تكوين
الكلام على الديمقراطية في السياق العربي أخذ حيّزاً كبيراً من الجدل والنقاش تردّدت أصداؤه على مدى سنين وفي مناسبات شتّى. يهمّ هذا المقال أن يتوقّف عند رؤية الجابري للديمقراطية وكيفية اعتبارها حلّاً واقعيّاً قابلاً للتطبيق على عكس العلمانية.
ما هو تصوّر الجابري للديمقرراطيّة وبمَ يربطها؟ ما هي تجليات الديمقراطية والعدالة؟ في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية لماذا رفض الكلام على العلمانيّة معتبراً أن الديمقراطيّة هي الأنسب؟
الديمقراطيّة والمدينة
يلفت الجابري الانتباه إلى العلاقة بين كلمة “police” اليونانيّة وكلمة “politique”، فيعتبرها علاقة نسبة. فكلمة سياسة أي “politique” تعني تدبير شؤون المدينة، لذا كانت الكلمتان، أي المدينة وتدبيرها السياسيّ، تشكّلان عنصرين متلازمين في التصوّر اليوناني للمدينة. من هنا كان العضو الذي تحتويه المدينة يدعى “citoyen” بالفرنسية، أو “citizen” بالانجليزية. أما الترجمة العربية بكلمة “مواطن” فهي بالنسبة إلى الجابري غير دقيقة، لكن يتمّ القبول بها، نظراً إلى غياب البديل. يشير في هذا السياق إلى “أن “المواطن” بالمعنى اليوناني الروماني للكلمة يتحدّد معناه، لا بانتمائه إلى وطن، بل بكونه يتمتّع بحق المشاركة السياسيّة، حق المساهمة في تدبير المدينة وتسيير شؤونها. وبعبارة أخرى: “المواطن”، بالمعنى اليونانيّ للكلمة، هو الذي يتكلّم ويناقش الشؤون العامة التي تخصّ المدينة”.[1]
من هنا تبدأ عملية التفاعل في المجال العام، وهي ترتكز بشكل أساس على النقاش والمحاججة، أي على ما يشكّل قاعدة التفلسف في المفهوم اليوناني. إن الفلسفة هي التي توفّر الإطار السليم لفعل المشاركة السياسيّة وللديمقراطية على وجه الخصوص لأنها تسهّل عمليّة النقاش والحوار والجدل من أجل التوصّل إلى أفضل تدبيرٍ لشؤون المدينة. فالعودة إلى الفلسفة بالنسبة إلى الجابري “يفرضها فشل التدبير الذي تمّ بدون حكمة فأدّى إلى الأزمة“. فالمناقشة الحرّة تؤمّن السبيل من أجل التوصّل إلى الرأي الأفضل الذي يجب الاعتماد عليه في إدارة شؤون المدينة. لا شيء مفروض من الخارج يتمّ تبنّيه وتطبيقه، إنما الأمر يتعلّق بمحصّلة يتوصّل إليها المتحاورون بعد الجدل والنقاش. “بكلمة واحدة، العودة إلى الفلسفة تقتضي ديمقراطية حقيقيّة”. نلحظ هنا أن الجابري يجزم بحزم بخصوص أهميّة الديمقراطية والسعي إلى تطبيقها في المجتمعات العربية الإسلاميّة المعاصرة قائلاً: “إما الديمقراطيّة الحقيقيّة التي تضمن حقوق الضعفاء والكادحين، وإما الطوفان المحق“.[2]
نلحظ هنا أن الجابري كان قد طرح مفهوم ابن رشد للسياسة ولتدبير المدينة في مجال التحدّث عن السياسة ومن ثم عن الأخلاق. كما أنه أشار إلى أن كثيراً من القيم التي روّجت لها الموروثات الثقافية “كانت قيماً سياسية أو ذات حمولة سياسية. (…) والحق أن الأخلاق والسياسة كانا مندمجين في الفكر القديم. (…) فصلاح الفرد (الأخلاق) كان من أجل صلاح الجماعة السياسية (الدولة)“[3].
تجدر الإشارة في هذا السياق إلى ان الجابري كان قد ختم عرضه لمضمون كتاب “الضروري في السياسة” لابن رشد بالتصريح بما يأتي: “إننا هنا لأوّل مرّة في الثقافة العربية أمام عملٍ متميّزٍ هادفٍ وأصيل، رصينٍ وشجاع“. ويشير إلى “أنه لأوّل مرّة – وأيضاً لآخر مرّة – يتمّ التعامل، في الثقافة العربية، مع المضمون السياسيّ لكتاب الجمهورية كما هو، بعيداً عن أيّة بطانة ميتافيزيقيّة (كتلك التي لفّه فيها الفـارابي)، وعـن منهج “المقابسات” و “سوق الأدب” الذي يقتطف عبارة من هنا وأخرى من هناك، مع تجنّب ما هو نقدي (…)“[4].
الديمقراطية والثقافة العربية الإسلامية
يشير الجابري إلى أن مفهوم الديمقراطية باعتباره يعني حكم الشعب للشعب، أو حكم الشعب نفسه بنفسه، كان يعتبر منذ اليونان على أنه نظام فوضوي، أو يؤدّي في النهاية إلى الفوضى، إذ لم يكن هو النظام الأمثل الذي يتمّ السعي إلى تطبيقه. وما ترجمة الفارابي لهذا النظام بعبارة “المدينة الجماعيّة” عندما أراد تلخيص رأي أفلاطون في الحكم الديمقراطي إلا دليل واضح على ترجمة تصوّر لم يكن مألوفاً في حينه في المجتمعات العربية الإسلامية. من هنا يسجّل الجابري ما يأتي: “إن “الحكم الجماعي”، أو حكم الشعب نفسه بنفسه، تصوّرٌ كان غائباً تماماً عن أفق التفكير السياسي في الإسلام، مما يسمح لنا بالقول إن الديمقراطيّة، بهذا المعنى، كانت من اللا مفكر فيه“.[5] لذا لم يكن هذا اللفظ حاضراً في السياق التداولي العربي، ولم يتمّ تعريبه كما حصل مع ألفاظ مثل جغرافيا وفلسفة وفانتاسيا، هذه الألفاظ التي دخلت إلى العربية ونُطِقَ بها مثل ما هي في أصلها اليوناني. كذلك لم يتمّ العمل على ترجمة الديمقراطية كما حصل مثلاً مع لفظَي المنطق والطبيعيات، وغيرهما من الألفاظ التي دخلت حيّز المفكر فيه تلبية للحاجة العمليّة إليها.
يتوقّف الجابري عند إبداء ملاحظة هامة بالنسبة إليه، تكمن في أن “غياب المعنى السياسيّ لكلمة “ديمقراطية” في نظام القيم السائد في الثقافة العربية الإسلامية لا يعني غياب مضمونها كقيمة أخلاقية عليا بوصفها الهدف الأسمى الذي يُراد بلوغه من خلال تطبيقاته السياسيّة“.[6] وهو يربط بالتالي بينها وبين العدالة التي تشكّل قيمة سامية يسعى إليها المجتمع عبر التاريخ. فالعدالة هي الهدف من خلال تطبيق النظام السياسي، إن كان ديمقراطيّاً أم غير ذلك، مثل ما تبيّن في كتاب الجمهورية لأفلاطون، وكتاب “آراء أهل المدينة الفاضلة” للفارابي. تحظى العدالة مكانة عالية في سلّم القيم الإسلامية، وما إطلاق المعتزلة على أنفسهم تسمية “أهل العدل والتوحيد” إلا خير دليل على ذلك، بالنسبة إلى الجابري. من هنا جاء انهمامه بمعنى العدالة داخل نظام القيم في الثقافة العربيّة الإسلاميّة، باحثاً عن إمكانيّة ربطه بمعناها المعاصر.
تجدر الإشارة هنا إلى أهمية العدل في نظام القيم ضمن إطار الفقه وعلم الكلام الإسلاميّين حيث أجمعت معظم الفرق على التمسّك به وجعله في أسمى مقام. لكن في الوقت عينه، لم يُطرح مفهوم العدالة السياسيّة الذي يلازم الديمقراطيّة بالمعنى المعاصر، لا في خطاب الفقهاء ولا في خطاب علماء الكلام، طرحاً مباشراً. يلفت الجابري الانتباه إلى أنه لا مفهوم العدل ولا مفهوم الشورى قد تمّ التطرّق إليهما بالمعنى السياسي والدنيويّ، على الرغم من أن القرآن كان قد نوّه بالشورى وأوصى بها، كما أنه كان قد أمر بالعدل بصريح العبارة. طبعاً، اهتمّ كلّ من المعتزلة والأشاعرة بالعدل إنما بالمعنى الأخروي للكلمة، أي بما يتعلّق الثواب والعقاب، بعيداً عن المنحى السياسي الدنيوي.
يعلّل الجابري عملية الابتعاد عن البحث في العدل بالمعنى السياسي والتغاضي عنه، فيجد أنه بسبب احتلال الخليفة أو الأمير الفضاء السياسيّ بمفرده، فلم يكن هناك من مجال للاعتراف بأحد فوقه سوى الله الذي كان الخليفة يحتكره واضعاً نفسه خليفة له. من هنا، “كانت السياسة تُمارس تحت مظلّة “الفضاء” الالهي”. فالسياسة كانت تتحرّك وتفعل باسم الدين مستخدمة مفاهيمه ومصطلحاته، “لأن عالم القرون الوسطى -في بلاد العرب والإسلام وخارجها- لم يكن يقبل ممارسة السياسة، ممارسة مباشرة، على صعيد التفكير والخطاب، وبالتالي لم يكن من الممكن أن تتبلور فيه مفاهيم سياسيّة تطرح مسألة الحكم طرحاً مباشراً”.[7]
ديمقراطية أم علمانية؟
يرى الجابري أن العلمانية “فكرة مرتبطة أصلاً بوضعية خاصة، وضعية المجتمع الذي تتولى فيه الكنيسة السلطة الروحية: المجتمع الذي يكون فيه الدين مبنياً لا على العلاقة المباشرة بين الإنسان والله، بل على علاقة تمرّ عبر “رجل الدين”، (…)“[8]. ان هذا الأمر غريب تماماً عن الإسلام حيث ان العلاقة بين الإنسان والله مباشرة لا تعترف بأي وسيط، وحيث لا نجد سلطة روحية في مقابل سلطة زمنية. من هنا “ان غياب الكنيسة في الإسلام يجعل شعار العلمانية شعاراً غير استراتيجي في أي خطاب يطرح قضية العلاقة بين الدين والسياسة في المجتمع الإسلامي. ذلك لأنه لا وجود لمؤسّسة دينية يمكن أن ينصرف إليها وحدها خطاب العلمانية، كما كان الشأن في أوروبا.
في الإسلام هناك الدين وهناك الجماهير، وليس هناك وسيط آخر غير “السياسة”[9].
من هنا، وانطلاقاً ما تقدّم، اعتبر الجابري أن طرح شعار العلمانية في المجتمع الإسلامي غير مبرّر وغير مشروع، وبالتالي لا معنى له. إن هذا الطرح يعود، بالنسبة إليه، إلى الرغبة بتحقيق الاستقلال عن الأتراك من أجل تأسيس دولة عربية واحدة، وهو كان قد تبلور في البداية على يد مفكرين مسيحيين في منتصف القرن التاسع عشر، ومن ثم عبّر عنه بعض المفكرين العرب الذين نادوا بالاستقلال عن الأتراك. لقد ارتبطت العلمانية بشكل عضوي بالاستقلال والوحدة في سبيل تحقيق دولة عربية في المشرق متحرّرة من السلطة العثمانية.
لفت انتباهنا ما أشار إليه الجابري وهو يفيد بأن العلمانية لم تُطرح في المغرب العربي، إنما في الأقطار العربية التي تضمّ أقليات دينيّة بخاصة مسيحيّة، من أجل تفادي حكم دين الأغلبية. لذلك نجده يرى أن مسألة العلمانية “مزيّفة” في العالم العربي لأنها “تعبّر عن حاجات غير متطابقة مع تلك الحاجات”. إن ما تحتاجه الأقطار العربية يكمن في ممارسة الديمقراطية التي تحترم حقوق الأقليّات، وفي ممارسة العقلانيّة السياسيّة. إن في ذلك حاجات موضوعية، ومطالب معقولة، لكن التعبير عنها بشعار ملتبس كالعلمانية، أمرٌ يفقدها معقوليّتها.
لقد أكّد الجابري على “أنه من الواجب استبعاد شعار “العلمانية” من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعارَي “الديمقراطيّة” و”العقلانيّة”، فهما اللذان يعبّران تعبيراً مطابقاً عن حاجات المجتمع العربي: الديمقراطية تعني حفظ الحقوق: حقوق الأفراد وحقوق الجماعات، والعقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية عن العقل ومعاييره المنطقية والأخلاقية، وليس عن الهوى والتعصّب وتقلّبات المزاج”[10].
يهمّنا أن نشير هنا إلى أن العلمنة بمعناها الواسع لا تتناقض مع الديمقراطية والعقلانية، إنما على العكس، فهي ترتكز عليهما وتسعى إلى تدعيمهما. من هنا يمكن القول إن استبدال استخدام مصطلح العلمانية بالديمقراطية والعقلانية كما فعل الجابري قد يكون نوعاً من “استراتيجيّة نقدية” تمرّر المضمون نفسه بحلّة مغايرة، وتحت ستار مقبول جماهرياً ونخبوياً. نلحظ هنا أن هاجس إمكانيّة القبول وكيفيّة تلقّي الخطاب كان حاضراً باستمرار في ذهن الجابري، حين ما كان يعمل على تحقيق هدفه في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من القرّاء بلغة وأسلوب مقبولين، إلى حدّ ما، من قبل الأكثرية. فالذي يتأمّل مليّاً في معنى الديمقراطية ومضمون العقلانية يجد أن العلمنة حاضرة بقوّة في كلّ منهما، لا بل هي إحدى شروط تحقّقهما.
رجّح الجابري بكل وضوح كفّة الديمقراطيّة على العلمانيّة واعتبرها “قيمة القيم”، فأشار إلى إمكانيّة أن يتمّ تأسيس فقهٍ سياسيٍّ جديدٍ عليها، مما يجعل الشورى أمراً ملزماً. كذلك اعتبر أنه يمكن العمل على نقل مفهوم “العدالة” “من الآخرة إلى الدنيا ويحرّره من قيود الطاعة للأمير ومن هاجس المماثلة بين نظام الطبيعة ونظام المجتمع ويقطع الصلة بين النظامين، باعتبار أن الطبيعة ميدانٌ للحتميّة وأن المجتمع ميدانٌ للحريّة”.[11]
في الختام، يبقى السؤال: هل ما تعاني منه المجتمعات العربية الإسلامية المعاصرة يمكن حلّه من خلال التشديد على العقلانيّة والديقراطيّة، مع تجنّب الكلام على العلمانيّة؟ ألم تكن كافية تلك السنوات التي مرّت بعد كلام الجابري لكي تكشف لنا أنه لا كلامه على الديمقراطية والعقلانيّة، ولا كلام غيره على العلمانية، وفصل الدين عن الدولة، كان من شأنه أن يلعب الدور الأساس في الخروج من المآزق المتعدّد والمتتالية التي وقعت فيها تلك المجتمعات؟
تجدر الإشارة في نهاية هذا المقال إلى جوهر ما توصّل إليه الجابري عندما أنهى مشروعه النقدي للعقل السياسي العربي، فاختصره بالقول الآتي: “وإذن لم يعرف الفكر الإسلامي، في الميدان السياسي، إلا ميتولوجيا الإمامة والايديولوجيا السلطانية (…) إن نقد العقل السياسي العربي يجب أن يبدأ من هنا: من نقد الميتولوجيا ورفض مبدأ “الأمر الواقع””[12]، هذا المبدأ الذي كرّسته الإيديولوجيا السلطانية الموروثة عن الفرس.
كما أنه خلُص إلى إعلان غرق العقل السياسي العربي في نهاية المطاف بالميثولوجيا، وبالأدبيات السلطانية المنقولة عن الفرس، مطالباً بنقد هذه النهاية ببُعدَيها الاثنين، أي ميتولوجيا الإمامة والإيديولوجية السلطانيّة، وداعياً إلى تحويل محدّدات العقل العربي الثلاثة التي توقّف عندها وهي القبيلة والغنيمة والعقيدة : فالقبيلة يجب أن تصبح تنظيماً مدنياً سياسياً اجتماعياً، والغنيمةُ اقتصادَ ضريبة، والعقيدةُ مجرّدَ رأي وحسب.
نرى أن هذه الخاتمة التي توصّل إليها الجابري، بعد أن قادته محطّات البحثُ النقديُّ إليها، تبقى صالحة للتفكّر الفلسفي وللأخذ بأبعادها المؤدّية إلى النقد والتجديد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1] – محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1997، ص 13.
[2] – محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، م.س. ص 16.
[3] – محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1 2001، ص 27.
[4] – محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، م.س. ص 392.
[5] – محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، م.س. ص 71.
[6] – محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، م.س. ص 71.
[7] – محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، م.س. ص 75.
[8] – محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1 1996، ص 109.
[9] – محمد عابد الجابري، مجلة فكر ونقد، السنة الأولى، العدد 9 (أيار/مايو 1998)، ص 12 – 13.
[10] – محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، م.س. ص 113.
[11] – محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، م.س. ص 80.
[12] – محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1 1992، ص 362.