الدين والشعر في تداول المعنى

من بين كل لحظات انبثاق الحقيقة فإن أصعب لحظة يمكن القبض عليها في دلالتها الأولية والمقصدية هي تلك التي ينفخ فيها اللوغوس النبوي الديناميكية والحيوية في فئة اجتماعية محدودة ويخصّص لها قدَراً جديداً. إن الأديان المؤسَّسة على هذه اللحظات المتميّزة تحتكر السيطرة على الكائن الحق والقول الحق والممارسة الصحيحة وعلى كل مستويات تظاهرات الوجود البشري”. [1]

محمد أركون

 

بين الشعر والدين أكثر من قناة وأبعد من محطة، منها ما يبثّ على موجة التكامل والسعي نحو التفكّر الحر والنيّر، ومنها ما يتمحور في خانة التصدّي والملاحقة والصراع، في مواجهةٍ لم تُقفل فصولها بعد. كلٌّ منهما بنى رؤية خاصة بالآخر، تحدّده، وتقاربه انطلاقاً من مسلّمات وقواعد ومنهجيات مختلفة. وكأن هناك سلطتان تتصارعان على مزيد من الاستقطاب، وعلى مزيد من تكريس الهيبة المعرفية التي تفعل فعلها في العقول كما النفوس. وقد يكون الشعر من أفضل السبل لتناول موضوع الروحانيات، إذ ينبعث الفكر منطلقاً في آفاق متمدّدة على الدوام. ليس من الصعب أن نلحظ كم أن الشعر قد وفّر مساحة مفتوحة للتعبير على صعيد التجربة الدينية. نجد أن أهل التصوف قد استخدموا الشعر كلغة تبوح بمكنونات اختبارهم الديني، مغلّبين بذلك المنحى الروحاني على المنحى القانوني الفقهي.

عندما يعلو الانسان في التحليق برحاب المعنى نراه ينفذ الى اللغة من باب الشعر كوسيلة للتواصل والتعبير عما يختلج الروح من حالات يصعب ضبطها تحت مجهر السلطة والقانون. وهنا يتمّ الخروج من النمطية، والمسلّمات، والتعابير السِراطية التي تبالغ في استخدامها السلطة الدينية. فالكشف مثلا، والتجلّي، والإشراق، مصطلحات تمّ التعبير عنها شعراً أفضل تعبير، فارتاحت في مجالها الروح التواقة الى المطلق. وما علينا سوى مراجعة ما تركه لنا الحلاج وابن عربي وابن الفارض وغيرهم، لكي نتلمّس مدى أهمية اللجوء الى الشعر. كذلك نجد لدى المتصوّفة الفرس أسماء لمعت في التعبير الشعري عن التجربة الدينية مثل الشيرازي، والعطار، والرومي. وهناك من كتب باللغة الأردية والفارسية مثل محمد إقبال.

إذا راجعنا تاريخ الأدب والشعر في الحضارة العربية، قديماً وحديثاً، تلفت انتباهنا قلة الانهمام بالجانب الروحي والديني. يذكر شربل داغر[2] في مقال له أنه لا يعرف، وفق حدود معرفته، شعراء إسلاميّي النزعة بين الشعراء العرب الحديثين، مستثنياً من هؤلاء ” شاعراً حديثاً متوفى، من حلب، خير الدين الأسدي، الذي أصدر مجموعة شعر: “أغاني القبة” في خمسينيات القرن المنصرم، وهي من الشعر “الصوفي المنثور”، حسب تعريفه”. ويتابع قائلاً: “لو شئت التوسّع في إثارة المسألة – وهي، في حسابي، مسألة إشكالية – لقلت بأن هذه النزعة لم تعرف حتى في ماضي الأدب العربي القديم، فيما خلا قصائد قليلة، وبعضها شهير، في مدح الرسول”.[3]

وفي سياق البحث عن سبب تقلّص مساحة الشعر الديني، نجد أن هناك من يرى أن قصور الخلفاء والأمراء كانت في البداية منبراً لإطلالة الشعراء، إذ لعبت دور المراكز الثقافية التي استقبلت العديد من الشعراء المنشغلين بهموم الدنيا وما فيها من مفاتن وخيبات. في حين نما الشعر الروحي بعيداً عن هذه الأجواء، لأن أربابه كانوا ممن زهدوا بمتاع الدنيا، وامتنعوا من الوقوف على أبواب الحكام، مما أدّى الى تهميش ما يكتبون من شعر روحاني. وفي حال وضعنا الأدب الصوفي خارج إطار الدرس، هل يمكننا التحدث عن شعر إسلامي بحت؟ ولأي مدى يمكن الكشف عن العلاقة التي تربط بين الشعر والدين؟ وما هو الدور الذي لعبته اللغة في الجمع أو التفريق بينهما بخاصة في ما يتعلّق بالمجاز والتأويل ؟

في تحديد الدين:

نبدأ بالتوقف أولاً عند كيفية تحديد الدين، أو بالأحرى، كيفية تلقّي الدين من قبل المفكرين المحدثين أمثال محمد أركون، وصادق جلال العظم، لكي نبحث تالياً بالشعرية الدينية. إن الاختلاف في تحديد مفهوم الدين، ومن ثم في تحديد كيفية التعاطي مع النص الديني، من شأنهما حسب رأينا، أن يكشفا عن السبب الكامن وراء هذه الإشكالية القائمة في العلاقة بين الديني والشعري. فالأمر يتعلّق بالنظر الى الحقيقة الدينية، وكيفية فهمها في ضوء مكتسبات علوم الانسان، وعلوم اللسان الحديثة.

يحدّد محمد أركون الدين انطلاقاً من معنيين: الأول، روحي ومنزّه ومتعالٍ. والثاني، قانوني ورسمي، ذو بعد سلطوي. إنه في المعنى الأول تلك “الرعشة الدينية كما عاشها الأنبياء أو كبار المفكرين والعلماء”.[4] يركّز أركون على البعد الروحي للدين لكي يشير الى أنه غير محصور بالأنبياء من دون سواهم، إذ أن لحظة الكشف العلمي، أو الفلسفي، بإمكانها أن تكون لحظة دينية أيضا. يقول أركون “بوجود وحي في كل مرة تظهر فيها لغة جديدة وتجيء لكي تعدّل جذرياً من نظرة الإنسان عن وضعه، وعن كينونته في العالم، وعن علاقته بالتاريخ، وعن فعاليته في انتاج المعنى. إن الوحي يعني حدوث معنى جديد في الفضاء الداخلي للإنسان”.[5] أما المعنى الثاني للدين الذي يذكره أركون، فنجده يتمحور حول التركيبات اللاهوتية والرسمية، أي يقوم على المنحيين القانوني والسلطوي، حيث يصبح الدين مؤسسة متضامنة مع السلطة الحاكمة، وهو يلتقي هنا بالعمق مع الايديولوجيا، إذ يعمل على تحريف الوظيفة الروحية للدين.

انطلاقاً مما تقدّم، يميّز محمد أركون في سياق دراسته للإسلام بين ظاهرتين: الظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية. فالأولى، تعتمد على الكشف والتجلّي والانطلاق نحو المطلق والأسمى الذي لا يحدّه حرف ولا مكان ولا زمان. وأما الثانية، فهي ترتكز على المؤسسة والسلطة الدينية التي تؤوّل النص وفق مفهومها وتشرّع الأحكام انطلاقاً من هذا الفهم، وهي سلطة تدخل في التاريخ فتنطبق عليها مختلف شروطه. لذا نجد أركون يشدّد على الاختلاف القائم بين الظاهرتين، بخاصة في ما يتعلّق بفهمه للعقل الاسلامي، وذلك على الرغم من عدم موافقة علماء الكلام والفقهاء على ذلك.

وهنا، نودّ أن نشير الى تمييز آخر مهم يقوم به أركون بين مصطلحي خطاب قرآني ونص قرآني انطلاقاً من علم الالسنيات الحديثة. اذ يفضّل التحدّث عن خطاب قرآني وليس عن نص قرآني ، لكي يميّز بين المرحلة الاولى للتلفّظ من قبل النبي، وبين مرحلة الكتابة. فالخطاب في البداية كان مسموعاً لا مقروءاً. ان التوقف عند هذا التمييز جاء في سياق دراسة ظاهرة الوحي خارج اطار التعاليم الدينية التقليدية، من دون أن يتجاهلها أو يقرّ بها، من أجل تجنّب التحديدات اللاهوتية الموروثة. انه يريد أن يجعل عملية فهم الوحي ممكنة باعتباره- أي الوحي – “ظاهرة لغوية وثقافية” قبل ان يكون مجموعة من “تركيبات لاهوتية” يجب القبول بها كما هي.

وفي السياق عينه، يرى صادق جلال العظم في الفصل الأول من كتابه “نقد الفكر الديني” أنه يجب التمييز بين معنيين للدين: الأول يشير الى أن الدين “ظاهرة روحية نقية وخالصة على نحو ما نجدها في حياة قلّة ضئيلة من الناس كالقديسين والمتصوفين والفلاسفة”. والثاني يعني “قوة هائلة تدخل في صميم حياتنا وتؤثّر في جوهر بنياننا الفكري والنفسي وتحدّد طرق تفكيرنا وردود فعلنا نحو العالم الذي نعيش فيه وتشكّل جزءاً لا يتجزّأ من سلوكنا وعاداتنا التي نشأنا عليها”.[6]

نلحظ أنه لا مشكل عنده مع المعنى الأول، قد يكون لأنه حالة خاصة، تعني كيان الانسان في إعماقه وحده، إذ إن الدين في هذا المعنى لا يُشكّل خطراً أو عاملاً حاسماً يستوجب التصدّي له. إنه بمثابة الجوهر الروحي الخالص. أما المعنى الثاني فهو الأكثر إشعالاً للنقد باعتبار أنه يطاول الفرد والجماعة في آن، كما أنه يؤثر مباشرة على مجرى الأحداث في المجتمع.

إن المعنى الثاني هو الذي استفزّ ماركس كما كثيرين سابقاً، وهو الذي دفع بالعظم لكي يخترق مجال النقد، وإعادة النظر بالمسلّمات والمبادئ والعقائد. من هنا نجده ينظر الى الدين على أنه “مجموعة من المعتقدات والتشريعات والشعائر والمؤسسات التي تحيط بحياة الإنسان، في أوضاع معينة، إحاطة شبه تامة. ويحتوي الدين بالإضافة الى ذلك على عدد كبير من القصص والأساطير والروايات والآراء عن نشوء الكون وبنيانه، وعن الانسان أصله ومصيره، وعن التاريخ وأحداثه وعن الأشخاص الذين لعبوا دوراً في تسيير الأحداث”.[7] يؤكّد العظم على أن المعنى الثاني للدين يلعب دوراً حاسماً في المجتمع، إذ أنه يدخل في صميم حياة معظم الناس، من هنا ضرورة النظر فيه من وجهة نقدية. ما يهمنا هنا يقتصر على ما أشار اليه العظم من أن الدين يحتوي على مجموعة من “القصص والأساطير والروايات” التي تتناول موضوع البدايات والنهايات في ما يخصّ الانسان والكون. لذا نجد العظم سيعمل على نقد هذا المضمون لمعنى الدين.

انطلاقاً من هذا المفهوم الحديث للدين، بما فيه من وحي متجسّد في نص، ومن سلطة أوكلت الى نفسها مهام تأويل النص، يمكن أن نسلّط الضوء على ما جرى للشعر في هذا الإطار.

في الشعر الديني:

يرتكز الشعر الديني بشكل أساس على التعابير الرمزية، وهو عابق بالصور التي تتطلّب التأويل، إذ لا يمكن الغوص في أعماقها من دون أخذ الرمز والمجاز بالاعتبار. لكن التعاطي مع النص الشعري من قبل السلطة الدينية أو السياسية جاء في معظم الأحيان متجاهلاً للبعد الرمزي، فقام بتسطير إدانات موثقة بحق الشعراء لمخالفتهم أنظمة العقائد والتعاليم الدينية الراسخة منذ أجيال. تجدر الإشارة هنا الى أن من يستخدم الشعر للتعبير عن تجربته الدينية، فهو في النهاية يعبّر عن أمر في غاية الخصوصية، والعمق، والتفرّد. من هنا، يمكن له أن يذهب الى أماكن غير مألوفة لدى السِراطيين في مقاربتهم للدين، وهي غالبا ما تكون صادمة لتصورهم التقلدي للأمور. عندما يصبح الشعر هو المكان الذي تتجلّى فيه معزوفة الروح نجد أن الكلام على الموضوعية يفقد مكانه لصالح الذاتية. فالذاتية تلعب في هذا المجال دورين: الأول، يطبع النص الشعري بصورة جديدة، خارجة عما هو مألوف، وهو أمر له مردود إيجابي، يتعلّق بإبداع الصور، والتفنّن في سكب المعنى على المتلقّي. والثاني، يكمن في أن الذاتية، تبعد صاحبها عن تقليد الجماعة، وعن إعادة تكرار ما ورد في حرفية النصوص، مما يُشعر المتلقّي بالخروج عن السراط المستقيم، والوقوع في المحظور. فالرؤية الذاتية تعتمد بشكل أساس على نظرة الشاعر الخاصة للدين، كيف يفهمه، كيف يعيشه، كيف يؤوّله هو وحده من دون سواه؟ ترتكز هذه الرؤية على الرموز والصور التي تحمل أكثر من معنى، وتفضي الى أكثر من أفق.

من هنا ضرورة التمييز بين رؤية الشاعر وبين مضمون الدين. فالرؤية تسمح بتأويل آخر للدين، قد يخالف أو يتفق مع النظرة الرسمية للدين. ولنا مثال على ذلك تجربة جلال الدين الرومي الذي ترك الفقه واختار التصوف بعد لقائه بشمس التبريزي الذي يمكن اعتباره بمثابة المنارة التي أرشدته الى الطريق الحق. وهذا الأمر نجده واضحاً في كتابات ابن عربي أيضا المفعمة بالصور الرمزية التي تحتمل أكثر من تأويل. إن هذا التميّز في التعبير عما يتمّ اختباره في التجربة الروحية جعل إنتاج كل من جلال الدين الرومي وإبن عربي في مصاف الفكر العالمي، إذ سمح للمتلقّي بالتعاطي مع النص بانفتاح من أجل التمكّن من تأويل الرموز التي يتضمّنها النص. من هنا تأتي أهمية اللغة التي يستخدمها الشاعر، وكيفية انبناء المعنى من خلال تتالي الصور والرموز.

نبي الإسلام والشعر:

إذا عدنا الى السيرة النبوية نجد أن هناك نزاعاً شديداً قد نشأ بين النبي وبين مجموعة شعراء، من بينهم حسان بن ثابت. لكن ما لبث أن وصل الأمر الى تسوية بينهما، فقال الشاعر بالنبي مجموعة قصائد في مدحه. هذا ما أسّس الى قيام سلام مستدام بين الطرفين. تجدر الإشارة هنا الى أن مواقف سلبية عدة ظهرت في القرآن بحق الشعراء. فالشاعر قبل الاسلام كانت إحدى مهامه العلم بالغيب، ولم تعد هذه الحاجة واردة، بعد أن هُزمت الوثنية، واندثر أثرها. ونلحظ أن مواقف الفقهاء المتشدّدين كفّرت بعض الشعراء واتهمتهم بالزندقة، مثل بشار بن برد، وأبي نواس، لكن هذا الأمر ليس له علاقة بالشعر بحدّ ذاته، إنما بسلوك الشاعر الفردي. لقد بقي كل من بشار بن برد وأبي نواس من أعلام الشعر العربي. فالقصيدة بحدّ ذاتها لم تكن موضع إدانة. يرى شربل داغر، في سياق درسه للفن والحرية في الاسلام، أن الشاعر يجمع “في صفاته، في العربية القديمة، بين “العفرتة” و”الشيطنة” و”الخبث”؛ وهي صفات مستقبحة. وهو ما نقع عليه في دلالتي “السحر”: تعيّن، من جهة، “كل ما كانَ من الشيطانِ فيه معونة”، وتعيّن، من جهة ثانية، التوفق في الأمور القولية، أو “البيان في الفطنة”. نقع، إذن، على تعريفات تقوم على حدود من التنازع والتشارك في آن، هي الحدود عينها التي تقضي بعبور الإنسان لحدود، لممنوعات، مخيفة بقدر ما هي مرغوبة، خافية بقدر ما هي ساحرة”.[8]

انبنت تسمية الجاهلية على مقوّمين بين جملة مقومات: المقوّم الأول، يكمن في رفض الصورة وتحطيمها، أما المقوّم الثاني، فيرتكز على الهزء بالشعر والشعراء وليس محاربة الشعراء بعامة. نجد أن في القرآن هزء بالشعر وليس منعاً له. لكن نجد في المقابل ان موقف القرآن من التصوير كان أكثر تشدّداً، إذ وصل الى حد المنع والتكسير، وفق ما يشير اليه داغر في أكثر من موضع. كما نلحظ أن التجربة النبوية هي بمثابة النظرية التأسيسية في الاسلام، وهي لم تأخذ موقفاً سلبياً من الشعر أو القصيدة بذاتها، إنما حدّدت موقفها من بعض الشعراء. فما حصل بين الرسول وبين الشاعر حسان بن ثابت يمكن أن يعُتبر واقعة تأسيسية بالغة الدلالة، إذ ما ضايق الرسول في ذلك الحين، هو التعريض به من قبل بعض الشعراء الجاهليين، وبخاصة من قبل أحد كبارهم، وهو حسان بن ثابت. ومآل ما حصل بين النبي وبين حسان بن ثابت من صلح أو اتفاق أو تسوية، كان له مفاعيل قوية على الشعراء، وعلى الشعر، وعلى القصيدة في آن. فالاتفاق بينهما انتهى الى أن ابن ثابت أصبح يقول الشعر إيجاباً ومدحاً في الرسول. فتوقفت المسألة عند هذا الحد، لا أكثر، بنظر داغر.

من هنا، تجدر الإشارة الى أننا نكاد لا نجد في القرآن ولا في الكتابات التالية عليه، أقوالاً أو مواقف تربط بين الدين الجديد والقصيدة، أو بين الديني والشعري. فما كان قائماً في الجاهلية استمرّ بعد الإسلام، عدا أن القرآن احتاج في شرحه الى الشعر الجاهلي لكي تُفهم مفرداته. الأمر الذي جعل حفظ الشعر الجاهلي أمراً مرغوباً ومطلوباً، إذ يحظى بالأهمية الدينية الخالصة. يذكر شربل داغر في هذا السياق أن الحاجة الى الشعر قد بانت “في تفسير القرآن، في جمع اللغة، في التعليم، في مجالس الأنس والسمر، وفي غير ذلك من الميادين التي كانت تجعل من الشعر المرجعية الأولى بامتياز”.[9] ويستشهد داغر في كتابه “مذاهب الحسن” ببعض الآيات القرآنية المستلّة من “سورة الشعراء” والتي تبعث الى الشك في الشعر، كما يشير الى أن أهل قريش، وصفوا بدايةً النبي بالجنون، ظناً منهم أن القرآن الذي كان يتلوه عليهم هو ضرب من الشعر، وفق ما ورد في “سورة الصافات”.

لذلك، يمكن القول إن الإسلام، بعد الاتفاق الذي تمّ بين الرسول وحسان بن ثابت، لم يتدخّل في نظرية الشعر، ولا في بناء القصيدة. حتى أن هناك مجموعة من شعراء الأنصار دافعت عن الدعوة المحمدية لرد حملات المشركين، يذكر منهم داغر: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة. من هنا جاء التفريق بين الشعر المعادي، والشعر المناصر للإسلام. فهناك أحاديث تضمّنت مواقف متفهّمة للشعر، وأخرى تقبيحاً له. والمعروف أن شعراء مكة قاموا بحملات ضد الرسول والمسلمين، لكن “الرسول لم يتأخر عن توظيف الشعر في الرد على هذه الحملات، فقد عرف عنه أنه سمح للشاعر حسان بن ثابت بإنشاد شعره على منبر في المسجد؛ ونعرف أيضاً أن الرسول أهدر دم الشاعر كعب بن زهير حين سخر من المسلمين ووجّه كلاماً قبيحاً له (…)”.[10]

هناك إذا موقف مزدوج من الشعراء مبني على ما يقولونه بخصوص الدعوة الجديدة، أي على معتقدهم تحديداً. لكن ما يلفت انتباهنا في هذا السياق، هو الربط بين الشعر والجن الذي يلحظه داغر في سياق دراسته لكتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، حيث يشير الى الصلة القائمة بين الجن والشعراء، وبين الشعر و”الكذب” و”التوهم” و”الظن” و”التزوير”، وهي عمليات لا تفيد الحقيقة بل تضرّ بالحق. هناك عملية “ختل” و”استراق” يقوم بها كل من الجن والشعراء، وهو أمر يُنهى عنه. فالقرآن يهدف الى نشر الحقيقة وإعلانها بعيداً عن مجال “الظن”. لذا نجد مع داغر أنه كان هناك نوع من التشارك والتنازع في آن على قول الاعتقاد وإعلان الحقيقة بين الإسلام والشعر، الأمر الذي “يفسّر طلب الإسلام الحاسم إقامة الحدود الناجزة بينهما. وكان على النص الإسلامي أن يتّصف بأمور في التسمية والتعيين لا تشاركه فيها أية نصوص أخرى، لا لتأكيده بوصفه النص الحقيقي والأخروي وحسب، وإنما لتبديد الالتباس بينه وبين الشعر، خاصة لجهة الصفات التي يقوم عليها الشعر”.[11] لكن المهم، في نهاية المطاف ما يشير اليه داغر ملفتا النظر الى “أن التنازع بين الميدانين لم يتجاوز هذه التنازعات الدلالية، ولم يتطور تاريخياً في المقابل: ان اندلاع السجال وتوقفه يفيدان عما ذهبنا اليه، وهو أن عملية “تأكيد” القرآن، بوصفه “النص” الآخروي والحقيقي والصحيح الوحيد، هي التي استدعت التشكيك في الشعر، بداية، وهي التي أوقفته بالتالي، بعد تأكد القرآن في الجماعة، وتمييزها له عن الشعر تحديداً”.[12]

من يراجع كتاب داغر “مذاهب الحسن” سينتبه الى الفرق الملفت في التعاطي مع الانتاج الفني، ففي حين ضُربت الصورة وحُرّمت في مكة، كانت القصيدة تحظى بالرضى والأمان. رفض الإسلام الموروث الجاهلي الخاص بالفن التصويري، بينما نجده يقبل بتبدّل التعامل مع الشعر والشعراء إثر ما حدث بين الرسول والشاعر حسّان بن ثابت.

الموقف من الشعر جاء مختلفاً عن الموقف من الصورة. حورب الشعر قبل الرسول، لكن الوضع تغيّر بعدذاك. وما ورد من تحريم، واضطهاد في ما بعد، جاء ضد سلوك الشعراء الذي كان، وفق الفقهاء، منافياً للقيم الإسلامية، أو معبراً عن قناعاتهم الغارقة في الزندقة. من هنا نستنتج أن الهجوم لم يكن على الشعر بحد ذاته، إنما على ما عبّر عنه الشعراء من أفكار، وما صدر عنهم من سلوكات. هذا ما يفسر كيف أن الشعر بعد الاسلام استعاد الأنواع والأغراض السابقة على الاسلام، إذ ليس هناك من نوع اسلامي واحد، ولا غرض واحد.

 

في ما يميّز بين الدين والشعر:

يرى عزيز اسماعيل في كتابه “الشعرية في الخبرة الدينية” ان الرؤية “أوسع من الدين” وأن “الشعر أقدر على التعبير عن الرؤية”.[13] فالدين في نظره يتألّف من أمرين: مجموعة من الرموز والقيم، بخاصة الدين الإسلامي، وقليلٌ من الأحكام يحملها النبي الى جماعة من البشر. والجماعة تحتاج لما يجمع، لا الى ما يفرّق. لذا كان لا بد من جامع، أي لا بدّ من نظام يضبط إيقاع الجماعة.  والنظام في الأصل هو مجموعة “قيود وقواعد وأحكام” أي أنه القانون الشرعي الذي يؤسّس على أحكام العقل. والعقل في العربية يفيد الربط، والحدّ، وهذا كله بعيد عن التصور الشعري، وعن آلية اشتغاله في التعبير عن مكنوناته. ثم إن الدين يرتكز بشكل أساس على الوحي، والوحي هو عبارة عن كشف الحقيقة التي تحتاج دائما الى التأويل من أجل التوصل الى فهمها فهماً صحيحاً. فالنص الديني صالح لكل زمان ومكان، لذا فهو في حال تأويل متجدّد، لا يمكن حدّه ولا ربطه بآلية معينة، أو حصره بمفهوم واحد.

يعتبر عزيز اسماعيل أن “الوحي الاسلامي (القرآن) كما كل وحي هو نص ملهم، يتحدث عن قيم عامة جداً وأخلاقية مثالية. والحديث النبوي – ما صدق منه بطبيعة الحال – هو التأويل النبوي للوحي والتطبيق الأرفع للقيم العامة والأخلاق المثالية الواردة في الوحي. لقد وضع النبي منهجاً في فهم النص ولم يضع قيوداً على العقل البشري. ولا يخفى أن كل نص تأويلي يقيّد النص المؤوَّل بفهم المؤوِّل وبالمرحلة الزمنية والشروط الموضوعية المرحلية التي تمّ فيها هذا التأويل”.[14] يرى عزيز اسماعيل أن تفسير الوحي بدأ في منتصف القرن الثاني مع المعتزلة. تعدّدت عمليات التفسير التي تعيد إنتاج تفسير الوحي، بخاصة وأن لغة القرآن كانت “لغة محلية قريشية”، لا تفهمها باقي الشعوب التي اعتنقت الاسلام، الأمر الذي حفّز عملية تفسير معاني الآيات القرآنية، لتبسيط معاني القرآن بخاصة بعد سيطرة الاسلام على الشعوب المتحضّرة في حينه. لذا كانت الحاجة الى العلوم العربية من نحو وصرف وبلاغة،… الخ، وهي أصبحت ضرورة ملزمة للقيام بالتفسير.

من أهم ما يميّز  الشعر أن له لغة خاصة به، ورؤية خاصة به، وهي لغة رمزية  الى حد بعيد، ترتكز على الخيال. لذا صارت اللغة المشبعة بالرمز والقول البليغ هي الأنسب للتعبير عما يعتري قلب الشاعر. واللغة التقريرية لا يمكنها ان تستوعب مجمل رؤية الشاعر، لذلك فهو يلجأ الى المجاز والتعبير الرمزي، الأمر الذي يبرز جلياّ في نتاج شعراء الصوفية المسلمين. “هذا الشعر يتحدّث عن أشياء أكثر مما تقول مفرداته الظاهرة، يقول أشياء موحية، مما يفسح في المجال أمام المتلقّي كي يقرأ هذا النوع من الشعر على أكثر من مستوى. لذلك يسمو الشعراء وشعرهم حين يقولون أكثر مما يكتبون أو يلفظون. وإذا خلا الشعر من هذه الميزة تحوّل الى نَظم، وشتان بين النوعين”.[15] وهنا يلفت عزيز اسماعيل النظر الى ما يجمع بين لغة النص المقدس وبين لغة الشعر، وهو الاحتواء على معنيين، الأول ظاهر والثاني باطن، كما يستشهد بما ورد على لسان الإمام علي حول القرآن بأنه: “حمّال أوجه”. “وربما كانت لغة المقدس أحد الأسباب المهمة لحدوث صدوع في فهم أولئك الذين يعبرون عن ولائهم لمقدساتهم. هذه الصدوع أدّت الى ظهور أكثر من فهم أو تأويل للنصوص المقدسة”.[16]

من هنا نرى ضرورة الوقوف عند مسألة التأويل وكيفية فهم المجاز وتلقّيه، لأن في ذلك كشف جوهري لأصل المشكل القائم بين الدين والشعر، أو بين الفهم التقليدي للدين وبين الشعر.

المجاز بين الدين والشعر:

يصف نصر حامد أبو زيد الحضارة العربية الاسلامية “بأنها حضارة “النص”، بمعنى أنها حضارة أُنبنت أسسها وقامت علومها وثقافتها على أساس لا يمكن تجاهل مركز “النص” فيه”.[17] وهو يلحظ أن القرآن يلعب في هذه الحضارة دور النص المحوري الذي لا يمكن تجاهله. ويشير الى ان النص بمفرده لا يمكنه أن يُنشئ حضارة، ويقيم العلوم والثقافة. ان الذي أنشأ الحضارة، وأقام الثقافة، هو برأي أبي زيد، “جدل الانسان مع الواقع من جهة، وحواره مع النص من جهة أخرى. ان تفاعل الانسان مع الواقع وجدله معه – بكل ما ينتظم في هذا الواقع من أبنية اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية – هو الذي ينشئ الحضارة”.[18] من هنا تأتي أهمية قراءة النص وتأويله، كونها تمثل الجهد الذي يبذله الانسان في حواره مع النص. فالتأويل يمثل “الوجه الآخر للنص”، وهو يشكّل آلية هامة من آليات انتاج المعرفة من قبل الثقافة والحضارة.

يرى محمد أركون أن المجاز يفرض نفسه في مختلف أنواع الخطابات وعلى مستويات اللغة بمجملها. لذا نجد ان علماء اللغة واللسانيات، كما الفلاسفة وبعض اللاهوتيين قد قاموا بدراسته. ويذكر على وجه الخصوص كتاب بول ريكور “المجاز الحي” الذي أغنى المناقشات التي دارت بين علماء اللسانيات والفلاسفة، والمشتغلين بتأويل النصوص الدينية على وجه الخصوص. يستشهد أركون بما أورده ليفيناس قائلا: “إنه من دون مجاز لا نستطيع أن نسمع صوت الله! فعن طريقه يكشف نفسه أو يوحي بذاته. الوحي يعني الكشف. وقد حدّد هذا الفيلسوف المجاز بصفته بنية منطقية ضمن الخط الفلسفي الاغريقي من جهة، والخط النبوي من جهة أخرى بصفته المجاز الكاشف الموحي”.[19]  لذا نجد أركون يتحدّث عن “التشكّل المجازي للخطاب القرآني”، في أكثر من مبحث، مشيراً الى العلاقة الكامنة بين اللغة والفكر.

إن درس المجاز أمر في غاية الأهمية من أجل التوصل الى فهم مكنونات النص الديني العابق بالصور والرموز، وعدم التعاطي معها باعتبارها خلاف ما هي عليه، وهو مهم أيضاً في فهم اللغة الشعرية.

يعتبر أركون، انسجاماً مع ما هو معروف، أن المجاز يشتغل ويمارس دوره انطلاقاً من التعاون مع “التشابه والتماثل”. هناك استخدام للأشياء الواقعية الحقيقية التي تدركها الحواس مباشرة. يستخدم المجاز “كل ذلك لكي يشكّل المعنى أو آثار المعنى بنحو أكثر غنى وإيحاء وديناميكية للفكر من الدعامات المحسوسة الأولية. نقصد بالفكر العقل والخيال والذاكرة. وينبغي العلم بأن إتقان اختراع المجاز، أو السيطرة على تشكيله، تختلف لدى المؤلف كما لدى القارئ المتلقّي”.[20] تتضح هنا أهمية الدور الذي يلعبه المجاز، وكم من الاختلاف في التعاطي معه، بين كل من رجال الدين، والشعراء، والفلاسفة، وغيرهم.

من جهته، يعتبر نصر حامد أبو زيد أن أي تصوّر للمجاز عليه أن يرتكز على طبيعة اللغة ووظيفتها، كخطوة أولى، وعلى تصور أعم للدور المعرفي المتعلّق بالدلالة اللغوية، كخطوة ثانية. ثم إن هذا التصور لا ينفصل عن تصور آخر كلي وشامل للعالم والله والانسان. ويشير الى أن هذه التصورات تفصح عن انعكاس ديناميكي يسير في موازاة مع موقف الانسان أو الجماعة من الواقع بشروطه الموضوعية. “وعلى ذلك يجب أن تفهم التصورات ذات الطبيعة النوعية في ضوء علاقتها بالمفاهيم والأطر الفكرية التي أفرزتها. ولم يكن مفهوم المجاز بما ارتبط به من معضلة تأويل النص القرآني بمعزل عن مثل هذه التصورات الكلية، وإن كنا نحتاج في فهمها الى الربط بين أفكار ورؤى وردت مبدّدة متناثرة فيما وصل الينا من آراء المتكلمين”.[21] من هنا جاء إصرار أبي زيد على اعتماد منهج تفسيري آخر مختلف عن المنهج النقدي التقييمي. لذا نجده ينهمّ في الكشف عن الأسس الدينية والعقيدية وما يدعمها من تصورات فلسفية حول طبيعة المعرفة، والوسائل التي تعتمدها، كما حول طبيعة اللغة والوظيفة التي تقوم بها، وتأثير كل هذه التصورات في مفهوم المجازالذي ظهر الى العلن من خلال صراع الفرق الكلامية الرئيسة كالمعتزلة والأشاعرة وأهل السنة.

إن أصل الخلاف حول وجود المجاز، يعود في رأي أبي زيد الى تصوّر كل اتجاهٍ ديني لأصل اللغة، ولمصدرها. فالمعتزلة مثلاً، اعتبروا أن اللغة “اصطلاح بشري محض”، بينما رأى أهل الظاهر أن اللغة هي عبارة عن “توقيف من الله”، هو الذي “علم آدم الأسماء كلها”، فانتقلت الى بنيه من بعده. أما الاتجاه الأشعري فقد حاول أن يتوسّط بينهما ويحلّ التعارض بين التناقضين، أي بين الاصطلاح والتوقيف من خلال نظرة جامعة. يشير أبو زيد في هذا السياق الى أن قضية اللغة، وأصلها قد ارتبطت عند كل فريق بتصوره لأصل المعرفة “هل هي من العقل؟ أم أن للعقل حدوده ومجاله وللوحي حدوده ومجاله؟”[22]

يستنتج أنه من المنطقي أن يذهب المعتزلة في المعرفة الى أسبقية العقل على النقل، بينما يقرّ أهل الظاهر بأولوية الوحي كأساس للمعرفة، ويعمل الأشاعرة على التوفيق بين العقل والوحي في محاولة لفض الخلاف.

ويلحظ أن الخلاف حول المجاز وحضوره في القرآن واللغة العربية لم ينحصر فقط بعلماء الكلام والفرق على اختلافها، إنما تعدّاه لكي يطاول علماء اللغة والبلاغة والنقّاد. لكن الأصول الكلامية كان لها الأثر الأكبر الذي لا يمكن تجاهله في كتب علم البلاغة المتخصّصة. ويستشهد هنا بدفاع عبد القاهر الجرجاني عن المجاز وعن حضوره في القرآن واللغة العربية في آن، وذلك في سياق ردّه على كل من أهل الظاهر والمعتزلة لسوء تعاطيهم مع المجاز، نجده يقول: “ولو لم يجب البحث عن حقيقة المجاز والعناية به حتى تحصل ضروبه وتضبط أقسامه الا السلامة من مثل هذه القالة، والخلاص مما نحا نحو هذه الشبهة، لكان من حق العاقل أن يتوفر عليه، ويصرف العناية اليه، فكيف وبطالب الدين حاجة ماسة اليه من جهات يطول عدها، وللشيطان من جانب الجهل به مداخل خفية يأتيهم منها فيسرق دينهم من حيث لا يشعرون، ويلقيهم في الضلالة من حيث ظنوا أنهم يهتدون؟ وقد اقتسمه البلاء فيه من جانبي الافراط والتفريط، (…)”.[23]

من هنا نجد ابو زيد يتوقف عند تحديد اللغة وفق مفهوم صاغته جماعات فكرية تعبّر عن قوى اجتماعية لها مصالحها الخاصة، فيرى أن اللغة “ليست مجرد أداة للتعبير عن المعرفة، بل هي في الاساس أداة التعرف الوحيدة على العالم والذات، وهي من ثم أهم أدوات الانسان في امتلاك هذا العالم والتعامل معه. فإذا لم تكن اللغة ملكا للإنسان ومحصلة لابداعه الاجتماعي، فلا مجال لأي حديث عن إدراكه للعالم أو عن فهمه له، إذ يتحوّل الانسان ذاته الى مجرد “ظرف” تُلقى اليه المعرفة من مصدر خارجي فيحتويها”.[24]

ان هذا التحديد يبين مدى عمق الخلاف لدى أهل الفكر في التراث العربي الاسلامي حول تحديد أصل الدلالة اللغوية، انه خلاف يشكل الأساس في معركة التعاطي مع المجاز. هناك، من جهة، من يقول بمجازية الوجود الطبيعي والانساني، فيجعل اللغة أقرب الى كونها هبة الهية. إنهم أهل الظاهر الذين أنكروا المجاز تماماً، بالاضافة الى الأشاعرة الذين أقرّوا بوجوده لكن مع التحفّظ في تطبيقه على النص الديني. وهناك، من جهة أخرى، من يقول بحقيقة الوجود الطبيعي والانساني فيقرّ بكون اللغة نتاجاً بشرياً محضاً، إنهم يجعلون المجاز يخصّ عالم ما وراء الطبيعة، والحقيقة تمثّل عالم الطبيعة والانسان. إنهم المعتزلة والفلاسفة العقليون. ان ما يهم ابو زيد من خلال دراسة هذا العراك يكمن في “النتائج التي ينتهي اليها عند اولئك الذين يتمسّكون بمقولة “التوقيف”، اي بأن الله هو واضع اللغة ومحدّد دلالتها. صحيح أن هؤلاء لا ينكرون قدرة الانسان على إبداع لغة من اللغات، لكن إبداع هذه اللغة مشروط بوجود المواضعة الالهية الأصلية”.[25]

نخلص الى القول، بخصوص المجاز من وجهة نظر أبي زيد، إن أثر الايمان بحرفية الدلالات كانت له آثاراً كبرى ليس فقط في المجال السياسي، إنما أيضا في المجال الثقافي والمجال الاجتماعي. فيلحظ أن الخطاب العربي، بعامة، يتعامل مع المجاز بوصفه حقيقة، فيقوم باستبدال الكلمات بالأفعال، مما يؤدّي الى غرق العقل في المثالية المفرطة، مما يجعل فهم الواقع ومن ثم تغييره من الأمور الصعبة للغاية. كما أنه يعتبر عملية ربط مركبة اللغة والمجاز بقاطرة الدين والعقيدة كانت المسؤولة عن التشويش والارتباك اللذين أصابا عملية فهم الظاهرة الدينية. يحمّل ابو زيد هذا الربط المسؤولية الجزئية، لكي يلقي بكامل المسؤولية على عاتق ربط مركبة الحياة بمجمل مستوياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والثقافية والفكرية والأخلاقية، بعجلة الدين والعقيدة. هذا ما أراد أن يبيّنه من خلال البحث في المجاز وكيفية التعاطي معه على مختلف الأصعدة.

فلاسفة الإسلام والشعر:

يستوقفنا في خطاب الفلاسفة القدماء، مثل الفارابي وغيره، أنهم عندما درسوا النظرية الشعرية عادوا الى الفكر الإغريقي وربطوها بنظرية المحاكاة. وفي هذا، عودٌ ولو خفي أو محدود الى ما كانت التجربة الإسلامية قد نقضته في وثنية القصيدة الجاهلية. ولذلك يمكن أن نلحظ أن نظرية الشعر القديمة بقيت في حدود البلاغة ولم ترق او تتشارك مع غيرها في الفكر الفلسفي أو في النظرية الدينية.

إن ما يتعلّق بموقف الفلاسفة المسلمين من الشعر يمكن وضعه في إطار “النظرية الفلسفية في الشعر”، وهو يختصّ بشكل أساس بموقف أرسطو من الشعر الذي تبلور في شروحاتهم – بخاصة عند الفارابي وابن سينا وابن رشد – الخاصة بالمنطق الأرسطي، أو “في شروح بعضهم أو مؤلفاتهم في الصناعة المدنية، أو في مؤلفاتهم الموسيقية أو في علم النفس الذي هو جزء من الطبيعيات عندهم”.[26] هذا ما تشير اليه ألفت عبد العزيز في سياق درسها للنظرية الشعرية عند الفلاسفة المسلمين. فهي تلحظ أن الشعر كان مرتبطاً بشكل وثيق بالبناء الفلسفي الشامل لدى الفلاسفة المسلمين، إذ من الصعب “الفصل بين النظر الى تصورهم للشعر من زاوية إبداعه أو تأثيره أو طبيعته الخاصة وبين ذلك البناء الفلسفي. وكان هذا الارتباط هو السبب الأساسي في أن تشكّل أقوالهم وتصوراتهم المتفرّقة عن الشعر نسقاً متكاملا، مما يؤكّد أن هؤلاء لم يكونوا مجرّد نقلة أو تابعين للتراث اليوناني، (…)”.[27]

كذلك لحظت المؤلّفة في سياق دراستها أن هناك ما يجمع بين الفلاسفة في مقاربتهم للشعر، الأمر الذي يظهر في الربط بين الشعر والمتخيلة، من جهة، وبين الشعر والمحاكاة، من جهة أخرى، وبين الشعر والتخييل، من جهة ثالثة. “الا أن الذي لا خلاف حوله أن الشعر- سواء كان محاكاة أو تخيلا أو تخييلا – عمل أو نشاط إبداعي تخيّلي يصدر عن “المتخيلة” ويوجّه اليها في الوقت نفسه، وعلى هذا تعرف “الأقاويل الشعرية” عندهم بأنها “مخيّلة”.[28]

 

وبعد، يبقى الشعر والدين، وما بينهما من جدل، فسحة فكرية خصبة، تنتظر المزيد من البحث والدراسة، لكشف ما هو كامن وراء تراكمات جمّة، أدّت الى إنتاج أكثر من مقاربة تحاول فهم ما عبّر عنه الإنسان في سياق تعاطيه مع الماوراء. ويستمرّ الفكر القلق في دورانه باحثاً عن المعنى …

 

[1] – محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، بيروت، مركز الإنماء القومي، ط1، 1986، ص 39

[2] – انشغل داغر في  درس الشعر العربي في رباعيته النقدية “الشعر العربي الحديث”، وفي غيرها من إنتاجه الوفير في هذا المجال.

[3] – أنظر: شربل داغر، جريدة “نداء الوطن” اللبنانية، مقال الاثنين 2 /12/ 2019

[4] – مححمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟، ترجمة وتعليق هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1998، ص 236

[5] – محمد أركون، الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد، ترجمة وتعليق هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط 5، 2009، ص 83

[6] – صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني، بيروت، دار الطليعة، ط10، 2009، ص12

[7] – صادق جلال العظم، م.ن. ص12

[8] – شربل داغر، الفن والحرية، أنظر موقع شربل داغر الالكتروني

[9] – شربل داغر، مذاهب الحسن، قراءة معجمية-تاريخية للفنون العربية، بيروت، المرمز الثقافي العربي، ط1، 1998، ص 201

[10] – شربل داغر، مذاهب الحسن، م.س. ص 202

[11] – شربل داغر، مذاهب الحسن، م.س. ص 204

[12] – شربل داغر، مذاهب الحسن، م.س. ص 205

[13] – عزيز اسماعيل، الشعرية في الخبرة الدينية، ترجمة مهيب عيزوقي، بيروت، دار الساقي، ط1، 2008، ص 13

[14] – عزيز اسماعيل، الشعرية في الخبرة الدينية، م.س. ص 23

[15] – عزيز اسماعيل، الشعرية في الخبرة الدينية، م.س. ص 34

[16] – عزيز اسماعيل، الشعرية في الخبرة الدينية، م.س. ص 35

[17] – نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط2، 1994، ص 9

[18] – نصر حامد أبو زيد، م.س ص 9

[19] – محمد أركون، قراءات في القرآن، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 2017، ص 653

[20] – محمد أركون، م.س. ص 658- 659

[21] – نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، م.س. ص 122

[22] – نصر حامد أبو زيد، م.س. ص123

[23] – عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، تحقيق السيد محمد رشيد رضا، مكتبة القاهرة، ط6، 1959، ص312

[24] – نصر حامد ابو زيد، م.س. ص 189

[25] – نصر حامد ابو زيد، م.س. ص 190

[26] – ألفت محمد كمال عبد العزيز، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي حتى ابن رشد، سلسلة دراسات أدبية، الهيئة المصرية العامة     للكتاب، 1984، ص 9

[27] – ألفت محمد كمال عبد العزيز، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين، م.س. ص 9

[28] – ألفت محمد كمال عبد العزيز، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين، م.س. ص 15

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete