الخلافة الإسلامية في ضوء فلسفة التاريخ: أرنولد توينبي نموذجًا

 تكوين

مقدمة

امتد عصر النظام السياسي المسمى بالخلافة الإسلامية لحقبة كبيرة من الزمان، بداية من وفاة النبي ﷺ (11هـ/ 632م)، وحتى إلغاء الجمعية الوطنية الكبرى في تركيا الخلافة العثمانية في 3 مارس 1924 (27 رجب 1342 هـ). وبذلك يكاد يتطابق عمر الخلافة الإسلامية مع تاريخ الإسلام. لقد عاش المسلمون كل تاريخهم ما عدا القرن الأخير تحت حكم النظام المسمى بالخلافة الإسلامية، وهي فترة تمتد عبر 1300 سنة. وقد شهد تاريخهم تزامن أكثر من خلافة، مثل تزامن الخلافتين العباسية في الشرق والأموية في الأندلس (138هـ/ 756م – 422هـ/ 1031م)؛ وتزامن الخلافتين العباسية والفاطمية (297هـ /908م – 567هـ /1171م).

هذه الفترة الزمنية الطويلة تتطلب منا النظر إلى الخلافة من منظور واسع يستوعب اتساعها ويضعها في الإطار التاريخي المناسب. وفي هذه الدراسة أتناول معالجة المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (1889 – 1975) الخلافة الإسلامية، وذلك في عمله الأساسي دراسة للتاريخ (12 مجلدًا من 1934 إلى 1961)، وكذلك في غيره من الأعمال التي تناول فيها الخلافة. كما أقارن في الدراسة بين تعامل توينبي مع الخلافة الإسلامية ودراسات اثنين من المؤرخين العرب المعاصرين، عزيز العظمة(م. 1947)، ومنى حسن، وذلك لأنني لاحظت الكثير من الاتفاق بين الثلاثة في بعض التحليلات التي قدموها للخلافة الإسلامية، لكن دون أثر مباشر من توينبي على العظمة ومنى حسن، كما سوف يتضح.

والذي يجعلني أختار توينبي بالذات، أنه عالج الخلافة الإسلامية من منظور تاريخي في غاية الاتساع، إذ وضعها في إطار نظريته في صعود وسقوط واضمحلال الحضارات، وعالجها بوصفها دولة عالمية Universal State، وهو نموذج الدولة أو الإمبراطورية الذي ينشأ في نظره في فترة الاضمحلال الطويلة التي تمر بها الحضارات، وكشف في دراسته للخلافة عن خصائص مشتركة وأنماط متكررة تتطابق مع غيرها من الدول العالمية عبر التاريخ. كما يقدم لنا توينبي تحليلات مهمة جدًا للعصر الأخير للخلافة العثمانية، وهي فترة محورية حاسمة في تاريخ المسلمين الحديث ولا يزال هذا العصر يؤثر بشدة على الأحداث التي شهدها العالم الإسلامي منذ 1924 وحتى الآن.

عزيز العظمة وتوينبي

تتركز نظرية عزيز العظمة حول الخلافة الإسلامية في كتابه المهم نشأة الإسلام في العصر القديم المتأخر The Emergence of Islam in Late Antiquity[1]، وفيه يبحث في نشوء الإسلام بوصفه دينًا وبوصفه إمبراطورية في وقت واحد. وهو يضع التاريخ الإسلامي في إطار عالمي أوسع، يربطه بتبني الإمبراطوريات العالمية في ذلك العصر لديانة واحدة وتوحيدية، سواء في الإمبراطورية الرومانية منذ عصر  قسطنطين الأول (272 – 337)، أو في الإمبراطورية الساسانية التي اعتمدت الزرادشتية دينًا رسميًا كذلك، وهي توحيدية أيضًا. ويربط العظمة الديانة التوحيدية بالطور الإمبراطوري أو الإمبريالي للمجتمع بعد مرحلة التعددية الدينية السابقة على الإمبراطوية. فكان من الطبيعي بالنسبة لذلك العصر أن ترتبط الديانة التوحيدية مع الإمبراطورية العربية الناشئة. وبذلك يرسم العظمة صورة للإسلام بوصفه دين الإمبراطورية العربية، توافقًا مع حركة التاريخ السابق على الإسلام ومنطقه السائد في ارتباط التوحيد بالمشروع الإمبراطوري، وكأن لسان حاله يقول: إذا أردت أن تصنع إمبراطورية، يجب أن تمتلك أولًا ديانة توحيدية. وكان العظمة مستندًا في كتابه هذا على أبحاث متعمقة ومضنية قام بها قبل صدوره في المصادر التاريخية لصدر الإسلام، وفي الكتابة التاريخية عند المسلمين[2]. وقد سبق لتوينبي أن قدم معالجة مشابهة للغاية حول نشأة الإسلام وطبيعة الخلافة الإسلامية.

لم يذكر عزيز العظمة توينبي سوى في صفحتين فقط من كتابه الضخم البالغ 634 صفحة[3]، وذلك عندما لاحظ أن نظرة المؤرخ الألماني كارل هانريش بيكر Carl Heinrich Becker (1876 – 1933) للتاريخ الإسلامي تتكرر لدى توينبي، والقائلة إن نشأة الإسلام كانت رد فعل من شعوب الشرق الأدنى القديم على تغلغل الهلينية الطويل في الشرق والذي بدأ منذ غزوات الإسكندر الأكبر[4]؛ وكذلك عندما لاحظ العظمة أن تعامُل توينبي مع التاريخ الإسلامي كان من منظور مقارن فقط في إطار تاريخ عالمي تسوده نماذج ثابتة في النشأة والنمو والسقوط والاضمحلال. فقد كان توينبي يبحث عن انتظامات ثابتة في عمليات تطور كل الحضارات. لكنني أعتقد أن العظمة كان متفقًا في تحليلاته مع توينبي بطريقة ربما لم يلاحظها هو. لكن ملاحظة العظمة أن نظرة بيكر عن الإسلام بوصفه اكتمال لعملية طويلة من مقاومة الشرق للهلينية، ذات طابع قومي وسامي، ونظرة بيكر إلى الغزو الإسلامي لأقاليم الشرق الأدنى على أنها استجابة للشرق الأرامي للغزو الثقافي والحضاري اليوناني – الروماني، أو التغريب القديم Westernization، وتكرار توينبي لها، جعلتني أدرك احتمال استعارة توينبي نفسه لهذه الفكر من بيكر.

توينبي مؤرخًا للسنوات الأخيرة من الخلافة العثمانية، وشاهد عيان ومشارِكًا

تركز أغلب الدراسات التي تم تقديمها عن توينبي على نظرياته وأفكاره التي قدمها حول صعود وسقوط واضمحلال الحضارات، وتركز على نظريته الشهيرة في التحدي والاستجابة، وهي نظرية بسيطة للغاية لكنها في الوقت نفسه تمثل قانونًا عامًا صارمًا، حيث تنشأ الحضارة نتيجة الاستجابات الناجحة لتحديات أمام المجتمعات البشرية، وتستمر الحضارة في الازدهار والنمو طالما نجحت في إبداع نظم ومؤسسات تواجه بها التحديات المستجدة، وتنكسر الحضارة عندما تفشل في الاستجابة لتحديات جديدة، ولا تنهار مباشرة بعد الانكسار، لكن تمر بمرحلة طويلة جدًا من الاضمحلال البطيء الذي يستغرق قرونً عديدة، حتى الزوال التام. والتركيز على هذه النظرية الأساسية في تفسير صعود وسقوط الحضارات يصرف الباحثين عن البحث الدقيق في تفاصيل تحليلات توينبي لحقب تاريخية كثيرة؛ ففي ثنايا كتابه الضخم ذي الإثني عشر مجلدًا الكثير من النظريات الفرعية والتقييمات الممتازة لكل الحضارات التي تناولها.

كما تم التركيز من قِبل الكثير من الباحثين العرب على مواقفه السياسية من الحركة الصهيونية ومن العرب والمسلمين وموقعهم في عالم القرن العشرين ودورهم في العصر الحديث[5]، وهي موضوعات لاشك أنها ذات أهمية قصوى يهم المثقفون العرب أن يتعرفوا عليها وخاصة أنها لمؤرخ بحجم ووزن وأهمية توينبي. لكننا لا يمكن حصر إسهام توينبي في تلك الموضوعات وحدها. إن أهمية توينبي تفوق بعض الآراء التي قدمها حول العرب والمسلمين والحركة الصهيونية، ذلك لأنه في الأساس مؤرخ وفيلسوف، تناول تاريخ الإسلام بنظرة كلية شاملة ووضعه في إطار تاريخي واسع يهمنا التعرف عليه. كما أنه عاصر بنفسه السنوات الأخيرة من عمر الخلافة العثمانية، وشارك بنفسه في الأحداث التي رافقت نهاية الخلافة. إن توينبي مهم بالنسبة إلى موضوع الخلافة الإسلامية، على مستوى النظرة الكلية الشاملة بوصفه فيلسوفًا للتاريخ، وعلى مستوى النظرة الأصغر والأدق، التي تراقب أحداث النهاية من داخلها وفي سياقها السياسي المباشر. ومن النادر أن نعثر على مؤرخ شهد بنفسه نهاية عصر مهم ينتهي فيه نظام استمر قرونًا عديدة مثلما نشهد مع توينبي ومعاصرته لنهاية الخلافة الإسلامية في تركيا، تلك النهاية التي لا تزال تلقي بظلالها على العالم الإسلامي حتى اليوم.

لقد شهد توينبي بنفسه السنوات الأخيرة من عمر الخلافة العثمانية، وكتب الكثير عن هذا الحدث وقت حدوثه وبعد حدوثه[6]، أي أنه كان شاهد عيان؛ وفوق ذلك كان ممثلًا لبلاده في أحداث سياسية ارتبطت بأواخر سنوات الخلافة، إذ بدأ أثناء الحرب العالمية الأولى سنة 1915 في العمل في مكتب المخابرات التابع لوزراة الخارجية البريطانية، وعمل في التحقيقات التي أجرتها حول الاعتداءات التركية على الأرمن والتي أدت إلى الإبادة الجماعية في سنتي 1915 و1916[7]، وكتب منشورات دعائية في صالح الحلفاء، وشارك في وفد بلاده في معاهدة سيفر (أغسطس 1920) بين الحلفاء الغربيين والدولة العثمانية، والتي كانت تهدف اقتطاع كل الأراضي غير التركية من الدولة العثمانية وتقسيمها على الدول الغربية، ووضعت كل المضايق التركية تحت إشراف الحلفاء، وصنعت مناطق للتمركز الدائم لقوات الحلفاء داخل تركيا. وهي المعاهدة التي ثارت عليها الحركة الوطنية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، ودفعته إلى إلغائها فيما بعد، وإلغاء السلطنة العثمانية سنة 1922، ثم إلغاء الخلافة الإسلامية ذاتها سنة 1924. وقد كتب توينبي عن كل هذه الأحداث التي عاصرها وساهم في تشكيلها. فبين سنة 1921 و1922 كان مراسلًا لجريدة “مانشستر جارديان” Manchester Guardian، أثناء الحرب اليونانية التركية، ونشر بعدها كتابه المسألة الغربية في اليونان وتركيا The Western Question in Greece and Turkey (1922)[8].

وكان توينبي حريصًا طوال هذه الأحداث على أن يكون محايدًا وموضوعيًا، على الأقل في مقصوده الأساسي. لكن لم يكن توينبي يتوقع في هذه الأثناء ما سوف تسفر عنه الأحداث، مثل إلغاء الخلافة وصعود الحركة القومية التركية إلى مكان الصدارة والنجاح الكبير الذي حققته في فترة قصيرة. بل كان يتوقع، منذ 1915 وخلال السنوات القليلة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، حدوث شيء من التوازن بين النظام القديم في تركيا والذي على رأسه السلطان وشيخ الإسلام من جهة، والتيار الوطني الناشيء هناك؛ فالذي حدث لم يكن توزناً أبدًا بل كان انتصارًا للحركة الوطنية على حساب نظام السلطنة.

وكان المعهد الملكي للشئون الدولية، التابع للحكومة الإنجليزية، يصدر سنويًا دورية بعنوان “مسح الشؤون الدولة” Survey of International Affairs، وقد شارك توينبي فيه بعدد من المجلدات، كتبها إما منفردًا، مثل المجلد المخصص للعالم الإسلامي حتى سنة 1925، وإما بمشاركة آخرين. وكان توينبي يشغل منصب مدير الأبحاث في هذا المعهد، من 1929 إلى 1956[9]. وقد صدر المجلد سنة 1927، وهو في غاية الأهمية، ليس فقط لأنه مسح تاريخي لسنة 1925، المهمة جدًا والمحورية لكل التاريخ اللاحق للعالم الإسلامي، بل لأنه يستعرض كل التاريخ السابق للعالم الإسلامي. ففي سنة 1925 كانت قد حدثت أحداث محورية في العالم الإسلامي، أهمها إلغاء الخلافة العثمانية في تركيا سنة 1924، ومن قبلها ثورة 1919 في مصر، وما تلاها من تصريح 28 فبراير 1922، الذي تضمن إنهاء الحماية البريطانية والاعتراف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة؛ ثم وضع دستور 1923 وتشكيل حكومة الوفد. ولأن المجلد صدر سنة 1927، فالمؤكد أن توينبي كان يكتبه أثناء سنة 1926، إذ يذكر فيه أحداثًا حدثت في هذه السنة. وفي هذه الفترة المحورية كان العالم الإسلامي يمر بفترة محورية حاسمة في تاريخه، منها سيطرة آل سعود على الحجاز، ومن ثم رحيل الهاشميين إلى الأردن، وبداية تولي أمراء الأسرة الهاشمية لعروش العراق وسوريا، وبدايات تفعيل معاهدة سايكس – بيكو، التي قسمت المنطقة إلى الحدود المعروفة بعد ذلك، وتطور عمليات الاستيطان الصهيوني في فلسطين. والحقيقة أن توينبي كان يُقيِّم المشروع الصهيوني تقييمًا سلبيًا في ذلك الوقت، إذ ذهب إلى أنه بينما شهد العالم الإسلامي كله حراكًا سكانيًا عمل على الإقلال من حضور الأقليات بترحيلهم إلى أماكن أخرى غير التي تشهد كثافة سكانية مسلمة، إلا أن فلسطين كانت الاستثناء، إذ شهدت حركة معاكسة، أي زيادة أعداد أقلية يهودية وسط أغلبية مسلمة ومسيحية. كما تناول فيه توينبي أصداء إلغاء الخلافة العثمانية على العالم الإسلامي، ومؤتمر القاهرة الذي عُقد بعد الإلغاء للبحث في إمكانية نقل منصب الخلافة إلى القاهرة، وهو الأمر الذي فشل. والجدير بالملاحظة أن توينبي يذكر قضية علي عبد الرازق بعد نشره كتاب الإسلام وأصول الحكم سنة 1925، في أربع صفحات[10]، وما تلاه من هجوم على المؤلف، ذلك لأن توينبي كان يكتب المسح سنة 1926، أي بعد صدور الكتاب بسنة واحدة، مما يدل على حجم التأثير الذي أحدثه هذا الكتاب في وقته. هذا المجلد الذي انفرد توينبي بكتابته هو وثيقة تاريخية في حد ذاته، ويستحق أن يُدرس لذاته، كي نعرف كيف كان توينبي يفكر في العالم الإسلامي آنذاك، وكيف كان تقييمه وكانت توقعاته لتاريخ المنطقة في المستقبل، وهل صدقت توقعاته أم لا؟ خاصة وأن توينبي قد اعتمد على ما كتبه في هذا المجلد في كتابة الأجزاء المتعلقة بالتاريخ الإسلامي في كتابه دراسة للتاريخ فيما بعد A Study of History، والذي صدر أول مجلد منه سنة 1934.

الخلافة الإسلامية بوصفها دولة عالمية

نظر توينبي إلى الخلافة الإسلامية على أنها تنتمي إلى نوع الدولة العالمية Universal State. والدولة العالمية هي التجسيد النهائي والختامي لحضارة في طور الاضمحلال[11]، لا تستطيع الحفاظ على نفسها إلا في هذا الشكل الخاص من التوحيد السياسي القسري الذي يستخدم العنف الأقصى والقضاء التام على كل الخصوم. وإذا ما طبقنا هذه الرؤية على طبيعة الدولة في الإسلام، سنرى أنها نشأت بوصفها محاولة لضم شعوب الشرق الأوسط القديم في كيان سياسي موحد بعد انهيار الحضارات الشرقية الكبرى، إذ سوف تبدو الدولة في الإسلام وريثة للإمبراطوريات الشرقية القديمة، مثل الإمبراطوريات المصرية والبابلية والآشورية والفارسية. أنشأت شعوب الشرق الأوسط القديم حضارات وثقافات عديدة، وتمثل الخلافة الإسلامية وفق هذه الرؤية البقية الباقية من هذه الحضارات والثقافات ومرحلتها الأخيرة. ولعل هذا هو ما يفسر كثرة الأزمات والصراعات التي شهدتها الدولة في الإسلام، فقد كانت تمثل المرحلة الأخيرة من الحضارات الشرقية، وتجسيدًا لفترة الاضمحلال الطويلة التي دخلتها تلك الحضارات.

وتكون الدولة العالمية مصاحبة بوعي بأنها أبدية ولن تنتهي، وبأنها الغاية النهائية لحركة التاريخ، وهذا ما يؤدي إلى ظهور انطباع وهمي في وعي المعاصرين لها بأن الخلود مكتوب لها ولن تزول. وعند الاضمحلال الفعلي لهذه الدولة العالمية، لا يشعر الفاعلون فيها بهذا الاضمحلال، ويرفضونه في اللاوعيِ، وينكرون واقعه القائم. وحتى بعد الانهيار التام للدولة العالمية، تظهر محاولات إحياءها، وتكون هذه المحاولات مسكونة بشبح الدولة العالمية التي لم تعد موجودة لكن لم يزل شبحها مسيطرًا[12].

ويقول توينبي إن نشأة الدولة العالمية تعطي فرصة للبروليتاريا الداخلية للحضارة في أن تنشئ ديانة عالمية، لما تتمتع به هذه البروليتاريا من سلام طويل، ووسائل مواصلات آمنة، وحدود مفتوحة على مساحات شاسعة كانت مقسمة من قبل على العديد من الدول الصغيرة المتحاربة[13]. ولاشك أن الذي في ذهن توينبي وهو يعمم هذا النموذج هو انتشار الديانة المسيحية داخل الإمبراطورية الرومانية، من قِبَل البروليتاريا الداخلية لعالم البحر المتوسط، وتوفير الإمبراطورية لسلام طويل وطرق مواصلات سهلة وآمنة. لكن هل هذا النموذج التفسيري الذي استقاه توينبي من التاريخ الروماني ينطبق على التاريخ الإسلامي أو يصلح لتفسيره كصلاحيته لتفسير العلاقة بين المسيحية والإمبراطورية الرومانية؟ لا يصلح إلا بالكثير من التكييفات والتعديلات على النموذج التفسيري الأصلي. فلم ينشأ الإسلام من البروليتاريا الداخلية لدولة عالمية، بل من البروليتاريا الخارجية لدولتين عالميتين: الرومانية – البيزنطية من جهة والفارسية من جهة أخرى. لكن يقول توينبي شيئًا هامًا يمكن أن ينطبق على التاريخ الإسلامي، وهو أن الدولة العالمية بفرضها لسلام طويل تعمل على خلق بروليتاريا داخلية مستكينة ويقلل صداماتها مع النخب الحاكمة، ويعمل الدين العالمي على التهدئة والتسكين pacification وإزالة المقاومة من هذه البروليتاريا الداخلية[14]. وفي إطار هذه الرؤية، يمكن النظر إلى التاريخ الإسلامي بوصفه غزو العرب لبلاد لم يجدوا لدى شعوبها أي مقاومة نظرًا لتعودهم على سلام إمبراطوري طويل امتد لقرون قبل الغزو العربي، استكانوا فيه تمامًا للإمبراطورية العالمية التي كانت تهيمن عليهم، وبذلك لم تجد الجيوش العربية أي مقاومة من السكان المحليين. والدولة العالمية جعلت البروليتاريا الداخلية سلبية على المستوى السياسي ونزعت منها كل مقاومة، لكن ظلت هذه البروليتاريا نشطة في المجال الديني، فخلقت ديانة عالمية، وكأنها عوضت غياب السياسة والحكم المدني بنشاط ديني زائد.

تظهر الدولة العالمية حسب توينبي في عصر الاضمحلال، وهذا عكس النظرة الشائعة القائلة إنها تمثل الحضارة في قمة ازدهارها، وهذه النظرة الشائعة هي جزء من الوهم المرتبط بالدولة العالمية. يرى توينبي أن المجتمع المضمحل يحاول الحفاظ على وحدته في شكل سياسي، يتمثل في إمبراطورية تضم مجتمعات الحضارة المضمحلة في كيان سياسي واحد بالقهر وبالقضاء على كل الخصوم السياسيين في حروب دموية وإبادات جماعية لسكان كثيرين[15]. وفي نظره تأتي الدولة العالمية إلى الوجود بإيحاء من فلسفات سابقة، وربما يقصد من ذلك ما تدين به الدولة الرومانية للفكر السياسي اليوناني من قبلها، وإلى شيشرون من جهة أخرى. وربما يقصد أن تأسيس الدولة يتطلب فكرًا قانونيًا وتنظيميًا، وهذا الفكر يكون نابعًا من فلسفات سابقة ظهرت في الحضارة قبل اضمحلالها. وفي حالة الدولة الإسلامية ربما كانت الفلسفات الموجهة لها هي الآداب السلطانية المعروفة في الدولة الفارسية السابقة. وإذا كانت الدولة العالمية من مظاهر مرحلة الاضمحلال الطويلة والبطيئة والتي تستغرق قرونًا عديدة، فيكف نفهم تاريخ الدولة في الإسلام وفق هذه الرؤية؟ نفهمه على أنه تاريخ محاولة حفاظ شعوب الشرق القديم على ذاتها في مرحلة اضمحلال الحضارات الشرقية القديمة. ذلك لأن الأسس التي قام عليها الإسلام هي كلها عناصر من حضارات وأديان سابقة من المنطقة الحضارية الواسعة الممتدة من فارس إلى مصر. ومن جهة أخرى، فإن النظرة إلى الدولة العالمية على أنها تمثل المرحلة الأخيرة لحضارة في طور الاضمحلال البطيء، تنطبق على الدولة العثمانية أكثر من انطباقها على الدولة الإسلامية السابقةعليها، نظرًا لتوزاي تاريخ الدولة العثمانية الطويل جدًا مع فترة الاضمحلال البطيئة جدًا للحضارة الإسلامية.

وينظر توينبي إلى الدولة العالمية على أنها مجرد وسيلة وليست هدفًا في ذاته، لكنها تظهر على أنها هدف في نظر مؤسسيها والكثير من رعاياها، لأنها في أصلها مرتبطة بالوهم الذي يوحي بأنها الهدف النهائي لكل الجهود الإنسانية، وهي ليست كذلك[16]. والوهم الذي يعتقد في ضرورة وأبدية الدولة العالمية هو نفسه من علامات الاضمحلال الحضاري. وفي نظر بعض المفكرين الآن، كما في نظر توينبي عندما يلمح إلى ذلك كثيرًا لكن دون تصريح، تُعد الإمبراطورية الأمريكية محاولة للحفاظ على الحضارة الغربية في طور اضمحلالها[17]، أو بالأحرى محاولة لتماسك الإمبريالية الغربية بعد أن صعدت دول العالم الثالث بعد تحررها من الاستعمار الأوروبي، وبعد ظهور الاتحاد السوفييتي أولًا، ثم الصين ثانيًا.

ويقول توينبي إن الدول العالمية تصعد بعد انكسار الحضارات لا قبله؛ “فهي ليست صيفًا حقيقيًا بل صيف هندي Indian summer [زائف]، تحجب الخريف وتنذر بالشتاء” (VII: 3)؛ وهي كذلك من إنتاج الأقليات المهيمنة، أي الأقلية التي كانت مبدعة وفقدت إبداعها. ويقول توينبي: “إن الدول العالمية هي أعراض للاضمحلال الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه محاولات لمنع هذا الاضمحلال”[18].

الحالات السيكولوجية المصاحبة لانهيار الدول العالمية

رصد توينبي الظواهر السيكولوجية المرتبطة بانهيار الدول العالمية، وحددها في الحنين إليها، والرغبة في إعادة تأسيسها أو استعادتها بعد انهيارها الفعلي، وهي الاستجابات الانفعالية التي كانت مرتبطة في الأصل في اعتقاد، سيكولوجي هو الآخر لكنه مختلط بيقين وتسليم بما هو قائم ومعتاد، بأن الدولة العالمية وُجدت لتبقى، وأنها لن تزول، وأبدية، وهو ما يُحدِث شعورًا بالصدمة الشديدة بعد انهيارها. والظواهر التي رصدتها منى حسن والتي أعقبت إلغاء الخلافة العثمانية تؤكد نظرة توينبي، وأبلغ دليل على ذلك أنها أطلقت على كتابها الحنين إلى الخلافة الضائعة Longing for the Lost Caliphate: A Transregional History[19]، في روح توينبية تمامًا، وإن كانت لم تتأثر به صراحة، ولم تذكره إلا في صفحتين فقط، عندما لاحظت أن توينبي قد تعامل مع الحماس الذي رافق المؤتمر المنعقد في القاهرة سنة 1925 بعد إعلان إلغاء الخلافة العثمانية في تركيا، وقال عنه إنه كان حماسًا ظاهريًا وانفعاليًا لحظيًا سرعان ما اختفى، وقالت عن توينبي إنه غفل عن ذكر الإصرار على عقد مؤتمر ثان بالإجماع وفي القاهرة أيضًا، وأن كل ما قاله حول هذا الاجتماع الثاني أن المصريين لم يكن لديهم الحماس ولا الإرادة في الاستمرار[20]. وقد استقت منى حسن موقف توينبي هذا لا من كتابه دراسة للتاريخ، بل من دراسته التي نشرها في دورية مسح الشؤون الدولية[21]. لكنني رغم ذلك ألاحظ اتفاقًا مذهلًا بينهما لأن منى حسن التي تركز على الحنين إلى الخلافة، سواء بعد غزو التتار بغداد سنة 1258، أو بعد إلغاء الخلافة العثمانية سنة 1924، تعبر عن نفس وجهة نظر توينبي في رصد ظاهرة التمسك بمؤسسة منهارة، وخاصة إذا كانت دولة عالمية كان الناس يعتقدون في خلودها وأبديتها. ومن جهة أخرى فإن ظواهر محاولات إحياء الدولة العالمية والتي رصدها توينبي بعد زوال هذه الدول تتكرر في حالة الخلافة الإسلامية كما رصدتها منى حسن، لأن مؤتمر القاهرة الذي أعقب إلغاء الخلافة العثمانية في تركيا والذي حللته منى حسن يعبر عن هذا الحنين والأمل المستحيل والتمسك بدولة عالمية أثناء انهيارها وبعد الانهيار الفعلي، وقد رصدت منى حسن موقف عبد الرزاق السنهوري الذي كان متمسكًا بالخلافة العثمانية إلى أن انهارت، وبعد ذلك غير رأيه إلى فكرة الجامعة الإسلامية كبديل، وذلك في رسالته للدكتوراه[22]. ويذكر توينبي أن موقف سعد زغلول من الخلافة كان محايدًا، ويربطه بموقف مصطفى كمال أتاتورك العلماني الصريح، ويميل إلى الإيحاء بأن حياد سعد زغلول كان دليلًا على رفضه مبدأ الخلافة، فالحياد في هذه المسألة بالذات، أو حتى الصمت، يعد مؤشرًا على رفض غير مصرح به، لأن القبول سوف يُعلن صراحة. ويذهب توينبي إلى أن سعد زغلول كان يريد ألا تعيق مسألة الخلافة أهداف الحركة الوطنية المصرية التي كانت علمانية في جوهرها[23]، لأن هذه الحركة قائمة على مبدأ المواطنة الذي يعني المساواة بين أتباع الأديان، وطبيعي أن تمزقها الانتماءات الدينية والطائفية.

وكمثال بارز على تمسك رعايا الدولة العالمية بها في وقت اضمحلالها، نجد أبا حامد الغزالي (450 هـ – 505 هـ / 1058م – 1111م). في كتابه فضائح الباطنية يوجه طاقته الفكرية ومواهبه للدفاع عن الخلافة العباسية، وعن الخليفة القائم في عصره، المستظهر بالله (470 – 512 هـ / 1078 – 1118 م)، رغم أن الخلافة في عهده كانت تواجه خطر الشيعة الإسماعيلية من جهة، والحملات الصليبية التي كانت تقتطع أجزاء الشام سريعًا. فقد كان عصر اضمحلال وانهيار سريع واضح. يقول الغزالي: “… يجب على كَافَّة عُلَمَاء الدَّهْر الْفَتْوَى على الْبَتّ وَالْقطع بِوُجُوب طَاعَته على الْخلق، ونفوذ أقضيته بمنهج الْحق، وَصِحَّة تَوليته للولاة وتقليده للقضاة، وَبَرَاءَة ذمَّة الْمُكَلّفين عِنْد صرف حُقُوق الله تَعَالَى إِلَيْهِ، وَأَنه خَليفَة الله على الْخلق، وَأَن طَاعَته على كَافَّة الْخلق فرض”[24]. في عصر انهيار الخلافة العباسية، يقول الغزالي إن الخليفة هو “خليفة الله على الخلق”؛ إنه ليس مجرد خليفة رسول الله، بل هو خليفة الله نفسه. هذا هو التأثير السيكولوجي الذي تُحدثه الدولة العالمية في نفوس رعاياها في فترة انهيارها؛ فهي حالة مختلطة من الخوف واليأس تدفع النفس الإنسانية إلى التمسك بملاذ ومنقذ أخير لا ترى سواه. بل نجد الغزالي يربط الدين نفسه بكل شعائره ووظائفه الاجتماعية بالخليفة، أو الإمام بتعبيره. ففي نظر الغزالي، كل من يقول إن الخلافة لا داعي لها، أو أنها فقدت مبررها، أو إن الزمان خال من أي شخص تتوافر فيه شرائط الخلافة، يؤدي إلى تعطيل الدين، بأحكامه وشرائعه وعباداته، وإلى تعطيل القضاء لأن الخليفة هو الذي يولي القضاة، وإلى انحلال رابط المجتمع وفساد أخلاقه:  “ومصدر الْقُضَاة تَوْلِيَة الإِمَام، فَإِن بطلت الْإِمَامَة بطلت التَّوْلِيَة، وانحلت ولَايَة الْقُضَاة والتحقوا بآحاد الْخلق، وامتنعت التَّصَرُّفَات فِي النُّفُوس والدماء والفروج وَالْأَمْوَال، وانطوى بِسَاط الشَّرْع بِالْكُلِّيَّةِ فِي هَذِه الْمُهِمَّات الْعَظِيمَة”[25]. لقد ربط الغزالي بقاء المجتمع المسلم ببقاء منصب الخلافة، حتى أنه يستحيل في نظره تصور المجتمع بدون هذا المنصب.

وتبلغ قوة الوهم المرتبط بالدولة العالمية درجة الحفاظ عليها وقت انهيارها بل وأخذ الشرعية منها وهي منهارة، الشرعية من شبح. وهذا ما حدث في عصر اضمحلال الخلافة العباسية. فبدلًا من أن تنهار تمامًا على أيدي القوات العسكرية الفارسية والتركية الأقوى منها بكثير، أخذت هذه القوات شرعية سياسية من حمايتها للخلافة العباسية، مثل البويهيين الشيعة، الذين كانوا يهينون الخلفاء العباسيين ويحبسونهم ويصادرون ممتلكاتهم، لكن كانوا في الوقت نفسه يأخذون الشرعية منهم ويطالبونهم بتخصيص ألقاب لهم. وكذلك فعل السلاجقة في أخذ الشرعية من الخلافة العباسية وهي تحت قبضتهم العسكرية.

ورغم أن الخلافة العباسية كانت قد انتهت فعليًا في عصرها الثاني وقبيل قدوم البويهين، ورغم أن الخليفة في ذلك العصر لم تكن له أي سلطة فعلية، ولم يكن يستطع إصدار أوامر إلا داخل قصره، إلا أن البويهيين حاولوا الحفاظ على وجاهة منصب الخليفة بالخضوع الشكلي له، فحماية الخلافة العباسية كانت تضفي عليهم شرعية وأهمية قصوى في العالم الإسلامي، ورغم أن الخليفة كان تحت رعايتهم وكان في الأمر الواقع سجينًا لهم، إلا أنهم أخفوا استقلالهم التام عنه، في الوقت الذي أخذوا فيه الشرعية منه. وما فعله البويهيون الشيعة مع الخلافة، فعله من بعدهم السنة، إذ أخذ محمود الغزنوي، حاكم الدولة الغزنوية في المدة من عام 998م إلى 1030م، شرعية من الخليفة العباسي القادر بالله، وهو لم يكن قادرًا بالله بل بمحمود الغزنوي، وذلك ليحكم الأقاليم التي كان قد استولى عليها الغزنوي. لقد أخذ شرعيةً وألقابًا من خليفة فقد سلطته السياسية وقوته العسكرية، لكن ظل منصب الخلافة ذا شأن كبير ومهابة، وهي مهابة دينية في الأساس. ومنذ ذلك الحين حدث شيء من الانفصال بين الدين والدولة، إذ صار الخليفة منصبًا شبه ديني يدعي الانتساب إلى النبي ويوهم باستمرار في سلطته السياسية، وصارت الدولة في يد العسكريين، الذين صار قائدهم هو السلطان، أي صاحب السلطة، لأن الخليفة فقد السلطة، للسلطان، وصار الخليفة شخصًا والسلطان شخصًا آخر، حتى العثمانيون الذين وحدوا بين المنصبين حتى إلغاء الخلافة العثمانية سنة 1924. وبذلك يوضح توينبي أن شبح الخلافة ظل مسيطرًا، لا في العصر الأخير لها قبل انتهائها التام، بل طوال فترة طويلة من تاريخها، وخاصة في العصر العباسي الثاني الذي ضعفت فيه للغاية وصارت إسمية. إن أخذ البويهيين والسلاجقة من بعدهم الشرعية من خلافة بدون سلطة ومجرد خلافة إسمية ومنصب اعتباري هو في نظر توينبي أخذ الشرعية من شبح، وهو أشبه بالهلوسة.

هناك إذن نزوع لدى مواطني الدول العالمية نحو النظر إليها على أنها أزلية، وُجِدت لتبقى، ولن تزول أبدًا، لا على أنها مجرد مرحلة عابرة من حضارة مضمحلة. وهذا ما يجعل سقوطها النهائي يمثل صدمة نفسية عميقة لمواطنيها، وكثيرًا ما تدفعهم هذه الصدمة إلى الإنكار، وفي بعض الأحيان إلى إحياء تلك الدولة العالمية التي قد انهارت بالفعل. وربما كانت هذه هي حالة رشيد رضا، عندما دعا إلى التمسك بالخلافة أثناء انهيارها[26]، ثم محاولة إحيائها بعد انهيارها، وحالة المجتمعين في مؤتمر القاهرة سنة 1925 والهادف إلى استعادة الخلافة. ومعنى هذا أن وعي مواطني الدولة العالمية مقلوب، فالعابر الزائل ينظرون إليه على أنه أبدي وخالد، وعلامة الاضمحلال ينظرون إليها على أنها علامة نضج واكتمال وتحقق نهائي، وعلامة السقوط ينظرون إليها على أنها علامة المجد. وبدلًا من أن ينظروا إليها على أنها الملجأ الأخير لحضارة فقدت الإبداع والقوة الحيوية الخلاقة، ينظرون إليها على أنها أرض الميعاد، وعلى أنها التحقق النهائي لما كانت تسعى الحضارة إلى تحقيقه منذ بدايتها. وربما كان هذا بسبب الدعاية المبالغ فيها للدولة العالمية، أو الإمبراطورية، فهي دائمًا ما تكون مُصاحَبة بحملات بروباجاندا ضخمة تبررها وتضفي الشرعية عليها وتزينها في أعين الناس. ويطلق توينبي على كل تلك الظواهر والاعتقادات الخاطئة اسم “الهلوسة” hallucination (VII: 7). نلاحظ من هذا التحليل كيف يربط توينبي عصور الحضارة المختلفة بالانعكاس النفسي لكل عصر على نفسية البشر المعاصرين لها. الأحوال النفسية عنده هي ظواهر لاحقة after-effects للفترات التي تمر بها الحضارات، وهي نتاج هذه الفترات وانعكاسات داخلية لها. هذا الجانب النفسي من تحليلات توينبي لم يحظ بالقدر الذي يستحقه من الدراسة، إذ تم التركيز على وحداته التحليلية الكبيرة macro-analysis، ولم يتم الانتباه إلى المستوى الأصغر من تحليلاته micro-analysis وهو المستوى النفسي.

والذي يقوله توينبي عن تمثيل الدول العالمية لعصر اضمحلال، نعثر على أمثلة عليه من تاريخ الدولة في الإسلام في عصر الانهيار الطويل للخلافة العباسية، بعد عصر قصير للغاية من الازدهار. فالخلافة العباسية التي أعطاها هولاكو الضربة القاضية الرحيمة التي أنهت حياتها المريضة الطويلة، كانت قد فقدت سيادتها وفاعليتها قبل ذلك بثلاثة قرون أو أربعة. الدول العالمية تُحدِث تأثيرًا سيكولوجيًا عميقًا لدى مواطنيها والخاضعين لها بالإيهام بدوامها الأبدي، إلى درجة أنهم لا يشعرون بها وهي تنهار، ومن ثم يصابون بالصدمة عند حدوث الانهيار الفعلي، وهذا ما حدث في التاريخ الإسلامي مرتين: مرة في سقوط الخلافة العباسية سنة 1258، ومرة أخرى عند سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924. وبعد سقوطها ظهرت محاولات عديدة لإحيائها، على يد رشيد رضا (1865 – 1935)، وعبد الرزاق السنهوري (1895 – 1971).

ونستطيع أن نفهم من توينبي أن الخلافة الإسلامية قد انتهت فعليًا سنة 1258، بعد غزوات التتار وسقوط بغداد، وإن كانت قد عاشت إسميًا في القاهرة إلى أن اتخذ السلاطين العثمانيون هذا اللقب، وأن كل التاريخ اللاحق لفكرة الخلافة كان مجرد شبح، مفتقدًا الأساس المادي الحقيقي، ذلك لأن الخلافة الحقيقية وفق ما يمكن أن نستخلصه من توينبي هي الخلافات الأموية والعباسية والفاطمية، حيث يصل صاحب الغلبة والقوة العسكرية إلى الحكم بوصفه الخليفة، أما بعد حدوث الانفصال بين الخليفة والسلطان، أي بعد خضوع الخلافة العباسية للوصاية العسكرية للسامانيين (819م – 999م) والبويهيين (945-1055م)  وتغلغل الإسماعيليين، ثم الخضوع للسلاجقة فيما بعد (1037 – 1194)، فقد صارت الخلافة إسمية وصارت السلطة في يد السلطان، والذي يعبر اسم منصبه عن السلطة كما ذكرنا. أما عندما يظهر حاكم قوي ويدعي لنفسه لقب الخليفة، مجرد اللقب فقط، لإضفاء الشرعية الدينية على نفسه والاستيلاء على المكانة التي يوفرها اللقب وما يحيط به من تعظيم وإجلال، فليست هذه خلافة حقيقية في نظر توينبي، بل مجرد شبح خلافة[27]. لكن الغريب أن شبح الخلافة هذا في نظر توينبي عاش طويلًا، فبعد مقتل الخليفة المستعصم ببغداد في فبراير 1258 وقد كان آخر الخلفاء العباسيين هناك، تم تنصيب عمه المستنصر خليفة في القاهرة في يونيو 1261[28]. لقد آوى المماليك أحد أفراد الأسرة العباسية في القاهرة بعد سقوط بغداد وتسميته خليفة، كي يكون حاكم مصر هو السلطان، وفق ثنائية الخليفة والسلطان، كي يضفي على القاهرة الشرف والمكانة لاحتضان الخلافة وكي تصير هي المقر الجديد للخلافة بعد سقوطها الفعلي في بغداد. والأغرب من ذلك أن شبح الخلافة هذا قد استمر في الحياة تحت الرايات العثمانية وبعد أن اتخذ السلاطين العثمانيون لأنفسهم لقب الخليفة، إلى أن تم إلغاء المنصب سنة 1924، واستمر هذا الشبح في الحياة في أذهان الكثير من المفكرين الإسلاميين والحركات الإسلامية طوال القرن العشرين، وربما حتى الآن، إذ يذكر توينبي احتضان القاهرة لمؤتمرين في العشرينيات لإحياء الخلافة، أو بالأحرى للاستيلاء على اللقب بعد أن ألغته تركيا سنة 1924.

حركة العلمنة داخل الدولة العثمانية

يمكننا النظر إلى الإصلاحات العثمانية خلال القرن التاسع عشر على أنها كانت تمثل شكلًا غير مباشر من العلمنة الاجتماعية والقانونية، تمت تحت تأثير الحداثة الأوروبية والاحتكاك مع القوى الأوروبية آنذاك[29]. ومعنى هذا أن حركة العلمنة الكاملة في عصر مصطفى كمال أتاتورك لم تكن مفاجئة ولم تمثل قطيعة مع ماضٍ لم يكن موجودًا، بل تتويجًا لمسار تاريخي طويل في علمنة الدولة العثمانية طوال القرن التاسع عشر.

يذهب توينبي إلى أن الأثر الذي فاق إلغاء الخلافة العثمانية في المجتمعات الإسلامية هو حركة العلمنة التي فصلت الدين عن السياسة في تركيا وبعض الدول الإسلامية الأخرى. حينئذ لم تعد الأراضي الحجازية المقدسة تابعة لخلافة عثمانية – تركية، بل تابعة لآل سعود. ويلاحظ أن الشعب التركي كان سلبيًا تجاه إلغاء الخلافة، وظهر هذا واضحًا في انخفاض كبير في عدد الحجاج الأتراك في تلك السنوات[30]. وهذا طبيعي بسبب فقدان تركيا سيطرتها على الأراضي الحجازية. ولكن يعود توينبي أدراجه ليقول إن إلغاء الخلافة العثمانية أحدث انشقاقًا حادًّا في العالم الإسلامي، ويشبهه بالخلاف الذي حدث بين المسلمين بعد وفاة النبي بأربع وعشرين سنة، وهو يقصد أحداث الفتنة الكبرى التي أعقبت مقتل عثمان بن عفان، والصراع بين على وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية، وهي التي أحدثت الانقسامات الموجودة حتى الآن بين السنة والشيعة. فكيف إذن يقول توينبي إن الشعب التركي كان سلبيًا تجاه إلغاء الخلافة وأنها في الوقت نفسه أحدثت انشقاقًا حادًّا في العالم الإسلامي؟ يمكننا تبرير ذلك بالقول بردود أفعال مختلفة ومتنوعة، تبعًا لاختلاف الانتماءات الأيديولوجية، فمن الطبيعي والمتوقع من الإسلاميين أن يصابوا بالصدمة الشديدة، أما الشعب التركي نفسه والذي يقول عنه توينبي إنه كان سلبيًا تجاه هذا الإلغاء، فربما كان يرجع السبب في ذلك إلى عمليات التحديث والعلمنة التي كانت حركة تاريخية متصلة طوال القرن التاسع عشر، مهدت الطريق أمام هذا الإلغاء، بالإضافة إلى أن الدولة العثمانية كانت ولفترة طويلة جدًا تشكل عبئًا على المجتمع التركي وكانت قطاعات كثيرة منه تشعر بهذا العبء وبضررورة التخلص منه. فما الفائدة من المحافظة على إمبراطورية قديمة، هُزمت في الحرب الكبرى؟!

وعلى الرغم من أن علمنة الدولة التركية كانت بفعل مجموعة قليلة من النخب العلمانية ومفروضة من أعلى، إلا أن حركة العلمنة التي كانت تسير بوتيرة ثابتة طوال القرن التاسع عشر هي التي سهلت على تلك المجموعة الصغيرة نسبيًا من مهمتها، تلك المجموعة التي يسميها توينبي ” مناضلون ثوريون” militant revolutionaries[31]. وهذه السلبية التي كشف عنها الشعب التركي، والإذعان السهل تجاه إلغاء الخلافة من جهة وحركة العلمنة الكمالية من جهة أخرى، تناظرها سلبية مماثلة عندما سيطر الوهابيون على الأراضي الحجازية في نفس تلك السنوات الحاسمة؛ إذ كانت هذه السلبية والإذعان موافقة ضمنية من جماهير كثيرة في العالم الإسلامي على سلطة جديدة أكثر قوة من السلطنة العثمانية التي كانت تحتضر لمائتي سنة حتى كان يُطلق  عليها “رجل أوروبا المريض”، مع أنها ليست “من” أوروبا لكنها كانت “في” أوروبا.

تزايد حضور لقب “الخليفة” في القرن الأخير من عُمْر الدولة العثمانية

والدليل الواضح على أن الدولة العثمانية كانت قد استغلت لقب الخليفة وقدمت نفسها للعالم على أنها هي الخلافة الإسلامية في أواخر عهدها كطوق نجاة أخير وكأيديولوجيا سياسية تستطيع بها مواجهة الضغوط الأوروبية وكسب تأييد الشعوب الإسلامية، أن لقب الخليفة لم يكن مُستخدمًا في المخاطبات ولا في التوصيفات الرسمية في العصور الأولى من الدولة، كما لم يكن السلطان العثماني يُلقب بالألقاب الأخرى المرتبطة بكلمة الخليفة، مثل “أمير المؤمنين” أو “الإمام”. ويُرجع توماس أرنولد ذلك الأمر إلى الفقيه إبراهيم الحلبي[32] (ت. 1549)، الذي انتقل من حلب إلى إسطنبول وأقام فيها حتى وفاته وأثر في كل فقهاء الدولة العثمانية من بعده، وكان على المذهب الحنفي واستقى معظم فقهه من الإمام النسفي، الذي كان يقول في كتابه في العقائد، متبعًا في ذلك حديثًا عن النبي ﷺ إن الخلافة كانت بعد النبي ثلاثين سنة، وبعدها ملك عضوض.

ولكن قبل العصر الأخير من عمر الدولة العثمانية، كان لقب الخليفة قد بدأ في الظهور، وذلك في أواخر القرن الثامن عشر، في المراسلات الرسمية مع الدول الأوروبية، حيث حرص العثمانيون في هذه الفترة على إلصاق لقب الخليفة بالسلطان العثماني، كي يطالبوا بشيء من النفوذ على الأقليات المسلمة التي كانت موجودة في المناطق التي اقتُطِعت من العثمانيين في أوروبا، وخاصة المناطق التي استولت عليها روسيا بعد أن كانت في حوزة العثمانيين. ففي معاهدة قاينارجه سنة 1774 بين روسيا والدولة العثمانية، والتي أنهت حربًا طويلة بينهما بدأت في سنة 1768، تنازل العثمانيون عن القرم لروسيا وأراض كثيرة في بلغاريا[33]. والأكثر أهمية لدراستنا هذه، أن روسيا قد أخذت من الدولة العثمانية الحق في تأسيس كنيسة أرثوذكسية روسية في إسطنبول، بوصفها حامية للأقلية المسيحية الأرثوذكسية داخل الأراضي العثمانية. ومن جهته وربما ردًا على هذا الحق، طالب السلطان العثماني، وكان آنذاك هو السلطان عبد الحميد الأول (1774 – 1789)، بأن يكون راعيًا للمسلمين في المناطق التي فقدها لروسيا[34].

عندئذ فقط ظهر لقب الخليفة في المراسلات الرسمية، مع روسيا ومع غيرها من الدول الأوروبية. ومنذ ذلك الحين وطوال القرن التاسع عشر شهدت الدولة العثمانية تغيرًا جديدًا، إذ لم تعد الخلافة منصبًا اسميًا كما كانت من قبل، بل صارت قوة فاعلة في العلاقات الدولية، ذلك لأن اقتطاع القوى الأوروبية أجزاء من الأراضي التي كانت في حوزة العثمانيين في البلقان وشمال وشرق البحر الأسود، جعل السلطان العثماني راعيًا للأقليات المسلمة في هذه المناطق، أي جعلت منصب الخليفة أكثر أهمية من ذي قبل. فقد عملت الدولة العثمانية على تعويض ما فقدته من هذه الأراضي بأن يصير السلطان العثماني خليفة للمسلمين هناك، مثلما أن بابا الفاتيكان هو راعي المسيحيين الكاثوليك داخل الدول الأوروبية؛ وكانت العقلية الأوروبية آنذاك تقبل أن يكون منصب الخليفة شبيهًا بمنصب البابا، وكانت الدبلوماسية العثمانية تسير في هذا الاتجاه. وأعتقد أن هذا التحول الجديد هو المسؤول عن ظهور السلطان العثماني بوصفه حامي المسلمين وراعي الأقليات المسلمة، أي مسؤولًا عن تحسين صورة السلطنة العثمانية في العالم الإسلامي، بعد أن كانت الصورة سلبية عنها منذ الغزو العثماني للشرق. وسوف تصير هذه الصورة الإيجابية ملازمة للسلطنة العثمانية حتى نهايتها.

وفي هذه الملابسات التاريخية يمكننا أن نتلمس جوانب جديدة لمقولة الفصل بين الدين والدولة؛ فإذا كانت العلمانية وفق الصورة الشائعة عنها ووفق الفهم السائد تتمثل في تلك المقولة الذائعة “الفصل بين الدين والدولة”، فقد حدث هذا الفصل بالفعل منذ القرن الثامن عشر لكن ليس بالطريقة التي تقصدها الحركات العلمانية، إذ أدى توسع القوى الأوروبية على حساب اقتطاع أجزاء من الدولة العثمانية في شمال البحر الأسود والبلقان وجورجيا وأرمينيا إلى انفصال منصب السلطان عن منصب الخليفة، بأن صار السلطان العثماني مجرد سلطة روحية إسلامية تحت لقب الخليفة على الأقليات الإسلامية في تلك المناطق التي استولت عليها القوى الأوروبية. والأكثر من ذلك أن نفس هذه الفترة التاريخية هي التي شهدت الاستعمار الأوروبي لبعض مناطق العالم الإسلامي، وإحكام سيطرة الإنجليز على الهند وحكمهم المباشر لها وانتهاء الحكم الإسلامي السابق، مما أدى إلى تحول السلطنة العثمانية إلى أن تكون الدولة السُنية الوحيدة في العالم والتي لازالت مستقلة عن الاستعمار الأوروبي، مما أدى إلى زيادة الاهتمام بمنصب ولقب الخليفة بعد أن تعرض للنسيان لفترة طويلة سابقة.

ومن ثم فعندما نرى تسمكًا بالخلافة من قبل الحركات الإسلامية والمفكرين الإسلاميين اللاحقين على إلغاء الخلافة العثمانية، فيجب أن نضع في اعتبارنا ذلك الإحياء الأخير لفكرة الخلافة من داخل الدولة العثمانية وفي سياق تعاملاتها مع الدول الأوروبية منذ أواخر القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر . وعندما نرى الجمعية الوطنية الكبرى في تركيا قد ألغت السلطنة العثمانية وأبقت على الخلافة كمجرد سلطة روحية سنة 1922، ثم ألغت الخلافة العثمانية ذاتها سنة 1924، فيجب أن نضع في اعتبارنا أن الفصل بين السلطنة والخلافة كان حركة تاريخية طويلة، مستمرة منذ القرن الثامن عشر، وأن هذا الفصل نفسه كان ممكنًا على المستوى الدبلوماسي ومستوى العلاقات الدولية بين العثمانيين والقوى الأوروبية قبل الحركة الكمالية بأكثر من قرن.

ولكنني لا أوافق توينبي في ذهابه إلى أن الدبلوماسيين العثمانيين قد استغلوا فهمًا خاطئًا لدى الأوروبيين الذين اعتادوا على الانفصال بين السلطة السياسية والسلطة الروحية، أي الانفصال بين الحاكم السياسي والبابا في روما، بأن يقنعوا الأوروبيين بأن بقاء السلطان العثماني خليفة للمسلمين في المناطق التي اقتطعتها الدولة الأوروبية من الدولة العثمانية سوف يمثل مجرد سلطة روحية، وكي يعملوا على الإيحاء لهم بأن لقب الخليفة مجرد لقب ديني وأن سلطته روحية فقط على المسلمين، وذلك كي يحتفظوا للسلطان العثماني بشيء من السلطة الفعلية على تلك المناطق المفقودة، وأن الأوروبيين كانوا جاهلين بمدى الارتباط بين الدين والسياسة في لقب ومنصب الخليفة وأنه لا يمكن الفصل بينهما حسب مبادئ الإسلام وفي وعي المسلمين[35]. فلا يمكن أن نعزو ما حدث ونفسره بمجرد مكر ودهاء السياسيين والمفاوضين العثمانيين وسذاجة وسطحية الأوروبيين، لأن بقاء السلطان العثماني خليفة للمسلمين، مع ما تبع ذلك من علو شأن الخلافة الإسلامية بطريقة غير مسبوقة في تاريخها، وقرب نهايتها، هو نتيجة لحركة تاريخية عميقة وطويلة هي التي أدت إلى هذا العلو لشأن الخلافة، نتيجة ازدياد الارتباط العاطفي بمؤسسة الخلافة التي عفا عليها الزمان تحت ضغط هجمات الاستعمار الأوروبي من جهة، وحالة انحطاط وضعف المسلمين من جهة أخرى. وقد بلغ هذا التمسك بمؤسسة الخلافة درجة أوهمت مفكرين كبار، مثل رشيد رضا وعبد الرزاق السنهوري، إلى وضع مشاريع، اتضح أنها يوطوبية وخيالية، في إحياء الخلافة، وما كانت هذه المشاريع سوى حنين زائف أو نوستالجيا وهمية.

الأيام الأخيرة للخلافة العثمانية

في العقود الأخيرة من عمر الدولة العثمانية، وبقيادة السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918؛ تولى الحكم بين 1876 و1909)، حاول العثمانيون مواجهة حالة التفكك التي كانت تعاني منها الدولة أثناء القرن التاسع عشر ومواجهة أطماع الدول الغربية في تفكيك الدولة واقتطاع أجزاء منها، بإحياء فكرة الخلافة الإسلامية، وبالتأكيد على أن الدولة العثمانية هي دولة الخلافة الإسلامية وأن السلطان العثماني هو الخليفة، وقام العثمانيون بالدعاية لهذه الفكرة، لجمع شعوب العالم الإسلامي وراءهم في مواجهة الغرب. وليس معنى هذا أن لقب الخليفة كان جديدًا، بل هو قديم واتخذه السلاطين العثمانيون منذ احتلالهم مصر سنة 1517، لكن تم إحياؤه في المرحلة الأخيرة من عمر الدولة العثمانية. وتم تصوير الخلافة على أنها تمثل اتحاد المسلمين في مواجهة الأطماع الغربية وفي مواجهة عمليات التغريب Westernization أو الأوربة Europeanization. هذه الدعاية الأيديولوجية الجديدة التي بدأت في عصر السلطان عبد الحميد الثاني آتت أكلها بطريقة غير مسبوقة، إذ يبدو أن الحالة التي عانى منها المسلمون آنذاك قد دفعتهم إلى تبني هذه الأيديولوجيا، ففي حالات اليأس والإحباط يُدفع الإنسان إلى التعلق بأي خلاص، خاصة إذا كان مغلفًا بغلاف ديني. فقد تبنى هذه الأيديولوجيا عدد كبير من المفكرين، ومنهم جمال الدين الأفغاني (1838 – 1897). وحتى بعد انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، ظلت فكرة الخلافة عالقة في أذهان الكثير من المسلمين، ومنهم كما رأينا عبد الرزاق السنهوري الذي كتب رسالته للدكتوراه في فرنسا حول تحويل الخلافة إلى عصبة أمم شرقية[36]؛ وتمسك بالخلافة في الوقت نفسه رشيد رضا، وقامت جماعة الإخوان المسلمين في مصر بتبني الفكرة، بل وأدخلتها في سرديتها الخاصة التي بررت بها سبب نشأة الجماعة، القائلة إن الغرب قد نجح في إسقاط الخلافة الإسلامية في تركيا على يد عملائه العلمانيين هناك بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، ويجب على المسلمين التمسك بالخلافة ومواجهة العلمانية والنزعات القومية لأنها تفكك العالم الإسلامي وتضعفه في مواجهة الغرب[37].

ولا نستطيع الجزم والقطع بأن هذه الدعوات اللاحقة على إلغاء الخلافة العثمانية هي آثار لاحقة أو توابع لأيديولوجيا السلطان عبد الحميد الثاني في السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية، لكن ليس في وسعنا سوى الاعتراف بأن هناك تواصلًا واستمرارية من هذه الدعوة الأيديولوجية ذات الأهداف العثمانية الواضحة جدًا في عصر عبد الحميد الثاني، وأفكار السنهوري ورشيد رضا وجماعة الإخوان. تتفق منى حسن مع أرنولد توينبي في دراستها الحنين إلى الخلافة الضائعة في تشخيص الوضع الأخير، الأيديولوجي والسياسي، لفكرة الخلافة الإسلامية، فهي وفق رأيها، وفي رأيي أنا أيضًا، يمكن التعبير عنها بأنها كانت شبحًا مثل شبح هاملت، الأب المقتول غدرًا والذي يظهر شبحه باستمرار لهاملت يطالبه بأخذ الثأر له. ولأن الشبح كيان وهمي غير حقيقي، فإن رؤيته إنما تشير إلى هلوسات لدى الرائي، وقد استخدم توينبي كلمة hallucination[38]. لكن نستطيع أن نقول إن أيديولوجيا وحدة العالم الإسلامي في مواجهة الغرب، ورغم أنها بدأت هكذا أيديولوجية ودعت إليها حكومة عبد الحميد الثاني للدفاع عن الدولة العثمانية قبيل السقوط الأخير، إلا أنها تحولت خارج تركيا إلى أيديولوجيا إسلامية تبناها الكثيرون، ربما تعبيرًا منهم عن الرغبة في وحدة إسلامية في مواجهة خطر راهن وحاضر يشكله الاستعمار الأوروبي. ومنذ ذلك الحين صارت فكرة الوحدة الإسلامية تحت قيادة خلافة إسلامية من أهم دعائم الإسلام السياسي.

خاتمة

إن الدعوة الأيديولوجية لإحياء الخلافة بعد إلغائها على يد الحركة الوطنية التركية تغيب عنها حقائق تاريخية ثلاث. الأولى أن الدولة العثمانية ذاتها قد مرت بعملية علمنة طويلة خلال القرن التاسع عشر، أي قبل ظهور مصطفى كمال أتاتورك. هذه العملية كانت ضرورة تاريخية وحتمية، حتى كادت الدولة أن تتحول إلى علمانية شاملة لولا حكم عبد الحميد الثاني الذي أعاد إحياء فكرة الخلافة. والحقيقة الثانية أن حركة الشريف حسين بن علي في الحجاز أثناء الحرب العالمية الأولى كانت قد ضربت أيديولوجيا الوحدة الإسلامية تحت الخلافة التركية في مقتل[39]، أولًا لعروبية هذه الحركة ضد تركية الخلافة العثمانية، وثانيًا لانطلاقها من الأراضي الحجازية ومن مكة تحديدًا، مركز الإسلام نفسه، ومن الشريف حسين بن علي الهاشمي (1854-1931) المنتسب إلى البيت النبوي ذاته، والذي كان من حقه التام والأصيل المطالبة بالخلافة، نظرًا لنسبه ولموقعه في الحجاز ووظيفته.

إن حركة العلمنة في تركيا أثناء القرن التاسع عشر تنفي عنها طابع دولة الخلافة، فإذا كان مبدأ الخلافة يعتمد على تطبيق الشريعة وعلى اتحاد المسلمين تحت سيادة سياسية واحدة ومواجهة التغريب والغزو الثقافي الأجنبي والحفاظ على هوية المجتمع الإسلامي، فإن حركة علمنة الدولة العثمانية والتي كانت طوعية بالكامل ومن داخل الدولة العثمانية، قبل مصطفى كمال أتاتورك، تحبط أي مشروع في الدعاية لها بوصفها ممثلة للوحدة الإسلامية تحت خلافة إسلامية؛ وكيف تصح هذه الدعوة والبلاد الإسلامية قد تقطعت أوصالها وفقد العالم الإسلامي الكثير من أقاليمه للاستعمار الأوروبي والتوسع الروسي أثناء القرن الأخير من عمر الدولة العثمانية؟ إن هذا يقف دليلًا على أن العثمانيين لم ينجحوا لا في الدفاع عن وحدة أراضي الإسلام ولا في الحفاظ على الهوية الإسلامية في مواجهة التغريب. ومن ثم كانت دعوة السلطان عبد الحميد الثاني مناقضة لحركة التاريخ في دولته والتي كانت تتجه نحو العلمنة بخطى ثابتة طوال القرن التاسع عشر. لقد كانت العلمنة آنذاك هي واقع الحال وهي الأمر الواقع de facto، ومبدأ الخلافة الذي دعا إليه مناقض لهذا الأمر الواقع.

الحقيقة الثالثة، أن مشروع الدولة القومية الآخذة بشيء من العلمانية وبالأخص العلمانية الغربية قد ظهر أنه البديل الأفضل من الدعوة إلى التمسك بالخلافة، والدعوة اللاحقة إلى إحيائها بعد سقوطها. فبدلًا من مواجهة الغرب بالإسلام، وهي مواجهة غير مجدية وفق منطق التطور التاريخي، يمكن مواجهته بتبني نظمه السياسية والاجتماعية والقانونية[40]. وفي هذا السياق نستطيع فهم دعوة طه حسين إلى التبني الكامل للحضارة الغربية في كتابه مستقبل الثقافة في مصر، والذي لم يكن مجرد كتاب عن الثقافة، إذ يمكن أن نسميه “مستقبل مصر”. فطه حسين يضع في هذا الكتاب رؤيته لهوية مصر وليس لمجرد الثقافة. كان طه حسين متبنيًا مشروع التحديث الغربي بالكامل، لا لأنه متغرب أو يدين بولائه للغرب كما صوره الإسلاميون، بل لأنه أدرك العناصر الكلية القابلة للتعميم في مشروع الحداثة الغربية وما فيه من توجهات إنسانية عامة. وبذلك كان صريحًا واضحًا في الإعلان عن انتماء مصر إلى تراث حوض البحر المتوسط لا إلى التراث الشرقي، ووصف التاريخ المصري كجزء عضوي من تاريخ البحر المتوسط والذي يضم اليونان والرومان وأوروبا الحديثة[41].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1]) Aziz Al-Azmeh. The Emergence of Islam in Late Antiquity: Allah and His People. (Cambridge: Cambridge University Press, 2014).

[2]) Aziz al-Azmeh. The Times of History. Universal Themes in Islamic Historiography. (Budapest, Central European University Press, 2007); id. Al-Azmeh. The Arabs and Islam in Late Antiquity: A Critique of Approaches to Arabic Sources. (Berlin, Gerlach Press, 2014).

[3]) Al-Azmeh. The Emergence of Islam in Late Antiquity, p. 31, 32.

[4]) Carl Heinrich Becker. Islamstudien, 2 vols, (Leipzig: Quelle & Meyer, 1924), vol. I, pp. 14 – 16, cited in Al-Azmeh 31 – 32; cf. Becker. Christianity and Islam. Translated by H. J. Chaytor. (London and New York: Harper, 1909).

[5]) وهي آراء حول توينبي مستندة على أربع محاضرات ألقاها توينبي في جامعات القاهرة والإسكندرية وعين شمس في أبريل سنة 1964، وجمعها وترجمها فؤاد زكريا، وهي فترة متأخرة جدًا في عُمر إنتاج توينبي الفكري؛ ذلك لأن الدراسة الدقيقة والشاملة لمواقفه وآرائه يجب أن تشمل ما كتبه حول العالم الإسلامي منذ 1915. انظر، أرنولد توينبي، محاضرات أرنولد توينبي: نص المحاضرات التي ألقاها أرنولد توينبي خلال زيارته للجمهورية العربية المتحدة في أبريل عام ١٩٦٤، تحرير وترجمة فؤاد زكريا، مؤسسة هنداوي، 2022.

[6]) بعد انتهاء الخلافة العثمانية بحوالي ثلاثين سنة، ألقى توينبي محاضرة شهيرة في الجمعية الفلسفية الأمريكية، 11 نوفمبر 1954، في فيلادلفيا بالولايات المتحدة، وضع فيها رؤيته الشاملة في تاريخ الخلافة العثمانية:

Arnold Joseph Toynbee. “The Ottoman Empire in World History”, in Proceedings of the American Philosophical Society, Vol. 99, No. 3 (Jun. 15, 1955), pp. 119 -126

[7]) Toynbee. The Armenian Atrocities: The Murder of a Nation, with a speech delivered by Lord Bryce in the House of Lords (London, etc.: Hodder & Stoughton 1915); Toynbee (ed.). The Treatment of Armenians in the Ottoman Empire, 1915-1916: Documents Presented to Viscount Grey of Fallodon by Viscount Bryce, with a Preface by Viscount Bryce (London: Hodder & Stoughton and His Majesty’s Stationery Office, 1916).

[8]) Toynbee. The Western question in Greece and Turkey. (Boston & New York: Houghton Mifflin, 2nd. ed, 1923).

[9]) William Hardy McNeill. Arnold J. Toynbee: A Life. New York: Oxford University Press, 1989, p. 124 – 126.

[10]) Toynbee. Survey of International Affairs, pp. 16, 80, 81, 84, 227.

[11]) Arnold Toynbee. A Study of History. Volume VII, Universal States, Universal Churches. (London: Oxford University press, 1954), pp. 1 – 6.

[12]) Toynbee. A Study of History. Volume VII, pp. 12 – 16.

[13]) Ibid, pp. 70 – 76.

[14]) Ibid, pp. 69ff.

[15]) Ibid, p. 44.

[16]) Ibid, p. 1 – 7.

[17]) أموري د. رينكور، القياصرة القادمون. ترجمة أحمد نجيب هاشم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1970، ص 396 وما بعدها.

[18]) Toynbee. A Study of History. Volume VII, p. 4.

[19]) Mona Hassan. Longing for the Lost Caliphate: A Transregional History. (Princeton University Press, 2016).

[20]) Ibid. p. 214.

[21]) Arnold Toynbee, Survey of International Affairs 1925: The Islamic World since the Peace Settlement (London: Oxford University Press, 1927), 88– 90

[22]) عبد الرزاق السنهوري، الخلافة وتطورها إلى عصبة أمم شرقية، ترجمة كمال جاد الله وسامي مندور وأحمد لاشين، دراسة تحليلية علي الزميع، مركز نهوض للدراسات والنشر، بيروت، 2019.

[23]) Toynbee. Survey of International Affairs, 1925, vol. I (Oxford University Press, 1927), ‘The Islamic World since the Peace Settlement’, pp. 8 – 9.

[24]) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت ٥٠٥هـ)، فضائح الباطنية، تحقيق عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت، د.ت.، ص 169.

[25]) المرجع السابق، ص 170.

[26]) صدر كتاب رشيد رضا الخلافة سنة 1922، أي بعد إلغاء الأتراك للسلطنة وقبل إلغائهم الخلافة سنة 1924، وكان رضا يأمل في أن يجدد الأتراك الخلافة الإسلامية على أسس دينية، ولم يكن يعلم حينئذ بأنهم سوف يلغونها بعد سنتين: “إن أعظم مظاهر هذه الفرصة نهضة الشعب التركي من كبوته، التي قضت على السلطنة العثمانية، وتوثيقه عرى الإخاء بين الدولتين الإيرانية والأفغانية، وبثه دعوة الاعتصام مع سائر الشعوب الإسلامية الأعجمية، ونجاحه في إلغاء الامتيازات الأجنبية، والنقص من سائر القيود والأغلال السياسية والمالية، فرجاؤنا فيه أن يشد أواخي الإخاء مع الأمة العربية، ويتعاون معها على إحياء المدنية الإسلامية، بتجديد حكومة الخلافة على القواعد المقررة في الكتب الكلامية والفقهية”؛ محمد رشيد رضا، الخلافة، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2013، ص 10.

[27]) Toynbee, A Study of History, Vol. VII, p. 21.

[28]) جلال الدين السيوطي (ت. 911 هـ)، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، دار إحياء الكتب العربية – عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1967، الجزء الثاني، ص 53 – 55.

[29]) Roderic H. Davison. Turkish Attitudes Concerning Christian-Muslim Equality in the Nineteenth Century. The American Historical Review, Vol. 59, No. 4 (Jul., 1954), pp. 844-864; Lewis, Bernard.  The Impact of the French Revolution on Turkey: Some Notes on the Transmission of Ideas. In: Cahiers d’Histoire Mondiale I, 1953, p. 105-125; Niyazi Berkes, The Development of Secularism in Turkey (Montreal: 1964); Bassam Tibi, “Islam and Secularization,” Proceedings of the First International Islamic Philosophy Conference 19–22 November 1979: Cairo (Egypt) (Cairo:1982).

[30]) Toynbee. Survey of International Affairs, 16.

[31]) Toynbee. Survey of International Affairs, 15.

[32]) Arnold, Thomas Walker. The Caliphate. (Clarendon Press, 1924), p. 163.

وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي الحنفي (ت ٩٥٦هـ)، من أهم فقهاء الدولة العثمانية، ويعد كتابه مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، كتاب الفقه الرئيسي المعتمد طوال فترة تاريخية طويلة من عهد الدولة.

[33]) https://en.wikipedia.org/wiki/Treaty_of_K%C3%BC%C3%A7%C3%BCk_Kaynarca.

[34]) يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988، المجلد الأول، ص 628 – 631.

[35]) Toynbee. A Study of History, vol. VII, pp. 22 – 25.

[36]) السنهوري، الخلافة، ص 14 – 15.

[37]) حسن البنا، الرسالة الخامسة. خلاصة الخطاب الذي ألقاه الإمام البنا في المؤتمر الدوري الخامس عام 1357هـ- 1938م بعد مرور عشر سنوات على تأسيس الجماعة، في: مجموعة رسائل الإمام البنا، تحرير أسامة سعد، إشراف جمعة أمين عبد العزيز، دار النداء، إسطنبول، 2015، ص 323 – 370.

[38]) Toynbee, A Study of History, Vol. VII, p. 12.

[39]) Toynbee, A Study of History, Vol. IV, pp. 81 – 82.

[40]) See Toynbee, A Study of History, Vol. III, C (ii), (b), Annex II, pp. 466ff.

[41]) طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، دار المعارف، القاهرة، البطعة الثالثة، 2015 (الطبعة الأولى سنة 1938)، ص 31 – 49.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete