تكوين
يَحضُرُ الموت بأشكال مختلفة، ويتَّخِذُ تسميات مختلفة، ويبدو أنه أحد ظواهر الطبيعة التي شَغَلَتِ الفكر البشري منذ وقت طويل. فالموت والتفكر فيه لم يقتصر على جنسنا الراهن، المتعارف على تسميتِه “الإنسان العاقل” (Homo sapiens)، بل تَفَكَّرَ فيه، وبطريقته، الجنس الذي سبق وجوده وجودنا، وانقرض.
فعلى سبيل المثال، تُشير معظم حفريات علم الآثار إلى أن إنسان نياندرتال (Neanderthal) دفن موتاه بطريقة معينة، ما يؤكد وجود طقوس خاصة اتبعها الأحياء عند دفن موتاهم. طبعًا، ما من كتابات تُشير إلى هذه الطقوس، لأن النياندرتال لم يعرف الكتابة. والمقصود بالكتابة هنا بالمعنى الواسع لها، أي عملية توثيق بأية وسيلة كانت، ومنها الرسم، لأن الرسم من أولى أشكال الكتابة.
وما يزال الموت مرافقنا منذ حينها، طبعًا وما قبل، لكن مع تطور الفكر البشري تعمُّق التفكُّر بالموت بوصفه أحدَ ظواهر الطبيعة التي لا تعرف عدم الانتظام ولو لمرة واحدة فقط. شروق الشمس وغروبها، والقمر وظهوره ليلًا، وإن كانت حركتهما منتظمة، فهناك الكسوف والخسوف. جريان الأنهار وإن كان طبيعيًا فهناك الفيضانات والسيول… فهذه كلها ظواهر طبيعية، لكنها في بعض الأحيان تكون غير منتظمة، إلا الموت، فهو ظاهرة منتظمة. لا وجود لكائن حي لا يموت!
الموت والفلسفة
انتظامية ظاهرة الموت جعلت منه قاعدة فلسفية ثابتة: “كل حي فان“. وتحولت هذه القاعدة -المعتمدة على الظاهرة الطبيعية- إلى بداهة من ضمن بداهات العقل البشري. فخرجت ببداهتها هذه من دائرة التساؤل، لِتفرض وجودها على قواعد التفكير مما جعلها حقيقة لا تقبل الجدل، تتجاوز كل حدود الثقافات والحضارات.
يُمكن القول إن الموت لم يتفلت من دائرة التساؤل الفلسفي، وقد يكون أول من قارَبَه ببُعد فلسفي هو إبيقور، عندمَا قال:
عند وجود الحياة لا موت، وعند الموت لا وجود للحياة.
فما الموت إلا انعدامُ الأحاسيس. فأدخلنا إبيقور في أكثر من بُعد للموت. ومن هذه الأبعاد: طبيعة العلاقة بين الأحاسيس والحياة. فانعدام الأحاسيس هو الموت ووجودها هو الحياة. والآخر إلغاء، أو محاولة إلغاء، الخوف من الموت باعتبار أن الموت لا حس فيه. وأخيرًا، وليس آخرًا، نفى فكرة وجود حياة، أو عالم، ما بعد الموت!
يبدو أن إبيقور هكذا يَحُلُّ إشكالية الموت من ثلاث زوايا:
- أنطولوجيًا: حدد علاقة الإنسان بالوجود
- نفسيًا حرر الإنسان من خوفه من الموت
- وميتافيزيقيًا نفى وجود أي حياة بعد الموت.
لا يعني هذا أن إبيقور أوجد، عن طريق فلسفته، حلًا وحيدًا للموت قبِل به العقل البشري. بل الموت ما يزال إشكالية فلسفية قائمة حتى تاريخه. وها هو الجنس البشري اليوم، بعد ما يقارب ألفي سنة من إبيقور، ما يزال يطرح سؤال الموت.
ها نحن اليوم، بعد كل التطورات العلمية التي نشهدها -وبخاصة في الحقل الطبي- ما نزال نقف أمام الموت نحاول الإجابة عن ماهيته. الموت طبيًا، الموت الدماغي، هو توقف الدماغ عن العمل لفترة تتجاوز الدقائق الثلاثة. لأنه مع توقف الدماغ عن العمل، تتوقف جميع أجهزة الجسم. والدماغ في حاجة إلى أكسجين للبقاء حيًا، وبتوقفه يتوقف القلب عن ضخ الدم إليه، فيموت. أي يتوقف عن العمل. فالدماغ يتوقف عن العمل بعد ثلاثة دقائق لعدم تزوّده بـ “الوقود”. بعد توقف الدماغ، تحدث في الجسم عمليات بيولوجية مرتبطة بموت الجسم، وصولًا إلى حد تحلّله. تعريفٌ علمي موجز يفسر الموت الدماغي. وهذا أحد تجليات الموت.
إقرأ أيضًا: محاولة تأمّل فلسفيّ في مفهوم الموت
هل انتهى الأمر هنا؟ كلا. بل من هنا يبدأ الموت بالدخول في دائرة التساؤل الفلسفي. يبدو أن إجابة إبيقور أقرب إلى الإجابة العلمية -طبعًا مع عدم نسيان فارق التطور العلمي بين زمنه وزمننا- لكنها إجابة لم يقبلها الجميع، لتتحول إلى بداهة كأي بداهة طبيعية أخرى تكوَّنت في العقل البشري.
ما هي فلسفة الحياة بعد الموت؟
تصبح الأمور أكثر تعقيدًا عند محاولة الإجابة عن هذا السؤال: ما ماهية الموت؟ فهو ليس محصورًا في الأفق الفلسفي -وإن كان الأفق الأوسع- بل يدخل في كل آفاق التفكير البشري والعلوم الإنسانية، من الطبيعية إلى الإنسانية.
الإنسان الذي أُعلن عن موته، ارتبط قبل موته بأحياء مثله، أي تواجد ضمن مجتمع بشري له علاقاته وشروط بقائه وتطوره… وقد يكون من مات قد أنتج فكرًا تجاوز حدود المجتمع الذي عاش فيه، فتحول من إنسان محلي إلى إنسان “عالمي”. وهذا التحول من المحلية إلى العالمية يزيد من تعقيد الإجابة، خاصة إذا كان إنتاجه الفكري قد أحدث تغييرات في المسار البشري العام. فها نحن اليوم، بعد ما يزيد عن ألفي سنة، نقول: “قال إبيقور”، أو “قال أفلاطون”، أو… وهناك من مات منذ زمن قصير مقارنة بزمن إبيقور وأفلاطون، ونحن ندرس قوانين نيوتن في الفيزياء، وآينشتاين، و…
هل نقول عن هؤلاء جميعًا أنهم ماتوا؟ نعم، لقد ماتوا. لكن ليس بمعنى الخروج من عالم الأحياء، بل هم -بأثرهم- ما يزالوا موجودين في كل إنسان حي، وفقًا لأهواء هذا الإنسان الحي.
وجودهم في الأحياء -وتحديدًا في أدمغة الأحياء- حوَّل فكرة الموت إلى صيغة أخرى من الحياة. ومن هذه الصيغ “الذكرى” بطقوسها الاجتماعية أو السياسية، أو كليهما معًا، أو نصوص تتناقلها الأجيال لتَبني عليها أفكارًا جديدة، أو لتطوير هذه النصوص أو إلغائها. والإلغاء لا يعني شطب الفكرة، فما نزال ندرس -على سبيل المثال لا الحصر- نموذج كوبرنيكوس للفلك، رغم إثبات عدم علميته اليوم. وهذا تجلٍّ آخر للموت في عالم الأحياء لا يتوافق مع تجليه في العلوم الطبيعية. فالموت في العلوم الطبيعية، وفي الطب تحديدًا، توقف عمل الدامغ، أما في العلوم الإنسانية له أبعاد أكثر بكثير من هذا.
إقرأ أيضًا: الإسلام والوجه الآخر: الروحانيّة في مواجهة الأصوليّة
فعلى سبيل المثال لا الحصر -حفاظًا على بقاء مَن مات حيًا- هناك مسألة نقل الاسم من الجد إلى الحفيد، وهو تقليد اجتماعي في معظم المجتمعات الأبوية. وهناك مَن يُسمي أطفاله بأسماء عظماء: قادة، مفكرين، مخترعين… في التاريخ فينتقل الأموات ليصبحوا شركاء الأحياء.
التجلي الآخر للموت، من تجلياته المتعددة، إعلان عن موت فكرة، ومحاولة إيجاد بديلًا عنها! فمثلًا في عالم الفلسفة هناك من أعلن موت الكاتب، موت الميتافيزيقيا عند الوضعيين، وموت الفلسفة… كلها حقول جديدة لم يقتحمها الموت من قبل.
لقد عاد الموت -حاليًا- ليطرق أبوابًا ويقتحم حقولًا لم يكن متوقعًا أن يطرقها أو يقتحمها. وقد يكون من أحدث الأبواب التي يطرقها الموت حاليًا مسألة موت الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي!
يضعنا الموت، وتحديدًا السؤال عن ماهيته وتجلياته على أرض الواقع، أمام إشكاليات متجددة بتجدد الحياة التي نحياها. فكل كائن حي متعدد الخلايا هو كائن ميت-حي، يحمل الموت معه في كافة أطوار حياته. كائن تموت خلاياه كل لحظة وتولد خلايا جديدة، ليصل إلى مرحلة عدم تجدد الخلايا، حينها يُعلن عن وفاته! فهل يمكن القول إن الحياة أحد تجليات الموت، بالإضافة إلى التجليات الأخرى؟