الذات والذات الأخرى: علاقةٌ مأزومة واستنجادٌ بالضمير الأخلاقي!!

 تكوين

  على مسافةٍ من تلك السموات المرصّعة بالنجوم من فوقنا، والقانون الأخلاقي الذي تمتلئ به ذواتنا1 ، وفق الصورة الإتيقية الكانطية التي طبعت “نقد العقل العملي” والتي تستمرّ الباعث الأول على إثارة الرهبة والإعجاب في قلب الانسان وفي فكره كلّما أنعم النظر إليها..

وعلى مسافةٍ من ذلك التواصل العلائقي المفترَض بين العاطفة والمنطق، بين الحدْس والعقلانية، بين السيْر على حافّة المخاطر الشعورية أو الانطلاق نحو أمان المرتكزات المرقومة والمحتَسَبة والمعروفة النتائج..

نرى البعض ينتقل راهناً إلى سلوك درب التنكّر لجمالية الأشياء والموجودات والمكنونات تلبيةً لمقتضيات التحديث، بعيداً في أحيانٍ كثيرة عن المعنى الحقيقي لمفهوم “الحداثة” وعن محاولة التفكّر في العلاقة الفلسفية بين القانون والأخلاق والعدالة والحرية.. ونرى البعض الآخر يدخل في محنة الصراع مع الذات، باحثاً دوماً عن تقاطعٍ شبه مفقودٍ بين الإحساس والتعقّل على مستوى قراراته وأفعاله كما على مستوى قرارات الآخرين وأفعالهم.. نراه يستحضر مفهوم “الضمير الأخلاقي” من صفحات التاريخ الفلسفي ليصطدم بغياب ذاك الضمير على أرض الواقع.

أولاً: معركةٌ مع الذات أو مع الذات الأخرى؟!

  نطرح هنا التساؤلات المشروعة الآتية: هل تنفصل الذات عن الذات الأخرى؟ أيمكنها أن تتّخذ بسهولةٍ قرار الابتعاد الذي قد يبلغ حدّ الاقصاء؟ أين تكمن القيمة الجوهرية الحقيقية للذات: في انعزالها أم في تلاقيها مع ذواتٍ أخرى؟

وعندما تعيش ذات الفرد تمزّقاً بين ما في الداخل من رغبات وما في الخارج من عقبات.. هل تغرق حينئذٍ في مخاوفها أم ينتفض الحسّ النقدي الذي يسكنها ليبني جداراً فاصلاً يقيها حالات التوتّر والانطوائية اللاسوية؟

كيف يمكن للانسان أن يتخطّى التشخيص النمطي للصراع مع الذات على أنه حالة مَرَضية، ليبلغ درجة الاقتناع بأنّ هكذا صراع إنّما هو قوةٌ دافعة تجعله يدرك مدى حجم تعقيدات كيانه ومدى حاجته إلى التعامل السليم معها؟

عندما قارب أفلاطون مسألة النفس، رآها موطناً لصراعٍ ثلاثيّ الأطراف بين الرغبة والارادة والعقل، وحَكَم بوجوب خضوع الانفعالات لقوة النفس العاقلة. وفي رحلته نحو اليقين، سعى ديكارت عبر الكوجيتو إلى إثبات وجود الذات المفكّرة حيث الأنا هي وعيٌ خالص ومفكّر، وحيث يدور صراعٌ معرفيٌّ داخليّ بين نور العقل الذي يُتيح إدراك حقائق واضحة ومتميّزة، وبين اليقين الزائف الذي تولّده الحواس. وبرزت “الأنا” في فلسفة كانط العقلانية النقدية شرطاً للوحدة وتوليفاً بين الحدس والادراك في الوعي، وهي التي رافقت كلّ تمثّلاته، ذاتاً متعالية حيث لا يمكن أن نكون أنواتٍ مستقلّة دون عالمٍ من المعقولات كشرطٍ مسبق. وأتى هيجل مع “فينومينولوجيا الروح” ليقول: “أنا الصراع“.. أنا الوعي المترنّح بين ذاته المحدودة والمتناهية وتلك اللامتناهية التي أصبو إليها.. أنا الوعي الذي عليه تجاوز ذاته ومواجهة حدوده وإثبات سطوته، ضمن “جدلية السيّد والعبد” المتضمّنة هدفية نيل الاعتراف المتبادَل، والتي لا ننفكّ نعيشها ونعايشها حالةً ترافق تحقيقنا لذواتنا.

وتُكمل هذه المعركة داخل الذات مسارها لتشتعل مع الذات الأخرى، فتجد الحقائق الكامنة في الفرد فرصة الاكتمال والتكامل الاستكشافي المتواصل في إطار العلاقات المجتمعية، وتتقدّم إلى الواجهة الرغبة في الحصول من الآخر على الاعتراف بشخصنا والاصغاء إلينا واحترام هويتنا، دون الوقوع في الفخّ  التهديديّ السارتري جرّاء نظرة الآخر التي قد تحوّلنا إلى موضوع وتجرّدنا من حريتنا، فتستحيل “جحيماً” تفرضه دينامية الصراع التفاعلي بين الذوات.

أمام هذا الواقع، على الفرد أن يعي أنّ معركته مع ذاته ومع الذات الأخرى طبيعية، وهي من نوع المعارك التي، إذا ما وسمها بالعاطفة المتّزنة وبالحكمة الفاعلة، فإنها تتّخذ وجهاً وبُعداً إيجابيّيْن.. فلا تكون “حرب الكلّ ضدّ الكلّ” على طريقة هوبز، بل تتمظهر بمسؤوليةٍ أخلاقيةٍ تجاهه على طريقة ليفيناس.

وبدلاً من الارتماء في مِحَن التصارع الأبدي، تدرك “الأنا” هشاشتها ومكامن ضعفها، فتُخرج إلى العَلَن ما تريده، وتدخل في علاقةٍ لا تختزل فيها الآخر إلى مجرّد شيءٍ أو إلى موجودٍ مفروضٍ على وجودها. ولا شكّ في أنّ التوصّل إلى هذه الحالة أمرٌ جيّد، لكنه يحتاج إلى دعامةٍ فلسفيةٍ أساسية ترتكز على القيم الأخلاقية، ما يفتح أفق البحث في مفهوم “الضمير” الذي من شأن احترامه أن يُنجح كلّ تواصلٍ بين الأفراد. فكيف ذلك؟

ثانياً: الضمير الأخلاقي بين الغياب والتغييب

  مع استفحال الأزمات الكيانية في علائق الأفراد بذواتهم وبالدائرين في فلك حياتهم.. تفرض الفلسفة الإتيقية نفسها على تلك الحياة لتستحضر مصطلح “الضمير الأخلاقي” الذي يبدو غائباً أو مغيّباً على مستوييّ الفكر والفعل. فهل من مبرّر لإسكات ذاك الصوت الداخلي الذي يُلزمنا بتحمّل مسؤولية قراراتنا وخياراتنا؟ هل فقدنا فعلاً القدرة الحدسية أو العقلانية على تقييم القيمة الأخلاقية لأفعالنا وأفعال الآخرين؟

يبدو أنّ التوجّه التلقائي إلى الخير دون الحاجة إلى تعلّمٍ معقّد على ما رأى الأمر روسو، والنظر إلى الضمير الأخلاقي كمَلّكّةٍ عقليةٍ منعقدةٍ على الاحترام الخالص للواجب بحسب الرؤية الكانطية.. إنّما يصطدمان بالشرّ المتربّص بالنفوس والذي يُترجم داخل المجتمعات أفعالاً وردّات فعلٍ مسيئة ويتظهّر بوجهَيْن:

  • وجه الشرّ المبعثَر وغير المقصود، لكن المؤذي حكماً
  • ووجه الشرّ المركَّز والمقرَّر مسبقاً.. والمتلذِّذ في الأذيّة

والمفارقة أنّ ما يتلاشى اليوم إلى حدّ الانطفاء هو الشعور بالذنب، فكأنّ اقتراف الخطأ بات فعلاً بديهياً  ومسلَّماً به وبتبعاته. ولا نقصد بهذا الشعور ما يحمّل الفرد عبئاً ثقيلاً، فيُدخله في معاناةٍ نفسيةٍ تتلطّى خلفها عدوانيةٌ مكبوتة، ولا نتوسّله “أداةً للتدجين” في مواجهة “الضمير السيّئ” كما عدّه نيتشه في “جينيالوجيا الأخلاق”.. وإنّما نرى فيه بُعدَيْن: بعدٌ ذاتي للمسؤولية يمهّد الطريق نحو مساءلة الذات دون الوقوع في خطر تقويض تقديرنا لها، وبعدٌ أنطولوجي يُخرج الفرد من العقدة المتمادية للتجاوز الأخلاقي ضمن إطار ما يسمّيه هايدغر “تقبّل المحدودية الوجودية”. فالضمير الأخلاقي، في “الكينونة والزمان”،  لا يجهر صوته مطلقاً، ومن الصمت تنطلق مناداته، “بمعنى أنّ النداء ينبع من أعماق غرابةٍ صامتة، فيقود الدازاين الذي يخاطبه إلى العثور على نفسه في حالةٍ من السكينة والتصالح مع الذات”2 . وعليه، في كلّ ذلك، أن يناضل في سبيل عدم تحوّله إلى مجرّد رقمٍ في جماعة، فيسقط كيانه في مشاريع الآخرين وتصيبه لوثة الاغتراب.

خاتمة

  لا تستطيع الذات الانسانية أن تتنفّس طويلاً إذا ما دخلت حالة انغلاقٍ، أكان طوعياً أو قسرياً، متّخذةً من إحدى زوايا هذه الحالة ملاذاً تخاله يحقّق لها بعض السلام الداخلي.

هي تحتاج أن تفكّ قيودها لتغادر تلك المنطقة الرمادية المتكوّنة من كمٍّ من المخاوف، فيسهل عبورها نحو مساحة انفتاحٍ رحِب، وتكفّ عن أن ترى في الآخر مرآةً لجراحها ومعاناتها أو مشروع صراعٍ لا نهاية له.

على الذات أن تعي أنّ الأزمات لا تتلاشى حين يُغمض الانسان عينيه ويتغاضى عن حاجة نبضات قلبه للتفلّت من الأسْر، أو حين يقرّر أن يبني حدوداً لرؤيته العاقلة ولنعمة تبصّره.

متى سيقتنع الانسان ذاتانياً بأنه لا يمتلك ولادةً واحدة؟ هو يولد مراراً وتكراراً كلّما غمر فيض المحبة قلبه، كلّما عَقّلَ الأشياء وأتقن اختياراته وحقّق تحرّره.. وكلّما ساكن آلامه واحتضن آلام الآخرين واختلافاتهم وتوجّساتهم..

  هو يولد كلّما ترسّخت قناعته بأنّ الذات الأخرى هي نافذةٌ نحو وعيه إنسانيّته، ونحو سلوكه درب الأخلاق المنعقدة على الالتزام والنبل والرقيّ..

نعم، تتجدّد الولادة، لكنّ القلق يستمرّ بالتهام مشاعر الأمان، لأنّ الشرّ الكامن والظاهر يقطع الطريق دوماً على الذات الانسانية، ويُدخلها في امتحانٍ إتيقيٍّ – نفسيٍّ مربك.. فيعيش الانسان تأهباً متواصلاً للاستنجاد بالضمير الأخلاقي!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1]- Emmanuel Kant, Critique de la raison pratique, Ed. P.U.F., Paris, p. 173.

[2]- Martin Heidegger, Être et Temps, Traduit de l’allemand par François Vezin, nrf, Ed. Gallimard, Paris, 1986, p. 355.

 

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete