تكوين
- لاهوت بأبعاد ثلاثة…
في مسيرة الكائن الإنساني على هذه الأرض هناك دوما نزوع إلى الما وراء، وسعيٌ إلى عوالم الكمال، وبحثٌ مُضنٍ عن حقيقة هذا الوجود. ولعل السؤال الديني هو أكبر الأسئلة التي رافقت الإنسان، في بحثه عن المعنى، وعن المصير والخلاص. وبما أن الإنسان كائن عاقل على الأقل في حدود تطوره الأخير نحو ما سمي بالإنسان العاقل Homo sapiens، فإن تفكيره في الخلاص، وتفكيره في النشأة والمآل كانت دوما هاجسا مؤْرقًا يقترب من خلاله هذا الكائن إلى احتضان الظاهرة الدينية بأبعادها المختلفة، والسير وراء خُطتها، ومنظورها للخلاص، وتارة أخرى تبتعد به عن هذا الهدف، وتُحدد منظوره للعيش خارج النسق الديني برُمّته. وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة في تحديد هذا التعاطي مع الظاهرة الدينية، فيمكننا القول بأنّ موضوع الخلاص تحديدا هو الشيء الذي تقاسمته الفلسفة في بدايات تشكُلّها مع الظاهرة الدينية، مع الاختلاف الشديد بين الجوابين الفلسفي والديني لمسألة الخلاص. ولعل ما أثاره لوك فيري في كتابه «تعلّم الحياة» (Apprendre à vivre)، يمكنه أن يفيدنا في رسم ملامح البدايات الأولى للفلسفة، وكذلك الظاهرة الدينية على حدٍّ سواء، وهو تصوّرٌ قائم على ثلاثة أبعاد أساسية:
- فهْم ما هو قائم (نظرية): ويتأسس هذا البُعد في نظرة الإنسان إلى الوجود والعالم المحيط، ومنه تلك الأسئلة الوجودية المعبّرة عن النشأة والمصير:: من أين جئنا؟ أين نحن؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ كأننا أمام بُعدٍ للحكمة والمعرفة بالوجود القائم، حيث تحاول كل من الفلسفة والدين إعطاء رؤية متكاملة وشمولية حول المحيط والكون.
- التعطش للعدالة (علم الأخلاق): هنا تصبح طبيعة الفلسفة موازية مع الطبيعة الدينية، حين تحاول الإجابة عن «كيف ينبغي أن نعيش؟،» وتضع معايير أخلاقية من خلالها يتم التعامل مع الآخر الذي نشترِك وإياه في مُسمّى الوجود. وهنا تنتقل وظيفة الفلسفة من الإطار النظري إلى فنّ للعيش، أي أنها تمنحُنا المعايير التي من خلالها نحقق العدالة والمساواة وكل القيم الأخلاقية التي تُيسّر سبل الحياة وتوضحها.
- البحث عن الخلاص (الحكمة): ويمكن أن نعتبر هذا البُعد هو المحدّد الأساسي في كل فلسفة، وكل دين، لأنّ دون خلاص تغدو الفلسفة مجرد إطار نظري لا علاقة له بالواقع، كما أنه لا يُقلّص من حقيقة تنبعُ من أن الإنسان كائن مهجوس ومهووس بالمصير والمآل والخوف من الموت. معنى ذلك أنّ كلّ فلسفة حقيقية هي في نهاية المطاف وعدٌ بالخلاص، ليس بالمنظور الديني الصِّرف، ولكن على الأقل خلاصٌ من ألَمِ الوجود، وضيْق الحياة، والخوف من المصير المجهول.[1]
ليست هذه الأبعاد وحدها ما يؤطّر الظاهرة الدينية والفلسفية بالرغم من التباين الشديد بين المنطلقات والتصورات بينهما. ولكن هناك بُعدٌ آخر هو ما نريد الإشارة إليه داخل هذا البحث هو تجليات الظاهرة الدينية، أو تفسيراتها، وتأويلاتها المختلفة. بل حتى مفهوم الدين نفسُه يعاني من هذه الصعوبة في التحديد، فمثلًا حينما يريد هوايتهايد تعريف الدين، فإنه يُقرّ كما نُقرُّ جميعا أن هناك صعوبة شديدة قد تصل إلى حدِّ الاستحالة في تحديد مُسمّى الدّين، أو كيف يتكوَّن، أو أين يبدأ “الحقيقي” وينتهي “الزائف” منه. كأنّ كلّ تعريف للدين هو وضْعُ المزيد من الغموض والضبابية والشك على المفهوم بدل أن يبدِّدهُ. وبما أننا نواجه في حياتنا تعدُّدًا لا متناهيا من التصورات والذهنيات، والعقائد، فإن المطلوب من الباحث هنا ليس الإمساك بالحقيقة، بقدْرِ ما يتعامل مع الدّين بوصفه ظاهرة إنسانيةً مستمرة في التاريخ، تستحق الفهم قبل الحُكم[2].
وهناك مفارقة أخرى على حد تعبير هوايتهيد مرتبطة بالحديث في العموميات، وكيف تضفي على كل الأشياء نوعاً من الغموض والضبابية غير المحدودة. ومع الغموض تفقِدُ الأشياء روْنقها وقيمتها، لأنها لا تبنى على أُسُس واضحة ويقينية كما تُبنى العلوم. وهذا هو منشأ الخلاف والاختلاف في الدّين، فهو لا يملك مقاييس مماثلة؛ ولا حضوراً منطقيا، إذ كل ما يمكن قولُه عنه حسب طرح هوايتهيد، هو أنّ الدين تجربةٌ داخلية. وطاقة أخلاقية وروحية تُنقّي الإنسان وتوجّهه من الداخل. لكن هذا لا يمنعُنا من وضع تعريف للدين، يُقرِّبنا ولو بشكل نسبي من مسمّى الدين، خاصة مع الطرح الذي اقترحه هوايتهيد.
فمن منظور معتقدات الدين ومقولاته، فهذا الأخير ليس مجرد طقوس أو مؤسّسات، بل هو نظامٌ للحقائق العامة، يغيّر أخلاق الإنسان وسلوكه عندما يُعاش بإيمان صادق وعاطفة عميقة. فالحياة الدينية تبدأ كخبرة داخلية فردية، تُثري الذات وتُوجّهها، قبل أن تتحوّل إلى تأثير خارجي يتصل بالآخرين. أما القيم الدينية فهي المسؤولة عن تشكيل داخل الإنسان، بينما المجتمع والثقافة والأفكار تشكل الإنسان من الخارج، أي أنها محددات ثانوية وليست جوهرية في التحديد. فمن خلال هذا المنظور فالدين يمر بثلاث مراحل في نُموِّه: من الله إلى الفراغ ثم إلى الله، ومن الله إلى عدد الله، ومن العدو إلى الله الرفيق. فالدين إذن هو فن النظر في الحياة الداخلية للإنسان، وهو ينشأ من قناعة الفرد ذاته ويُشكّل إدراكه للوجود، وليس مجرد ظاهرة اجتماعية.
ما المشكلة إذن؟
إذا كنّا نُقرُّ بأن الدين هو فنُّ النظر في الحياة الداخلية للإنسان، وبأنّ المجتمع والثقافة والاجتماع البشري هي مُحدّداتٌ ثانوية، فإن ذلك يدفعُنا إلى أن نرى الدين من منظور مغاير يأخذ في اعتباره الأبعاد الثلاثة التي تحدَّثْنا عنها سابقا، أي البُعد النظري، والبُعد الأخلاقي، والبُعد الخلاصي، ولكن نُضيف إليه بُعًدًا آخر، وهو ما نفتقده في عالمنا العربي الإسلامي، وهو تبيئة الدّين، أو جعلِه مُواكبًا لضرورات العصر، ومقتضيات الاجتماع البشري، والتطورات الحاصلة في كل البُنى الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة. وحينما نتحدُّث عن هذه التبيئة، وهذه المَوْضعة، فالمقصود بالأساس فسْحُ المجال للدين أن يصبِح إنسانيا أكثر، لا باعتباره منتوجاً إنسانيا كما تشير إليه الأدبيات الماركسية كما سنرى لاحقًا، ولكن القصد هو التعامل بمرونة أكبر تجعلُه يستوعب كل المستجدات، والتطورات، والإشكاليات القادمة بأفقٍ إنساني رحْب. فمن جهة يبقى الدين متعاليا، ومن جهة أخرى يَظلُّ يواكب الظاهرة الإنسانية بما يسمح للمجتمعات العربية والإسلامية بالتطور والتقدم نحو أُفقٍ آخَر يمكن أنْ نسمِّيهُ الدينُ الوجودي أو الوجودية الدينية، ولنسأل ما سأله عبد الرزاق الجبران:
-
هل الدين أنْ تُقيم صلاةً في المعبد؟ أم الدين أن تُقيم إنساناً في الناس؟[3]
إذا أردنا الجواب عن هذا السؤال الوجودي، فلا بد أنْ نضعَه في سياق مفهوم الدين كما تم الترويج له في كل كتب الجبران بدءًا من كتاب لصوص الله، وانتهاءً بكتاب الرماد. مفهوم يتجاوز فيه حدود الطقوس، والممارسات الشكلية، إلى أبعاد روحية وإيمانية وإنسانية بقدْر اتساع ما يسميه بجمهورية النبي، وجمهورية الله. هذه الجمهوريات هي حدٌّ فاصلٌ بين الحرية والعبودية، ولكن ليس فقط العبودية هي ما ميَّزَت جمهورية النبي عن غيرها من جمهوريات المسلمين، كما كانت جمهورية أفلاطون هي نسخةٌ مزوَّرة عن مفهوم الجمهورية، باعتبار هذه الأخيرة تحمِلُ إنسانيتها معها. ولكن هناك شيئاً آخر ما ميَّزَ جمهورية النبي كما طرحها الجبران حيث يقول:”
لم تكن أزمة العبد والسلطان تلك فحسب سبب رفضي للإسلام التاريخي، وإنما لأن ذلك الإسلام عينُه كان عبدا للسلطان “.[4]
ماذا تعني لنا هذه التأملات في سياق الإجابة عن التساؤل السابق؟ إنها تأملاتٌ فلسفية جريئة تسائلُ من جديدٍ معنى الدّين، قبل أن تُسائل كل القضايا المرتبطة به من قبيل فكرة الإصلاح، والتجديد، والتأويل، والتطوير. لأنّ من شأن طرْحِ معنى الدين كما تحدَّثْنا عنه في مقدمة البحث ينتج لنا العديد من الفرضيات، والكثير من الإجابات، إنْ لم نقل من الصعوبات والتحديات. ولعل أهم التحديات التي يطرحُها معنى الدين على الأقل في السياق العربي الإسلامي الذي يهمُّنا بشكْلٍ أكبر هو الصراع القديم بين الحرية والسلطة، بين الله والإنسان، بين الوحي الذي أراد تحرير الإرادة، وبين العقيدة التي أسَرَت العقل والفعل. لهذا نطرح السؤال السابق ليس من قبيل الرّغبة في تشكيل هوَّةٍ كبيرة، وفجوة بين الإنسان والدين، أو وضْعِ السؤال الديني موضع النّقد والشكّ.
بل على العكس من ذلك، فالسؤال هنا والنّقد مُوَجّهٌ للكيفية التي تحوّل فيها الدين إلى سلطة تكبّل العقل الإنساني، وتأسِرُ الإرادة البشرية، و تُشَيِّءُ الإله وتحوّلُه إلى سلطة أرضية تحكم باسم السماء، في الوقت الذي يجب أن يكون الدين فسحةً وفضاء رحْبا لينطلق الإنسان إلى حيث يلتقي بإنسانيته. وربما هذا هو ما طرحه الجبران في كتابيه «جمهورية الله» «جمهورية النبي»، حيث يرى بأننا لسنا أمام مملكة الغيب يسكُنها الإله ويمارس فيها سلطته المطلقة، كما تجسَّدَ ذلك في تاريخنا الإسلامي الطويل، وإنما نحن أمام نظام ديني ابتكره الإنسان، وشيَّد على أساسه مملكته السلطوية، محتكرًا اسم الله، وموقِّعًا باسمه كما كتب عن ذلك ابن قيم الجوزية في كتابه المشهور “إعلام المُوَقِّعين عن رب العالمين“. وإذا كانت جمهورية الله هي جمهورية العدل المطلق، فجمهورية الكهنوت الذي اختطف اسم الله، هي جمهورية تدار بالخوف، واعتقال العقول، حيث يُقاس الإيمان بمقدار الانضباط لا بعمق الوعي، وتقدِّس الحقيقة على الشكل بعيداً عن الجوهر، ويكرَّس الخضوع بدل أنْ توقَظ العقول.
وفي الجهة المقابلة تقف جمهورية النبي محاولة استعادة نقطة الانطلاق الأولى، حيث النبي يُجسِّد المثال الأعلى للقيم الإنسانية، قبل أنْ تقمَعها سياسات الكهنوت الديني والسياسي المتعاقِبيْن على تاريخ الحُكم الإسلام. فترةٌ عاشها النبي وعاشها معه أصحابه والمشبَعين بروح النبوة، قبل أن تتسلّل إليها روح الكهنوت، ومصالح الساسة، ومغانِم السلطة. نحن بإزّاء جمهورية لا سيادة فيها إلا للإنسان، وكأننا أمام مدينة فاضلة النبي فيها ليس حاكمًا ولا مُشرّعًا سلطويًا، بل صوت الضمير الإنساني في أعلى درجات صفائه، محمَّلا بالقيم، ومرشدًا بالكلمة الحسنى. وبالتالي فالدين من هذا المنظور يقارب إلى كبير ما أشار إليه هوايتهيد مع اختلاف المنطلقات والمرجعيات. فهنا لا مكان للمعبد ولا للشعائر ولا الطقوس. بل الدين مشروع لإقامة الإنسان في الناس، أي لجعْلِ كلّ فرد حاملًا لجوهر النبوة وقيمها المثلى، وكأننا في جمهورية الروح والإيمان المطلق، حيث تكون النبوّة شعلة من الطاقة الخلّاقة، لا شيئا متعاليا في الزمان والمكان، ويكون الإيمان قبسٌ من نور الله، وليس عقدَ إذعان، أو سلطةَ إكراه.
وإذا عدنا إلى السؤال الجوهري الأول الذي طرحناه يمكننا الجزم بناءً على ما سبق، وأيضا بناء على قراءات كتب الجبران المختلفة، والتي أشرنا إلى بعضها في سياق حديثنا عن الجمهوريات، بأنه لا يسعى إلى تقويض الدين أو نفيِه، كما لا ينطلق من نفسية وذهنية حاقدة ترى في الدين العائق الوحيد نحو التحرير. بل على العكس من ذلك فإنّ السؤال في حدِّ ذاته، هو تحرير الإنسان من القوالب الجامدة التي حوّلَته من رسالة لإحياء الإنسان إلى منظومة شكلية تُميت روحه. لم يكن هذا السؤال مجرد استفسار محايد، أو بريء، بقدْر ما كان أيضا صرخةً احتجاجية ضدّ واقعٍ لم يعُدْ الدين فيه نورًا يمشي بالناس إلى حيث الصراط المستقيم. وإنما تحوّل الدين إلى أشكال من الروتين اليومي، خاصة مع سيادة التشريع الفقهي، حيث تحوّلت العبادات إلى طقوس جوفاء، وحركات منزوعة الأهداف، كما غدَت المعابد والمساجد مجرد مراكز لتعزيز سلطة الحاكم المطلقة، وتوظيف الدين لأغراض سياسية، ومصالح طائفية وفئوية، بدل أن يكون المعبد فضاءً للسموّ والتزكية.
ولمعرفة ما تختزله المقولة السابقة من معانٍ وقيم، يمكننا التذكير بجزئها الأخير:«أن تُقيم إنسانًا في الناس»، فالرهان الديني حسب هذا المنظور هو أنْ تقيم إنسانا في الناس، أو بتعبير أدقّ أن تُنتِج إنسانا في واقعٍ يعمل على هدر الطاقة الإنسانية بكل مستوياتها نتيجة التحالف المغرض بين السلطة الدينية والسياسية خلال مدارات التاريخ الإسلامي. ولعل البداية الأولى لهذا المشروع الإنساني هو أن نحرّر هذه الطاقة الإنسانية من الهدر المتعمد، حيث يصير الإيمان الحقيقي ليس في العزلة، بل في الفعل الاجتماعي. من هنا يصبح الدين الحق هو أن تُقيم في قلبك إنسانًا قادرًا على الحبّ، والعطاء، والإنتاج، والإنصاف. كما ينقلب إلى مشروع حضاري لا تهيمن فيه السماء على الأرض، بقدر ما تتوطّد العلاقة بين الاثنين، أي بين السماء والأرض، والروح بالفعل، والإيمان بالمواطنة.Bas du formulaire
-
النقد الماركسي للدين: من الاغتراب إلى التحرّر
لنعد قليلاً إلى ما تحدَّثْنا عنه سابقا ونطرح السؤال التالي: هل الماركسية والدين غير قابلَينْ للتوفيق؟ هل هناك تعارضٌ عميق بين الماديّة الجدلية والتاريخيّة كما علّمها كارل ماركس وإنجلز ولينين وستالين، وبين الإيمان بإلهٍ سيّدٍ خالقٍ للسماوات والأرض، فادي العالم، ومُجازي الإنسان في حياةٍ أخرى؟
للجواب عن هذه الأسئلة يقترح علينا هنري لوغو Henri Legault[5] إجابات اعتَدْنا سماعها بالنسبة للعلاقة الجامعة بين الماركسية والدين، بل يمكننا الجزم أن البحث عن إمكانية التوفيق بين الدين والماركسية نادرة جدًا، إن لم نقل منعدمة، وذلك راجع لمجموعة من الاعتبارات. ولكن لوغو أيضا يسير في هذا المضمار الرافض لأي توافق، فبالنسبة إليه كل من درسَ ولو قليلًا من العقيدة الماركسية، لا يمكن أنْ يشُكَّ في العلاقة المستحيلة بين الدين والماركسية. ويؤكد على أن المادية الجدلية والتاريخية قد حاربَت الدين باسم مبادئها الأساسية. وأحد هذه المبادئ هو أنّه لا وجود إلّا لواقعٍ واحد: المادة، بقواها العمياء. فالنبات، والحيوان، والإنسان ليسوا إلّا نتيجة تطوّرها. وبالمثل، فالمجتمع الإنساني ليس سوى مظهرٍ أو شكلٍ من أشكال المادة التي تتطور وفق قوانينها الخاصة؛ وبحتميةٍ لا مفرّ منها تميل، من خلال صراعٍ دائمٍ بين القوى، نحو التركيب النهائي: المجتمع اللاطبقي.
ومن خلال هذا المنظور الذي يقترحه لوغو وغيره من الكُتّاب الماركسيين، فمن الواضح أن داخل النسق الماركسي لا مكان لفكرة الله، وبالتالي لا وجود للدين في المنظور المادي للماركسية، خاصّة أن هذه الأخيرة لا ترى فرْقًا بين الروح والمادة، والنفس والجسد، كما أنها تنفي كل الغيبيات بما في ذلك إمكانية وجود حياة بعد الموت. وهذا التمييز يجعل من إمكانية التوفيق حسب لوغو إمكانيةً مستحيلة، خاصَّةً أنّ الدين يؤمِنُ بإلهٍ كُليِّ القدرة وعادلٍ بلا حدود، يُعاقب في الحياة الأخرى على ظلم البشر، ويدعو إلى الزهد في خيرات الدنيا، وخاصة إلى المحبّة والإحسان. وهذا كافٍ تمامًا ليجعل الماركسيين يصنّفون الدين ضمن فئة «الإيديولوجيات الضارة والخطيرة». بل إنّه أخطرها جميعًا، لأنه العقبة الكبرى أمام تحقيق المثال الشيوعي.
وليس فقط ما قلنا سابقا هو المبرر الوحيد لتفسير هذا التباين بين الدين والماركسية، بل هناك مواقف كثير يقف فيها ماركس الخصم العنيد ضدّ الدين، دون أن تسمح القراءات المتعددة التي أتت بعده بمحاولة فهمِها بعيدًا عن التصلُّب والجمود. فلوغو ينقل لنا بأنّ ماركس كان يُلقي باللعنة على كلّ من لا يكرَه الآلهة كلّها، وكلّ من «لا يعترف بالوعي الإنساني كأسمى ألوهية» .فبالنسبة له، «نقد الدين هو الشرط الأول لكلّ نقد»، لأنّ الدين هو «أفيون الشعوب».
أما إنجلز، فكان يردّ على بعض الشيوعيين الفرنسيين الذين يستشهدون بالكتاب المقدّس قائلًا: لو كانوا يعرفون الكتاب المُقدّس حقّ المعرفة،
«لأدركوا أنه، رغم بعض المقاطع التي قد تبدو مؤيدةً للشيوعية، فإنّ روحه العامة ومضمونه يتعارضان تمامًا معها، كما يتعارضان مع أيّ رؤيةٍ عقلانيةٍ حقًّا».
ويؤكّد لينين أن
«الأساس الفلسفي للماركسية هو المادية الجدلية… وهي ماديةٌ لا ريب في إلحادها، ومعاديةٌ بحزمٍ لكلّ دين».
أما ستالين، الديكتاتور السوفييتي و«أوفى تلاميذ لينين»، فقد أصدر عام 1935 الشعار الآتي:
لا حياد تجاه الدين».
ضدّ ناشري الخرافات الدينيّة، وضدّ الإكليروس الذين ما زالوا يُسمِّمون الجماهير العاملة، لا يمكن للحزب الشيوعي إلّا أن يُواصِل الحرب عليهم. تلك هي الصورة الحقيقية للماركسية، أو ما يُسمّى بالشيوعية الإلحادية.
يبدو بأن الناظر في الأدبيات الماركسية يكتشف حجم النصوص المعادية للدين، وهي منسوبة لكبار الماركسيين، بدءًا من المؤسس الأول، وصولا إلى تجسيدات الماركسية في عالم السياسة والاقتصاد. وهنا يخبرنا لوغو بأن العقيدة الماركسية في بدايتها كانت عنيفة وشديدة في التعامل مع الدين. لكن سرعان ما أدركت هذه العقيدة أنّها بهذه الطريقة تنفّر الشعوب منها، فغيّرت تكتيكها، وصارت تسعى إلى جذب الجماهير بمختلف أنواع الخداع، فتُخفي مقاصدها الحقيقية خلف أفكارٍ تبدو في ذاتها طيبة وجذّابة. في حين أنها الشر المستتر.
هكذا تم تغيير الخطط والتكتيكات المرحلية، وتم الاحتفاء بالسياسة الدينية الجديدة التي انتهجتها الحكومة السوفييتية منذ عام 1939. وقد تم خداع الكثيرين حين اعتقدوا بأن تغيُّر الأساليب يعني تغيُّر الذهنيات والعقليات المسيطرة على القادة السوفييت فسقط الكل سريعًا في تفاؤلٍ ساذج. غير أنّ الواقع لا يرتفع، وسرعان ما ظهرَتْ تصريحات لقادة كبار من حجم لينين وستالين تفند كل هذا الالتباس، وتُدحِضُ نظرية التفاؤل، وهو حصول تقارُبٍ بين الدين والماركسية في هذا البلد. لقد سقَط الكثيرون في خديعة ومكْرِ الشيوعية بتعبير لوغو، كما وقَعَ البعض في هذا الفخ الفكري، حيث كان هناك من يفرِّق بين الشيوعية الاقتصادية والدين، ويرون في كلّ خطوةٍ ظاهرها إيجابي من الماركسيين علامةَ تحوّلٍ روحيٍّ عميق. لكن ها هو لينين نفسه يردّ على هؤلاء الواهمين فيقول:
“بالنسبة إلى من يُهمل جوهر الماركسية، أو لمن لا يعرفون – أو لا يريدون – أن يُفكّروا، تبدو هذه القصة عقدةً من التناقضات السخيفة والتردّدات المزعومة داخل الماركسية؛ مزيجًا من الإلحاد «الصارم» والتساهل مع الدين، وتردّدًا «بلا مبدأ» بين الحرب الثورية ضدّ الله والرغبة الجبانة في «مجاملة» العمال المؤمنين، خوفًا من تنفيرهم، إلخ. ويمكن أن نجد في أدبيات الثرثارين الفوضويين الكثير من الانتقادات من هذا النوع ضدّ الماركسية[6].
لكن ما هو مؤكد من خلال بحث لوغو هو أن التأمل فيما يسميه بالعقيدة الماركسية، يعطينا انطباعًا تامًا أننا أمام أسس ومبادئ وتصورات، وتجارب تؤكد بسهولة أن موقف الماركسية من الدين كان سياسة منسجمة تمامًا ومدروسة بعمق من طرف ماركس وإنجلز؛ وأنّ ما يراه الهواة أو الجهّال «تردّدًا» ليس في الحقيقة إلا نتيجة مباشرة وحتمية للمادية الجدلية.” ويُضيف لينين أنّ الخطأ الكبير أن نفهم بأن تغير الأسلوب والوسيلة يعتبر تنازلًا أو تفريطًا في المبادئ الصلبة للماركسية، أو مرونة في عقيدتها الثابتة. فالماركسية كما كان يراها في جوهرها، عدوّ للدين، ومادّيةً صِرفة لا تؤمن بغير العالم المحسوس.
معنى ذلك أنه ليس هناك أي مجاملة في هذا السياق، فكل اعتقاد كما يقول لوغو ب «الاعتدال» الظاهري للماركسية تجاه الدين يمكن تفسيره بدواعٍ «تكتيكية» — كالرغبة في «عدم تنفير» الناس، وما إلى ذلك — هو خطأٌ كبير. لأن الخطّ السياسي للماركسية في هذه المسألة، ومبادئها المعروفة، والمتعارف عليها، سواء ماديتها التاريخية، أو ماديتها الجدلية، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعلاقتها بالدين، والنظرة إليه. وهذا هو الهدف الذي سعت إليه أطروحة لوغو، حيث إنه سعى تحديدًا إلى إظهار أنّ نقد الدين ليس مجرد جانبٍ من جوانب العقيدة الماركسية، بل هو جوهر المادية الجدلية والتاريخية نفسها، وأنّ الشيوعية الماركسية من حيث المبدأ لا تنفصل عقائديًّا عن نقد الدين.[7]
-
الدين أفيون الشعوب: نحو رؤية أكثر انفتاحًا
قبل أن نتحدث عن مقولة الدين أفيون الشعوب المنسوبة لماركس، لا بد من التذكير بأن النصوص مثلها مثل غيرها من الكائنات الحية، تحيا كلما وجدت شروط الحياة الممكنة، وتموت حينما تنعدم التفاسير، ويضيق الفهم، ويتعسر التأويل. هذا نفسه ما حدث ولا زال يحدث فيما يعرف بالتجديد الديني في سياقاتنا الإسلامية، فكلما شعرنا بالحاجة إلى التجديد، أو أقررنا بضرورة إيجاد صيغ من التدين تساير العصر، وتواكب التطورات، إلا ووجدنا أصواتًا من هنا، ودعوات من هناك تحاول إدامة الوضع الحالي، وتسعى إلى تجميد الفهم بما يسمح لإيديولوجيات بعينها بالسيطرة على مقدرات الناس الفكرية والعقلية.
وانطلاقًا من هذه المعطيات نريد أن نفهم أيضًا مقولة تذكرنا بتجربة الاغتراب كما جاءت في الأدبيات الماركسية، خاصة مع المؤسس الأول ماركس ومن تلاه كإيريك فروم، وهي تجربة إنسانية، تسائل جوهر الإنسان وظاهره، كما أنها تضع المسألة الدينية في قلب الأزمة على أساس أن مفهوم الاغتراب تبلور ونشأ وترعرع في أحضان الماركسية، خاصة ذلك النص المشهور لماركس:
” إن أساس النقد غير الديني هو: إن الإنسان يصنع الدين، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان. يقينا إن الدين هو وعي الذات والشعور بالذات لدى الإنسان الذي لم يجد بعد ذاته، أو الذي فقدها. لكن الإنسان ليس كائنًا مجردًا جاثمًا في مكان ما خارج العالم. الإنسان هو عالم الإنسان، الدولة، المجتمع. وهذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين، الوعي المقلوب للعالم، لأنهما بالذات عالم مقلوب. الدين هو النظرية العامة لهذا العالم، خلاصته الموسوعية، منطقه في صيغته الشعبية، موضع اعتزازه الروحي، حماسته، تكريسه الأخلاقي، تكملته الاحتفالية، عزاؤه وتبريره الشاملان. إنه التحقيق الوهمي للكائن الإنساني، لأن الكائن الإنساني لا يملك واقعًا حقيقيًا. إذن فالصراع ضد الدين هو بصورة غير مباشرة صراع ضد العالم الذي يؤلف الدين نكهته الروحية. إن التعاسة الدينية هي في شطر منها تعبير عن التعاسة الواقعية، وهي من جهة أخرى احتجاج على التعاسة الواقعية. الدين زفرة الإنسان المسحوق، روح عالم لا قلب له، كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طرد منها الروح. إنه أفيون الشعب “[8].
إن مفهوم الاغتراب الذي تحدث عنه ماركس مبثوث في هذا النص بشكل جلي، وهو واحد من أكثر النصوص الفلسفية عمقًا وإثارةً للجدل في الفكر الحديث، ليس لأنه يهاجم الدين بوصفه منظومةً من المعتقدات كما هو متداول وشائع بين مختلف التيارات المناوئة للاتجاه الماركسي، وإنما لأن ماركس كان يبحث عن كشْفِ الجذور الاجتماعية والإنسانية للدين. ومن هنا يصبح هذا الأخير جزءًا من الاجتماع البشري، والظواهر الإنسانية، بدل أن يبقى متعاليًا عن التجديد والتطوير والملاءمة. إن النص الذي يشير فيه ماركس إلى:
“إن الإنسان يصنع الدين، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان. يقينًا أن الدين هو وعي الذات والشعور بالذات لدى الإنسان الذي لم يجد بعد ذاته، أو الذي فقدها.”
ففي هذه العبارة تتأسّس رؤية ماركس لمفهوم الاغتراب الديني، حيث لا يجب أن ننظر فقط في سياقات المقولة الحرفية لنحكم بأن ماركس هاجم الدين، أو كان عدوًا له، بقدر ما يجب أن نرى فيه إمكانية أخرى، وهي أن ماركس كان يرى أن الدين ليس علةَ فقدان الإنسان لذاته، بل هو عرضٌ من أعراض هذا الفقدان. أي أن اغتراب الإنسان عن جوهره الإنساني، وبالتحديد حينما يفقد السيطرة على المصير والمآل، تنشأ عنه الحاجة إلى خلق وعيٍ بديل، وبهذا يُصبح الدين تجسيدًا رمزيًا لعجْز الإنسان أمام العالم.
إن مقولة ماركس تنبني على سياق يرى فيه الإنسان ليس باعتباره كائنًا مجردًا، أو كائنًا متعاليًا عن شروط إنتاجه. بل على العكس من ذلك كان حديثه يراهن على الإنسان في بعده الاجتماعي، أي ذلك الإنسان المحاصَر من بُنى الدولة والمجتمع والعلاقات الاقتصادية. فحين يقول:
“الإنسان هو عالَم الإنسان، الدولة، المجتمع، وهذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين“
فهو يريد نوعًا من تجديد الوعي الديني، سواء تعلق الأمر بالدين كما فهِمهُ هو نفسُه، وانتقده في زمانه، أو الدين كما يتشكل داخل سياقات ثقافية ومعرفية معينة محكومة بالزمان والمكان، وضرورات الاجتماع البشري. هذا الوعي الديني ليس شيئًا معلقًا في السماء، أو نابعًا دومًا من جهة علوية متعالية عمّا هو أرضي، بل هو انعكاس لشروط الحياة المادية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان. لذلك فالدين، في جوهره حسب النص الذي انطلقنا منه سابقا والمنسوب لماركس، يعتبر أحد تجليات “الوعي المقلوب للعالم“، لأن هذا العالم نفسُه مقلوبٌ في جوهره، بل حتى الماركسية نفسها هناك من اعتبرها قلْبًا لجدلية وديالكتيك هيجل. ففي المجتمع الرأسمالي الذي ينتقده ماركس؛ حيث سيادة الجشع البرجوازي، وسوء استغلال الطبقات المعدومة والمحرومة، أو بتعبير فانون المعذبين في الأرض، يصير الدين مجرد لغةَ عزاءٍ وخلاصٍ رمزي، يرى فيها الإنسان المحروم أو المهدور- كما تحدث عنه مصطفى حجازي في قراءاته السيكولوجية لمجتمعاتنا العربية- إعادة التوازن المفقود في حياة الإنسان. من هنا فإن الدين من المنظور الماركسي هو تعبير عن الواقع المزري الذي تعيشه الطبقات العاملة، وفي الوقت نفسه هو احتجاج عليه. فهو زفرةُ المظلوم وصرخةُ من لا صوت له، كما يقول ماركس:
“إن التعاسة الدينية هي، في شطرٍ منها، تعبيرٌ عن التعاسة الواقعية، وهي من جهةٍ أخرى احتجاجٌ على التعاسة الواقعية.”
وإذا كان هذا هو التصور الماركسي للدين، فإن إمكانية النظر إلى النص السابق نظرة مغايرة تمنحنا إمكانات أخرى، هو السبيل الوحيد للخروج من الشرنقة التي تضعنا فيها بعض الإيديولوجيات المنغلقة، وبعض السرديات التي تأسر الفهم، وتحبس الفهم وإمكانية التجديد. وليست هذه الإمكانية سوى أن نتعامل مع الدين لا باعتباره شرًا مطلقًا، أو مظهراً من مظاهر التخلف، بقدْر ما هو شكلٌ من أشكال الوعي الذي يعبِّر عن حاجةٍ حقيقية لدى الإنسان المغترب. لكن مشكلة هذا الوعي ليست هي مصداقيته الوجدانية، ولا تعبيره الحقيقي عن الاغتراب الإنساني، وإنما في كوْن هذا الوعي يجعل الإنسان حبيس الوهم، وأسيراً لمفاهيم وإيديولوجيات تُعزّيه عن واقعه بدَل أنْ تكون دافعًا حقيقيا لتغييره. وربما هنا نفهم مقولة ماركس:” الدين أفيون الشعوب ” فهماً يعطينا الانطباع أن الأفيون يُسكِّن الألم دون أن يزيل سببه. وهي عبارة قوية وصادمة خاصة في سياقات مجتمعات تقدِّس الدين، وتتعالى به على الاجتماع البشري. ولكن بالتأمل والتفكير في إمكانات أخرى يمنحنا إياها نص ماركس الغني، قد نرى فيها تشخيصًا اجتماعيًا أكثر مما هي حُكمٌ أخلاقي، أو تهجُّمٌ غير لائق على سرديات دينية لها أتباعها بالملايين، ومتعصِّبون أخرجوا الدين من صِبغتهِ الإنسانية، وروحه العالمية، إلى آفاق ضيقة من التشريعات والأحكام التنظيمية المرتبطة بزمانها ومكانها.
وانطلاقا من هذه المعطيات، فإن المقولة السابقة تمنحنا فهْماً مُغايرا للنقد الديني عند ماركس، إذ أن هذا الأخير ليس ازدراء للإيمان، أو تنقيصاً مُبالَغا فيه من أهمية الدين داخل المنظومة الإنسانية، وإنما محاولة ماركسية جادة لنقد العالم الاستغلالي المتوحش الذي يدفع بالإنسان أن يختار الوهم، بدل أنْ يتمسك بالواقع. وبالتالي فإنّ الإنسان المُغترِب داخل هذا العالم المليء بالاستغلال والتوحُّش الإنساني الرأسمالي، سيكون عاجزا عن تحقيق إنسانيته، أو العودة إلى جذوره الوجودية، ما دام هذا العالَم يُطبِق عليه أسواره وحصونه، وسيلجأ دوماً إلى ما يكون له عزاءٌ أو تخفيف. لذلك فإن التحرر من الاغتراب الديني لا يتحقق بإلغاء الدين من حياة الناس، بل بتحرير الإنسان من الظروف التي تُنتج اغترابه، أي بتحقيق العدالة والكرامة في الحياة الواقعية، بحيث لا يحتاج الإنسان إلى عزاءٍ وهمي ليعيش معنى وجوده.
التجديد الديني بوصفه تحرُّرا ذاتيا
إن المسار الممتدّ من ماركس إلى فروم لا يمكن قراءته خارج مطلب التجديد الديني، لأنّ كليهما يتوجهان إلى الجذر نفسه: تحرير الإنسان من القوالب المغلقة التي تُصادر حريته في التفكير والإصغاء إلى ذاته. فإذا كان ماركس قد رأى في الاغتراب انفصال الإنسان عن ذاته ونتيجةً لتشييئه داخل منظومات اقتصادية وتقنية ودينية جامدة، فإن فروم يدفع هذا الوعي خطوةً أبعد نحو ما يمكن تسميته بـ”التوحيد الوجودي للذات“، حيث لا خلاص للإنسان إلا بالعودة إلى الإصغاء العميق لصوته الداخلي، أي إلى نبوّته الخاصة، التي تشكّل لبّ التجديد الروحي.
التجديد الديني في هذا السياق لا يعني إعادة ترتيب الخطاب الديني أو تلطيف لغته، بل يعني تحرير الدين نفسه من التلقين والجمود، وإعادته إلى جوهره الحيّ الذي هو تجربة ذاتية متفجرة بالأسئلة والقلق. وإذا كان فروم تحدث عن فن الإصغاء[9]، فإنه تحدث عن الوجه الإنساني للتجربة الإيمانية الأصيلة: أن تكون في صراع مع نفسك، أن تسائل الموروث لا لتلغيه، بل لتجعله حيًّا فيك. وهنا يصبح “الانفتاح” شكلاً من الإيمان النقدي، الذي يوازن بين الوحي والعقل، بين النص والإنسان، بين القداسة والحياة. وإذا كان الجمود هو شكلٌ آخر من “الاغتراب الديني”، فإنّ الإصغاء إلى الذات هو فعل تجديدٍ للروح يعيد للدين معناه الإنساني، وهو تحرير الإنسان من الخوف والوصاية. فالدين المتجدّد في هذا الأفق لا يُلقّن بل يُحرّض، لا يفرض يقينًا بل يفتح باب التساؤل، تمامًا كما يقول الحلاق: “المنفتح لا يلقن، يحرض فقط“[10]. بهذا المعنى يصبح الإصغاء فعل عبادة، والقلق لحظة وحي، والانفتاح طريقًا إلى التحرر من عبادة الأصنام الذهنية التي عطّلت التجربة الدينية عبر التاريخ.
ومن ثمّ، فإنّ التجديد الديني، كما يوحي به مشروع الحلاق، ليس مشروع مؤسسة، بل مشروع إنسان: أنسنة الإيمان، وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمقدّس على أساس الحرية والوعي والمسؤولية. هو انتقال من إيمان الجماعة إلى إيمان الذات المفكّرة، ومن الخضوع إلى المشاركة في خلق المعنى. فكما تحرّر فروم من عبودية السوق، يتحرّر الحلاق من عبودية الخطاب، وكلاهما يلتقيان عند جوهر التجديد: أن تُعيد الإنسان إلى مركز التجربة، وأن تجعل من الإصغاء إلى الذات مقدمةً للإصغاء إلى الله، لا عبر وسيط أو سلطة، بل عبر الحرية التي هي أولى علامات الوعي الديني المتجدّد.
إذا كان فروم قد أكد على اغتراب الإنسان عن ذاته، وصار ضحية لما تصنعه يداه، فإن جمال علي الحلاق قد أكد على المعنى ذاته من خلال كتابه، أو لنقل بتعبير أدق أوراقه الفكرية والأدبية المعنونة بفن الإصغاء إلى الذات: قراءة في قلق المنفتح. ولكن بأفق آخر هو أقرب إلى الشذرات منه إلى الأبحاث الأكاديمية المثقلة بالحس المنضبط، والصرامة المنطقية. نحن هنا أمام تجليات الإصغاء في عالم صاخب ومُتشظٍ إلى الحد الذي لا يمكن أن تجمع شتات العقل فيه. ولكن الأهم في كل هذا السياق، ليس هو طبيعة الكتاب، ولا حجمه، بقدر ما هي أسئلته الكبرى: هل نستطيع أن نصغي إلى أنفسنا؟ وهل تتيح لنا البُنى الثقافية والاجتماعية والدينية أن نكون ذواتًا فاعلة، متأملة، مفكرة، وحرة؟ في هذا العمل، لا يقدّم المؤلف مجرد مرافعة فلسفية عن “الذات”، بل يحفر عميقًا في طبقات التكلّس التاريخي الذي خنق قدرة الإنسان العربي، أو “المنفتح” كما يسميه، على أن يعيش ذاته دون تواطؤ مع القطيع، أو خيانة لعقله.
في مواجهة التكلس الذي تعيشه ثقافتنا ومجتمعاتنا وإنساننا، لا بد من استحضار شكل هذه الثقافة التي نحياها، لا يكفي أن نشخص المرض دون أن تكون لدينا القدرة على اجتراح العلاج أو المخرج من المأزق الوجودي الذي يعيشه كل واحد منا بمستوى من المستويات. لهذا الإصغاء إلى الذات يرفض أن يكون فيه المرء غبيا، أي أن يخوض تجربة التلقين. وحينما نتحدث عن التلقين، فإننا نتحدث عن تكرار الأقوال والأفكار، ومعاودتها، واستنساخ التجارب الإنسانية بما يجعل من صورة الذات صورة باهتة من شخصيات تاريخية كتبت واقعها، واستوردناه منها دون أن تكون لنا إمكانية الاطلاع على صلاحيته وراهنيته.
- من التعدّد إلى الكونيّة في الدين
لقد سبق أن طرحنا أهمية الدين في مسار تطور الكائن البشري، فأحد التجليات الأساسية لعقلانيته، أو تفسيراته للوجود الذاتي هو بحثُه المستمر عن أجوبة لأسئلته الوجودية، ومنها نشأته الأولى، وصيرورة تفكيره، ومآله ومصيره. هكذا هو الإنسان منذ أن نشأ على هذه الأرض لم تُفارق مخيّلته فكرة الدين، لا من زاوية الدين الحقيقي كما تمثَّلَها الإنسان المعاصر، ولكن من زاوية وجودية تستحضر ما بدأنا به بحثَنا من أبعاد نظرية وأخلاقية وخلاصية. وللجواب عن سؤال التعدد والكونية، يحضرنا في هذا السياق ما كتبه ديميتري أوفينانغا-كومو Dimitri OVENANGA-KOUMOU في بحث له بعنوان:” الاغتراب الديني بين فويرباخ وماركس: الدين كستار “[11]. بحثٌ ينقلنا إلى قضية الاغتراب بين فيلسوفين كبيرين ماركس وفويرباخ، ولكن قبل البحث هناك إشارات تبدو في غاية الأهمية لفهم موضوع الاغتراب. لعل أهمّها أن الإنسان كائن مشدود نحو آفاقٍ أخرى يراها أكثر نفعًا لحياته. لأنه محدود الموارد، وضعيف القوة بالمقارنة مع باقي الحيوانات، لهذا تشِحُّ في وجهه الطبيعة، ويواجه قساوة الحياة ومشاكلها، ويترك أمام ثغراتٍ وفراغاتٍ في وعيه، تنجرف به إلى تصوّراتٍ تتجاوزه. هذا هو المنشأ الذي درَجَ عليه علماء الاجتماع والأنثروبولوجيون في فهمِهِم للظاهرة الدينية، فهي وليدةُ الحاجة والرغبة في كشْفِ المستور.
ولكي نفهم بشكل مكشوف معنى الدين يحاول ديميتري أنْ يضعنا أمام تفسير لغوي لهذه الكلمة، والأصل اللاتيني لمفهوم الدين لا يُخفي شيئًا، بل يكشف كلّ شيء في هذا الصدد. فهو مشتقّ إمّا من الفعل relegere الذي يعني «الاحترام»، والذي توسّع معناه ليشير إلى «تخصيص العبادة»، أو من الفعل religare الذي يعني «الربط» أو «الوصل». ومن هذا الاشتقاق يمكن أن نستنتج أنّ الدين يشير إلى العلاقة العامة القائمة بين الإنسان وقوةٍ روحيةٍ عُليا يُنظر إليها كقوةٍ حاميةٍ له.
إنّ الفكرة التي ينطلق منها ديميتري هي أن الدين متنوّع وعالميّ في آنٍ واحد لسببٍ بسيط: لأنّه يقوم على الإيمان بقوةٍ عُليا، قد تكون ذات أصلٍ إلهي أو من نوعٍ آخر. ويُستعمل المفهوم عادةً للدلالة على الرابط الذي يوحّد الإنسان بالله، أو – بشكلٍ أوسع – بالمقدّس. هذا على الأقل ما أوضحه عالم الاجتماع إميل دوركهايم ووسّعه بدقّة في تعريفه الشهير، حيث اعتبر الدين
«نظامًا متماسكًا من المعتقدات والممارسات المتعلّقة بالأشياء المقدّسة، أي المنفصلة والمحرّمة، وهو نظام يوحّد جميع المنتمين إليه في جماعةٍ أخلاقيةٍ واحدة تُسمّى الكنيسة[12].»
من هنا، تتجلّى كونيّة الدين لا من حيث التزام أفراده بمعتقداته وطقوسه وتشريعاته وإنما من حيث قدرتهم على الإحساس والشعور بأن هناك رابطة عُلوية تجمعهم، وتؤلِّف بين قلوبهم، بالرغم من اختلاف بيئاتهم وأفكارهم وتصوراتهم. وانطلاقا من هذه النقطة تحديدا حسب ديمتيري لا يمكن القول عن أيّ دينٍ إنّه خاطئٌ أو باطل… أو عبثيّ، لأنّ الأمر كما أكد دروكهايم في النص السابق يجعل من الدين وسيلة لتوحيد الشعوب، وجمْعِ وحشْدِ الناس عبْر فكرة الإيمان. فالمجتمع الذي يكون أعضاؤه متَّحدين لأنّهم يتصوّرون العالم المقدَّس وعلاقاته بالعالم الدنيويّ بالطريقة نفسها، ويترجمون هذا التصوّر المشترَك في ممارساتٍ متشابِهة، هو ما نسمّيه «كنيسة». ولا نجد في التاريخ دينًا بلا كنيسة. فتارةً تكون الكنيسة وطنيةً ضيّقة، وتارةً تمتدّ إلى ما وراء الحدود؛ وتارةً تشمل الأمة بكاملها، وتارةً لا تضمّ إلاّ جزءًا منها (كما هو الحال في المجتمعات المسيحية منذ ظهور البروتستانتية)؛ وتارةً يقودها جسمٌ من الكهنة، وتارةً تكون شبه خاليةٍ من أي جهازٍ إداريّ منظَّم.[13]
وانطلاقًا من هذه القاعدة الواضحة حسب ديميتري، وهي قاعدة لها وجاهتُها المنطقية، ترى بأن الدين موزَّعٌ بعدلٍ في العالم ما دام متعلّقًا بالأشياء المقدَّسة، وهي حقيقة لا يمكن إنكارُها ما دام الدين هو منشأ المقدَّس بامتياز. ومن ثمّ، فلا مجال للحُكم على دين بعيْنِه بالصّوابية والأحقِّية أو بغيرها، لأنّ لكل دين قاعدة شعبية تتّسع وتَضيقُ بحَسب الأحكام والتشريعات والقدرة الإقناعية. بل يمكن الجزم بأن الإنسانية يمكن أن تفتقر إلى أيّ شيء إلاّ إلى الدين. وهي مفارقة عجيبة نظراً لأن الدين على الأقل في حدود الإنسان العاقل Homo sapiens ظلَّ مُلازِما للكائن الإنسان، يقوده، ويرشده، ويلهمه، ويمنحه معنى الحياة، والقدرة على مواصلة الطريق دون حيرة أو تيه وجودي. ومن ثمّة، فإنه لا يمكن الجزم بصوابية دين في مقابل خرافية آخر، أو عبثيته ولا معقوليته. ولكن المؤكد هنا هو أنّ عمل المؤمنين — مهْما اختلفوا، سواء أكانوا خرافيين، أو وثنيين، أو حتى متعصّبين لإيديولوجيا معيّنة — يجب أن يُعدَّ دينًا. فوحده هذا التنوع الذي نجده في الأديان والمعتقدات والتصورات المختلفة من يقود إلى القول بكونيتها وعالميتها.
لذا، إذا أردنا أن نبحث حقيقةً عن الظاهرة الدينية، فلا يجب أن نكتفي فقط بالنصوص المقدَّسة وحدها، بل أيضا في المُمارَسات والسلوكات البسيطة للكائن الإنساني، والتي تُعبِّر بحقٍّ عن علاقته بالمقدَّس أكثر من غيرها. كأنّنا من خلال هذا الامتداد الطبيعي لعلاقة الإنسان بالمقدَّس، نحفِرُ في مُسمّى الدين الذي يعني في نهاية المطاف تجربة الإنسان مع المقدّس والمتعالي. كما أنه يعني تلك الرابطة القوية التي تجمع المؤمنين باختلاف مشاربهم على رؤية وجودية للحياة والمحيط، والذات. وهي قدرةٌ عجيبة وغريبة لا يمكن أن تقوم بها إلا رابطة تشبه أو تفُوقُ الدين، وهي غيرُ مُتاحةٍ على الأقل في الوقت الحالي.
هناك فكرة محورية تتعلق بطبيعة التصورات الدينية وصِلتِها بالمُطلقات وبالفناء الإنساني، فلا توجد علاقة مباشرة بين المعرفة الدينية والمعرفة العقلية أو التجريبية، لأن منطلقات الفكرة الدينية مغايرة ومختلفة، حيث تنشأ من تجربة شعورية عميقة تتجاوز بالإنسان إلى حيث الرّبط الروحي مع كيان متعالٍ في الزمان والمكان. أي أنه كائن يسمُو على الوجود الإنساني المحدود، ولكنه يظلُّ مرتبطا به في علاقة جدلية أساسها الإيمان المطلق، والتسليم التامّ لإرادته من خلال العبادة وكل أشكال التدين المعروفة. من هذا المنطلق يمكننا القول بأن الدين في جوهره، ينفي فكرة الفناء الإنساني، وهي فكرة أيضا أشار إليها ديميتري، بما يجعل من الدين وسيلة تمنح للإنسان معنى يتجاوز حدود الجسد والزمن، فالدين مثل الزهد أو رياضة روحية تساعد الإنسان على تجاوز عالم الحس والمادة، والخروج إلى عالم الحقيقة الأبدية، أي نحو ما لا يفنى ولا يتبدل، ونحو الخلود الرمزي والمعنوي، الذي يجعل الإنسان متحررًا من قيود الخوف والفناء والوجود المادي المحدود.
وخلاصة القول فإن الدين هو أسمى ما يشغل الإنسان حسب مقولات ديميتري، لأنه الفضاء الوحيد الذي يتصل فيه الإنسان بالمُطلَق، والفضيلة والحقيقة الأزلية. كما أنه المجال الأوحد الذي تزول فيه التناقضات والآلام، ويبلغ الإنسان من خلاله سكينته القصوى. ولأن الإنسان مزيج من المادة والروح، فإنه الكائن الوحيد الذي يسعى إلى القبض على المعنى في كل شيء، فكل ما يمنحه قيمةً وكرامة يجد مركزه في الوعي بالله والشعور به، إذ إن الله هو البداية والنهاية لكل شيء، هكذا يشعر المؤمن، وهكذا هي رابطة الدين الأزلية. فقد يتجاوز الدين بالإنسان من العلاقة مع كيان متعالٍ فحسب، إلى العلاقة مع إنسان آخر متى وُجد الشعور بالمقدس في الوعي والإيمان، لأنه يملأ فراغ الوجود ويبدد القلق الذي يسكُن النفس. من هنا يرى دوركهايم أن الدين يقوم على المعتقدات والممارسات، وعلى البعد المقدس، وعلى اتحاد المؤمنين حوله، مما يجعله ظاهرة إنسانية عامة تنبع من داخل الذات. فالدين تجربة شخصية خالصة، لا يُلغي أحدها الآخر، لأن في الإيمان حرية داخلية تجعل الإنسان يسير نحو ما يقنعه ويجذبه. لذلك لا جوهر للدين سوى الإنسان نفسه، إذ إن الله، في أعمق معنى، حاضرٌ في الإنسان، في إنسانيته ووعيه ووجدانه[14].Haut du formulaire
-
لودفيغ فويرباخ وفلسفة الدين: الإنسان كمرآةٍ للإله
لا يمكن أن يتحدث الباحث عن أصل الدين ونشأته دون أن يمر على واحد من كبار الفلاسفة الذين أثروا في ماركس نفسه، كما أثّروا في غيره ممن بحث عن أصل الدين وتفسيراته الواقعية. إنه لودفيغ فويرباخ. وإذا كان ماركس قد تمكَّن من الخروج بنسقِه الفلسفي والفكري إلى خارج حدود ألمانيا، فإن هذا الأمر لم يحدث بالحدّة نفسها مع فويرباخ، ليس لأن أطروحته في تفسير الدين لم يكن لها الأثر الكبير في تفسير الظاهرة الدينية، بل فقط لأن التاريخ هكذا، قد يكتب الشهرة للبعض، فيما يظل البعض الآخر مغمورا، وغير معروف إلا في أوساط الباحثين والمتابعين من مثقفين ومفكرين وقراء.
ولهذا قبل أن نتحدث عن أطروحة فويرباخ المثيرة للجدل، يحسن بنا أن نقوم بتعريف له نضيء من خلاله على أهم فترات حياته وأفكاره. وسنستعين هنا بما كتبته موسوعة ستانفورد الفلسفية عنه، مع تلخيص لأهم محطات حياته الفكرية:[15]
يعد لودفيغ فويرباخ (1804–1872) من الفلاسفة الألمان البارزين، خاصة أولئك الذين سموا بالهيغليين الشباب. كما يعتبر من أبرز الممهِّدين للفكر المادي الإنساني الذي ألهَم ماركس وإنجلز. وُلد في لاندسبرغ بألمانيا، وهو الابن الرابع للفقيه الشهير بول يوهان أنسلم ريتر فون فويرباخ، الذي كان من رواد إصلاح القانون الجنائي في بافاريا. نشأ في بيئة بروتستانتية متدينة، وأراده والده رجل دين، فدرس اللاهوت في جامعة هايدلبرغ سنة 1823، قبل أن ينتقل إلى برلين حيث تأثر بعمق بفلسفة هيغل.
بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة إرلانغن عام 1828، بدأ التدريس فيها، لكن كتابه الأول “تأملات حول الموت والخلود (1830)” بما تضمنه من نقد ساخر للتيار الديني المحافظ، قضى على مستقبله الأكاديمي. ليعيش بعدها حياة شبه معزولة كباحث حر في قرية بروكبيرغ، معتمدًا على إرث زوجته من مصنع بورسلان صغير. وفي ثلاثينيات القرن التاسع عشر، نشر أعمالًا مهمة في تاريخ الفلسفة الحديثة، ثم اتجه إلى نقد الهيغلية نفسها، داعيًا إلى العودة إلى الطبيعة وتفسير الدين تفسيرًا إنسانيًا.
بلغ ذروة شهرته بكتاب “جوهر المسيحية“ (1841)، حيث اعتبر أن الدين إسقاط لرغبات الإنسان وصفاته المثالية على كائن متخيل هو الإله، مؤكدًا أن “الإنسان هو مقياس كل شيء”. هذا الكتاب كان له أثر بالغ على ماركس وإنجلز، إذ اعتبراه خطوة نحو تحويل الفلسفة من المثالية إلى المادية الإنسانية. ورغم ذلك، رفض فويرباخ الانخراط في السياسة أو الحركة الاشتراكية، وظل منشغلًا بتحليل الدين في مؤلفات لاحقة مثل “جوهر الدين“ (1845) و”نشأة الآلهة” (1857).”.
تدهورت أوضاعه المادية بعد إفلاس مصنع البورسلان عام 1859، فانتقل إلى ريخنبرغ قرب نورمبرغ، حيث عاش بقية حياته في عزلة ومرض حتى وفاته سنة 1872. وقد كان حلقة حاسمة بين هيغل والمادية الحديثة، إذ نقل مركز التفكير الفلسفي من الإله إلى الإنسان، ومن الروح إلى الطبيعة.
هذا جانب مختصر من سيرته كما وضعتها الموسوعة الفلسفية لستانفورد، وهي سيرة غنية لمن أراد أن يتعرف أكثر على أهم المراحل التي مر منها الفيلسوفُ الألماني لودفيغ فويرباخ[16]. ولكي نمسك بالخيوط الفكرية لتفسير فويرباخ للدين، يلزمنا المرور على أحد المختصرات المهمة[17] التي تقوم بها إحدى دور النشر المعروفة باختصار الكتب، وتيسير الوصول إليها، بغية تحقيق هدف القراءة، وأيضا هدف الفهم واستيعاب المقروء.
وبالرغم من أن الكتاب اعتمد على فقرات مختصرة لتشكيل الوعي بالقراءة والفهم، فإننا سنحاول أن نستجمع كل تلك العناصر وتقديمها أيضا بصيغة مختصرة، ليسهل التمييز والفهم. وكما قلنا سابقا فإنّ لودفيغ فويرباخ يعد أحد أبرز المفكرين الذين أعادوا تعريف العلاقة بين الإنسان والدين في القرن التاسع عشر، بل أحد الأعلام الذين ساهموا بشكل أو بآخر في تفسير الظاهرة الدينية، والتأثير على روادها الكبار خاصة ماركس. ففي كتابه «ماهية المسيحية»، قدّم رؤية جديدة وجريئة ترى أن الدين ليس وحيًا سماويًا بل إسقاطٌ إنسانيٌّ على السماء، أي أن الإنسان حين يعبد الله، فهو في الواقع يعظّم صفاته المثالية التي افتقدها في ذاته. من هنا يبدأ فويرباخ تحليله لطبيعة الدين بوصفه تجربةً إنسانيةً نابعة من الوعي الذاتي.
معنى هذا الطرح الفكري أن الدين يُحدث انقسامًا داخليًا في الإنسان، إذ يُصوَّر الله بوصفه نقيضًا تامًا له: الإنسان محدود وضعيف وزائل، في حين أن الله لانهائي، كامل، أبدي، وقادر على كل شيء. هذا التناقض، بحسب فويرباخ، ليس مجرد وهمٍ ميتافيزيقي، بل هو تعبير عن القدرة الإنسانية على التأمل الذاتي، وعن السعي الدائم نحو التوفيق بين الضعف الإنساني والطموح نحو الكمال. كأن جوهر الله حسب هذا التصور هو رمزٌ لهذا الصراع الداخلي بين النقص والكمال، بين الواقع والمثال. نحن هنا حسب فويرباخ بإزاء الحديث عن طبيعة الإنسان، التي يعتبر فيها أن الفاصل والمحدِّد بين الله والإنسان هو مجرد انقسام أعمَقْ في ذات الإنسان نفسه. وهو إحساس ينِمُّ عن وعيٍ خفيٍّ بالذات؛ إذ يدرك الإنسان عبْر تجربته الدينية جوهرَهُ العقلي وقدرتَهُ على تجاوُزِ حدوده. فـالله ليس وجودًا خارجيًا، بل تجربة داخلية للوعي البشري في أعلى درجات تجريده.
نحن أمام وعيٍ جديد للإنسان في علاقته بالله من منظور فويرباخ، أو لنقُلْ نحن أمام تفسير مغاير لما رأيناه في الماركسية سابقا، بالرغم من أن الماركسية هي تجلٍّ من تجليات التفسير الفويرباخي إن صح التعبير. أي أن تحليل فويرباخ يؤكد أنّ الفهم أو العقل هو الطبيعة الموضوعية التي أُسقِطت على صورة الله. فالله في الفكر العقلاني ليس شخصًا، بل وعيًا خالصًا منزّهًا عن العاطفة والرغبة، يمثّل الجانب العقلي المُحايِد في الإنسان، ويُوجّه سلوكه المستقل عن ميوله الشخصية، وهذا هو التعبير الأسمى عن الحرية المُطلَقة. أما دور الفهم، فحسب فويرباخ فهو الأساس المتين لكل حكْمٍ أو فعْلٍ إنساني، رغم أن الإنسان كائن عاطفي ووجداني أيضا. فالإنسان من هذا المنظور محكوم بالغرائز والانفعالات الوجدانية، بالقدْر نفسِه الذي يتحكم فيه العقل. ومع ذلك، فلا ينكر فويرباخ الأهمية القصوى للعقل والمعرفة والذكاء. لأنها تعكِس وجودًا أعلى من الوجود المادي المباشر. ومن ثم، تصبح الفكرة الإلهية انعكاسًا لقدرة الإنسان على التفكير المجرد، أي أن الله هو إسقاط للعقل الإنساني وقد رُفع إلى مرتبة الكمال.
إن ما يسميه فويرباخ بفكرة الله هي وليدة الحاجة إلى كائن متعالٍ في الزمان والمكان، خارج حدود الإدراك الحسي للإنسان، كما أنها ترمز إلى حاجة العقل إلى كائنٍ كامل يمثل التوازن المطلق والاكتمال، وتوْقُ الذهن البشري إلى تصور الكمال والمتعال. فبهذه الطريقة، يصبح الله صورةً عقليةً للفكر الإنساني وقد بلغ ذروته. ومع ذلك، ينتقد فويرباخ ما يسميه بـ الأنثروبومورفية، أي تصوير الله بصفات بشرية، معتبرًا أن هذا النوع من التصور الديني يقوّض الفهم العقلي، لأن الإله الذي يُشبِه الإنسان لا يمكن أن يكون تجريدًا خالصًا. فالإله الحقّ، من وجهة نظره، هو الفهم نفسه وقد تحرر من كل صفات الجسد والعاطفة. أي أن داخل هذا المنظور الفويرباخي يصبح للفهم مكانة مركزية في الوجود الإنساني، فهو يعبِّر من جهة عن الكينونة الفردية، ومن جهة أخرى هو منبعُ الاستقلال الفكري الذي يحرّر الإنسان من كل تبعيةٍ خارجية. فالعقل، بوصفه نشاطًا ذاتيًا حرًا، هو جوهر الحرية، التي يتحقق من خلالها ممارسة التفكير المستقل والحر الذي يمثل جوهر الوجود ذاته، إذ لا وجود حقيقي بلا وعي.
هنا ينتقل بنا فويرباخ في كتابه جوهر المسيحية إلى نقطة أخرى لا تقلُّ أهمية عن مثيلاتها في تصوره الفلسفي لمسألة الدين، وهي قضية الوجود والضرورة، مؤكدًا أن هذا الأخير ليس صدفة، بل نتيجة حتمية للعقل الكامن في الأشياء، معتبرًا هذا العقل بمثابة المبدأ الخفي الذي يعطي الوجود معناه وضرورته، ومن دونه تنعدم معقولية هذا الوجود ومنطقيته. كأننا داخل هذا المنظور الفكري نرى العالم، على أنه نتاجٌ للعقل الذاتي الذي يعي ذاته في كل ما هو موجود، نافيا إمكانية الوجود العبثي والعدمي على العالم، لأن الفهم الذي يشكِّل أساس فلسفة فويرباخ يسير في الاتجاه المعاكس، أي أنه يمنح الوجود معناه وضرورته كما سبق أن أشرنا، ويجعله ممكنًا. فكل ما هو موجود، موجود لأنه معقول، وما لا يُعقل لا يمكن أن يوجد.
أما الرؤية الختامية لفويرباخ، فتتمثل في قوله إن الله بوصفه “تحقق الفكر الأعلى” هو مرادفٌ للعقل ذاته. فالعقل والوجود جوهر واحد لا ينفصل، وكل فهمٍ للواقع هو في النهاية إسقاط للوعي والذكاء الإنساني على الكون. فالإنسان، حين يتأمل الله، لا يفعل سوى أن يتأمل ذاته، أو بعبارة فويرباخ الشهيرة: «اللاهوت هو الأنثروبولوجيا وقد فقدت وعيها بنفسها». كأن فلسفة فويرباخ هنا لا تُنكر الدين بقدر ما تُعيد تفسيره، إذ ترى فيه انعكاسًا للطبيعة الإنسانية الباحثة عن ذاتها. فالدين، بدل أن يكون طريقًا إلى الله، يصبح عنده طريقًا إلى اكتشاف الإنسان لإنسانيته. وهكذا يتحول اللاهوت إلى إنسانيات، ويُستبدل بالإيمان العقل، وبالعبادة الوعي، وبالسماء الإنسان. بهذا المعنى، يكون فويرباخ أول من وضع الأساس الفلسفي لفكرة أن الله صنيعة الإنسان لا العكس، وأن كل محاولة لفهم الإله هي في عمقها محاولة لفهم الذات البشرية في سعيها نحو الكمال. فالدين، في النهاية، هو مرآة الإنسان التي يرى فيها صورته المثالية، والعقل هو المحرّك الخفيّ الذي يمنح الوجود معناه ويؤكد ضرورته.
- خــــاتمــــة:
بوصولنا إلى نهاية هذا البحث يمكننا القول إن مسعانا من اللحظة الأولى لطرق باب هذا الموضوع الشائك، هو أن نتتبع قدر الإمكان مسار الفكر الماركسي والفويرباخي إن صح التعبير، وأن نحاول جاهدين فتح تأويلاتهما وتفسيراتهما على إمكانات أخرى، غير معادية للدين، ولا بالضرورة خصمًا عنيدًا له، مهْما بدت للبعض بأنها تقوم بدور المشاكس لكل ما هو ديني ومثالي ومطلق. وأثناء هذه الرحلة لا بد من الإقرار بأن ما جمع فويرباخ بماركس لم تكن غايته هو توجيه سهام النقد الحادة إلى بنية الدين، بقدر ما كانت محاولة لتحرير الإنسان مما قد يعيق حركته باسم الدين، وباسم اللاهوت، أو أي سلطة تختفي وراء السماء لتديم تسلطها على الأرض.
وقد أثبتنا من خلال الدراسات التي اعتمدناها بأن فويرباخ وجّه سهام نقده بشكل أساسي إلى صورة الإله التقليدية، لكنه لم يكتف بذلك. لأن الغاية التي سعى إليها كانت هي رد هذه الصورة إلى جوهر الإنسان نفسه، وكأن ما تصوّره الإنسان عن الإله، لم يكن سوى إسقاط لتمثلات وتصورات مسبقة عن الإله المتعالي. أمّا ماركس، فلم تكن تهمه صورة الإله كما كان يراها فويرباخ، بقدر ما اشتغل على قضية الاغتراب الديني الذي يعيشه الإنسان من جراء ظروفه الاقتصادية، والاستغلال البشع الذي يتعرض له بشكل مستمر من المالكين الحقيقيين لمقدرات الإنسان. وما لم نستطع تحرير الإنسان من هذا الاستلاب الاقتصادي، والجشع الرأسمالي، فسيبقى الإنسان ضحية لعلاقات الإنتاج والهيمنة الطبقية. وداخل هذين التصورين نرى بأن الدين عند كل من ماركس وفويرباخ هو مرآة للإنسان، ينعكس من خلالها اغترابه واستلابه وبؤسه. والأصل هو عدم إلغاء هذه المرآة أو إقصاؤها، ولكن اعتبارها رمزًا يجب تأويله في ضوء ما يخفيه من حاجاتٍ إنسانيةٍ وأشواقٍ للعدالة والمعنى.
ما تبين لنا من خلال تحليلَيْ كل من فويرباخ وماركس بالرغم من اختلاف الأرضيات، والمنطلقات، هو أن الغاية كانت واحدة: تحرير الإنسان من كل دواعي ودوافع الاغتراب والاستلاب الذاتي، وتحريره من كل سلطة سواء تلبّست بالسماء، أو بالأرض، وأرادت استعباد الكائن الإنساني. وبالتالي فنحن أمام ثورة تحريرية يجب أن نتعامل معها بأفق آخر، هو عدم إلغاء الدين من حياة الإنسان، أو تجاهل دوره الفاعل، بل يجب أن تعاد صياغته من جديد وفق رؤية أخرى أساسها ومركزها هو الإنسان. ومن هنا تبرز القيمة الفلسفية لمشروعَيْ ماركس وفويرباخ في واقعٍ عربيٍّ ما زال يشهد صراعًا بين اللاهوتي والسياسي، بين الإيمان بوصفه تجربة حرّة، والدين بوصفه جهازًا للضبط والإخضاع.
نحن نحتاج في سياقاتنا العربية والإسلامية استعادة نقد فويرباخ وماركس اليوم ليس بنفَسٍ إلحادي إقصائي وتهميشي لدور الدين في البنيات الاجتماعية للإنسان العربي المسلم. ولكن بأسلوب آخر يحاول تمرين الفكر العربي على النظر إلى الدين في سياقاته الاجتماعية القابلة للتجديد والتجدد، وفق شروط يضعها المجتمع سواء في علاقة الإنسان بذاته، أو بواقعه الاجتماعي والثقافي والفكري. نحن نحتاج إلى ذلك التجديد في رؤية الإنسان إلى الدين نفسه، وليس فقط إلى أحكامه أو تشريعاته، كما أننا نحتاج إلى رؤية لا تقوم بتعويض الدين بالفلسفة أو أي إيديولوجية أخرى، بل بتعرية الواقع الفكري والثقافي لمجتمعاتنا، والبحث عن الشروط المنتجة للتخلف والاغتراب والاستلاب الديني، والتطرفات الأصولية. وهكذا يغدو النقد الفويرباخي–الماركسي للدين خطوة نحو تحرير الإنسان، وإكسابه المناعة ضد الوهم، وضد القابلية للخضوع، وفسح المجال أمام إمكاناته الفكرية والعقلية لتعانق الحلم الأكبر ألا وهو: استعادة الإنسان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1]– فيري، لوك. تعلم الحياة. ترجمة سعيد الولي. دون دار النشر، أو طبعة أو تاريخ. ص: 37.
[2] – ألفرد، نورث هوايتهيد. كيف يتكون الدين. ترجمة رضوان السيد. جداول لننشر والترجمة والتوزيع،ط1،2017, ص: 27.
[3] – عبد الرزاق الجبران. جمهورية النبي عودة وجودية. دون دار نشر، أو تاريخ، أو طبعة. ص: 11.
[4] – المرجع نفسه ص: 10.
[5] La critique marxiste de la religion (I) Henri Legault, c.s.v. Laval théologique et philosophique Document généré le 21 oct. 2025 06: 59 P: 150
[6] Ibid
[7] Ibid
[8] – مقتبس من مقولة مشهورة لماركس وردت في كتاب نقد فلسفة الحق عند هيجل لماركس. ملف pdf. دون مطبعة أو دار نشر. على الرابط التالي: https://revsoc.me/wp-content/uploads/%D9%86%D9%82%D8%AF-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D9%87%D9%8A%D8%AC%D9%84.pdf
[9] – إيريك، فروم. فن الإصغاء. ترجمة محمود منقذ الهاشمي. اتحاد الكتاب العرب، 2004.
[10] – جمال، علي الحلاق. فن الإصغاء إلى الذات قراءة في قلق المنفتح. منشورات الجمل، عمان سيدني، 2002/2013, ص: 7.
[11] – Dimitri OVENANGA-KOUMOU . L’aliénation religieuse entre FEUERBACH et MARX : La religion comme voile Université Marien Ngouabi (République du Congo) Dimitri OVENANGA-KOUMOU Université Marien Ngouabi (République du Congo) Ziglôbitha, Revue des Arts, Linguistique, Littérature & Civilisations Université Peleforo Gon Coulibaly – Korhogo ¨P 310
[12] Ibid
[13] Ibid
[14] Ibid
[15] Ludwig Andreas FeuerbachStanford Encyclopedia of PhilosophyFirst published Mon Dec 9, 2013; substantive revision Wed Sep 20, 2023
[16] – هناك سيرة أخرى مفصلة جاءت في كتاب أصل الدين للودفيغ فيورباخ نقلا عن ألكسندر لوس, ترجمة أحمد عبد الحليم عطية. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،ط1،1991. ص: 35.
[17] L’Essence du christianisme Explorer la nature de la foi et de l’expérience humaine. Écrit par BookeyHaut du formulaire