحّدت نفس المؤمن في الله،لا يمكنه أن يبقى سجين عقل ينهزم خاضعاً للتحليل البارد لكي يلقي التهم على محاوره.

˗ السعي الى المحافظة على السلم الأهلي لأنه خير بحد ذاته، وهو يضمن فرص الحوار.

˗ دعوة المسلمين الى التفريق بين دول الغرب وشعوبه وكنائسه، إذ ليس هناك من غرب واحد.

˗ لا يكتمل الحوار الا إذا أُجري مع مسيحيي الشرق الذين اختبروا القهر الى جانب المسلمين، واعتبروا الإسلام جزءاً من تراثهم القومي. فهم يشعرون بالشدائد الواقعة عليهم.

˗ ضرورة إقصاء الموقف الدفاعي وقبليّته من أجل إفساح المجال للآخر من أجل التعبير عن نفسه.

˗ التذكير بالآية القائلة:”لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة”.(المائدة،48) من أجل الحث على قبول الإختلاف لدى الشريك الآخر.

˗ يبدأ الحوار بجلاء الألفاظ ومسح المفاهيم ودراسة التراثين بجدية.

˗ وضع النفس في حالة استغفار لأن التاريخ مشحون بالخطايا والظلم.الأمر يتطلّب المزيد من التواضع، وأن يمتحن المؤمن قلبه لكي يسوق نفسه الى “محاكمة تاريخه”.

˗ السعي الى  تحفيز الإختلاط بين المؤمنين. فمقاربة الأديان الأخرى في الحياة أو الدراسة أمر من شأنه أن يزيد فرص التعرّف على الآخر، وتطهير الوجدان.

˗ إن غرض “التكالم” لا يكمن في إقناع الآخر بصحة ديانتك بهدف هدايته. إذا انضمّ اليها بالفعل، سينتفي الحوار وتبطل الحاجة اليه.

˗ لا يكمُنُ الحوار في اختراق الأنظومتين: الإسلام والمسيحية، إنما هو في “اختراق ميراثين تاريخيين بما يتضمّنان ما حُسِب خلافاً وما كان بخلاف”.

˗ إذاٍ، على المسيحي أن يخاطب الإسلام وكأنه في داخله. كذلك على المسلم استشراف المسيحية من عمقها لكي يتمثّلها فكرياً حتى لو أنه اختلف معها فكرياً. كل ذلك بهدف تجنّب اصطفاف المحاضرات المتوازية، وتخزينها في الأرشيف.

˗ إن الحوار الذي لا يعاش كـ “صراع ملائكة” يصبح تمريناً عقلياً تفهاً.

˗  لا يتطلّب الحوار استيعاب الواحد للآخر لأن ” العليّ القدير المهيمن بمحبته هو وحده يستوعبنا جميعاً”.

نلحظ من خلال قراءة هذه الشروط التي يرى فيها جورج خضر أساساً للحوار الشفاف والمجدي، الى أي مدى هو منخرط في “التكالم”، والعيش المشترك البنّاء، كما يظهر لنا المنحى النقدي للتجارب الحوارية التي تشهدها المجتمعات العربية والاوروبية. لا شك في أن المنحى الصوفي المستغرق في الروحانية والبحث عن الحقيقة المطلقة يوجّه بشكل أساس المنهج الذي اتبعه جورج خضر في تصور الحوار فكراً، وعيشه فعلاً. فالحديث عن التواضع والإستغفار وصراع الملائكة والتحرّر من العقل للتوحّد في الله، كلها أدلة على الموقع الروحاني الذي ينطلق منه جورج خضر لمقاربة موضوع الحوار. تطهير القلوب وتدعيم المعرفة الأكاديمية يشكلان شرطَي الحوار في منحيَيه الحياتي كما الفكري.

كذلك تتضمّن هذه الشروط نقداً واضحاً حيناً، ومبطّناً أحياناً لطاولات الحوار التي تابعها عن بعد، أو شارك فيها محاضراً. يرى أن الناس قد ملّوا المناظرات العقيمة وهم يتوقون الى تغليب المنحى العملي. ليس هناك من خطاب موحّد حول العقائد المسيحية، كذلك الحال في الإسلام، هذا الأمر يزيد الحوار تعقيداً، لكن يجب تجاوزه من وجهة نظر جورج خضر، من أجل تأسيس حوار واضح المعالم، خالٍ من الإنفعال المتراكم لدى الطرفين من جرّاء معاناة مضت.

في سياق تقييمه لتجارب الحوار نورد النص التالي لتلخيص نظرة جورج خضر النقدية لما يتمّ بلورته في أدبيات الفكر الديني المتخصص بالحوار:

” هل يتحاور الناس حقاً أم أنهم يدافعون عن مواقفهم في لطف وتهذيب؟ “وجادلهم بالتي هي أحسن” لسان حال كل من ناقش ونوقش لتنتقل ما يحسبه حقيقة. كل منا يُسائل ولا يُساءَل إلا قليلاً. قد يتقبّل نقداً لماضي جماعته، لممارساتها الشاذة. وهذا يزيده منعة ويُظهره أكثر انفتاحاً. ولكن هذا دون الحوار. سلفية ما، أصولية ما ملازمة للفكر الديني في واقعيته إلا من توهّج وخلق وتحرّر من كابوس الزمان ليلتحق بأبدية الحق ونورانيته. تستفحل السلفية بما فيها من اجترار نصوص إن كانت النفس المعذّبة تجد فيها حماية واستقراراً ولو كان خيالاً “.

( المصدر السابق، ص 161 )

نختم هذا القسم بالإشارة الى أمرين:

الأمر الأول: لكي يتمّ تخطّي إشكالية الأنا بماضيها وآلامها (الفتح الإسلامي) / والأنت بما تراكم في ذاكرته من حروب ومعاناة (الحروب الصليبية)، في سبيل التوجّه نحو “النحن”، يرى خضر أنه لا بدّ من إرساء أسس الديمقراطية التي تجسّد صورة واحدة هي ” صورة انتماء أهل أرض معينة وتاريخ معيّن الى مصير واحد يصنعونه بأيديهم بما تعرفه عقولهم من خير وتجاربهم من حُسن مسير، فيؤمنون أنهم قادرون على التناصح إذ ليس بينهم من قاصر يعجز عن الحكم أو الإسهام في الحكم “.

( المصدر السابق، ص 63 )

التشديد على الديمقراطية ووحدة المصير خاتمة ذكية من أجل تأسيس “النحن” الحوارية على صخرٍ متينٍ، يصمد في وجه المخاطر المحدقة بالمسيحية والإسلام على حدّ سواء.

الأمر الثاني: تركيز خضر على المنحى الإنساني في عملية الحوار. فالوجوه التي يمكن أن تلتقيها في جلسة الحوار هي التي ستحبها. التعرف الى الآخر على هامش اللقاء هو أخصب من المناظرة في حدّ ذاتها. يبقى المحاور في نظر خضر “إنسان الرجاء الكبير”. “الإسلام والمسيحية في مواجهة وسيظلان كذلك لأن لكل منهما تحدّيات إيمانية وفكرية لا يسوغ تجاهلها عند أهل الجدّ. غير أن المواجهة لا تفترض الجبه في الضرورة، وفي كل حال لا تفترض ذلك القمع التاريخي الذي ساد علاقة المجتمعين”.

( المصدر السابق،ص 164)

 

  خاتمة: المسيحية والإسلام، والقدر الحواري المكتوب

 

“خُلِق قلب الإنسان من أجل المطلق، من أجل محبة لا حدود لها”.

( المصدر السابق، ص 49 )

نودّ أن نشير في الختام الى أن ما سبق أن أوردناه في هذا البحث يهدف الى تسليط الضوء على نص جورج خضر حول الآخر والحوار من خلال كتابه أفكار وآراء في الحوار المسيحي الإسلامي والعيش المشترك. عمدنا الى اختيار بعض النصوص المفتاحية وتوقفنا عند تحليلها. كما اختصرنا أبرز ما ورد في نصوص كتبت في مناسبات مختلفة محاولين ربطها ببعضها لكي نستشفّ من خلالها ركائز مفهوم الحوار عند خضر.   

 

لقد أكّد في أكثر من موضع، أن الإختلاف مسموح، لا بل مطلوب، والتعدد غنى لا بل حياة…

الحوار حاجة وقدر يحكم نهاية كل مجابهة.

السعي الفردي لبلوغ المطلق مسارٌ يدمّر حدود الجهل والإنزواء في ظل الإيديولوجيات الضيقة، ويضع صاحبه طليقاً حاضراً لكل لقاء .

الحرية سفرٌ في ” أفق المعنى ” …

والمعنى متفوّق يسكن الهُنا والماوراء.

الرجاء لقاءٌ لا يحدّه شرط ، ولا يحجّمه طموح…

المحبة قبولٌ ولقاءٌ عذب لا يشوبه تصنّع ولا إملاءات.

الإيمان خطوةٌ حازمةٌ نحو الآخر تقودك الى حيث تلتقي بذاتك الأخرى ، فتستقيا معاً ماء الحياة.

الإغتسال بماء التواضع يهيء الفكر كما القلب لملاقاة الآخر حيث هو، كما هو.

الحرب لعنةٌ تحلّ بالمتعجرفين لأنهم أعموا بصائرهم عن النور المنهمر من وجه الآخر.

الأنانية سجن يدفن صاحبه، فتحيله صنماً يعبد صنماً.

“الإستكبار” وحشٌ مدمّرٌ يُحرق وروداً نثرتها الحياة على طريقك.

والعنف سيفٌ يقتل البريق المشع في فكر من أراد العبور الى حيث تسقط الحدود، ويُرفَع الإذنُ بالدخول، وتتهاوى الأعراف، وتتبدّل الثوابت، ويذوب الجليد المتراكم في ضمير الأجيال المتعاقبة.

إذا أردت أن تدخل في صلب مفهوم الحوار لدى جورج خضر فسوف تعثر على أمواج تتدفق عبر تسلسل الصفحات لكي تتسرّب عطراً يرطّب حلق الواقع المفكك. فهل يفلح هذا المنطق المعمّد بالروحانية الصوفية في اختراق التصلّب والتحجّر، وفي إخماد عطش الإنسان الدائم للسلام ؟

 

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete