الخطاب الديني وعلاقته بميادين المعرفة الإنسانية عند محمّد أركون

1)   توطئة لا بدّ منها

فَرَضَ وَاقِعُ التّخلّف والتّراجع، الذي عرفه العربُ والمسلمون في راهنهم، إعادة النَّظَر في الشأن الدينيّ، عامّةً، والنصّ الديني، على وجه الخصوص؛ فإذا كانت المجتمعات تقوم على ثقافة في مجملها تؤول إلى النصّ المؤسس، فإنّهم يحسبون أنَّ النصّ يحملُ الحلّ لكل ما يواجه الإنسان المسلم من نائبات الدهر. وفرض هذا الواقع على الباحث المتأمّل في واقع هذه الأمة، أيضاً، تفكيراً نقدياً مزدوجاً، الأول: بصدد ثقافة راكدة لقرون من الزمن، تكلّست وغطتها طبقات لا حصر لها؛ فأصبحت مهمّته هي التنقيب في تلك الطبقات عن المعنى وعن أثره؛ والثاني: يتمثّل في أزمة أصابت الوجدان العربيّ والإسلاميّ أمام آخره الغربي الذي تمكّن من شروط التقدّم، وسمحت له قوته المعرفيّة والتقانية بِأَنْ يملك زمام العالم وأن تنتهي إليه السُّلطة. ولأجل تلك الغاية، صارت الثقافة العربية والإسلامية محطّ تفكيرٍ، وصار تراثها موضوعاً للدراسة، وفق ما تسمحُ به المقاربات المعاصرة. ولمّا كان النصّ الدينيّ بمثابة المرتكز، في دراسة بنية الوعي العربي والإسلامي؛ فقد احتلّ مكانة جوهرية ضمن الرؤية المعرفية والاستراتيجية النَّقديّة لمشروع المفكر محمّـد أركون.

منذ أن دشّن الراحل محمد أركون مشروع نقد العقل الإسلامي في سبعينيات القرن العشرين وهو يؤكد ويردد بأن الأمر يتعلق بمشروع كبير يحتاج إلى فتح عدة أوراش من أجل مباشرة عمليات الحفر والتنقيب في تلك الطبقات المتراكمة عبر عصور طويلة من تاريخ العرب والمسلمين. ورغم إدراكه صعوبة المشروع فقد كان مقتنعا بأنه سيأتي الوقت الذي سينهض المثقفون العرب والمسلمون للقيام بهذه المهمة، فذلك هو السبيل الوحيد للخروج من مرحلة الانسداد التاريخي التي تعيشه الشعوب العربية الإسلامية في العصور الحالية.

ولعل ترجمة أعمال محمد أركون إلى اللسان العربي تعد أحد المداخل الكبرى التي من شأنها أن تتيح لنا امكانات مباشرة الطريق الذي شيّده الرجل وكرس له مسار تأليفه، ووعيا منا بالمسألة أخدنا غمار ترجمة مجموعة من النصوص المهمة لمحمد أركون قمنا بجمعها في مصنف اختارنا له عنوان: الإسلاميات التطبيقية وأسئلة العقل الإسلامي الصادر حديثا عن منشورات مؤسسة مؤمنون بلاحدود 2020 .

2)   الحج في الفكر الإسلامي

ويبرز محمد أركون أن قواعد الفهم تفرض ضرورة الكشف عن الجانبين النفسي والتاريخي لظاهرة الحج بوصفه فرضا قائما على غايات روحية، بيد أن الحج بما هو شعيرة يفصح عن وعي وخبرة أنثروبولوجبة تنبجس منها اشكالات فلسفية وكلامية شمر محمد أركون على استنطاق إوالياتها ورهاناتها، خصوصا وأن الحج بات الظاهرة الدينية الأكثر اثارة للانتباه في الحياة الاسلامية المعاصرة.

ويرفض محمد أركون تحليل ظاهرة الحج اعتمادا على القراءة التقليدية للنص الديني، ويعوضها بالتحليل اللغوي المصحوب بالتحليل التاريخي، انطلاقا من فحص البنيات الأنثربولوجية والنفسية والاجتماعية الثاوية خلف الدلالات اللغوية للنص القرآني، وخلف مختلف أنماط شرحه وتفسيره وتأويله من طرف أهل الخطابات المهيمنة.

ويسجل محمد أركون أن المسلمين يغفلون الظروف النفسية والسوسيولوجية حول الحج في الخطاب القرآني التي تم تحجيمها وتغييبها اثر رَكنها بجانب الأخبار المتناثرة التي تسرد أحوال مجتمع عربي ((بدائي)) يتخبط في “غياهب الجهل” في حين يركزون في الخطاب القرآني حول الحج على البعد العمودي الذي أقره وأسسه التنزيل والوحي، الأمر الذي دفع محمد أركون إلى بسط قول حول نشأة الحج في الإسلام من الزاوية النفسية والتاريخية عبر استنطاق جدلية الحج والوعي الإسلامي دون أن يحيد “قيد أنملة عن الطريق الوعر الذي يسلكه أهل الورع، ذلك الضمير ذو الحس المرهف الحريص الذي يخشى تضييع جزء من الكلام الالهي المحيي، أو التفريط في القواعد التي يوجبها الفهم.” (الإسلاميات التطبيقية وأسئلة العقل الإسلامي ، ترجمة عبد اللطيف فتح الدين، منشورات مؤسسة مؤمنون بلاحدود 2020، 31 -32 ).

ويتخذ محمد أركون من ظاهرة الحج مثالا للتدليل على الاستمرارية التي لازمت حقلا تعبيريا تعبديا يتصل بتاريخ مجموعة عرقية ثقافية معينة ومع رهاناتها وتطلعاتها وحاجاتها أكثر من اتصاله  بالدين الإسلامي، بيد أن “القوة التي طبعت هذه الانطلاقة كان من شأنها أن غيرت معالم الأشياء والأماكن والحركات والسلوكات المؤلفة لمسار الحج التعبدي، وحولتها إلى ركائز ومقومات رمزية تنهض عليها تجربة روحية غنية.” (المرجع نفسه، ص:35 ). ولعل هذا ما دفع أركون إلى العودة إلى آيات الحج في القرآن وتحليلها بنقلها إلى حقل جديد من حقول الفهم والتأويل، وقد خرج اثر ذلك باستنتاج مفاده أن التغير الذي عرفه الحج من طابعه الوثني إلى طابعه الإسلامي هو “فعل ينم عن واقعية اجتماعية سياسية، وعن ابداع دلالي، فعل يمكن للدارس أن يتتبع أطواره، ويقتفي مراحله، ويلتقط قرائنه وعلاماته اللغوية في القرآن الكريم” (المرجع نفسه،ص:42 ).إذ يحيل الحج في القرآن على تجربة أنطولوجية ترفع الوعي العربي إلى مقام المفارق، ” إن في طقوس الحج وشعائره من التعدد والاعتباطية ما يجعل المؤمن، الذي يؤديها حريصا متذللا، ينتهي، طال الزمن أو قصر، إلى تلك الحالة الصميمية من العشق الإلهي التي تغدي كبرى التجارب الدينية.” (المرجع نفسه،ص:48-49 ).

ولا يخفي أركون شعوره بالأسى لما لحق الحج من افراغ عقلي من قبل أهل الشرع حيث هيمن الحج الشرعي على الحج العقلي الذي يمثله التوحيدي والغزالي والقاضي سعيد، والإمام جعفر الصادق، يقول محمد أركون: “إن كلمة الفصل تبقى من نصيب القاعدة التي فصلها الشرع، علما أن بعض الأقطاب، الذين قادتهم جرأتهم إلى ترجيح كفة الحج العقلي على كفة الحج الشرعي، لاقوا الاستنكار والتنديد من قبل القيمين على أمور الحياة الدينية في الإسلام وهم الفقهاء، ومن حيث إن الغلبة كانت لنص القانون على روحه، يجدر بنا الحديث عن حدوث رجوع إلى المجال الوجودي المغلق بعد أن كان القرآن قد أحل محله عالما دلاليا منفتحا.” (المرجع نفسه، ص:49 ).

صار من الصعوبة بمكان التمييز بين البعد الديني والمهام الأخرى الدنيوية للحج بعد التغير الذي شهدته الشروط المادية للقيام بالحج ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر اثر تقدم الملاحة البخارية وبناء السكك وتطور التدابير الصحية والأمنية وتعميم استعمال السيارات والنقل الجوي والتلقيح. كما يدل البعد السياسي للحج على الانتقال به من الديني إلى الدنيوي من المقدس إلى المدنس، حيث يعد الحج بالنسبة لكل دولة إسلامية مناسبة سنوية لتوطيد وتقوية تماسك الجماعة الإسلامية، يقول أركون:” بقدرما كان الحج يعني فترة هدنة في مكة، بقدرما تؤدي الاحتفالات إلى تناسي العداوات المحلية والتقريب من العائلات والطبقات الاجتماعية، وتمنح المجتمع برمته لحظة تلاقي معنوي. في هذا العمق الشعبي يؤدي الإسلام دوره كاملا باعتباره عامل توحيد إديولوجي وقوة محركة للأعمال التاريخية الكبرى، كحروب التحرير أو المحاولات الحالية للبناء الوطني، وعلى نطاق أوسع تماسك الأمة، المجسد في التجمع الهائل في عرفات، يتحقق بفعالية بقدرما يستثير قوة النماذج الثقافية التقليدية وقوى الماضي التي لا ينقطع مفعولها.” (المرجع نفسه،ص:57 ).

أما على المستوى الاقتصادي فمعلوم أن الحج ينعش انتقال ثروات وأنشطة محلية ما يدفع بعض الدول إلى الحد من عدد الحجاج سنويا من أجل تفادي النزيف الحاد الذي تشهده العملة. وعلى المستوى النفسي يظهر الحج كفرصة تمكن الأفراد من تلبية انتظاراتهم المتنوعة بدءا بالأخرة وصولا إلى نجاح صفقاتهم المربحة، ف”العديد من الناس يمتثلون لواجب شرعي، فيما أخرون يقررون الوفاء بنذر شخصي (ممارسة شائعة لنيل شفاعة الأولياء) امتثالا لأمر تلقوه، خلال حلم، من النبي، أو من ولي محلي، أو للظفر بمكانة اجتماعية مرموقة أو لإشباع فضول مؤجج منذ الطفولة بحكايات أولئك الذين سمعوا أو رأوا”. (المرجع نفسه،ص:57).

تدل وظائف الحج المتعددة التي بسطها أركون على التداخل القائم بين الدين والتاريخ وبين المقدس والمدنس، والجماعي والفردي، بين التطلعات الروحية والمنجزات المادية. غالبا ما يتم رفض اخضاع التجربة الدينية لمحك النقد السوسيولوجي والأنثروبولوجي والتاريخي والتحليل النفسي والسميائي واللساني بدعوى أن هذه الحقول المعرفية تذيب الشأن الديني في غياهب النسبية، في حين أن هذه الحقول العلمية “تطهر الديانات من الشوائب المودعة فيها من قبل العديدين المتلاعبين بالمقدس، وهي بذلك تلتقي تماما مع انشغال دائم لدى المتصوفة، الذين شهدوا كلهم وناضلوا من أجل تجربة أنطولوجية غير قابلة للاختزال في المظاهر المعتادة للحياة الدينية.” (المرجع نفسه،59).

3)   مفهوم العقل الإسلامي

يشير أركون إلى أنه بدأ يكتب في نقد العقل الإسلامي في سنة 1976 تحت تأثير أجواء المناقشات العلمية في الساحة الثقافية الفرنسية خاصة في مجالات الألسنيات و السيميائيات، والنقد الأدبي وعلم الاجتماع والأنتروبولوجيا والتاريخ. فوجد الباحثون الشباب آنذاك والمهتمون بدراسة الفكر الإسلامي أنفسهم أمام هذه المستجدات فبدأوا يشقون الطريق من أجل تجاوز الإطار الفكري القديم لتاريخ الأفكار، كما أن المستشرقين كانوا مستمرين في تطبيقه على دراسة الفكر الإسلامي.وأول دراسة  حول نقد العقل الإسلامي نشرها سنة 1981 بمجلة حوليات إفريقيا الشمالية، ثم أعاد نشرها في كتاب: نقد العقل الإسلامي” بالفرنسية سنة 1984، وفي سنة 1991 عاد أركون إلى بلورة هذا المفهوم من جديد في دراسة تحمل عنوان:” آفاق وحدود العقل الإسلامي” قدمت ضمن فعاليات اللقاء التي تم تنظيمه بالدر البيضاء سنة 1993 بمبادرة مشتركة من مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية  والكوليج الدولي للفلسفة بباريس.

إن التعريف الأساسي  للعقل التي ينطلق منه أركون هو التالي: العقل الإسلامي مثله مثل العقل اليهودي والعقل المسيحي، رغم الاختلافات العقائدية والشعائرية، هو عقل ديني لاهوتي في مقابل العقل العلمي الفلسفي الحديث.

إذن فالعقل الإسلامي في نظره ليس شيئا مطلقا وأبديا وإنما هو صيغة من صيغ العقل، معنى ذلك أنه عقل تاريخي له بداية ونهاية، مثله مثل أي عقل يتشكل في التاريخ.

كما حاول أركون في الكثير من الدراسات والبحوث أن يرد على الاعتراض التالي الذي بدا له أساسيا وله أهميته والذي يرى أن العقل إذا كان واحدا فلا ينبغي أن يكون إسلاميا أو مسيحيا، بل ينبغي التعامل معه على أنه عقل نقدي يسعى إلى المساءلة النقدية ويرفض الانغلاق داخل حدود أي دين أو طائفة أو مذهب، لأن وظيفة العقل هي الكشف الحر عن الظواهر والمسائل والقضايا خارج نطاق هيمنة الأحكام المسبقة أو الأطر الطبقية عرقية كانت أم دينية، فالعقل البشري إذن واحد صالح للجميع وينطبق على الجميع:

” لقد كانت الدعوة إلى عقل أزلي منسجم قبليا مع تعاليم الوحي دائما حاضرة، ليس فقط في مختلف مدارس الفكر الإسلامي، بل أيضا في اليهودية والمسيحية. فالإيمان بالمعطى الموحى به يعضد، وينير، ويرشد العقل البشري، الذي إن ترك لحاله، لا يملك إلا أن يهيم على وجهه. لقد تم في الإسلام تعميم الاعتقاد بأصل إلهي للعقل يضمن التأصيل الأنطولوجي لعملياته، بذلك الحديث الشهير المستوحى من نظرية الفيض: (( إن أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، فقال: وعزتي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، فبك آخذ وبك الثواب وبك العقاب.” (المرجع نفسه،ص:85 )

4)   الوحي، القرآن والظاهرة القرآنية

كُلُّ حديثٍ عن الإسلام ينبغي أن ينطلق من نصّه المؤسس: القرآن. تلك كانت الأطروحة الجوهرية التي ارْتَكَزَتْ عليها كتابات محمـد أركون([1]). وقد اعتمد في تعامله مع الظاهرة القرآنية على فكرة مؤدّاها أنّ قراءة القرآن لا تتمّ إلا من خلال اعتماد مجموعة من المقاربات المتضافرة: تاريخيةً، وأنثروبولوجية، ولسانية. تسمحُ هذه المقاربات بإعادة قراءة القرآن، من زاويةٍ تحليليّة، في ضوء مشروع يتغيّا إعادة التفكير في المسلّمات التي تؤسّس تصوّر الإنسان المسلم لذاته، وتصوره للآخر. يَبْتَدئ محمـد أركون بِتَحْدِيدِ المُسَلَّمَات التي يقوم عليها الوحي، وهي عند عموم المسلمين لا تقبل النّقَاش؛ أوّل تلك المسلَّمات أن الله قد بلّغ رسالته من خلال الأنبياء وبلغة محدّدة. غير أنّ القرآن هو من الله بناءً ولم يتدخّل النّبيّ في صَوْغِهِ؛ وثانيها، أن الوحي الذي قُدِّم في القرآن من خلال النّبيّ هو آخر وحي، بل هو مكمِّلٌ لما كان قبلهُ، ويصحّحُ التَّحريف الذي لحق بالتوراة والإنجيل. وهو إلى ذلك يجيبُ عن كلِّ تَطلُّعات الإنسان المسلم؛ وثالثها، أنّ الوحي الذي تجلَّى في القرآن شاملٌ وكاملٌ يُلبِّي حاجات المؤمنين، ويجيبُ عن تساؤلاتهم. وهو من اللوح المحفوظ الذي لا تَنْفَدُ مَعانيه؛ ورابِعُها، أنّ جمع القرآن في نسخةٍ مكتوبةٍ سمّيت بالمصحف عمليّةً دقيقةً وحرجةً، بدأت أيّام النبي واستأنفت زمن الصَّحَابَة، وبخاصّة عثمان بن عفّان. وهذه النّسخة تمثّل بالنسبة إلى المسلمين أدقّ رواية وأوثقها؛ وخامسها، يمثِّلُ القرآن الشرع الذي أمر الله المؤمنين باتّباعه بحذافيره؛ وسادسها، أن لا تعارض بين المكانة الإلهية في القرآن وبين الغايات البشريَّة ([2]). لكنّ مفهوم الوحي ليس من المفاهيم التي يسهُل تحديدها.

وجدَ أركون نفسه أمام الحاجة إلى القيام بتفكيكٍ مزدوج؛ فهو من جهة سعى إلى تفكيك المخيال الجمعيّ ورصد بنياته، وعلاقات المعنى التي تؤسّسه؛ ومن ذلك أنّ عامّة الناس ينظرون إلى القرآن كما لو أنّه المصحفُ مجموعاً بين دفتين؛ وهو، من جهةٍ أخرى، يعمل على تَفكيكِ نُظم الخِطَاب التي تشكّلت حول النصّ نفسه، (كالتفاسير مثلاً)، والتي لا تسمحُ بالنَّفاذ إليه أو الاطلاع على حقيقة معانيه إلَّا بوساطةٍ منها. وفي أعقاب هذه المهمة التفكيكية، التي جنّد أركون نفسه لها بعدّة معرفية متعددّة المشارب، يقيم فصلاً منهجياً، بادئ الأمر، بين القرآن، بحسبانه نصًّا شفهياً تلفّظ به النبيُّ، والقرآن المدوّن الذي خضع للفاعليّة البشرية في جوانب كثيرة منه. ولم تحظ هذه العملية الانتقالية بكبير اهتمام من لدن المفكّرين والباحثين. إنّ هذا المستوى من تأمل القرآن، هو الذي حدا به إلى الحديث عن الظاهرة القرآنية بدلاً من الحديث عن القرآن.

يَنْظر المسلمون إلى القرآن كما لو أنّهُ نصّ أنجز بأتمّه في لحظة واحدةٍ. وقد يتناسى البعض أنّ الوحي قد صاحب الرسالة، والقرآن لم ينزل دفعةً واحدة بل استمر تنزّله على مدى ثلاثة وعشرين سنة. وقد شكّلت عملية جمع القرآن وتدوينه، التي بدأت زمن النبي، واستكملت فصولها على عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، نقطة اكتمال لما اصطلح عليه محمـد أركون ب: “المدوّنة النصيّة المغلقة”. يتحدّثُ محمّد أركون عن القرآن بوصفه “تجربة تأسيسيّةً” (Expérience fondatrice)([3])، ومستفيداً من سعة اطلاعه على التُّراث الإسلامي، في دوائر واسعة النطاق في تاريخ الإسلام، يتجاوز التفكير في النصّ القرآني وفقاً للتصوّر الأرثوذكسي، وينظر إلى القرآن من زاوية مقارنته بغيره من النصّوص، خاصة، تلك التي تنتمي إلى مجال الأديان التوحيدية. ولذا أحلّ مفهوم “مجتمعات الكتاب المقدّس/الكتاب العادي” محل مصطلح “أهل الكتاب”، الذي صيغ في كنف القرآن في دعوة منه إلى الانخراط في المنظور الروحي لتاريخ النجاة.([4])

لا يمكن أن نفهم المعنى الذي قدّمه محمـد أركون للظاهرة القرآنية، من دون التّمييز بينها والقرآن، ويقول في هذا الصدد([5]): “أما التمييز بين “القرآن الكريم” والظاهرة القرآنية فأقصد به الفرق بين تغذية الروح الإسلامية بكلام الله تعالى ودراسة النّصوص القرآنيّة كما ندرس الظاهرة الفيزيائية أو البيولوجية أو الاجتماعية أو الأدبية. ومن المعلوم أن القائلين بخلق القرآن من المعتزلة قد قصدوا هذا التمييز لكيلا تفرض المقدمات الاعتقادية على البحث العلمي. إلا أن الجانب الاعتقادي قد تغلب مستعيناً بالسلطان، فأصبحت كثير من الأسئلة والمشاكل، في ما يخص القرآن، مما لا يمكن التّفكير فيه (Impensable) ومما لم يفكر فيه فعلاً (Impensé) إلى يومنا هذا”؛ وبالتالي فالظاهرة القرآنية “ظاهرة لغوية وثقافية ودينية تُقسم المجال العربي إلى مسارين: مسار «الفكر البرّيّ» La pensée sauvage بالمعنى الذي يحدده (كلود ليفي ستروس)؛ ومسار الفكر العَالِم La pensée savante”([6]). أقام الفكر العليم صَرحَه على النقيض من الفكر البرّي، غير أن ما لدينا من المعرفة بالأوّل هي أقل ممّا لدينا بالثّاني، وهذا يجعلنا أمام مفارقات لا حصر لها.

5)   في آليات قراءة القرآن

ويقعُ المتخيَّل والمهمَّش والمنسيّ ضمن دائرة ما اهتمّ به محمـد أركون، رغبةً منه في الوقوف على المساحات التي لم يطأها العقل الإسلامي. ويتجسَّدُ المخيالُ في أشكال الممارسات والطقوس الثقافية والفنية والدينيَّة. ولا يفصح المتخيّلُ عن نفسه، فقط، في الأشكال المكتوبة، بل إنه يتعدّاها ليفصح عن نفسه ضمن مجال أوسع، يتّصلُ، رأساً، بالثقافة الشعبية. يقول([7]) في هذا الصدد: ”متخيّل فردٍ أو مجموعة اجتماعية، أو أمّة، هو مجموع التمثّلات الرائجة عبر ثقافة مُشَعْبَنَة Popularisée، (…) وهي صارت كذلك من طريق الملاحم، والشعر، والخطاب الديني، وحتى الخطاب الوطني الحديث”. بهذا المعنى يكون المتخيّل أحدَ أهم العناصر التي يركّز عليها محمـد أركون حين يتعامل مع العقل الإسلامي نقدياً.

تقع على عاتق الباحث مهمةُ أشكلة (Problématisation) النُّظم الفكرية المنتجة للمعنى، وكل تلك الصّيغ المنبثقة عنه؛ تلك التي عفا عنها الزمن، أو تلك التي لا تزال حيَّةً والتي تنتجُ دون التمييز بين المعنى وأثره. وفي هذه النقطة يمكن التمييز بين الباحث التقليدي والباحث الحديث.([8]) وإذا كانت عملية القراءة تشاركيّةً بين القارئ، والنصّ المقروء، والسياق في إنتاج المعنى؛ فهذا الأمر لا محالة يوقعنا في التساؤل عن منشأ هذه القراءة ومصدرها. وليسطّر المرء حدود القراءة المعقولة من القراءة المغرضة والتبجيليّة؛ “إن القرآن لا يزوّد المؤمنين بنموذج سياسي، ولا يستخدم مفردات المعجم السياسي على عكس ما تزعم التفسيرات التبجيليّة المنتشرة منذ ظهور جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928. فالخطاب التبجيليّ يُعتبر مغالطة تاريخية كاملة، وهو أبعد ما يكون عن فكرة تاريخية المعنى”([9]). تُخرجُ القراءات المغرضَةُ النصّ من أفق إمكانه، وتزجُّ به ضمن مساحات لا تطيقها معانيه، في محاولة لتحديد صورته بما يتلاءم مع واقع آخر غير واقع النصّ. رامَ أركون الوقوف عند هذه الأنواع من القراءات التي دارت في فلك النصّ نقداً وتمحيصاً. ولأجل ذلك تغيّا نقد القراءة الحرفية للنصّ([10]).

تستوجب قراءة القرآن، بما هو نصّ دينيٌّ، على الباحث، أيضاً، ضمّه إلى فضاءٍ أوْسَع؛ إذ لا تستقيم قراءة القرآن كما لو أنّه نصّ معزولٌ عن سياق كتابته. لقد أنتج هذا السياقُ أثراً يجعلنا نرى بوضوحٍ ما اتّسم به القرآن، وما يحاور به الأديان التوحيدية. وَيَذْهَبُ أركون إلى اعتبار النصّ الذي ضمّهُ المصحف نصًّا قد لا يطابق، بالضّرورة، النصّ الكلي للقرآن؛ فمن الناحية “الألسنية أو اللغوية يمكن القول إنَّ القرآن عبارة عن مدونة لا يمكن أن نصل إليها إلاّ عن طريق النصّ الذي ثُبِّت حرفياً أو كتابياً بعد القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. إن كليّة النصّ المثبَّت على هذا النحو كانت قد عُومِلت بصفتها كتاباً واحداً أو عملاً متكاملاً([11]).

يمكنُ أن نرصُد ثلاثة مداخل لقراءة الوحي، عند أركون، من أجل فهم منزلة النصّ القرآني ضمن الشروط العامة لظاهرة الوحي نفسها؛ المُدخل الأول، يتمثّل في التّمييز بين الوحيّ، كما هو مثبتٌ في أمّ الكتاب، أو اللّوح المحفوظ، والشكل الذي يصيرُ عليه حين يدخلُ ضمن الاعتبارات اللغوية للبشر؛ وأما المدخل الثاني فيتجلّى في التّمييز بين القراءة الحرفية للوحي والقراءة الآخذة بفرضية البنية المجازية؛ وأما المدخل الثالث إلى قراءة الوحي فهو يدخله ضمن التاريخ لا خارجه أو فوقه، بل بعدّه مقترناً بالتاريخ ولصيقاً بأحداثه ومتغيراته([12]). لم تخرج دائرة القراءة، على ما ذهب إليه محمـد أركون، عن هالة القداسة التي يفرضها النصّ. وقد تجسّدت هذه القراءة في شكل إيمانيّ، وهذه القراءة تمتاز بخاصّيتين؛ فهي أولاً: واقعة داخل سياجٍ دوغمائي مغلق، وثانياً: تعلي من شأن النّصوص التفسيرية الأرثوذكسية ([13]).

يَصْدُرُ محمـد أركون، منذ كتاباته الأولى، عن أطروحةٌ تتبنّى الحاجة إلى توسل مناهج العلوم الإنسانية؛ ومردّ هذا الأمر إلى انسداد أفق المدوّنة التفسيرية الكلاسيكية. ولقد شرع محمـد أركون في تطبيق مناهج اللّسانيات والسّيميائيات في تحليل النصّ القرآني منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين([14])؛ حيثُ نشر عام 1970 بحثه الأول بعنوان: “كيف نقرأ القرآن؟” بوصفه مقدمة لترجمة كازيمسكي للقرآن، كما أصدرَ سلسلة من البحوث، بين 1970 و1982، جمعت في كتاب تحت مسمّى “قراءات في القرآن” (Lectures du Coran). يمكن أن نفهم التوجّه الذي يدعو إليه محمـد أركون، في دراسته للنصّ القرآنيِّ، من جانبين اثنين: يَتَعَلّقُ الجانب الأول بما هو نظريٌّ، حيث يقدّم أركون قراءته للقرآن كجزءٍ من مشروعه العام المتمحور حول الإسلاميات المطبَّقة، ويضعُ من خلال هذا المشروع القرآن وقراءاته ضمن شروط تاريخية. ويتعلق الجانب الثاني بالدراسة التطبيقية التي قدّمها حول بعض السّور القرآنية، مثل ”الفاتحة”، و”التوبة”، و”الكهف”، و”العلق”.

المراجع:

[1] – يقول محمد أركون في معرض حديثه عن النّصوص المقدّسة: «ينبغي على كلِّ تفكير جادّ، يتناولُ الظّاهرة الدينية بما هي إحدى معطيات الواقع الموضوعي، ألّا يقتصر على الكتابات المقدّسة فقط، بل، أيضاً، على تلك القراءات العديدة التي أنجزتها الأجيال الماضيّة». Mohammed Arkoun, Lectures du Coran, Albin Michel, 2016, p78.

[2]– محمد أركون، القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، صص19-20.

[3] – « يحيل مصطلح “التجربة” إلى عمل تاريخيّ ملموسٍ قام به محمد لمدة عشرين عاماً (…) الخطاب القرآني الذي تم تقديمه وتلقيه تدريجيًا باعتباره كلمة الله الأصيلة. الحديث المتداول لمحمد الذي يعيش ويتصرف بين من عاصروه»Lectures du Coran, p277.

[4] – أركون، القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، تر: هاشم صالح؛ ط1، (بيروت: دار الطليعة، 2001)، ص80.

[5]– محمـد أركون، الفكر العربي؛ ترجمة: عادل العوَّا، (بيروت: منشورات عويدات، 1985)، ص19.

[6]– المصدر نفسه، ص27.

[7] – Mohamed Arkoun, ABC de l’islam : Pour sortir des clôtures dogmatiques, ABC Religion (Paris : Gaucher, 2007), p34.

نقلاً عن: عبد الإله بلقزيز، نقد التراث، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 2015) ص380.

[8]– محمـد أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ص22.

[9]– محمـد أركون، القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ص15.

[10]– «(…) فإن التَّفسير الكلاسيكيّ القديم كان يَجْهَلُ علم الألسنيات الحديثة وطريقتها في قراءة النصوص وفك ألغازها ومعانيها كما ويجهل نظرية القراءة بالمعنى السيميائي الدلالي السائد حالياً في الأوساط الطليعية الباريسية على طريقة غريماس وسواه مثلا. كان بإمكان الطبري أن يفتتح بسذاجة كل مقطع من تفسيراته للقرآن بعبارة “يقول اللَّه” (…) وهذا يفترض ضمنياً وجود تطابق كامل بين تفسيره وبين مقصد المعنى القرآني وبالطبع مضمون معاني كلمات كل آية». أركون، الهوامل والشوامل: حول الإسلام المعاصر، ص161.

[11]– محمد أركون، القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، صص113-114.

[12]– عبد الإله بلقزيز، نقد التراث، صص392-393.

[13]– أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ص67.

[14]– محمـد أركون، القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ص5.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete