الخلود في النّار: بين ظاهر النّص وأفق التّأويل

 تكوين

يرفض جمهور المسلمين مناقشة مسألة الخلود في النّار ويعتبرونها من تحصيل الحاصل. ويجهل بعضهم أنّ القدامى قد طرحوا الموضوع في كتابات كثيرة وأنّهم تجادلوا فيها وتناقشوا. ومن هذه الكتب نذكر “حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح” لابن القيم الجوزيّة، “الرّدّ على من قال بفناء الجنة والنّار“ لابن تيميّة، “رفع الأستار لإبطال أدلّة القائلين بفناء النّار” للصّنعاني.

ولا شكّ أنّ مسألة الخلود في النّار حسّاسة لاتّصالها بمنظومة الثّواب والعقاب وبمفهوم العدالة الإلهيّة في وجهيها الأنطولوجيّ والإجرائيّ. ولا يدّعي هذا المقال الفصل في المسألة، ولا يسعى إلى استعراض الأقوال على نحو موسوعي، بقدر ما يحاول أن يفتح أفقا للتّفكير:

  • هل الخلود في النّار حكم نهائي لا يُراجع، أم هو تصوّر تشكّل داخل تراكم تاريخيّ من الفهم والتّأويل؟
  • وهل يحمل النّصّ وعمقه التّأويليّ إمكانا لقراءات أخرى غير تلك السّائدة؟

نُحدّث في هذا المقال عن النّار الأخرويّة، ونضرب صفحا عمّا في القرآن من إشارات إلى عذاب دنيويّ[1]. ونتساءل مثلما تساءل بعض القدامى:

هل لعذاب أهل النّار نهاية؟

نتدبّر القرآن، فإذا به يقرّ بوجود نقطة نهاية لعذاب أهل النّار:

“إنّ جهنّم كانت مرصادا-للطّاغين مآبا-لابثين فيها أحقابا”[2].

وإذا كانت الحقبة مدّة من الزّمان، فإنّها تظلّ محدودة مهما تطل. ويتّسق ذلك مع قوله تعالى:

“…قال النّار مثواكم خالدين فيها إلاّ ما شاء الله…”[3]،

إنّ هذه الآية تصرّح بأنّ الخلود في النّار مشروط بمشيئة الله، ومشيئةُ الله مسألةٌ تتجاوز إدراك البشر، فاللّه فعّال لما يريد يقول للشّيء كن فيكون، وهو ما يفتح بابا لإمكان عدم الخلود في النّار[4]. على أنّ بعض المفسّرين اعتمدوا التّأويل لتكييف الاستثناء الصّريح في القرآن، فذهب الطّبري إلى أنّه استثناء خاصّ بفترة الحساب: “إلاّ ما شاء الله من قدر مدّة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنّم، فتلك المدّة التي استثناها الله من خلودهم في النار”[5]. واعتبر عبد القادر الجيلاني أنّ الاستثناء في الآية يعني أنّ الكفّار يخرجون من النّار “وقتاً ينقذهم منها لئلاّ يتعوّدوا بعذابها”[6]. ورأى الزّمخشري أنّهم يخرجون من النّار لينتقلوا إلى الزّمهرير[7]. واعتبر الصّنعاني أنّ “الاستثناء من خلود أهل الجنّة من المتشابه وأنّ المحكم هو آية الخلود“[8]. ولعلّ التّمحّل واضح في هذين التّأويلات جميعها، فأمّا تأويل الطّبري فيجعل العذاب غائبا في فترة المحاسبة، والحال أنّ هذا الغياب من تحصيل الحاصل، فنتيجة الحساب لم تظهر بعد ولا يمكن أن يكون العذاب قبل توفية الحساب وإقرار الحكم النّهائيّ. وأمّا الجيلاني فيُسقط على العذاب الأخرويّ مقولات دنيويّة شأن “التّعوّد على العذاب” فضلا أنّ الفكرة غريبة فكيف يُتعوّد على عذاب النّار عموما، وكيف يُتعوّد على عذاب النّار والقرآن نفسه يقرّ أنّه كلّما نضجت جلودهم أبدلت جلودا غيرها[9]؟ وأمّا الزّمخشري فيتجاوز بحديثه عن الزّمهرير ما يتيحه النّصّ من إمكانات دلاليّة إذ القرآن لا يعرض للزّمهرير إلاّ عند حديثه عن أهل الجنّة، ولا علاقة له بعذاب أهل النّار[10]. وأمّا الصّنعاني فيلجأ إلى ثنائيّة المحكم والمتشابه الّتي اختلف المفسّرون في تحديد مرجعها. إنّ هذه التّآويل فشلت في نفي إقرار صريح من القرآن، هو أنّ مشيئة الله تعالى يمكن أن تنفي الخلود في النّار.

ولعلّ ما حدا بهؤلاء إلى التّمسّك بالخلود في النّار استنادهم إلى عبارة: “خالدين فيها أبدا”، وقد تواترت في وصف أهل النّار؟[11] فهل يعني هذا أنّ القرآن يناقض نفسه، فيقرّ تارة بأنّ الخلود في النّار مشروط بمشيئة الله، ويقرّ طورا بأنّه لانهائيّ؟

إنّ ما يبدو تناقضا ليس إلاّ اختلافا في مفاتيح القراءة. وحين نغيّر زاوية القراءة، تنفتح أمامنا ثلاثة أوجه ترفع هذا التّعارض الظاهر.

النّفس الخالدة في النّار ليست هي النّفس الخارجة منها

إنّ النّفوس الخاسرة لن تمسّها النّار أيّاما معدودة[12]، وهي فعلا خالدة في النّار، ومعنى خلودها فيها أنّها لن تخرج منها في هيئتها تلك. لا ننسى أنّ ما يُعذَّب هو الّنفس بما تحمله من آثار التّجربة الإنسانيّة، فإذا استوفت جزاءها، انفتحت على طور آخر من الوجود، أكثر صفاءً واتّصالا بالرّوح. وهذا معنى تزويج النّفوس بالأرواح[13].

إنّ “الجسم النّفسيّ” الّذي دخل النّار لن يخرج منها: “كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النّار”[14]، “يريدون أن يخرجوا من النّار وما هم بخارجين منها“[15]. وما يغادر النّار هو صورة أخرى للنّفس مختلفة تماما. المسألة كأن تتصوّر أنّ شرنقة دخلت منزلا، وخرجت منه فراشة، فأنت صادق إذ تقول إنّ الشّرنقة لم تخرج من المنزل وأنت صادق إذ تقول إنّ فراشة خرجت منه.

النّار و/أو عذابها آيلان إلى الفناء:

تجعل الآية 107 من سورة هود الخلود مشروطا لا بمشيئة الله وحدها، وإنّما بدوام السّماوات والأرض أيضا: “وأمّا الّذين شقوا ففي النّار لهم فيها زفير وشهيق، خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك”. وإذا كان القرآن يثبت فناء كلّ شيء: “كلّ شيء هالك إلاّ وجهه”[16]، وإذا كانت السّماوات والأرض مخلوقين بصريح القرآن، فهذا يعني أنّ لهما أجلا أو أمدا وأنّهما آيلان إلى الفناء: “ما خلقنا السّماوات والأرض وما بينهما إلاّ بالحقّ وأجل مسمّى”[17]. وبانتفاء دوام السّماوات والأرض ينتفي الخلود في النّار، ويكون لعذاب أهل النّار نهاية.

إقرأ أيضًا: الجنس في الجنّة بين الحقيقة والمجاز

ويحيل فناء السّماوات والأرض وهلاك كلّ شيء إلى إمكان فناء النّار، وهو ما ذهب إليه بعض القدامى[18]. وهذا ما يعني أنّ النّفوس الخاسرة هي فعلا خالدة في النّار. ولكنّ النّار نفسها هي الّتي ستفنى وتذهب شأنها في ذلك شأن كلّ المخلوقات.

وخلافا لهؤلاء، يثبت ابن عربي الخلود في النّار، ولكنّه ينفي الخلود في العذاب. وقد استند إلى أنّ الضّمير المؤنّث “خالدين فيها” يعود على النّار لا على العذاب[19]، وهو ما يعني أنّ النّار لن تفنى في ذاتها، وإنّما ستتغيّر وظيفتها. إنّها لن تكون من وسائل التّعذيب، وإنّما ستغدو على أهلها بردا وسلاما كنار إبراهيم الخليل، وسيتحوّل عذابها إلى عذوبة بعد أن يمرّ الكافر والمشرك والفاسق بنوع من العذاب يخلّصه من شرّه[20]. ويعبّر ابن عربي عن وجود نهاية للعذاب أو تحوّله إلى عذوبة بأبيات شعر تقول:

“يسمّى عذابا من عذوبة طعمه    وذلك له كالقشر والقشر صاين”[21].

الخلود في النّار صورة ترهيبيّة:

قرأ البعض الخلود في النّار قراءة مجازيّة تجعله محيلا على زمان شديد الطّول لا على زمان غير متناه. فكأنّ الوعيد بالخلود في النّار هو من باب ترهيب من تنحو بهم نفوسهم نحو الأذى والظّلم، وهو بعبارة القرآن من باب إرسال الآيات تخويفا[22]. ورغم أنّ في القرآن آيات تدلّ على الوعد بالجنّة وعلى الوعيد بالنّار، فإنّ ابن عربي يؤكّد أنّ الثّناء يكون بصدق الوعد لا بصدق الوعيد[23]. ويكون الثّناء “بالتّجاوز “فلا تحسبنّ الله مخلف وعده رسله” لم يقل ووعيده، بل قال: “ويتجاوز عن سيّئاتهم” مع أنّه توعّد على ذلك”[24]. وهكذا يكون من رحمة الله بعباده إمكان وفائه بالوعد دون الوعيد[25]. ويورد ابن عربي في تفسيره حديثين يثبتان عدم الخلود في العذاب: “سينبت في قعر جهنّم الجرجير” و”يأتي على جهنّم زمان يصفق أبوابها ليس فيها أحد”[26] .

إقرأ أيضًا: شيطنة التأويل وسلطة التفسير: الصراع السياسي على معاني القرآن

ونحن لن نحيط هنا بما أسالته هذه المسألة الغيبيّة من حبر، ولن نكرّر ما هو موجود في كتب التّراث. وإنّما نودّ أن ندلي بدلونا في الأمر، ونتصوّر أنّه بغضّ الطّرف عن تعدّد تآويل آيات الخلود في النّار، فإنّنا استنادا إلى منطق الحساب القرآنيّ نفسه، ممّن يميلون إلى أنّ لعذاب أهل النّار حدّا ونهاية. إنّ عذاب جهنّم كان “جزاء وفاقا”[27] أي إنّه موافق لما ارتكب من ذنوب وآثام[28]. نتذكّر قانون الثّواب والعقاب الصّارم: “فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره”[29]. المرء يرى نتائج أفعاله: الخيرَ خيرا، والشّرّ شرّا. والله تعالى من فرط رحمته وكرمه يضاعف للإنسان جزاء الحسنة أضعافا مضاعفة، ويزيد المحسن خيرا من فضله[30]. أمّا السّيّئة فلا يكون جزاؤها إلاّ مثلها. الله تعالى أخذ على نفسه عهدا بذاك إذ قال: “من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسّيّئة فلا يجزى إلاّ مثلها”[31]، “”من عمل سيّئة فلا يُجزى إلاّ مثلها”[32]، “ومن جاء بالسّيّئة فلا يجزى الذين عملوا السّيّئات إلاّ ما كانوا يعملون”[33].

إنّ الله يؤكّد: “وما ربّك بظلاّم للعبيد”[34]، ويجزم: “نضع الموازين بالقسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا”[35]. هل يمكن أن نتصوّر، والموازين موضوعة بالقسط، أن يدفع الفاسد يدفع أكثر من درجات فساده، وأن يدفع المجرم يدفع أكثر من آثار جرائمه، وأن يدفع المخطئ أكثر من مجموع أخطائه. نعم إنّ الله تعالى يضاعف الحسنات عطاء ومنّة، ولكنّه لا يؤاخذ الظّالمين إلاّ بظلمهم فحسب. وهذا وحده يكفي لنقرّ بأن لا أحد يستأهل بأن يخلد في العذاب، فكيف إن كان الحاكم هو الرّحمان الرّحيم الّذي سبقت رحمته غضبه[36].

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

[1]في القرآن آيات كثيرة تثبت العذاب في الدّنيا، على سبيل المثال: البقرة، 85- الرّعد، 34- فصّلت، 16

[2] النّبأ 21-22-23.

[3] الأنعام، 128.

[4] يقول ابن عربي في تفسيره : ” إلاّ ما شاء الله أن تخفّف، أو ينجي منكم من لا يكون سبب تعذّبه شركاً راسخاً في اعتقاده”.

[5] تفسير الطّبري للآية 128 من سورة الأنعام.

[6] تفسير الجيلاني للآية 128 من سورة الأنعام.

[7] تفسير الزّمخشري للآية 128 من سورة الأنعام.

[8] محمّد بن إسماعيل الصّنعاني “رفع الأستار لإبطال أدلّة القائلين بفناء النّار”، بيروت/دمشق، منشورات المكتب الإسلاميّ 1984،  صص14-15.

[9] “إنّ الّذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب” النّساء، 56.

[10] “لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا” الإنسان، 13.

[11] وصفت العبارة أهل الجنّة أيضا، ولكن لا توجد آيات تشير إلى استثناء للبقاء في الجنّة.

 [12] البقرة، 80.

[13] “إذا النّفوس زوّجت” التّكوير، 7.

[14] البقرة، 167.

[15] المائدة، 37.

[16] القصص، 88.

[17] الأحقاف، 3.

[18] انظر “رفع الأستار لإبطال أدلّة القائلين بفناء النّار”.

[19] محمّد بن الطّيّب، الرّحمة والمحبّة والرّضا لدى الصّوفيّة، مجلّة التّفاهم، عدد 62، ص130.

[20] السّابق، صص129-130.

[21] محي الدّين ابن عربي،  فصوص الحكم، بيروت، دار الكتاب العربيّ (د-ت)، ص94.

[22] الإسراء، 59.

[23] فصوص الحكم، ص93.

[24] فصوص الحكم، 93-94.

[25] الرّحمة والمحبّة والرّضا لدى الصّوفيّة، ص128.

[26] ابن عربي في تفسير هود، 107.

[27] النّبأ، 26.

[28]  الرّحمة والمحبّة والرّضا لدى الصّوفيّة، ص130.

 [29]  الزّلزلة، 7-8.

[30] انظر على سبيل المثال: النّساء، 173، النّور، 38.

[31] الأنعام، 160.

[32] غافر 40.

[33] القصص 84.

[34] فصّلت، 46.

[35] الأنبياء، 47.

[36] “إنّ رحمتي سبقت غضبي”، حديث نبويّ ورد في صحيح البخاري.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete