تكوين
- بديلٌ منتَظرٌ ولكنْ…
في قلْب التحوُّلات التي يشهدُها العالم العربي والإسلامي، ومع تنامي الظاهرة الأصولية في شِقِّها الراديكالي، يغدو البحث عن بدائل للتديُّن الأصولي ضرورة مُلحَّة تفرِضها ضرورات العصر، وحجْم الإشكاليات التي تعترض تطبيق التوجُّه السلفي، خاصة في سياق حداثي متحوِّل يجتاح كل زاوية من زوايا التفكير الإنساني. لم يعُدْ سؤال التجديد والإصلاح والبديل الحضاري سؤالا يبحَثُ لنفسه عن وجود مترَف، غايتُه تنظيم مؤتمرات، أو ندوات أو مراكز بحثية، أو دراسات محْكَمة تقتضي تفكيك العقل الأصولي. وإنما تحوَّلَ هذا السؤال إلى غاية قصوى تنحُو إليها الأنظمة السياسية، والمتدخِّلين في الشأن الثقافي والفكري، لعل جهودها تظفَر بتحقيق ما عجَزَ عنه كثيرون على مدار قرون طويلة، وهو إيجاد صيغةٍ إنسانية ينعَمُ فيها الإنسان بصيغة من التديُّن تضْمَنُ له علاقة جيدة مع الله، لكنها تُوَفِّر له الأرضية أيضا للعيش المشترَك، والتواصل بالآخر، والبِناء الحضاري المنشود، أو المفقود على حدٍّ سواء.
لن نكون مُبالغين إذا قلنا بأن أحد تجليات هذه الصيغة هو ما سُمِّي بـ “الوجودية الدينية”، أي الجمْعُ بين التركيز على الإرادة والحرية الإنسانية في اتِّخاذ القرارات، وبين الدَِين بوصفه مُكوِّنًا أساسيًا من مكوِّنات الثقافة الإنسانية على مدار التاريخ. وحينما نستحضر هذا المفهوم “الوجودية الدينية” فإنِّنا نتذكَّرُ الرَّائد الكبير للوجودية، والأب الحقيقي لهذا التوجُّه، وهو الدِّنماركي البروتستانتي سورين كييركيغارد، الذي أسهمَتْ أفكارُه وفلسفتُه في بلْوَرةِ الشِّق الوجودي الديني في أبهى تصوُّراته، رغم أنَّ كثيرًا من الباحثين يربِطون الفكرة الوجودية بالأرضية المادية التي ازدهرَتْ في ضوئها هذه الفلسفة، مع أن اللاهوت البروتستانتي في القرنين 19 و20 تأثَّر بعُمقٍ بها واستوعب مفاهيمها في تجديد قراءته للنصوص المسيحية.
تُحيلنا يمنى طريف الخولي[1] في دراستها عن الوجودية الدينية، إلى أبرز ممثِّلي هذا الاتجاه هو رودلف بولتمان، الذي كان يرى العهد الجديد المسيحي يحمِل رسالةً وجوديةً أصيلة، قد شوهتها الأساطير القديمة. لهذا التشويه فقد دعا إلى “نزع الأسطرة”، أو تخليص العهد الجديد من رواسب هذه الأسطرة، وتفسير المسيحية وفْق رؤية وجودية تعتمد بالأساس على مفاهيم كبار الوجوديين مثل: مارتن هيديجر الذي طرح السُّؤالَ والّنسقْ المفهومي الوجودي، وسايرَه في ذلك كثيرٌ من اللاهوتيين مثل: فردريش جوجارتن وفريتس بوري، الذين رأوا أنَّ إحياء روح البروتستانتي مارتن لوثر يمُرُّ عبْر الفلسفة الوجودية.
كل هؤلاء اللاهوتيون انطلقوا من تأثيرات مستمدَّةٍ من الأصل الأوَّل لما سُمِّي بالوجودية الدينية والمتمثِّلة في سورين كييركيغارد، فقد وقف كارل بارت معارِضًا للاهوت الليبرالي، لكنَّه انطلق من تأثيرات وجودية مستمدة من هذا الأخير، حينما رأى أنَّ الإيمان يجب أنْ يبدأ من الله لا من الخبرة الإنسانية. وتبِعَه في هذا تيار واسعٌ من اللاهوتيين مثل: برنر، كلمان، روبنسون وغيرهم. أما بول تيليش الذي تمركزت دراسة يمنى طريف الخولي عليه، فيُعدُّ نموذجًا مثاليًا للتعبير عن هذا التفاعل بين الوجودية والدين، لأنه استطاع أنْ يمزِج مزجًا فاعلًا بين الوجودية بوصفه تيّارًا فلسفيًا، وبين البروتستانتية بوصفها مذهبًا مسيحيًا دينيًا. وبهذا المزج وهذا التفاعل حصَلَ تداخُلٌ مثيرٌ في تفسير التجربة الدينية وقضايا الإنسان المعاصر، متجاوِزًا بذلك النظرة التي قصَرَتْ الوجودية في الجوانب المادية، مُؤكِّدًا في الوقت نفسه بأنها أداة لاهوتية ضرورية لفهم مفاهيم مثل: القلق، الإثم، الاغتراب، والوجود الأصيل.
يبدو هنا أن الإشارة التي ألقَتْ بها يمنى طريف الخولي في دراستها عن الوجودية الدينية، تُفيدُنا في فهْم السياق الذي ظهَرَتْ فيه هذه الرغبة في المزْج بين الوجودية في أبعادها الإنسانية والفلسفية، وبين التجربة الدينية بوصفها مُكوِّنًا أساسيًا من مُكوِّنات الثقافة الإنسانية، سواءٌ في شِقِّها المسيحي مع الرُّواد الذين ذكرْناهم سابقًا وعلى رأسهم بول تيليش، أو في شقِّها الإسلامي كما سنرى مع بعض الكُتاب الذين جعلوا من تجربة كييركيغارد الوجودية نبراسًا لفهْم الدين، وفتْحِ الآفاق للتجربة الدينية، كي تكون أكثر إنسانية، في سياقٍ محمومٍ وموتورٍ بالتفكير السلفي والأصولي والمتطرِّف كما سنرى مع تجربة عبد الرزاق الجبران.
لكنْ ما يمْكننا تأكيده في هذا السياق هو أنَّ هناك علاقةٌ وتداخُلٌ كبير بين الوجودية والدين، خاصة في المراحل الأولى من التأسيس الوجودي، غير أن هذا الأمر سرعان ما سيعرِف تراجُعًا دراماتيكيا أمام موجة الوجودية المادية التي اشتهرَتْ وازدهرَتْ في منتصف القرن العشرين، والسنوات التي تلَتْ الحربين العالميتين: الأولى والثانية، والتي ستجعَلُ الاهتمام الثقافي يتحوَّل نحو القلق الفردي واليأس من الكيان الجمعي. وهكذا وجَدَ الإنسان ذاته أمام تيار فكري يقودُه فلاسفة أثَّروا في تكوين وعيٍ جديد بالفكر الوجودي، مع نيتشه وفلسفة المطرقة وهيدجر وفلسفة الوعي بالوجود الإنساني، ثم سارتر ورفاقِه في فرنسا عبْر صيغٍ أدبية جذابة، لكنَّها عبثية وعدمية أكسبَتْهُم جماهيرية واسعة.
-
لماذا وُلِدَتْ الوجودية على يد مفكِّرين دينيين؟
سؤالٌ يبدو للناظر أنه يحمِل تناقُضًا ظاهرًا بين تيار وجودي تعارف الناس على أنه تيار مادي ترعْرَع خارج الإطار الديني، وانتظمَ داخل منظومة فلسفية حاربَتْ الدين، والأخلاق، وكل السَّرديات المُطلَقة، وبين الدِّين بوصفه منظومةً متعالية في الزمان والمكان، لها قواعدُها الخاصة، وأدبياتها المُطلَقة. لكنْ إلى أيِّ حدٍّ يحِقُّ لنا طرْحُ هذا السؤال؟ وإلى أيِّ حدٍّ الإجابة عنه يمكِنُها أن توصِلنا إلى أنَّ الوجودية في بداياتها نشأَتْ من رحِمِ السؤال الديني والأخلاقي؟ ذلك ما سنحاول الإجابة عنه، ولكنْ بواسطة الإشارات التي جاءت في بحث للكاتب جابرييل مالانفون Gabriel [2]Malenfant وبالعنوان نفسه الذي انطلقنا منه:
لماذا وُلدت الوجودية على يد مفكرين دينيين؟
للجواب عن هذا السؤال يقترح علينا مالانفون أن الموضوع الأساسي والجوهري الذي تنطلق منه الفلسفة الوجودية هو الفرد الموجود، الملموس، الحي. أي أن مهمة الوجوديين الأولى هي الاهتمام بالحياة الإنسانية عمومًا، خاصَّةً ما يتعلَّق بالاهتمام بالحياة الإنسانية بوصْفِها سلسلة من القرارات والاختيارات الإنسانية التي تجعَلُ من الإنسان ذاتًا واعية، حرة، فريدة، ذات إرادة، ومسؤولة عن قراراتها. هذا المعنى هو نفسُه ما أشار إليه توماس آرفلين في كتابه الوجودية مقدمة قصيرة[3]، فهو يؤكد بأن سارتر في محاضرته الشهيرة عن الوجودية حاول توضيح جوهر الفلسفة الوجودية للناس، مستعينًا بأفكار كانط عن المبادئ العامة، ومشدِّدا على أن الحرية الحقيقية للفرد لا تتحقق إلا إذا كان الجميع أحرارًا. هذا الوضع يجعل من كل اختيار أخلاقي صورة عن الشخص الذي نريد أن نكونه، وفي الوقت نفسِه يحدد نموذج الإنسان الذي يجب أن يكون عليه. كأن سارتر عن طريق هذا التوجُّه الوجودي أراد أن يواجه الانتقادات الماركسية والدينية[4]، ويقدِّم فلسفة إنسانية تضع الإنسان في قلب الاهتمام، مع التركيز على حرية الفرد ومسؤوليته دون التضحية بها لأي قيمة «أسمى»، سواءٌ كانت الطبقة أو الإله.
يتابع مالانفون[5] القول بأن الوجودية كما عُرفت في أثناء الثلاثة أرباع الأولى من القرن العشرين لم تدُمْ سوى لحظة ضئيلة في تاريخ الفلسفة، لكنَّها رغم ذلك تركَتْ أثرًا عميقًا فيها. وقد تعدَّدَت الكتابات الوجودية بتعدُّد كُتَّابِها وتوجُّهاتهم الفكرية والأسلوبية، فكان هناك حضورٌ لافِتٌ للفلسفة والأدب والفكر والثقافة، وصار الفلاسفة الوجودية يمَثِّلون مزيجًا وتنوُّعًا ملحوظًا، يصعُبُ في بعض الأحيان التعرُّف عليه، أو الإمساك بالخيط الرَّابط بين كتاباتهم. على الرغم من أنَّ التيمة التي تُوَحِّدُ كل أعمالهم كانت هي الوجود الإنساني في صيغته الفلسفية. وإذا كان المنطلق الأساسي للكتابات والأعمال الفلسفية التي تبنَّتْ الخط الوجودي من ميرلو-بونتي إلى دريدا، ومن سارتر إلى ليفيناس، قد جعلَتْ من الوجود الإنساني مركز الاهتمام، فالعكس هو ما يراه مالانفون[6] إذ يؤكد في بحثه على أن الوجودية — رغم تنوُّع وجهات النظر التي تتكوَّنُ منها تجد أيضًا تماسُكًا بفضل نقطة منشأ معينة، هي سورين كييركيغارد (1813–1855). الذي يراه إمام عبد الفتاح إمام[7] رائد الوجودية، وهنا يلتقي إمام عبد الفتاح بمالانفون، الذي يرى بأن كييركيغارد هو الآخر نجح في تحديد حدود العقل البشري في علاقته بالعالم.
لكنْ لماذا نشأت الوجودية على يد مُفكِّرٍ شديد الإيمان؟ وعلى يد فيلسوف كان يرفُضُ أن يُسمَّى فيلسوفًا؟
يبدو أن الإجابة التي يقترحها مالانفون حول العلاقة المعقَّدة بين الدين والعقل، أو بالأحرى بين الدين والفلسفة، لا يمكن فهمُها إلا بالعودة إلى هِرمان كوهين، ذلك الفيلسوف اليهودي الألماني الذي حمل همَّا فلسفيًا يقِف به على تخوم ما بعد الكانطية وفلسفة الدين في آن واحد. وحينما نتحدث عن كوهين، أو نستعيد فلسفته وفق مالانفون[8] فليس الهدف فقط هو الادعاء بأن الوجودية نشأتْ في بداياتها في رحِمِ الدين، أو أن الفلاسفة الوجوديين كانوا مفكِّرين دينيين. لأنَّ من العبث الواضح أن نقول مثلًا بأنَّ سارتر أو نيتشه أو ألبير كامو كانوا وجوديين دينيين. بل إنَّ القصد هو الكشفُ عن الدور العميق الذي أدَّاه بعض المفكِّرين الدينيين في خلق الحساسية الوجودية، ومن ثمَّة استخراج صياغة نظرية تساعِدُ على فهْمِ المسألة الدينية في علاقتها بالفلسفة والوُجود الإنساني معًا.
فما طبيعة الظاهرة الدينية؟ وما المكانة التي يشغَلُها الدين داخل العقل؟
يرى كوهين أن الدين من الناحية التاريخية لا يعدو أن يكون مجرَّد تطوُّرٍ كبير ضمنَ مسارٍ عرفَتْهُ الإنسانية على المستوى الثقافي. لكنه في الوقت ذاته ليس ظاهرة تطوُّرية محضة قابلة للتفسير بواسطة العلوم التاريخية وحدها. لأن العلاقة القائمة بين الإنسان والظاهرة الدينية تتجاوز في أبعادها كل علاقة اختزالية أو قاصرة على فهْمِ الظاهرة الدينية، وهي علاقة معقدة ومتشابكة إلى الحد الذي يصعُبُ فيه التفسير والتحليل العلمي. فالدين أكثَرُ من تاريخ، وجغرافيا، وتفسيرات سطحية. هنا يبرُزُ دور الفلسفة بوصفها “علم العقل”؛ أي ذلك المنظور الذي يعتمد جهازًا مفاهيميًا ومعرفيًا يمكنُ أن يكون المنطلق الأساسي لفهْمِ أصل الظاهرة الدينية وجذورها. فالدين يظهَرُ، وفق كوهين، في اللحظة نفسِها التي يتكوَّنُ فيها الإطار التأمُّلي للعقل، ويُولَد معه ليكون ظاهرة ثقافية، لكنَّه ليس ظاهرةً لاحقة عليه أو مُتطفِّلةً على بِنيَته.
وانطلاقًا من هذا المنهج ما قبل-تاريخي، يستبْعِدُ كوهين كل ما يتَّصل بالحساسية والانفعال والعاطفة، إذ لا يمْكِنُ للدين أن يكون نابعًا من التجربة الحسية أو من الانفعالات، بل من العقل ذاته. وبهذا يكون كوهين طبق هذا المنظور قد وضَعَ حدًّا للنزعة الحداثية التي لم تَرَ أيَّ دورٍ للدين في الحياة الاجتماعية والثقافية للإنسان في عصر التنوير، بل كانت ترى منذ عصر الأنوار أن مستقبل الإنسان يجب أن يكون خاليًا من الدين لصالح المعرفة العلمية وحدَها. فإذا كان هناك رابطٌ ضروري بين الدين والعقل، فإن النظر إلى الدين نظرةَ خيال بشري محض أو أثر من آثار الانفعالات فحسب، ليس إلا إساءة للعقل ذاته. وهكذا يصبح الدين شقيقًا للعلم لا ضده، رافقه في مسيرته منذ بدايات تكوُّنِه الأولى، ويشتَرِكُ معه في الأصل العقلي نفسِه.
يطرَحُ أمامنا كوهين بسبب هذا الترابط الذي أحدثه بين الدين والعقل إشكالات كبرى يمكن التعبير عنها بصيغ مختلفة: إذا كانت الأخلاق مجالًا عقليًا أيضا وفق هذا الترابط الأخير، وكانت مسؤولة عن معالجة المشاكل الإنسانية في بُعدِها المعياري، فكيف يُمكِن للدين أن يحتفظ باستقلاله؟ هل يصبح الدين تابعًا للأخلاق؟ أم تتراجع الأخلاق بدورِها لتتنافس مع الدين داخل الحقل العقلي نفسِه؟
يرفُضُ كوهين كِلا الاحتمالين، ويرى بأن هناك سوءُ فهمٍ وتقدير لمجالَيْن يبدُوان أنهما متضادين، في حين أنهما يُمثِّلان منتهى الانسجام والتناغم. فالأخلاق والدين لا يتصارعان لأنَّهما يتناولان مستويين مختلفين من الوجود الإنساني. فالأخلاق، مهْمَا بلغَتْ من الدقة، لا ترى الفرد بوصفه فردًا، بل بوصفه جزءًا من “الإنسانية” بمعناها المُجرَّد. فالدولة مثلًا، مهْما حاولَتْ ربْطَ الفرد بالإنسانية بواسطة القومية أو التنظيم الاجتماعي، لا تستطيعُ إدراك الخصوصية الملموسة للذات الإنسانية. أما الدين، فإنه ينحازُ إلى التجربة الفردية، إلى العلاقة الحميمية بين “أنا” و“أنت”، ويُعيد للفرد فرادتَه الحقيقية. ووِفق هذا التصور، لا يكون الدين ندًّا للأخلاق، بل مُكمِّلًا لها. فبينما تهتمُّ الأخلاق بالمجموعة الإنسانية، يحفَظُ الدين خصوصية الإنسان الفرد. وفي مُقابِل الأخلاق التي تُجرِّدُ الإنسان من تجسُّده لتُعيده نموذجًا طاهِرًا للإنسانية، يُعيدُ الدين الاعتبار لكوْن الكائن البشري ليس ببساطة مثالًا عقليًا، وإنما ذاتٌ تتألم، تفرح، تخاف، وتعيش في عالم ملموس. ولهذا يرى كوهين أن الأخلاق لا تستطيع وحدها تأسيس فلسفة للوجود، لأن الوجود الإنساني أكثر تعقيدًا من أنْ يُختزل في مبادئ مِعيارية مُجرَّدة.
نحن هنا بإزاء مقاربة تستحقُّ منَّا التأمل من منظور كوهين، فرصْدُهُ لحدود الأخلاق العقلانية، يفتح الطريق لفهْمٍ جديد للعلاقة بين الإنسان والآخر. فالأخلاق، بقدْرِ ما تَبني مبادئها على العقل، تظلُّ غير شخصية، لأن صيغة “هو” و“أنا” التي تعتمد عليها تُلغي حضور الآخر بوصفه ذاتًا حيَّةً. أما الدين، فإنه يقدِّم صيغة “أنت”، الضمير الذي يمنَحُ الآخر وجودَه المباشر ويضعُني أمامَهُ في علاقة لا يُمكِن تهريبها إلى منظومةِ قواعد مُجرَّدة. وهذه الصيغة هي ما يجعَل العلاقة بيني وبين الآخر علاقة مسؤوليةٍ لا علاقة تصنيف.
يُمكِننا فهْمَ تصوُّر كوهين عن طريق المقاربة الرواقية لموضوع الأخلاق، وهي مقاربةٌ من شأنها أنْ تفتَحَ الأُفُقَ بطريق أوضَحَ للتعرف على القاعدة الأخلاقية كما يتصوَّرُها كوهين. فالمنهج الأخلاقي، رغم صرامته العقلية، لا يستطيع تجاهُل المُعاناة الإنسانية الواقعية. فعندما أقف أمام وجه متألِّم، لا أستطيع تحويله إلى معطى تجريبي أو إلى “حالة” تدخُل في حساب أخلاقي، لأن الوجه المتألم يقف أمامي مباشرةً، ويطالُني بوجوده قبل أنْ يطال عقْلي بمطالبَته بالمساعدة. وهنا تتكشَّفُ محدودية الأخلاق: فهي قادرةٌ على بناء قواعد عامة، لكنَّها عاجزة عن احتواء الوجود الفعلي للإنسان في لحظتِه الملموسة.
وقد يُذكِّرُنا تصوُّر كوهين في هذا السياق بما كتبه “لوك فيري” عن الرِّواقية، فالرِّواقيون، كما يشرَح فيري، حاولوا منذ اللحظة الأولى التأسيس لحياة أخلاقية قِوامُها الكوسموس أو الانسجام مع العقل الكوني، والقدرة على التصرُّف بأسلوب صحيح مهْما كانت الظروف. غير أنَّ هذا التصوُّرَ الرواقي، رغم تعاليه وصرامته، يعترف بأنَّ الأخلاق لا تبدأُ من المبادئ المجرَّدة، بل من التجربة الإنسانية المباشرة: من الألم، ومن الخوف، ومن الهشاشة التي يعيشُها الإنسان بوصْفِه كائنًا محسوسًا، قبل أنْ يكون عقلًا مجرّدًا. وهنا تظهر نقطةَ الالتقاء مع كوهين. فهذا الأخير، حين يتحدَّثُ عن الأخلاق، لا يؤمِن بأن ما يحكُمُنا فقط هو قواعد عقلية صارمة، بل على العكس من ذلك، يرى بأن المنهج العقلاني لوحده يكون قاصرًا حين نواجه تجربة بشرية مباشرة مثل رؤية وجه متألِّم في المثال الذي يسوقُه كوهين. فمواجهة الألم سابقةٌ عن كل تنظير أخلاقي، وكل تقعيد عقلي، فهي لحظةٌ لا يستطيع العقل أن يحوِّلها إلى “معطى” أو “حالة” ضمن تصنيف أخلاقي بارد. كأن الوجه المتألم لا يطلب منك أن تفكر، بل يطالبُك أن تستجيب، يخاطِبُك قبل أن يسمح لك بالرجوع إلى المبادئ. نحن هنا أمام لحظة اعتراف بأن الأخلاق لا تستمد شرعيتها فقط من العقل، بل من العلاقة الأولى والعارية مع الآخر.
إن ما فعله الرواقيون وفق رؤية لوك فيري، يشدِّدُ على أنَّ القيمة الأخلاقية لا تنبُع من العاطفة وحدها، ولا من القانون فحسْب، ولكنْ من اتِّحادٍ بين الحكمة والقدرة على مواجهة هشاشة الإنسان، والسعي الحثيث فيما يُسمِّيه لوك فيري بالحياة الطيبة. هناك غايةٌ أصيلة يسعى فيها الحكيم الرواقي هي أنَّه لا يتجاهل الألم، بل يحاول أن يفهمه ويضعُهُ في إطار يجعَلُ من عملية التحمل أمرًا مُمكِنًا بعد أن تستحيل في منظورات أخرى. لكنْ حتى داخل هذا الإطار الرواقـي، يعترف فيري بأن التجربة الإنسانية المباشرة تحتلُّ مرتبة أولى في بناء الحسِّ الأخلاقي، لأن الإنسان يكتشِفُ قيمتَهُ وقيمةَ غيره عن طريق الوجود الحيِّ، لا من خلال القاعدة المُجرَّدة.[9]
ينتقل بنا كوهين إلى فكرة أكثر عمقًا كما ينقل عنه ميلانفون في بحثه السابق: كيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع معاناة الآخر خارج منطق الحساب الأخلاقي؟
فبينما يسعى الأخلاقي في زيادة الرفاهية العامة أو تنفيذ قاعدة عقلانية، يواجه الإنسان المتديِّن الواقع بنهج مختلف؛ فهو يشعر بأن المعاناة التي يراها ليست فقط جزءًا من معادلة كونية، وإنما تجربة فردية حقيقية تفرض نفسها على وعيه. ومع ذلك، لا يعني هذا الانغماس في العاطفة أو الاستسلام للشفقة، بل يعني أن الدين يسمَحُ للإنسان بأن يضَعَ اتجاهه الأخلاقي كلَّه موْضع سؤال، وأن يُراجِع موقِعه داخل العالم قبل أن يستجيب للمبدأ. وبهذا المعنى، كان كوهين رائدًا سابقًا لبوبير وروزنزوغ وليفناس. فإذا كان الإنسان في المنظور الأخلاقي محض تُمثِّل للإنسانية العامة، فإن الإنسان في المنظور الديني هو الغير؛ هو الشخص الذي يواجهني بملموسيته، وبجسده، بولايته، وبحقيقته بوصفه فردًا. وحين أقول له “أنت”، فإنني أقول في الوقت ذاته “أنا”؛ لأن العلاقة بين الضميرين هي التي تمنحُني موقعًا ومسؤولية ومعنى.
هنا يظهر البون الشاسع بين ما يسمى ب “الله الأخلاقي” و“الله الديني”. فالأول هو الضامن للعقل الكوني، أو رمز للانتظام الأخلاقي كما تجلَّى في فلسفة كانط وديكارت، والثاني هو إله الفقراء والمتألمين، الإله الذي يتجاوز فكرة الحساب والعقاب، إلى فكرة الاستجابة لآلام الآخرين. ومن شأن هذا الفرق الجوهري الذي أحدثه كوهين، أن يُعيد صياغة الدين وَفْق رؤية أخرى، يصير فيها الدين قدرةً على تجسيد العلاقة بالآخر، لا بوصفه منظومة قوانين عليا توازي الأخلاق أو تتنافس معها. لهذا يرى كوهين أن الدين يسبق الأخلاق من الناحية المنطقية، لأن قول “أنت” سابق على قول “هو”.. وقد استلهم بوبير هذا المنظور، وبنى عليه فلسفته الحوارية التي ترى أن العلاقة الأصلية بين الإنسان والعالم والآخر والله تُصاغ كلها داخل زوج الضميرين: “أنا–أنت”. أما محاولة كيركيغارد عزل الحقيقة الدينية داخل الذات الفردية وحدها، فقد بدت لبوبير كأنها اختزال للعلاقة الدينية إلى تجربة داخلية خالصة، تهمل الطابع العلائقي للوجود[10].
-
إنقاذ اليوتوبيا الإسلامية: الدين والوجود في تجربة عبد الرزاق الجبران
حينما يُطرَح أمامنا الحل الوجودي للدين، نستحضِرُ دوْمًا مقاربة عبد الرزاق الجبران، بوصفها واحدة من الدعوات الجادَّة لالتقاء الدين بالوجودية، خاصة أن الجبران نفسُه يستلهِم تجربة سورين كيركيغارد، ويراعي منبعًا أصيلا للتواصل بين الدين والوجودية في التجربة الإنسانية. وهي رؤية نابعةٌ من عديد من المُفكِّرين الذين يرون بأنَّ سورين كييركيغارد هو رائد الفلسفة الوجودية كما كتب إمام عبد الفتاح إمام، وعبد الرحمن بدوي بسبب دراساته عن الفلسفة الوجودية. وهنا لا بأس من التذكير بما جاء عند هذا الأخير وهو يشرح لنا تصوُّر كييركيغارد الوجودي الديني[11] 46، الذي كان يرى أن الناس ثلاثة أصناف: رجُلُ الجمال، ورجُلُ الأخلاق، ورجُلُ الدين. ولكلّ واحد منهم طريقة خاصة في فهْمِ الحياة والزمان. فرجُلُ الجمال لا يعيش إلا في اللحظة الحاضرة. لا يعنيه واجب ولا التزام، لأن كل قيْدٍ يربِطه بماضٍ أو مستقبل يُفقِده متعته. شعاره دائمًا: تمتّع بيومك. ولذلك فهو ابن اللحظة، يتَّبِع لذَّتها ويترُكها إذا انقضت. أما رجُلُ الأخلاق فيرى معنى الحياة في الواجب والمسؤولية. وهو لا يستطيع العيش بلا ذاكرة تستعيد الماضي، ولا بلا توقُّع للمستقبل، لأن المسؤولية لا تكون إلا تُّجاه شيء كان أو سيكون. ولهذا فإن حياته مبنيةٌ على التذكُّر والتكرار والاستعداد الدائم لاحتمال الواجب كُلُّما تجدد. وأما رجُلُ الدين فليس ابن الزمان أصلًا، لأنه صَرَف وجهَهُ عن الدنيا وتعلَّق بالآخرة. إنه يتَّجِه نحو عالمٍ فوق الزمان، عالمٍ لا صباح فيه ولا مساء. فهو يظنُّ نفسه يعيش في السرمدية، وكل معاييره صادرة عن إحساس بالحياة الأبدية في حضرة الإله. ولذلك يشبِهُ أحوال الصوفية الذين يتجرَّدون من الدنيا ويتعلَّقون بالروح وما لا يفنى وفق تعبير عبد الرحمن بدوي. وهكذا تتبدَّى ثلاثة مسالك للوجود: طريق اللذة الحاضرة، وطريق الواجب الأخلاقي، وطريق السرمدية الدينية؛ ولكلٍّ منها إنسانه الذي يتكوَّنُ وَفْقَه.Haut du formulaireBas du formulaire
لم يكن عبد الرزاق الجبران هو الأوحد الذي يقترِحُ الحلَّ الوجودي للدين في سياقاتنا الإسلامية، غير أنَّهُ هو العلامة الفارقة في هذه المعادَلة المهمة في السياق الإسلامي المعاصر. لقد استطاع بأسلوبه الفكري الممزوج بنكهة الأدب والبلاغة والشَّذرات، أنْ يخترق جدار الكهنوت الديني، ويؤسِّسَ جمهورياته، على أنقاض هذا التداعي الحاصل في البِناء الديني، والاختطاف الذي حصَلَ للدين من المُؤسَّسة الفقهية، التي عمِلَت على مدار قرون طويلة على تحويل الدين إلى مساحات لسيادة التحكُّم، وهيمنة الخطاب الفقهي المُثقَل بالأحكام، والمنع، والإقصاء، على حساب القيم الإنسانية، وفي قمَّتها الحرية والإيمان والإرادة الإنسانية.
وكي نتتبع هذا المزج بين الدين والوجودية في تجربة عبد الرزاق الجبران نقترح المقاربة التالية:
-
من جمهورية أفلاطون إلى جمهورية النبي: الدين نقيض للاستعباد
كثيرة هي الأسئلة التي جعلَتْ عبد الرزاق الجبران ينهَضُ بالسؤال الديني من سُباته، إلى حيث يلتقي مع الأسئلة الوجودية الحارقة، ولعلَّ أهم لحظةٍ تُخالِج الوجود الإنساني، هي لحظةُ اكتشاف الحقيقة. حقيقة الذات، وحقيقة التاريخ، وحقيقة الثقافة المزوَّرة، التي تَسُود بأسماء وعناوين مطلقة، في حين أنها البلاء المستطير. لقد رأى عبد الرزاق الجبران أنَّ هذه اللحظة المِفصلية من الوجود الإنساني، بمنزلة ضربة قاضية تختصر مأساة الإنسان، حين يخدَع نفسه، وحين تنخدِعُ به الجماعة. أي أنَّ مشكلة ثقافتنا أو أمَّتِنَا أو نمط تفكيرنا الديني ليسَت في الجهل نفسِه، لأنَّ الجهل حين يُشخص ويُعترف به يظلُّ قابِلًا للاستشفاء، بل قد يصبِحُ مدخلًا للحكمة. فالثقافة التي تنتهي بتنسيب أفكارِها لا شك أنها ستحدِّد مسارها يومًا ما، وتلك بداية العلم وبوَّابته الكبرى.
لكنَّ المشكلة الكبيرة في سياق وجودنا الديني هو حينما تحوَّل الجهل إلى يقينْ، والتاريخ إلى مقدَّس، والفقيه إلى حاكمٍ بأمر الله. هنا تكمُن الكارثة، وهنا مأساة تاريخنا وثقافتنا: أن يتوَلَّد من جهلِنا يقينٌ يصعُبُ أن ننفصِلَ عنه، فيغدُو الإنسان ضحيَّةً ليقينِ ووهْمِ أنّه نبي، وداعية، وناطق باسم الحقيقة المطلقة، وأن كلامه غير قابلٍ للنقاش أو الجدَلْ. هذا الانتقال من الاعتراف بالقُصور إلى ادعاءِ العصمة هو ما ينتقده الجبران، لأنه يجعَلُ من الكائن الإنساني قوةً صلْبةً في مواجهة التحولات التي تعرِفها الظاهرة الدينية، كما يجعلُ من الجهل قاعدةً خلفية لكل أنماط التطرف والتسلف والتخلف، حينما لا يُعترف بإمكان الخطأ.
نحن هنا أمام مفترق خطير في التعاطي مع الدين بأبعادٍ وجودية، أي إدخال البعد الوجودي في صُلْب العملية الدينية، أو بتعبير أدقَّ أن يكون الإنسان هو محور الظاهرة الدينية، بدَلَ أن يكون على هامشها. وإذا كان كذلك فلا بد من تنسيب الظاهرة الدينية بوصْفها أحد تجليات التفكير الإنساني، وليس العكس. وذلك لأنَّ المُصيبة لا تكتمل إلا حين يُنَصِّب الإنسان نفسه «النبي الوهمي»، له أتباعٌ يصدقونه، يصفقون له، يناصرونه، لا لأنهم يفهمون، بل لأنهم يتقاسمون معه الجهل نفسه. فالمشكلة في هذا المقام ليست في القائد وحده، بل أيضًا في جزء كبيرٍ منها تتحمَّلُها الجماعة التي تقدِّس الجهل، وتؤلِّه الاجتهاد البشري، وترفَع مكانة القواعد والأصول[12].
بهذا المعنى، يصير المدخل إلى الاجتهاد الديني، أو لنقل بتعبير أدق إلى الحل الوجودي للدين وفق رؤية عبد الرزاق الجبران، هو الاعتراف بقصور الإنسان في بلوغ الحقيقة المطلقة، وأن ما نشأ في التاريخ هو محض تصرفات وسلوكيات تشرعن لنفسها عبر الدين، لكنها تعبر في كل بعد من أبعادها على الحضور الإنساني داخل الدين. إنه نقد مكوَّنٌ من بعدين: نقد أخلاقي وفلسفي لآفتين: آفة من يدعي النبوة دون علم، وآفة من يتخذه نبيًا بلا تفكير. وهو نقد يمكن سحبه على كثير من المظاهر الثقافية والفكرية والدينية التي طبعت مسار التاريخ الإسلامي منذ نشأته الأولى، أي حينما تحول الدين إلى سلطة قمع متوارثة، أو لنقل بتعبير أدق حين اختلط الجهل باليقين، وتحول الفقه إلى استبداد عابر للعقول، واستسلمت الجماهير للتبعية الفكرية باسم الطائفية أو المذهبية فاتحة الباب أمام التسلط والطغيان. ومن ثم فالرسالة التي يمررها عبد الرزاق الجبران عن طريق هذا المدخل الوجودي، على الرغم من قساوتها، وصرامتها، وربما لذاعتها، إلا أنها تضيء على جانب خفي من ثقافتنا، وهو أن الإنسان يجب أن يخاف يقينه أكثر مما يخاف جهله، وأن الشعوب لا تتأخر، أو تنحدر عن مراقي الحضارة بسبب رجل جاهل فقط، بل لأنها أيضًا تشارك في الجريمة حينما تقبل على نفسها التبعية بلا فحص أو نقد.
هناك قاعدة انطلق منها عبد الرزاق الجبران في جمهورية النبي[13]، وجعَلَها معيارًا ومقياسًا لمدى عدالة الأمم والتاريخ والحضارات. إنها قاعدة الاستعباد البشري، وذلك عبْرَ مقارنته جمهورية أفلاطون مع جمهورية النبي، إذ قال بأنَّ ما كان يثيره في جمهورية أفلاطون هو أنها جمهورية عبيد، وأنها تبدو استبداديةً وخارج الجمال والعدل. ولهذا لم تكن يومًا مثالية أو فاضلة كما ادَّعى أفلاطون. كأن عبد الرزاق الجبران يضع معيارًا مُسبَقا لتصويب أو تخطئة أي إيديولوجية قبل تنقيحها أو الحُكْم عليها. وبما أن جمهورية أفلاطون هي جمهورية استعباد وعبيد، فهذا يؤشِّرُ على أنها تُشبِه جمهورية المسلمين في التاريخ، وهي تُخالِف وتختلف مع جمهورية النبي. لأن المسلمين قد أَنتَجوا في جمهوريتهم أسوَأَ أنواع الاستبداد، حتى أن ظاهرة العبيد لم تَعرِفْ أوْجها إلا في ظلِّ هذا التاريخ الإسلامي المُمتدِّ في الزمان والمكان. [14]
انطلاقا من هذا المدخل الجبراني إن صح التعبير، فجمهورية النبي ليست مفهومًا أو مصطلحًا منفصلا عن سياق الجبران الفكري، ولا هي كتاب بالمعنى الفكري للكلمة. وإنما هي رؤية ومشروع متكامل بدأه عبد الرزاق الجبران في تأملاته الفكرية والأدبية والدينية، بهدف إعادة صياغة رؤية دينية جديدة، بأبعاد إنسانية ووجودية خارج القوالب الجاهزة التي أنتجها الفقه الكلاسيكي، وكرستها المؤسسة الدينية عبر مراحل مختلفة من الزمن الديني التقليدي. إنها محاولة للتفكير في سياق موتور عرفته الأمة الإسلامية، جعلت الدين يتحول إلى مؤسسات، والنبوة إلى وظائف، والروحانية إلى أجهزة ضبط اجتماعي، ولهذا كان يقول: “مشكلتنا الأكبر تقع ضد التاريخ، هو أننا ما نزال نعتقد بحقيقته، وإننا ما نزال نراه إسلاميًا”.10
إن ما يقصده عبد الرزاق الجبران في هذا المفهوم أو هذا الكتاب، هو التأسيس لما سماه «جمهورية النبي»؛ جمهورية لا تقوم على الطاعة العمياء ولا على القداسة المُغلَقة كما هو شأن جمهورية أفلاطون. بل على الحرية، وعلى الإنسان بوصْفه مركزًا لكُلِّ قيمة، وهنا يلتقي الجبران مع الفكر الوجودي، في إعادة صياغة الدين ضِمْن رؤية مفادُها مركزية الإنسان، وجعْلِه في صُلْب الدين، بدل أنْ يظلَّ على هامشه. لم يكن النبي، في أصل رسالته طبق هذا المنظور الفكري، مؤسس دولة، بل محرِّرًا للإنسان من كل أشكال العبودية: عبودية الأصنام، عبودية السلطة، عبودية الكهنة، وعبودية الخوف. لكنْ ما حدث لاحقًا هو العكس، إذ تحوَّلت رسالة التحرير إلى منظومة سلطوية، وصارت «النبوة» رمزًا للمؤسَّسة، لا للثورة الروحية التي أرادها النبي نفسُه. وهنا ما أسماه “انقلاب المعبد”.
- انقلاب المعبد: الحل الوجودي للدين
قبل أن نحلل عن الانقلاب الذي حدَثَ في التاريخ الديني الإسلامي وربَّما تاريخ الدين الإنساني منذ بداية تكوُّنِ الظاهرة الدينية، لا بد أيضًا أنْ نتحدث عمَّن نفَّذ الجريمة، ومن قام بالانقلاب، هنا يحْضُرُنا نص عبد الرزاق الجبران يقول فيه: “عجـوز فـي سـمرقند تسـأل فقیـه جـیش ،فـتح بلادهـا بعـد سـلْبٍ ونهْـبْ؛ ما الـذي جـاء بكـم إلینا …؟ الفقیه؛ االله أرْسَلنا إلیكم …العجوز؛ لم أكُنْ أعلَمُ منْ قبْلْ أنَّ للهِ لُصوصًا” [15].
إذن، وفق الطرح الفكري لعبد الرزاق الجبران هناك من نفَّذَ الانقلاب التاريخي الديني، وهم لصوص فمن هم يا ترى؟
يُعبِّر عبد الرزاق الجبران عن هذه الإشكالية في كتابه «لصوص الله: إنقاذ اليوتوبيا الإسلامية، وهو عملٌ فكري جذري يحاول فيه مؤلفه بيان الفرق الجوهري بين الدين النَّبوي ممثَّلًا من طرف النبي في بدايات تكوُّنِ دعوته، وبين الدين بوصفه تجربةً تمثَّلَتْ وتطوَّرت في مسارات التاريخ الإسلامي، أو ما يُسمِّيه بالإسلام التاريخي، والذي كان عنوانًا على انقلاب دراماتيكي قادهُ الفقهاء والمُؤسَّسات الدينية الكهنوتية. ومفادُ هذه الأطروحة أنَّ ما وصَل إلينا من النظام الفقهي والمؤسَّسي، لم يكن يومًا مُعبِّرا عن حقيقة الدين، بل على العكس من ذلك كان تشويهًا وتزويرًا مقصودًا مع سبْقِ الإصرار والترصُّدْ للصوص صادَروا الدين، وحوَّلوهُ إلى معبَدٍ للكهنوت، و«مغارة لصوص»، وفق مصطلحاته، فشوَّهوا جوهر الرسالة واستبدلوا برحمَتَها منطق السُّلطة والقهر.
إن القاعدة التي ينطلِقُ منها عبد الرزاق الجبران في التأسيس لرُؤيته الثَّورية، هي أنَّ الإسلام كان مشروعًا تحرُّريًا بامتياز وضع في صُلْب اهتماماته تحرير الكائن الإنساني من كل السُّلط التي تقيِّد الإرادة والحركة الإنسانية، وربَّما نقول إنه مشروع وجودي حينما أعاد مركزية الإنسان في الوجود لتحتلَّ المكانة التي تستحِقُّها. كأن الإسلام وفق رؤية الجبران يشبِهُ في جوهره اليوتوبيا الأخلاقية التي تقوم على المساواة، ونزْعِ امتيازات النَّسب والقبيلة، ومحاربة أشكال الظُّلم. لكنْ بوفاة النبي انقلَبَ كُلُّ شيء، وعادَتْ الأمور إلى سابِق عهْدِها، وبدأ الإسلام التاريخي يعمل في سياقٍ مختلِفٍ ومُتعارِضٍ مع المبادئ التأسيسية الأولى، فتحوَّل الدين إلى منظومة فقهية في خدمةِ الحُكْم والسُّلطة، خصوصًا مع الدَّولتين: الأموية والعباسية، التي انتقل فيها الدين من كوْنِه قيمة إنسانية إلى أداة لشرعنة استبداد الدَّولة والحاكم، وبدأ الفقه السياسي يُسوِّغ ما لم يكن مشرَّعًا بقوة الأخلاق والقيم والإنسانية، مثل تسويغ السَّبي، وشرعنة الجواري، وتبرير الغزو، التي أصبَحت جزءًا من فقه التشريع، رغم أنَّها مُنافِية – في نظره – للروح النبوية الأولى.
إننا بإزاء ظاهرةٍ تكوَّنت بفعل التحوُّلات التي عرَفَها المجتمع المسلم، والاحتكاك الثقافي، ووَلَّدتْ لنا طبقة من الفقهاء أو رجال الدين صنعوا طبقةً من «الوسطاء» بين الإنسان والله، ومارسوا أبْشعَ أنواع التحكم الديني، والتسلُّط الشرعي. فتضخَّمَ هذا الانقلاب مع الزمن، وأصبَحَ الإسلام أشْبَهُ ب «دين الفقهاء» منهُ إلى «دين النبي»، عمِلَتْ فيه المُؤسَّسة الدينية الفقهية على اختطاف الدين باسم النصوص، وسرَقَتْ المال باسم الغنائم، وكلاهما – في تصوُّره – مثلًا وجهين للسَّرقة نفسها. وبما أن السَّرقة قد تمَّت، والانقلاب قد حدَث، فإن الإنقاذ والخلاص يحدث عبر العودة إلى «الجمهورية النبوية» التي كانت تؤمن بالمساواة بين البشر، وترفُض امتيازات العِرق والنَّسَب، وتقاوم تحويل الدين إلى مشروع للاحتراب السياسي والأخلاقي.
نحن هنا أمام قراءةٍ وجودية، بعيدةٍ عن طلاسم الفقه ومُخرجاته، ينتصر فيها عبد الرزاق الجبران للمعيار الأخلاقي، ولعل أوَّله هو الإنسان، لا النصُّ المُؤوَّل. ولذلك فهو يرى أنَّ كل دين ينحرِف حين يفقِدُ إنسانيته، لا فقهه وأحكامه كما تريد أن تُسوِّقَ لنا الإيديولوجيات الدينية القديمة والمعاصرة، خاصة تلك المرتبطة بما يسمَّى بالإسلام السياسي، أو دُعاة تطبيق شريعة فقه الإسلام التاريخي. فهل ندافِعُ عن التراث أم نكشِف تناقضاته وعوراته؟ تلك هي مهمة الباحث والمفكر والكاتب والمجدِّد، أن يحمي الإنسان من الاستلاب الديني والإيديولوجي العقائدي، وأنْ يحمي الدين من أن يتحوَّل إلى أداة قهرٍ وتسلط وإرهاب للآخرين.
هل نبحث في الدين عن حل أم نبحث عن حل للدين؟
في مُواصلة قراءتنا لأطروحة عبد الرزاق الجبران، يمكِنُنا أنْ نصِل إلى النتيجة التالية، بأن الدين مشكلة، ولكنْ في الوقت نفسه الدين حلّ، ولكنْ بصيغته الوجودية، وليس بصيغته السَّلفية والإسلاموية التي يرفعُها رواد الحركات الإسلامية، حينما يريدون أن يستحوذوا على السلطة بخلفيات دينية وإيديولوجية، مختفين وراء شعارات براقة مثل “الإسلام هو الحل”، الذي رفعَتْه التيارات الإخوانية على مدار تاريخ طويل من اشتغالها داخل مجتمعاتنا. المشكلة وفق عبد الرزاق الجبران، ليست مقولة “الدين هو الحل” أو “الإسلام هو الحل”، ولكنَّ المشكلة الحقيقية هي أن تجد الحل. أي أن المشكلة في الدين، هي حين تحوَّل من قِيمٍ وأخلاق، إلى فقه وأحكام، ومن رسالة إلى سلطة، ومن رحمة إلى تطرف وإرهاب. أي حينما احتكرهُ طرف الفقيه والسلطان والأحزاب والمثقفين، واختفى بذلك دين القلب، ودين الرحمة الذي زوَّره كل أولئك في أروقة التاريخ. ولذلك فالأولى أن نبحث عن حلٍّ للدين، قبل أن يزعم البعض بأن الدِّين هو الحل. ولعل منشأ الإشكالية هنا، هو أنَّنا نُفرط كثيرًا في الأسماء والمفاهيم، ونخسَر بذلك كثيرًا من الأشياء لهذا يقول عبد الرزاق الجبران: “كسبنا من الإسلام أشياءنا وخسرنا منه أشياءه”[16].
ينقُل لنا عبد الرزاق الجبران في محاولة لشرْحِ مُلابَسات هذا الانقلابْ التاريخي لواقعِ الإسلام والمُسلِمين، نصًّا لعلي بن أبي طالب يقول فيه: “لبِسَ الإسلام لبْسَ الفرْوِ مقلوبًا”؛ فهي توحي بأن هناك انقلابا حدَثَ في التاريخ الإسلامي، وأن استعادة الإسلام الحقيقي لا تكون إلا بقلْبِه مرّة أخرى، وَفْق منطق نفي النفي إثبات. أيْ أنَّ ما انقلَبَ عن جوهره لا يعود إليه إلا بانقلاب ثانٍ يُعيده إلى وضْعِه الطبيعي. وهو تصوُّرٌ قائم على أن الإسلام منذ لحظة التأسيس الأولى لم يكُنْ دولةً دينية فقهية سلطوية كما تمثَّل ذلك في التاريخ، ولم يصْدُر هذا الادِّعاء عن رسول الله، ولا عن صحابته، بدليل أن ما قُدم إلى الإنسانية هي قيمٌ عابرة للزمان والمكان والجنس واللون، وروحًا تنسجم مع طبيعة الإنسان العالمي، وليس أحكامًا جامدة وقوالب جاهزة. لكنَّ المشكلة أن داخلنا مسلَّماتٌ نائمة لا نرى انقلاب الإسلام إلا إذا قلبْنَاها أولًا، لأن الانقلاب الحقيقي يُطيح بالرؤوس، لا بالأطراف. ولعل مقولة «لُبِس الإسلام» من أوضح المقولات التي تكشِفُ مصير الأيديولوجيات الدينية حين تصِل إلى نهاياتها، وتوضح كيف ينحرف الدين عن نصاعته الأولى. وهذا ما يتقاطع مع الآية:”أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم” آل عمران 144، فكِلا النَّصين يصِفان الانقلاب نفسه: خروج الدين عن جوهره، وتحوُّله في وعي الناس إلى صورة مقلوبة من الأصل الذي جاء به الوحي.
إن مقولة الإمام علي في هذا السياق لها علاقة مباشرة بتوصيف الحالة التي آل إليها الواقع التاريخي الإسلامي سواء في شِقِّه القديم أو الحديث، وبالتأمل أكثر في امتداداتها طبق رؤية الجبران، نرى بأن ما يميِّزها ليس فقط هو مفردة “مقلوبًا”، التي تبين الوجه الغائي الذي حقَّقه الانقلاب التاريخي، وفضيحة المسلمين وما بقيَ لهم من دين. وإنما أهمية المقولة العَلَوية أيضًا أنها استخدمت مفردةُ الفرْوْ بأسلوب واضح، ليتبين من خلال ذلك أن ما قُلِبَ هو المبادئ الأساسية في الإسلام، وليس فقط هامشياته. وكي نستعيد الصورة في نقائها الأول، لا بد من أن يُقلَبَ هذا الإسلام المتداول مرة أخرى، حتى يُعاد إلى صيغته الأولى، وأصالتِه الفطرية.
وقد يتساءل المرء عن نقطة البداية، ولحظة العودة، فيكون الجواب هو أنَّ عودة للدين إلى سابق عهْدِه تبتدئُ من الطريق الوجودي، وربَّما هذا هو الخيط الناظم والرابط بين وجودية كييركيغارد، ووجودية عبد الرزاق الجبران. أي أن الدين هو المنطلق والأساس في فهْمِ الوجود، وفي إدراك أبعاده، لا من بسبب أن الدين مجموعةَ أحكام وقوانين جامدة، ولكنْ لأن الدين هو منبع للقيم والأخلاق والجمال. هذا الطريق يبدأ بالعودة إلى لوازم الوجود ولوازم الله. أي طريق يظهر الحل الوجودي ليكون مذهبًا فلسفيًا، رغم أن الوجودية ليست مذهبًا ولا مدرسة حديثة، بقدر ما هي رسالة إنسانية عابرة حمَلَها الجميع من آلاف السنين، أنبياء ومتشردين على حد السواء، حتى صرخ بها كييركيغارد في صومعة أزقته، قبل أن تتحول إلى أزقة سارترية، والكتاب لا يهوى الأزقة[17].
هنا مكمن الخلل في التعامل مع البُعد الوجودي للدين في سياقاتنا الإسلامية، وهي أن الصورة التي يعرِفُها الشَّرق عن الوجودية، هي صورة ناقصة ومشوَّهة؛ فهي تُختزل في كونها مذهبًا إلحاديًا عبثيًا قام به سارتر ونيتشه وهيديجر وكامو، دون معرفة جذورها الأولى، التي ابتدأت مع سورين كييركيغارد المؤمن، صاحب الرؤية الدينية العميقة التي تَهْدِفُ إلى إيقاظ الروح وإصلاح الإنسان، لا إلى هدْم الإيمان. المشكلة أن الشرق والمسلمين تحديدًا تعرَّفوا على الوجودية من نهايتها، لا من بدايتها؛ من سارتر الملحد، لا من كييركيغارد المؤمن. لهذا ظنَّ كثيرون أن الوجودية لا يمكن أن تكون إلا إلحادًا وشكًّا، لكنَّ واقعُها الأصلي كان اتجاهًا دينيًا ثوريًا مثاليًا يقوم على العلاقة الفردية مع الله ورفْضِ الجمود الديني. فأصبحت الوجودية في الوعي الشرقي اسمًا واحدًا لتيارين متناقضين، كما يجتمع تحت اسم «الإسلام» فِقْهان متضادَّان تمامًا.
قد يظن البعض بأننا بإزاء ضمِّ الدين بتصوره منظومةً قيمية إلى الوجودية في شِقِّها الغربي، غير أن السياق يأبى ذلك، لأنَّ الحلَّ الوجودي لا يسعى في ضمِّ الدين إلى الوجودية الغربية، ولا إلى تبَنِّي نُسخَتها الدينية كما ظهَرَتْ في أوروبا، بل يتجاوَز خدعة الأسماء كلِّها. فالوجودية التي نبحث عنها وَفْق رؤية الجبران الوجودية ليست سارتر ولا هايدغر ولا ياسبرز، بقدر ما هي أبو ذر الغفاري، وعلي بن أبي طالب، وغاندي، وشخصيات إنسانية كثيرة جسَّدت المعنى الوجودي للإنسان عبْرَ التاريخ، قبل أن يأتي كييركيغارد نفسِه ويصُوغَ ملامحها الأولى التي ضاعت لاحقًا تحت تأثير المدرسة السارترية والنتشوية والكامية. فما يهمُّنا هنا طبق هذا الطرح الفكري في الحل الوجودي ليس اسم صاحب الفكرة، بل المعنى، فكل ما يمنَحُ الإنسان نورًا، ومعنى، وعمقًا، سواء جاء من فيلسوف أو من إنسان بسيط فلهُ الأولوية والقيمة؛ إذ إن هذه الأخيرة لا تتحقق من خلال القائل، بل في الحقيقة التي تقال، وكثيرًا ما يكون المهمَّشونَ أعمَقَ فلسفة من الفلاسفة.
ربما ما يسعى فيه الحلُّ الوجودي للدين، هو أنَّ غايته تتحدَّد بالإنسان، وحياته، وجوده، وجوهر تجربته، لا المعبد ولا علومه، ولا أحكامه، ولا جوْرَ فقهائه وسلاطينه. ومع ذلك فإننا حينما نذكُرُ الوجودية، نجِدُ أنفسنا دومًا أمام التجربة الإنسانية التي دشَّنها كييركيغارد، ذلك الثائر اللاهوتي الذي سار مع «فكرة الأعماق» بطريقة لم تبلُغْها أي مدرسة أخرى؛ أعماق تُميِّزُ بين القمر وضوئه، وبين القلب الذي يشرَبَ ذلك الضوء. وبما أن الوجودية مذهبٌ منفتِحٌ على آفاق رحبَةٍ رحابةَ الكائن الإنساني، وعقله، وفكره، فإن كل دينٍ سواء انتمى إلى الشرق أو الغرب، يحمِلُ داخله وجوديته الخاصة، ولا تناقُض في ذلك. لأنها الوجودية في أصلها الأول تتجاوز كل شيء، بما في ذلك كل الأجناس والألوان والعقائد والأفكار، في اتجاه واحد تتناغم فيه مع إله واحد، لم تستطع الصوفية نفسَها بلوغه دائمًا كما هي حالة وَحْدة الوجود الصوفية. بل إن بعضًا من هذه المذاهب والطرق الصوفية نفسها شوَّهتْ الإله حين حبسَتْهُ داخل العباءة الرمزية، وأكثَرت من احتكار الذات الإلهية إلى حد المغالاة والمجاوزة.
من هنا، فحينما نقول بالحل الوجودي للدين كما جاءَتْ في أدبيات عبد الرزاق الجبران، وفلسفته الوجودية ذات الجذور الكييركيغاردية، فالمقصود ليس الانتماء إلى تيار فلسفي غربي دُعي بـ “الوجودية”، بل الانقلاب من أحكام المعبد إلى قيَمِ الوجود. أي من الدين الذي يُعطي الأولوية للحكم على القيمة، ويقدِّمُ الدين على الإنسان، ويختار السلطة على الرحمة. فهذه النقلة تفتح جينالوجيا جديدة للقيم تبحث عن معيار إنساني وجودي، وتقترح «فقهًا وجوديًا» يقف في مواجهة الفقه المُثقَلْ بالأحكام والتحريم والمنْع وِفْق آليات قياسية أرسطية تُوَسِّع من دائرة التحريم على حساب دائرة الإباحة. فقْهٌ جديد يسمَحُ بالتفكير في قضايا يرفُضها أصول الفقه التقليدي، مثل الاجتهاد أمام النص، أو مقْصِد الجمال، أو حتى مسائل يستحيل التفكير فيها فقهيًا، مثل: إمكان نفي الطلاق، أو زواج المسلمة من أي إنسان مهْمَا كان دينه، أو جواز سلْبِ أموال الأغنياء المُتخَمين بشروطٍ خاصة.
نحن هنا بإزَّاءِ انقلابٍ مُوازٍ للانقلاب الأول الذي حدَثَ في التاريخ الإسلامي، ولكنه ببُعْدٍ آخر، وصورة مختلفة، تؤكِّد بأن حقيقة الدين بوصفها منظومة قيَمٍ، قد شُوهت صورَتَه في التاريخ، بصورة أصبحَتْ بشريةً بالكامل. لذا فالتقسيم القديم بين دينٍ سماوي ودينٍ أرضي لم يعُدْ صالحًا كما يرى الجبران، لأن كل الأديان، بما فيها الإسلام والمسيحية واليهودية، خرَجَتْ عن دين أنبيائها، ولم يبقَ منها إلا الاسم وبعض القشور. وإذا كان من معنى للإصلاح والتجديد في هذا السياق، فهو ليس سوى هجْرِ المعبد أو الانقلاب أيضًا على المعبَدْ. ولا يعني هنا «هجر المعبد» الخروج من الدين الإلهي كما يريد أن يفهمَ البعض أو كما يتصوَّر بعض الإسلاميين، أو من يشتغِلون على الوصول للسلطة بدوافع دينية. بل الخروج هنا هو من الدين البشري الذي صنعَتْه المؤسسات، والفقهاء، ورجال الدين. ثم العودة إلى الدين النبوي في صيغته الأولى، الذي يكون الإنسان فيه هو المبتدأ والمنتهى الوجودي. كأن الهجرة هنا ليستْ انفصالًا ميتافزيقيا عن جوهر الدين، بل هو التَّماسُّ مع الدين، والبحث عن جوهر النبوة نفسها، وعن القيم المُتخلَّى عنها في قارعة الطريق، ودواليب السلطة، وبين الأحكام المتشددة للفقه المتنطع. إنها عودة إلى الدين كما أراده الأنبياء: دينًا للإنسان لا دينًا للمؤسسة، ومعنى وجوديًا لا منظومة طقسية تخضع للحراسة.
ليس غريبًا أن يقوم الحلّ الوجودي للدين على مبادئ من خارج السِّياق الديني الفقهي، أي من خارج المؤسسة التي احتكَرَتْ الدين، وانقلبَتْ على قيَمِ الدين. فهذا هو الطبيعي لأنَّ الحلَّ الوجودي يأتي استجابةً لتحرُّر الإنسان من سلطة الكهنوت، وسطوة الأحكام الفقهية، كما أنه ينحاز إلى مسؤولية الإنسان في تأسيس المعنى. وهذا سيقودنا بالضرورة إلى الاعتراف بأننا أمام منتوج بشري اختفى بالدين، وتمتْرَس خلف التمذهب، واحتمى بالكيانات الطائفية السياسية. وحتى لو كانت نصوص الوحي موجَّهة أساسًا إلى خطاب المعبد، فإن المعنى نفسه يظل إنسانيًّا، وهذه هي المهمة الوجودية التي أوْكَلها الله للإنسان بوصفه خليفة، لا هبةً جاهزة تُرفق مع الرسالة. وبما أن صناعة المعنى مسؤولية بشرية، فلا يمتلك المسلمون امتيازًا على بقية الشعوب، بل يبرز الواقع أنَّهم -تاريخيًا وراهنيًا- الأبعد عن الحقيقة والأكثر تراجُعًا في إنتاج المعنى. في المقابل، كثير من “الآخر الإنساني” أقرب إلى روح الإسلام رغم خروجه عنه اسمًا. فالأسماء هي التي تُبعد الحقيقة، لا المعنى.
التجديد الديني وخدعة الأسماء: هل نتجاوز المعضلة؟
قلنا سابقا بأن الانقلاب الذي حدث في التاريخ الإسلامي، هو انقلابٌ من قيِم الوجود، إلى قيم الفقه المبنية أساسًا على الأحكام، والأوامر، والنواهي، وبهذا فتبنِّي المقولة الوجودية في الدين، أو الحل الوجودي للدين، هو في حقيقته إعلان العودة إلى نقطة البدء، ونقطة الانطلاقة، حيث كان النبي يغرِس قيمًا إنسانية، وليس أحكامًا فقهية تبنَّتْها المؤسسة الفقهية مع سبْقِ الإصرار والترصُّد. وحينما نتبنَّى المقولة الوجودية، أو لنقُلْ بتعبير أدقَّ حينما نُعلِن العوْدة إلى قيم الوجود الإنساني، فهذا يعني بوضوح التخلُّص مما يسمِّيه عبد الرزاق الجبران بـ “خدعة الأسماء”، وضبابية المفاهيم، وإسقاط قداسة المرجعيات التاريخية للمعرفة عبْرَ تجديدها بتجديد أسمائها، وتوضيح مفاهيمها، والكشْف والحفْر عن خلفياتها وما يمكن أن تتمترس وراءه من مقاصد وغايات.
وإذا كنا نتحدَّثُ هنا عن الدين فإن ذلك لا يعني بأنَّه وحده من عرَف الانقلاب، إذ الأمر نفسه ينطبق على العلم أيضًا، فلن تخدَعنا الأسماء، ولا سلطة المفاهيم، ولا قداسة المعرفة الإنسانية، بل كل شيء نسبي في عالم الإنسان مهْما حاول أن يتخفى، أو يتلبس، أو يتأله. ولهذا كان عبد الرزاق الجبران يرى أنَّ الصحابي المشهور أبو ذر الغفاري، البدوي الأميِّ، كان أفقه بالإسلام من القرطبي حين فهِمَ آية الإكنـاز وما تطرحه من عدالة بين الغني والفقير، وغدا القرطبي—بثقل اسمه—جاهلًا مترفًا حين أنكر ما رأى أبو ذر أنه روح الإسلام. بهذا المعيار الوجودي حسب الرؤية الجبرانية إن صح التعبير، يغدو جوته أكثر فلسفة من كانط، و”ليوتسو” أعمق من بافلوف، و”سينيكا” أقرب إلى الحكمة من أرسطو، وجبران أوضح من ابن سينا، والشاعر الشعبي ناظم حِكْمَت أكثر حكمة من الفارابي، وعلي شريعتي أصدق من ملا صدرا. فالمعنى هو الذي يمنح الحكمة قيمتها، لا الأنساب المعرفية ولا هيبة الأسماء[18].
من هنا، يتجاوز الحل الوجودي حدود النبوة بمدلولها الجبرئيلي، ليُعيد فتْحَ أبواب الحقيقة على أساس وصال المعنى، بمعنى آخر داخل الحلِّ الوجودي لا وجود لسلطة الأسماء والألقاب والمفاهيم، ولا امتياز للقبيلة أو النَّسَب أو السلالة، ولا حصانة للمعرفة أو التراث مهما اختفى وراء المُقدَّس، أو تمتْرَس وراء التسلط السياسي. وحده الكشف الوجودي هو المؤهَّل لإعادة تركيب الحقيقة وتجديدها. لكنَّ مشكلة الإسلاميين أو دعاة أسلمة السياسة والاجتماع والمعرفة الإنسانية، يردِّدون دون وعي بأن الأزمة الإنسانية لعالم ما بعد الحداثة، تكمن في ترك الموروث الديني المثقل بأحكام الفقه، وبتشريعات القرون الوسطى، وبمقرَّرات الأصول القياسية الأرسطية التي جعَلَت من الدين مجالًا للتحريم، بدَلَ أن يكون فضاءً للإباحة والجواز.
مفارقة عجيبة يكشف عنها الفكر الأصولي الإسلامي في شقِّه السياسي تحديدًا، وهي أن الإسلاميين أنفسَهم هم من خرَجوا عن ملة الناس، لأن المشكلة ليسَتْ في غياب الدين، بل في تحوُّل هذا الدين إلى فضاءٍ لممارسة السلطة، وشرعنة الممارسات اللا إنسانية بدواعٍ ودوافع إلهية، في حين أن الدين براءٌ من كل هذه الممارسات التي تكشِفُ أن أزمة الشرق اليوم هي تديين كل شيء، وأسلمة كل شي، إلى الحد الذي لم يعُدْ الإنسان قادرًا على تمييز الديني من الدنيوي، الإنساني من الإلهي، والمُقدَّس من التاريخي. كأننا أمام انقلاب قيمي ومفاهيمي سلَبَ من كل الأشياء جواهرها وماهيتها، ووجودها، ومذاقها الإنساني. ولم يعُدْ الدين هو المجال المفتوح ليرى من خلاله الإنسان عظمة الوجود، بل صار بفعل القهْر الفقهي، والموروث القرووسطي فضاء لممارسة أبشَعِ صُوَر التسلط الديني، أي أنه تحوُّل من قوة محرِّرة إلى منظومة تلتهِم الإنسان في عقله، وحبِّه، وماله، وأحلامه، ورغباته.
نحن هنا بإزاء واقع ديني يصعب معه الإصلاح ولا التجديد، لأن البناء المقلوب للدين لن يمنحَك الفرصة للتجديد، وإذا قمْتَ بأي محاولة فلن تُنتجَ إلا بناءً آخرَ من الاستبداد الفقهي، لهذا فالدين بصيغته الحالية، لا يستطيع مُواكَبة تطورات العصر، ولا أن ينسجِمَ مع طبيعة الإنسان، فضلًا عن أن يمنحه معنًى يساعده على مواجهة معاناته الوجودية. نحن اليوم أمام صورة أقل ما يقال عنها أنها باهتة لدين مختطَف، أو دين مخترَق، إن لم نقُلْ دينٌ مسروق في واضحة النهار. وهي صورة شاذَّة عن الوجود، تجعل الإنسان المتدين في صراع دائم، مع نفسه، ومحيطه، والآخر الذي يتقاسم معه معنى الوجود. واقع لا يمكن إنكاره، أو نفيه، أو تغطيته.
فأن تكون في صراع مع الوجود، أو في حالة شذوذ معه، يعني أنك في حالة لاانسجام مع الله، لأن الوجود هو المجال الذي يتجلَّى فيه المعنى الإلهي، والفضاء الذي يكشِف لك عن السرِّ الإلهي. قد تجلَّى كل ذلك في الدين في صيغته الأولى، أما حينما تمَّتْ السرقة، وحلَّ الخراب، فلم نعُدْ نرى في الدين سوى أحكام القتال والسبي وفقه الإماء والولاء والبراء، وغيرها من مفاهيم الاحتراب الإنساني، والتقاتل الذاتي. وهذه جناية الفقه الكبرى، أو لنقُلْ بتعبير أخفَّ الفضيحة الكبرى للفقه، أي أنه سمح الإنسان أن يصطدم بالوجود، مع أن الوحي في زمن النبوة الأول لم يطارِدْ الواقع الجاهلي ليرضَخ له، ويتحكَّم فيه، لكنه أيضًا لم يكن غريبًا عن الوجود، ولا مناقضًا لطبيعة الإنسان، لهذا كان وجودًا حقيقيًا، متماهيًا مع الأعراف، منسجِمًا مع العقليات، ورافضًا لمنطق التسلط والاستبداد الثقافي، ومسايِرًا لشروط الوجود الإنساني.
- من جمهورية النبي إلى جمهورية الله: الدِّين في قلْبِ الإصلاح
إذا أقررْنا مع الجبران بأنَّ الانقلاب على الدين قد حَدَث فعْلًا على مدار التاريخ الإسلامي، فإنَّنا نُؤكِّد أيضًا بأنَّ هذا الانقلاب استهدَفَ جمهورية النبي وجمهورية الله. وعلى الرغم من أن العناوين قد تبدو صادمةً ومُثيرةً في سياق إسلامي مُحافِظ، غيْر أنَّ المقصود والهدف منها ليس فقط إثارة الانتباه أو شدُّ القارئ إلى نصوص الكاتب، ولكنْ العكس هو الذي يُرادُ له أنْ يصِل من خلال هذا الجمهوريات، وهو التعرُّف على مدى الحيف والانقلاب والتزوير الذي لحِقَ بالدين الوجودي الذي بشَّرَ به، ودعا إليه في مُختلَف كتاباته.
في هذا السياق تظهَرُ فكرة جمهورية الله، بوصفِها قلْبَ رؤيتِه النقدية للدين، ومِحوَرًا يُعيد من خلاله قراءة العلاقة بين السماء والأرض، وبين الإله والإنسان، ليس في أفُقِ الطقوس والمؤسسات، بل في أفُقِ الوُجود والمعنى. هذا ما يُفهَم من كتاب جمهورية الله، الكتاب الشَّذري والأدبي الممتِع في أسلوبه وأفكاره، والصادم في حجْم الصَّدى الذي يخَلِّفُه لدى القارئ المحافِظ، حينما يتعرَّف أن ما حدَث في التاريخ ليس شيئًا يستهان به، ولكنه انقلابٌ على كلِّ القيم الوجودية التي بشَّرَ بها الدين. ويُمكِننا أن نقول بأنَّ نقطة البدء التي ينطلق منها الجبران في التأسيس لجمهورية الله، هي أن الدين، في صُورَته التاريخية المُؤَسَّساتية، لم يعُدْ قادرًا على حمْلِ فكرةِ الإنسان، بل على العكس من ذلك صار الدِّينُ عبئًا كبيرا على كاهل الإنسان. وهو تحوُّلٌ دراماتيكي نتَجَ عنه انحدارُ الدين من وجوديته المُطلَقة التي هدفَتْ إلى تحرير الكائن الإنساني، وفكِّ القيود الثقافية والفكرية والاجتماعية عنه، إلى مستوى غَدَا فيه الدين سلطةً لتكبيل الإرادة الإنسانية، وقمْعِ الحرية باسم عناوين فقهية غايتُها التحريم والمنع. لذلك فجمهورية الله داخل هذا السياق الموتور والحسَّاس تُعيدُ تأسيس المعنى الإلهي في الحياة، لا عبْرَ نُصوصٍ مُكدَّسة، بل عبْرَ استعادةِ القيمةِ الأصلية التي خُلِق الإنسان لأجلها: الحرية.
حينما نسمَعُ جمهورية الله، فليس القصْدُ هنا دولة ثيوقراطية يسُودُ فيها الإله، ويسُوسُ بعناوين تداوَلَتْها القرون الوسطى المشبَعة بسلطة الدين المطلقة، بل هي تعبيرٌ مجازي وجودي من تأليف عبد الرزاق الجبران، يشير إلى العودة إلى القيم الوجودية، والنظام الطبيعي للحياة كما أراده الله للإنسان. ذلك النظام الذي يتأسَّس على الحرية والإرادة الإنسانية، ويرى الإنسان هو غاية الوجود ومركزُ ثِقلِهِ الأبدي. فنحن هنا لسْنا بإزَّاء تصوُّرٍ تقليدي لمفهوم الإله الملك أو الإمبراطور كما تُصَوِّرُه الميثولوجيات القديمة، وإنما الإله بمفهوم الجبران هو الجمال المطلق الذي لا يحتاج إلى جيوشٌ تُدافِع عنه، ولا رجال يَوَقِّعون عنه ويمثِّلونه. فوجوده يتجلى في الإنسان ذاته، أي ذلك الإنسان الذي يستطيع أن يخلُقَ معناه بعيدًا عن سلطة الكهنوت ورجاله. كأنَّ ما تهْدِمُه جمهورية الله هو هذا الطغيان الذي مارسَتْه المؤسَّسة الفقهية، وتعامل به الكهنوت في عملية استعبادهم للإرادة الإنسانية، لذا فما ما تبنيهِ جمهورية الله هو إعادةُ استردادِ الإنسان لمُلْكِه الحقيقي، أي ذاته.
ولنعيد من جديد هذه النورانية المفتقَدة في رَدْهات التاريخ الإسلامي يلزمُنَا أن نخرُج من حدود المعْبَد، وسطوته، وجبروته، وحينما نخرُج منه نكون حينذاك في حضن الله، وحين نعود إلى الله، نعود إلى الإنسان. فالمعضلة التي خلقَتْها المؤسسة الدينية هي أنَّها اختطَفَت الكائن الإنساني، حينما نصَّبْتْ نفسَها وصيةً على ذاته، وعقله، وإنسانيته. فلم تعُدْ العلاقة بين الإنسان والله علاقة وجودية مباشرة، بل تخلَّلَتْها علاقات ووساطات حجبَتْ النُّور الإلهي، وتعامَلَتْ مع الإنسان على أنه قاصرٌ على هذا اللقاء، حتى صارَت كل القواعد والأصول والمعارف التي أنتجَتْها المؤسسة الفقهية ستاراتٌ تقوم بدور التكبيل والتقييد للإرادة الإنسانية، بدل أن تسعى في دور التحرير.
تعمل جمهورية الله، من منظور عبد الرزاق الجبران، على تحرير الدين من الإرث الذي خلَّفَهُ التراث الفقهي التلمودي على الواقع الإسلامي، حين وضَعَ الدين في صناديق مذهبية وطائفية، ومزَّق الإنسان بين المذاهب والفِرَق، فأصبحت الأمة “عائلة ضرائر”، كما يصفُها، كل واحدة تلعَن الأخرى باسم الله، أو بالتعبير القرآني: “كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ” الأعراف38. وهو سياق موتور ومحموم يضيع فيه المعنى، ويتحول الدين إلى سلاح، والطقوس إلى هوية مغلقة، والله نفسه إلى شعار يبرِّرُ التطرف والإرهاب. وهنا تصير جمهورية الله رمزًا لتخليص الدين من شوائبه التاريخية وإطلاقه من جديد في اتجاه الإنسان، أي إعادة الدين إلى وظيفته الأولى، أن يكون مع الإنسان، ولأجل الإنسان، لا ضده. من هنا فإن جمهورية الله ليسَتْ كما يتوهَّمُ البعض دعوة للتأسيس إلى حكْمٍ سياسي، أو نظام بديلٍ عن الدولة الحديثة، بل هي معيارٌ يقيس به عبد الرزاق الجبران إنسانية أيَّ مؤسسة أو فكر أو دين، عبْرَ طرْحِ الأسئلة التالية: ما موقع الإنسان داخل هذا النسق أو ذاك؟ هل الدين يفتح للإنسان أفُقًا أم يغلقه؟ هل يحرره أم يسجنه؟ هل يطلق الإرادة أم يكبلها؟ فالدين الذي يستهلك طاقة، ويُهدِر مقَدَّراته بعناوين التحريم والمنع، ويحوّله إلى كائن يعتذر باستمرار عن رغباته، وعن جسده، وعن حياته، ليس دينًا منسجمًا مع إرادة الله. لأن الله، في فهْمِ الجبران، خَلَق الإنسان ليعيش لا ليُقمَع، وليكون فاعلًا لا منفعلًا، وليكون شريكًا في بِناء المعنى لا تابعًا لسلطة تفرِضُ عليه كيف يكون.
خاتمة:
تبيَّنَ لنا في هذه الرِّحلة البحثية بأن الدين والوجود لا ينفصِلان إلا في المشاريع التي عادَتْ الإنسان والوجود معًا، أما في الدين فهناك بعْدٌ وجودي واضح يأخُذ بعْدًا إنسانيًا يُعيد إلى هذا الكائن قيمته ومعناه واعتباريته بوصفه مركزًا للخطاب الديني، كما يسعى في إعادة تموضُعِه داخل هذا المعنى، بوصفِه الغاية الأولى والأعمق لكلِّ تجربة روحية. لقد أردْنا ونحن نحاوِلُ أن نقرأ جذور الوجودية الدينية مع كبار الفلاسفة والباحثين، أن نُعيد قراءة الفلسفة الوجودية قراءة تهدِف إلى ربْطِ الدين بها، مع تجارب مثيرة في التَّاريخ الفلسفي كما فعَلَ سورين كييركيغارد، وغيرُه ممَّن جعلوا من الوجود قِبلةَ الدين. محاولين أن نربِط هذا التوجُّه بمشروع فكري إسلامي لم يأخُذ مكانته ومنزلته في السياق الإسلامي المعاصر، وهو المشروع الوجودي لعبد الرزاق الجبران، الذي كرَّسَ كلَّ مشروعه الفكري إلى تحرير الدين من القراءة الفقهية التي قيَّدَتْهُ داخل بِنى تاريخية مغلقة، وإعادته إلى فضائه الأوَّل، فضاءُ العلاقة الحيَّة بين الإنسان وربِّه، لتكون تجربة وجودية قبل أن تكون منظومة تشريعية.
لقد كان الهدف ونحنُ ننتقل بين مختلف الكتابات التي اختزَلَتْ مشروع الجبران الفكري، أن نُظهِرَ بأن هذا الأخير لا يقدُّم “إصلاحًا دينيًا” بمعناه التقليدي، بل يدشِّنُ مرحلة لإعادة التفكير في جوهر الدين ذاته، بفهمهِ حدثًا وجوديًا يؤسِّس الإنسان ولا يُؤسَّس به. أي أنه كان ينظُرُ إلى الدين بوصفه أفقًا، يُعيد قراءة الإسلام من خارج سلطة المعبد ونظام الفقه، وسلطة الأحكام، وقبضة السياسة، لكنْ في الوقت نفسِه يقرأه من داخل التجربة النبوية في لحظتها التأسيسية التي تضع القيمةَ قبل الحكم، والإنسان قبل التنظيم. ومع ذلك، فلا يخلو المشروع الفكري لعبد الرزاق الجبران من توتُّرات فلسفية وتأويلية تحتاج إلى مزيد من التَّفكيك، والبحث والدراسة، خاصَّة فيما يتعلَّق بحدود القراءة الوجودية، ومدى ملاءمة هذا الإطار لفهْمِ التجارب الدينية التاريخية. كما أنَّ التركيز على “الدين المقلوب” و“قبضة الفقهاء”، وإن كان يضيء جانبًا مهِمًا من الإشكال، إلا أنه قد يختزل تاريخ التكوُّنِ الديني في ثنائية حادَّة بين النبوَّة والفقه، ممَّا يستدعي دراسات نقدية موازية تتناول التكوين الاجتماعي والسياسي للخطاب الفقهي.
__________________________________________
المراجع:
[1] – يمنى، طريف الخولي. الوجودية الدينية دراسة في فلسفة باول تيليش. مؤسسة هنداوي،ط1،2018. ص:19.
[2] Horizons philosophiques Pourquoi l’existentialisme est-il né de penseurs religieux? Gabriel Malenfant p9
[3] توماس، آرفلين. الوجودية مقدمة قصيرة جدا. ترجمة مروة عبد السلام. مؤسسة هنداوي،ط1،2013, ص: 53.
[4] جان، بول سارتر. الوجودية مذهب إنساني. ترجمة عبد المنعم الحفني.دون دار نشر،ط1،1964. ص: 5.
[5] Horizons philosophiques Pourquoi l’existentialisme est-il né de penseurs religieux? Gabriel Malenfant p9
[6] Ibid
[7] – إمام، عبد الفتاح إمام. كيركيجور رائد الوجودية حياته ومؤلفاته. دار الثقافة للطباعة والنشر، 1982.
[8] Ibid
[9] – لوك، فيري. أجمل قصة في تاريخ الفلسفة. ترجمة محمود بن جماعة. التنوير،ط1،2015. ص: 23.
[10] Ibid
[11] – عبد الرحمن، بدوي. دراسات في الفلسفة الوجودية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر،ط1،1980. ص: 46.
[13] – عبد الرزاق، الجبران. جمهورية النبي عودة وجودية. دون دار نشر أو طبعة أو تاريخ. ص: 7.
[14] المرجع نفسه: ص: 8.
[15] – عبد الرزاق الجبران. لصوص الله إنقاذ اليوتوبيا الإسلامية. دون دار نشر أو طبعة أو تاريخ, ص: 68.
[16] – عبد الرزاق، الجبران. الحل الوجودي للدين أنقلاب المعبد. الانتشار العربي، دون طبعة أو تاريخ نشر. ص: 5.
[17] – المرجع السابق.
[18] – المرجع السابق.