تكوين
أثبت انهيار الاتحاد السوفياتي في الربع الأخير من القرن المنصرم، بكل جبروته العسكري وآلته البيروقراطية أن إلغاء الديمقراطية أو تعليقها تحت أية ذريعة أو مُبرر أيديولوجي، تكون نتيجته الحتمية سقوط الديمقراطية والأيديولوجيا معًا.
فلقد بات من بدهيات ثقافة العصر أن الحرية ليست فقط بُعدًا من أبعاد الإنسان أو خاصة من خاصياته، يمكن نزعها عنه أو تعليقها أو المساومة عليها، وإنما هي جوهره الواجب الوجود، دونها تسقط كل القيم الأخرى، تسقط كل المُبررات، يسقط الإنسان ذاته.
هذه حقيقة تراود أذهان كل المثقفين العرب في هذه المرحلة، إذ تتسارع التطورات في العالم والمنطقة العربية وتساور الشكوك كل المسلّمات السائدة والقيم السابقة.
وتجد شريحة واسعة من المفكرين في غياب الديمقراطية السياسية والاجتماعية السبب الأساسي للتقهقر المزمن والمتلاحق الذي أحاط بالقضايا العربية منذ أواسط القرن الماضي، فخسارة فلسطين عام 1948 وهزيمة حزيران (يونيو) 1967 وانزلاق التوجه العربي إلى القبول بوجود دولة إسرائيل من دون أن يتحقق مشروع الدولة الفلسطينية، وذُروة هذا التقهقر كانت في الحرب الأهلية التي انفجرت في لبنان سنة1975 ومن ثم الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 واحتلال صدام حسين للكويت عام 1990 وما تبع ذلك من كوارث إنسانية واقتصادية. وفي الربع الأول من هذا القرن وعلى مدى سنوات انفجرت انتفاضات في كثيرٍ من الدول العربية فيما عُرف بالربيع العربي، كان لها ما لها من التداعيات السلبية على الاقتصاد والسياسة والمجتمع.
كل هذه الأحداث التي تنوءُ الذاكرةُ العربية بآثارها المأسوية، كان يمكن ألا تحصل لو أن الإنسان العربي يتمتع بحد معقول من المشاركة في صُنْع القرارات السياسية والتاريخية ولولا الانفصام القائم بين السلطة الحاكمة وجماهير الشعب في أكثر الأقطار العربية. فكيف للإنسان العربي أن ينتصر في مواجهات لم يكنْ له فيها خيارٌ ولا رأي ولا هو حدّد زمانها ومكانها؟ وكيف له أن يُجاهد في سبيل قضية لا يؤمن بها أو أن يُخْلِصَ لقيادة يشعر أنها تُذلّه ولا تبالي بقيمته الإنسانية؟
هذه التساؤلات المُقلقة بدأت توقظ الفكر العربي من سباته الطويل وتضعه وجهًا لوجه أمام حقيقة التحولات الكونية في الربع الأخير من القرن الماضي. فإذا كان للإنسان العربي أن يلحق بفكر العصر ونهضته وأن يحقق إنسانيته وأن يَعْبُرَ إلى حضارة المستقبل، فليس من سبيل أمامه سوى توفير الحد الأدنى من الحريات والحقوق الديمقراطية التي من دونها لن تتحقق لأي إنسان كرامة ولن تكون له قيمة. لقد صار الربط بين الهزائم العربية المتلاحقة وغياب الديمقراطية السياسية والاجتماعية في العالم العربي من كلاسيكيات الفكر العربي بعد هزيمة حزيران (يونيو)1967، فأعيد التركيز على حقوق الإنسان الديمقراطية وضرورة الارتقاء بالمجتمع إلى المجتمع المدني، مجتمع المؤسسة والدولة الحديثة.
وعادت تُطرح على بِساط البحث إشكاليةُ الحرية والتقدم التي شغلت الحيّز الأكبر من اهتمامات فكر النهضة العربية الحديثة وانصبّ الاهتمام من جديد على تعريف الديمقراطية، فظهرت في الفكر العربي المعاصر دراسات متعددة تتناول مسألة الديمقراطية في المجتمعات العربية والإسلامية، وحفلت الدوريات العربية بأبحاث مطوّلة في إشكالية العلاقة بين الديمقراطية وتخلّف المجتمع العربي، وعُقدت في الثمانينيات من القرن الماضي وَحْدها ثلاثُ ندوات مُهمة خُصِّصَت للبحث في مقاربة الفكر العربي للديمقراطية المعاصرة، أولاها ندوة “التجارِب الديمقراطية في الوطن العربي” في المغرب عام 1981 ،وثانيتها ندوة “أزمة الديمقراطية في العالم العربي” في قبرص عام 1983، وثالثتها ندوة “التعددية السياسية والديمقراطية في الوطن العربي” في عمّان عام 1989 .
وعَقَدَ “مركزُ دراسات الوَحْدة العربية” حلقة نقاش في القاهرة عام 1990 لدراسة المستوى الذي وصلت إليه المراجعات العربية الراهنة لمفهوم الديمقراطية. خرجت هذه الندوات والنقاشات بنتيجة واحدة، وهي أن الإنسان العربي الذي يفتقد حقوق المواطنة وحقوقه السياسية في أكثر الأقطار العربية غير مهيأ لصدّ مسلسل الهزائم العربية من نكبة فلسطين إلى كارثة الخليج.
إن تحرير الأمة العربية يبدأ بتحرير الإنسان العربي وتحرير الإنسان العربي يبدأ بحصوله على حقوق المواطنة في كل مجتمع مدني ديمقراطي قائم على المساواة السياسية والعدل الاجتماعي. فالديمقراطية كما يرى محمد عابد الجابري “ما تزال تحتاج إلى تأسيس في الوعي العربي المعاصر، ما تزال في حاجة إلى جعلها تتحول، داخل الوعي العربي، من قضية تحيط بها شكوك إلى قناعة لا تتزعزع مثل قناعة العقل بالضرورات البدهية”
أما السبب الرئيس في بقاء الديمقراطية غير مؤسسة في الوعي العربي، فهو ما يشوب المؤسسات السياسية من عيوب تجعل الإنسان العربي أقرب إلى الكفر بها منه إلى الاندماج العضوي فيها واعتبارها جزءًا أساسيًا من حياته اليومية والوطنية. فالانتخابات النيابية تتعرض للتشويه والتزوير ما يجعلها دون المستوى الذي يتطلبه تطبيق النظام الديمقراطي تطبيقًا سليمًا. وأنّى للنظام البرلماني أن يطبّق تطبيقًا سليمًا في حين لا تزال الأمية في استشراء والبؤس الاجتماعي في تفاقم وازدياد. فقد دلّت احصاءات الأمم المتحدة إلى ارتفاع نسبة الأمية في أكثر الأقطار العربية كما دلّت أيضًا إلى تخلّف المستوى الثقافي والإعلامي في العالم العربي على أساس الاستهلاك الضئيل للمنتج الفكري عن طريق وسائل الاتصال والتواصل. وإذا أخذنا في الاعتبار واقع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، نلاحظ أن التفاوت الاجتماعي والاقتصادي ظاهرة ملموسة حيث الاختلال الواضح في توزيع الثروة وفي الأوضاع المعيشية، فالبلدان العربية تنقسم إلى فقراء وأغنياء وغياب أو شبه غياب للطبقة الوسطى.
ومن هنا نجد أن غالبية العرب من الفقراء والذين يعيشون على حافة الفقر ومن دون مستوى الكفاف. فكيف يستطيع هؤلاء المشاركة في الحياة السياسية في حين هم محرومون من معرفة ما يجري في أوطانهم بسبب الأمية وفقدان وسائل الإعلام وانهماكهم في الصراع من أجل القوت. إن المشاركة السياسية الحقيقية تقتضي انتشار الثقافة الديمقراطية وتنوع مصادر المعلومات والمساواة في حقوق المواطنة على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية. وهذه كلها غير مؤمّنة للإنسان العربي. واذا أخذنا في الاعتبار وحدانية الإعلام السلطوي في أكثر الأقطار العربية، وأن غالبية سكان الوطن العربي ينتمون إلى الأرياف ويعملون في الزراعة والرعي وأن خبرات هؤلاء تتحدد بحدود القرية أو القبيلة، نفهم حقيقة اللا مبالاة الشعبية إزاء عملية الانتخابات والتصويت على القرارات السياسية، ويتأكد لنا وجود أزمة مشاركة حقيقية تكرّس لا ديمقراطية العلاقات الاجتماعية في المجتمع العربي، بدءًا من الأسرة والمدرسة وصولًا إلى المؤسسات السياسية والاجتماعية مما يجعل الانتخابات تتسم بالطابع الموسمي وعدم الفاعلية، ويكون القرار الحاسم للسلطة بأجهزتها الفوقية والبيروقراطية، وتكون الانتخابات والاستفتاءات في نهاية الأمر صورة خادعة لتغطية هذا القرار بديمقراطية زائفة وغير واقعية.
ولا تُمَثِّلُ الأحزابُ في العالم العربي تعبيرًا حقيقيًا عن الديمقراطية السياسية والاجتماعية فقد نشأت وتكوّنت في كنف شرائح اجتماعية محددة، وترعرعت على هامش السلطة السياسية والعسكرية فجاءت في الغالب مُعبّرة عن تطلعات السلطة وردود فعل الشرائح المنتمية إليها. وليس من المستغرب ما يظهر من ترابط في أكثر الأقطار العربية بين الحزب والسلطة والجيش كما أنه ليس من الصعب ملاحظة انتشار الأحزاب المركّز في أوساط الأقليات القومية والدينية والعشائرية والسلالية، فيأتي الحزب ليكون تنظيمًا لمصالح هذه الفئات وطموحاتها. فالأحزاب في العالم الثالث كما يقول إسماعيل صبري عبد الله “كانت في الواقع محض غطاء لنزعات قبلية أو اتجاهات عشائرية أو اقليمية، أو غطاء لزعامة شخصية. والحزب يمكن أن يكون اسمه الحزب الديمقراطي الثوري، وحقيقته أنه يعبّر عن قبيلة معينة أو عن عشيرة معينة أو عن إقليم معين”.
كما أن الغطاء الأيديولوجي الذي تتستر به الأحزاب والشعارات الديمقراطية التي تتخفى وراءها، سرعان ما يُبددها الوصول إلى السلطة فتكشف القناع عن وجهها الحقيقي وتمارس ديكتاتورية قد تكون أفظع من الديكتاتوريات التي أطاحتها.
والأحزاب في العالم العربي حتى تلك التي لم تصل إلى السلطة، تعاني أزمةً ديمقراطية داخلها. فهي تقمع الآراء المعترضة ولا ترحّب بالحوار وتمارس الديكتاتورية على أعضائها وقد تلجأ إلى التصفيات الدموية للخارجين عن سيطرة القيادة الحزبية وتكرّس عبادة الفرد. هذه الحقيقة يؤكدها استمرار عدد كبير من القيادات الحزبية العربية في قيادة أحزابهم عشرات السنين أو حتى يوافيهم الأجل. وفي أكثر الأحيان تتسم الانتخابات الحزبية بالصورية والإخراج المبرمج الذي ينتهي دائمًا بتجديد الولاء والمباركة “للقيادة التاريخية”.
والدولة في العالم العربي هي الأخرى مَظهر من مظاهر أزمة الديمقراطية. فالنخب التي تعاقبت على السلطة منذ رحيل الاستعمار عن الأرض العربية سعت دائما في الحد من تأصيل الديمقراطية وعملت على احتواء المد الديمقراطي بطريق أو بآخر. والدولة الحديثة التي نشأت في الأقطار العربية في مرحلة الاستعمار واستمرت بعد زواله، بمؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، عملت على احتواء المجتمع والهيمنة عليه مما جعل “التجرِبة الديمقراطية فيها تجرِبة تمارسها الدولة على المجتمع لمراقبته، وليس وسيلة تمكّن المجتمع من مراقبة الدولة” على حد تعبير محمد عابد الجابري. ودولة العسكر أو دولة الثورة التي جاءت بهدف إنشاء الدولة الوطنية، القادرة على مواجهة الاستعمار والصهيونية وتحقيق الاستقلال الاقتصادي وتحرير فلسطين عملت بدورها على تحجيم الديمقراطية مُستعملة أجهزتها العسكرية والمخابراتية للإمساك بكل مؤسسات المجتمع المدني. والدولة التقليدية عملت على إبقاء المجتمع وإعاقة نمو مؤسسات المجتمع المدني. والدولة شبه الديمقراطية، شبه الليبرالية، التي اعتمدت نهجًا من مناهج الديمقراطية لجأت في أحيان كثيرة إلى تحريف في المضمون الديمقراطي وتجاوزه.
إن النتيجة الحتمية لواقع الديمقراطية المأزوم في العالم العربي، هي الغياب الكلي أو الجزئي لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية. والشكوى ترتفع في أكثر من قطر عربي من اختفاء أشخاص وعدم معرفة أي شيء عن مصيرهم، أو تصفيتهم في وطنهم أو مهجّرهم. وتطال الشكوى أحكام إعدام نتيجة محاكمات غير مستوفية الشروط وأعمال تعذيب وانتهاك أعراض خلافًا للقيم العربية التي كانت تصون المرأة وتحافظ على الطفل وتحترم الشيوخ. وتسمع في العالم العربي شكاوى من عدم احترام الحرية الشخصية والحياة الخاصة للأفراد ونزع الجنسية خلافا لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كرّس هذه القيم وأعطى كل مواطن الحق في حماية القانون من مثل هذه التعديات.
أم المساواة بمعنى أن كل الناس “لهم الحق في حماية متساوية ضد أي تمييز” كما جاء في المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن أقطارًا عربية لا تحترم هذه الحقوق وتمارس التمييز بين مواطنيها تِبعًا لانتماءاتهم القومية أو الدينية أو المذهبية أو السياسية. أما حرية الرأي والتعبير، فإن المواطن العربي محروم منها في أكثر من قطر وهو محروم كذلك من تكوين الرأي بحجب المعلومات عنه. وجميع الدساتير العربية بلا استثناء تُجيز تقييد حرية الإعلام والصحافة في حالات الطوارئ، وتعكس ترددًا واضحًا في الاقرار الكامل بحرية التعبير. فالصحف في بعض الأقطار تُصْدِرُها السلطة أو تَصْدُرُ بإشرافها وتحت هيمنتها. ولا تتمتع كل القوى السياسية بحق إصدار صُحف تعبّر عن رأيها. أما حرية تكوين الأحزاب والنقابات وحرية التجمع السلمي، فغير مؤمنة ويفتقد العمال في كثير من الأقطار العربية لحقوقهم في الضمانات الاجتماعية في حالات البطالة والعجز والشيخوخة. ولا تتأمن للإنسان العربي في كثير من الحالات محاكمة نزيهة وعادلة، فيجد نفسه أمام محكمة مكوّنة من السلطة التنفيذية. ومن مظاهر الإخلال بحقوق الإنسان في العالم العربي ما يمارس من تمييز بين المرأة والرجل.
ولعل ما جاء في تقرير لرابطة الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية في العالم العربي أواخر القرن الماضي، خير تعبير عن معاناة الإنسان العربي. قال التقرير “إن وضع الحريات السياسية للإنسان والمواطن في بعض الدول العربية مأسوي. الحرية الفردية يضرب بها عرض الحائط والحريات الجماعية لا تصان. الرقابة مفروضة، وحرية التعبير لا تمارس إلا سرًا. وعندما يعتقل رجل فإن زوجته وأمه وإخواته يحتجزن لاستجوابهن. ويصبح على زوجات السجناء السياسيين أن يواجهن الموقف بمفردهن”. والنتيجة التي خَلُصت إليها ندوات حقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان بالاشتراك مع اتحاد المحامين العرب، جعلت من حقوق الإنسان شرطًا ضروريًا للتقدّم والوَحْدة إذ رأت “أن حقوق الإنسان التي نصّ عليها في معظم الدساتير ونادت بها الشريعة الإسلامية، لا تزال تنتهك في الأقطار العربية، وأن المواطن يدفع ثمن كل هذا. ولذلك فإن حصول المواطن العربي على حقوقه كاملة صار واجبًا لا يحتمل المساومة لتحقيق التقدم والوَحْدة”.
إن الأوضاع الخطيرة التي يجد الإنسان العربي نفسه اليوم في صميمها، مُحاطًا بعالم يجدّ كله في طلب الحرية والديمقراطية، لا يستطيع أن يستمر في واقعه الحالي. فالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ليست نبتة غريبة ندعو إلى غرسها في الأرض العربية، بل هي على العكس تمامًا شجرة أصيلة جذورها في أعماق تاريخنا وتراثنا وشرائعنا التي مجّدت الإنسان وقدّست حريته وكرامته وحضّته على الثورة والجهاد في سبيل حقوقه الإنسانية. إن الديمقراطية عندنا ليست ضرورة تاريخية فحسب، إنها ضرورة قومية، ضرورة وجودنا بالذات. فهل نبقى على ما نحن عليه ونُوْصِدُ الباب في وجهها؟!