تكوين
تتسم الظاهرة الدينية مثل أي ظاهرة اجتماعية، بالدينامية والتطور المستمر نتيجة عديدٍ من المتغيرات التي تحدث في المجتمع، فمكانة الدين وأنماط التدين والفاعلين في المجال الديني وصور الخطاب الديني ومضمونه وآلياته وسماته كلها، عناصر تتغير من وقت إلى آخر ومن مرحلة زمنية لأخرى. وقد شهد المجتمع المصري تحولات مختلفة في المجال الديني في النصف قرن الماضي، فقد شهدت مرحلة السبعينيات بعض التحولات أبرزها ظهور فاعلين جدد يتمتعون بحضور وتأثير قوي، في مقابل تراجع حضور المؤسسة الدينية الرسمية وتأثيرها، كما شهدت تلك المرحلة تزايدًا في مكانة الدين في المجتمع وسيطرته على المجال العام، وبروز عديدٍ من مظاهر التدين، وظهور أنماط جديدة من التدين أبرزها التدين السلفي، ومع بداية القرن العشرين حدثت بعض التحولات الأخرى أبرزها ظهور الدعاة الجدد ليكونوا فاعلًا مؤثرًا في المجال الديني ومنافسًا للتنظيمات التقليدية، وظهور أنماط أخرى من التدين، ومع الربيع العربي كانت التحولات أكثر قوة في العناصر الثلاثة: مكانة الدين وأنماط التدين وأوضاع الفاعلين، وذلك بسبب عديدٍ من المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي صاحبت الربيع العربي أو ترتبت عليه سواء في المستوى المحلي أو العالمي.
ولم تكن تحولات المجال الديني في اتجاه واحد، لكنها تحولات متنوعة ومتناقضة بسبب طبيعة المتغيرات والأسباب التي أنتجتها، فكانت هناك متغيرات أسهمت في تزايد الاتجاه نحو التدين، وأخرى أسهمت في الابتعاد عن دائرة التدين أو عن دائرة الدين بالكلية، كما أن الاتجاه نحو التدين لم يكن له نمطًا واحدًا، فقد تعددت أنماط التدين بتعدد تلك المتغيرات، كما كان هناك متغيرات أخرى أدت إلى تراجع فاعلين في المجال الديني وظهور أو تزايد حضور آخرين.
إقرأ أيضًا: هل يمكن أن يوجد الدين من دون أسطورة؟
في هذه المساحة نسعى في التعرف على بعض تحولات المجال الديني بعد الربيع العربي والخاصة بأنماط التدين ومكانة الدين في المجتمع المصري، من طريق محاولة الإجابة عن سؤالين رئيسين: الأول، ما هي أهم المتغيرات التي ترتبت على الربيع العربي وأسهمت في صناعة تلك التحولات، والثاني، ما هي أبرز أنماط التدين بعد الربيع العربي، وما أهم مظاهرها وأسبابها، وما دلالاتها فيما يتعلق بمكانة الدين في المجتمع؟
أولًا: الربيع العربي وتغيرات الوعي
هناك عديدٌ من المتغيرات التي حدثت في مرحلة ما بعد الربيع العربي وكان لها أثرًا كبيرًا في التحولات التي وقعت في المجال الديني فيما يخص أنماط التدين ومكانة الدين في المجتمع، ومن أبرز هذه المتغيرات:
- مناخ الحرية الذي صاحب الثورة والفترة التي تلتها: أسهم ذلك المناخ في منح المساحة للتيار الإسلامي بكل مكوناته للتعبير عن أفكاره بوضوح ودون مواربة أو خوف بصورة أكبر من ذي قبل، ومن بين السمات التي اتسم بها خطاب التيار الإسلامي بعد الثورة؛ الاعتقاد بامتلاك الحق المطلق وأنه يمثل الفهم الصحيح للإسلام، ومن ثم انطلاقه من فكرة تطهير الذات من كل عيب وشيطنة الآخر واتهامه بكل نقيصة، وعد كل نقد موجه لذلك التيار بأنه نتيجة عداء وكراهية للدين وليس بسبب ممارسات وأفكار خاصة به، ووجود قناعة بأن كل رأي مختلف عن رأيهم هو مخالف للدين، كما أن الخطاب في كثير من الأحيان كان يعكس شعورًا بالتمايز والغرور والاستعلاء تجاه الآخرين، ويتضح هذا أكثر من طريق وصفهم للتيارات الفكرية والسياسية الأخرى بالانحلال الأخلاقي، والدفاع عن العري والإباحية، واتهامها بالعمالة لأطراف خارجية، كما تميز الخطاب بالهجوم والتحريض تجاه عدد من الأطراف مثل: الأقباط والمرأة والإعلاميين ومؤسسات الدولة والتحقير من شأنهم، كما اتسم الخطاب بأنه مليء بالمسلمات والأحكام المطلقة التي لا تحتمل أراء أخرى، كما أنه كان يحمل إشارات بإمكان استخدام القوة في حالة عدم الاستجابة الطوعية، لتطبيق الشريعة، كما يكشف الخطاب عن موقف السلفيين الرافض لعمل المرأة والمطالب ببقائها في بيتها، واتهامهم للمجتمع بالجاهلية، ويكشف عن موقفهم المتحفظ تجاه مظهر النساء والشواطئ والسينما والفن عمومًا[1]، وقد ترتب على ذلك إثارة الخوف لدى شرائح من المجتمع تجاه تلك الأفكار، وخلق حالة من الرفض لدى شريحة من المجتمع ولدى مؤسسات الدولة ذاتها تجاه ذلك التيار، وخوف من أن يصبح مسيطرًا على مؤسسات الدولة وقادرًا على نشر أفكاره وتصوراته على نطاق أوسع في المجتمع.
- حالة السيولة الناتجة عن الثورة: وهي حالة أصابت المجتمع بعامة، وتركت آثارها في المجال الديني، وهذه السيولة نتج عنها رغبة في الخروج عن الأطر التنظيمية التقليدية سواء فيما يتعلق بالتنظيمات الدينية أو التنظيمات السياسية التقليدية عمومًا، وهذه الحالة قد بدأت إرهاصاتها منذ بدايات القرن الواحد والعشرين، حيث نشأت عديدٌ من الحركات الشبابية العابرة للأيديولوجيات والتي تمتعت بالمرونة التنظيمية، مثل: حركة كفاية وحركة 6 أبريل، كما أفرزت الثورة عددًا أكبر من تلك الحركات التي كان لها دورًا احتجاجيًا، مثل: روابط الألتراس، وفي داخل جماعة الإخوان كذلك حدثت عديدٌ من الانشقاقات لمجموعات من الشباب تمردوا على التنظيم وقياداته التاريخية وأداءه التقليدي، وشكلوا أطرًا تنظيمية أخرى متجاوزة للجماعة[2]، وقد أدى ذلك إلى إحداث خلخلة داخل التنظيمات الدينية التقليدية ستترك آثارها فيما بعد في أنماط التدين.
- التقدم التكنولوجي وتزايد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي: وفر هذا الأمر مساحة كبيرة للتعبير عن الأفكار والآراء لكل التيارات الفكرية والسياسية ولكل الناس بعامة؛ ونتج عنه سهولة في تداول ومناقشة الأفكار المختلفة، وسرعة في نقل المعلومات والأخبار، ونظرًا لأهمية الفكر الديني وتأثيره في المجتمع، فقد تزايدت المناقشات بشأن عديد من القضايا المتعلقة به، وتزايد الوعي تجاه بعض العيوب والمثالب الموجودة فيه، ومن جانب آخر أدى ذلك التقدم وزيادة الإقبال على استخدام وسائل التواصل إلى ظهور كيانات ثقافية ودينية جديدة مثلت بدائل للتنظيمات الدينية التقليدية، وملاذًا للشباب الراغب في التدين، ومن الأسباب الأخرى التي أدت لظهور هذه الكيانات حالة الانفتاح التي صاحبت الثورة وأدت إلى ظهور الشباب وتصدرهم المشهد، مما أسهم في تراجع الرموز والتنظيمات الدينية التقليدية لصالح رموز وكيانات جديدة لها خطاب وسمات مختلفة، وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي هذه الرموز والكيانات الجديدة على مد جسور التواصل بينها وبين الشباب ومن ثم التأثير فيهم[3]، وقد أصبحت المنصات السلفية التي تقدم العلم الشرعي ومعها عدد من المفاهيم والقضايا الفكرية من منظورها الخاص ووفق منظومتها الفكرية منتشرة انتشارًا واسعا في وسائل التواصل الاجتماعي، تجتذب كثيرًا من الشباب الراغب في التدين، ولا يجد سبيلًا أمامه سوى هذه المنصات التي يُطلق عليها “أكاديميات”، مثل: أكاديمية زاد، أكاديمية البناء المنهجي وغيرها[4]، وهي لا تعمل وفق الصورة النمطية من طريق إلقاء الدروس والمحاضرات الدينية، ولكنها تعمل بطريقة أكثر حداثة وتنظيمًا من داخل نظام أشبه بالنظام الجامعي في صورة دبلومات ومناهج ومحاضرات واختبارات وشهادات تخرج في النهاية، وقد استطاعت تلك المنصات إحداث تأثير ملحوظ، خاصة في أوساط الشباب في كل المجتمع العربي أسهم في تكوين أنماط التدين.
- تزايد الاتجاه الناقد للفكر الديني: إذ أسهم مناخ الحرية الناتج عن الثورة والتقدم التكنولوجي، وحضور التيار الإسلامي بقوة بعد الثورة وسيطرته على عديدٍ من المؤسسات، في تزايد الرغبة في التعرف على أفكار التنظيمات والتيارات الإسلامية وتاريخها وأهدافها، ومن ثم ازدادت الكتابات الخاصة بنقد الفكر الديني ونقد الحركة الإسلامية بكل مكوناتها، سواء في أفكارها أو ممارساتها؛ وقد ازدادت على إثر ذلك المطالب الخاصة بتجديد الخطاب الديني بعد الربيع العربي وخاصة بعد سقوط الإسلاميين من الحكم وحدوث الصراع مع الدولة، سواء من جانب بعض المثقفين أو من جانب السلطة السياسية ذاتها، والتي دخلت في أكثر من موقف في شبه صدام مع الأزهر الذي كان يرفض تلك المطالب، مما أدى إلى بعض التوتر بينه وبين مؤسسة الرئاسة.
- تجربة الإخوان في الحكم صعودًا وهبوطًا: كان لتلك التجربة أثرًا كبيرًا في التحولات الحادثة في المجال الديني، فصعود الإخوان إلى الحكم في مصر ومن قبله حيازتها على النسبة الأكبر في الانتخابات البرلمانية، أكسبها رأسمالًا رمزيًا في المجتمع، وصنع حالة من الانبهار بها جعلت هناك إقبال على التقرب منها والانضمام إليها، سواء من طريق الجماعة أو الحزب التابع لها، كما جعل لها القدرة على التأثير بدرجة كبيرة في المجتمع، لكن فيما بعد كشفت تجربتها في الحكم عن عديدٍ من العيوب الموجودة في البنية الفكرية والتنظيمية لها، وكشفت عن تهديد مشروعها الساعي في تجاوز الدولة الوطنية وإقامة تحالفات مع جهات خارجية ودول أخرى على الدولة المصرية، كما كشف عن طبيعة الجماعة التي لا تستطيع التعايش مع الآخر، ولديها صراعات مع كل التيارات ورغبة في الإقصاء بسبب قناعتها بأنها هي التي تمثل الحق المطلق في مقابل الباطل المطلق، وكذلك كان لسقوط الإخوان من الحكم وإخفاق التجربة أثرًا في تلك التحولات، إذ انخفضت بدرجة كبيرة حالة الانبهار التي كانت تتمتع بها الجماعة، كما أثر صراعها مع الدولة في نشاطها الدعوي، فقد استنفد هذا الصراع جزءًا كبيرًا من طاقتها، وأثر في قدرتها على العمل واستقطاب الأفراد، خاصة مع اتجاهها نحو العنف الذي كان له آثارًا مختلفة سواء في كونه سببًا في نشر ثقافة التطرف، إذ ترسخت قناعة لدى بعضهم بأن استخدام الأدوات السلمية في التغيير غير مجدية وأن الديمقراطية كذبة، فأصبح يؤمن بالتغيير بالقوة، أو كونه سببًا في خوف الناس من التقرب من الجماعة والعمل معها، ومن ثم البحث عن بديل آخر أو الابتعاد عن دائرة التدين، فهناك من أصبح رافضًا للأطر التنظيمية ولتلقي المعرفة الدينية منها، وفضل الطابع الفردي في ممارسة التدين، وأصبح يستمد معرفته الدينية من مصادر مستقلة، كما أن دخولها في أزمات تنظيمية وانقسامات قد أثر في قدرتها على الحضور والتأثير، وكان سببًا في خروج عديدٍ من الأفراد من التنظيم، كما أدى ذلك الصراع إلى نتيجة عكسية، تتمثل في خروج بعض الأفراد المنتمين إلى التيار الإسلامي من دائرة الدين وإلحادهم؛ نتيجة قناعة ترسخت لديهم بأن الدين كان سببًا من أسباب الصراع على عكس المرجو منه[5].
- تزايد حضور المؤسسة الدينية الرسمية بعد الثورة: فقد أدركت المؤسسة الرسمية بمكوناتها المختلفة درجة الحضور والتأثير الذي يتمتع به التيار الإسلامي، فعملت بعد الربيع العربي على زيادة أنشطتها في المجتمع، والوصول إلى شريحة أكبر من الأفراد، كما كان للصدام الذي حدث بين الدولة وبعض التنظيمات الدينية في 2013 دورًا في تزايد حضور المؤسسة الرسمية من أجل مواجهة موجة التطرف والعنف التي قامت به تلك التنظيمات، ومن بين الآليات التي قامت بها المؤسسة الرسمية من أجل تحقيق هذا الهدف: إنشاء كلٌ من: الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، عددًا من المنصات الإلكترونية لتعليم العلوم الشرعية، وعددًا من الصفحات في وسائل التواصل، لزيادة التواصل مع الجمهور، وإنشاء بعض المؤسسات لمواجهة التطرف مثل: المؤشر العالمي للفتوى ومرصد الأزهر لمكافحة التطرف، ومن الآليات التي اتخذها الأزهر لتعزيز حضوره وتأثيره فكرة “الرواق الأزهري” الذي يمثل مسارًا للتعليم غير النظامي والذي تشرف عليه المؤسسة الأزهرية، ومن طريقه استطاعت جذب عدد كبير من الشباب الراغب في التدين وتلقي العلم الشرعي بعيدًا عن التيارات الدينية في إطار محاولة تعزيز نمط التدين الأزهري ليكون بديلًا عن نمط تدين الحركة الإسلامية، كذلك تأتي تجربة الكيانات التعليمية التي يشرف عليها أزهريون مستقلون مثل: مدرسة “شيخ العمود” من بين الآليات التي طرحت لتكون بديلًا لتيارات الإسلام السياسي، والتي على الرغم من تأثر مؤسسيها بفكر جماعة الإخوان، وانتماء بعضهم السابق لها، إلا أنها كانت تعمل لتجاوز بعض أفكارها وطرح فكر ديني ينطلق من المنهج الأزهري، ولذلك فإنها مثلت في فترة من الفترات بديلًا أمام بعض الشباب الذين يختلفون مع فكر التيارات الدينية أو الذين خرجوا منها رافضين لها[6]، كما جاء ذلك الحضور المتزايد للمؤسسة الرسمية، خاصة من جانب وزارة الأوقاف، نتيجةً للسياسة التي اتخذتها الدولة بعد 2013 من أجل ضبط المجال الديني ليكون أداة لمواجهة التنظيمات الدينية، وشغل جزءًا من المساحة التي تعمل بها والعمل لتحجيم نشاطها والتقليل من آثار خطابها، ومن الآليات التي اتخذتها الدولة في هذا الإطار منع وتقييد عديدٍ من رموز تلك التنظيمات من الخطابة، والسيطرة على القنوات الدينية المملوكة للتيار الإسلامي، ووضع جميع المساجد والزوايا تحت إشراف وزارة الأوقاف، وتوحيد خطبة الجمعة، بجانب سجن البعض من رموز التيار الإسلامي بسبب اتهامات وأحكام قضائية[7].
- تحولات المملكة السعودية: فقد اتخذت المملكة السعودية سياسات جديدة منذ تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، أحدثت تحولات جوهرية في إدارة المملكة، ومن بين تلك السياسات ما هو متعلق بالمجال الديني، إذ تخلت المملكة عن دعم الفكر الوهابي ونشره الذي كان له أثرًا كبيرا منذ ستينيات القرن العشرين على أنماط التدين في مصر، وكان لتلك السياسة أثرًا في بعض مكونات التيار السلفي في مصر التي كانت مدعومة من المملكة والتيار الوهابي دعمًا كبيرًا، وقد أثر ضعف حضور هذا التيار في حجم الأفراد المنتمين انتماءً مباشرًا إليه ممن يكونون كتلة التيار الصلبة، بسبب تحجيم نشاطه، ومنه الدعوة الفردية الذي كان يتم من طريق ضم أفراد جدد.
- تنامي التيار الجهادي بعد الثورة: رغم وجود عديد من الجماعات الجهادية التي تتخذ من العمل المسلح أداة للتغيير قبل الثورة، إلا أن مرحلة ما بعد الثورة شهدت تناميًا كبيرًا للتيار الجهادي، إذ تزايد حضور بعض الجماعات ونشاطها، وظهرت جماعات وتنظيمات جديدة، كما اتجهت جماعات أخرى من العمل السياسي إلى العنف، ففي الفترة ما بين 2011 – 2013 وقبل سقوط الإخوان من الحكم تكونت عديدٌ من المجموعات الجهادية، الأمر الذي يعكس أن حالة التطرف لم تكن فقط مرتبطة بسقوط الإخوان أو بالإجراءات التي اتخذتها الدولة فيما بعد 2013 تجاه بعض التنظيمات، فبعد الثورة أُفرج عن أغلب المسجونين المنتمين إلى تنظيمات جهادية من السجون، كما قام عدد آخر بالهروب من السجون، وتكونت على إثر ذلك عددٌ من المجموعات الجهادية مثل: خلية مدينة نصر وجماعة أحمد زايد وكمال علام وجماعة مجلس شورى المجاهدين وجماعة أنصار بيت المقدس التي تكونت قبل ثورة يناير وتوقفت ثم عاودت الظهور والنشاط بعد الثورة، ثم بايعت تنظيم الدولة “داعش” في عام 2014 وتغير أسمها إلى “ولاية سيناء”، وبعد 2013 ظهرت عديدٌ من الجماعات المسلحة الأخرى التي مارست العنف مثل: كتائب الفرقان وتنظيم أجناد مصر وتنظيم أنصار الشريعة وجماعة المرابطين وجماعة جند الإسلام وجماعة أنصار الإسلام[8]، أيضًا كان لظهور تنظيم الدولة “داعش” وصعوده القوي وإقامته ما أطلق عليه “الخلافة الإسلامية” في سوريا أثرًا كبيرًا على أنماط التدين في مصر، كما اتجهت جماعة الإخوان إلى العنف بعد 2013 ومارست عديدًا من العمليات النوعية، واتسم خطابها بالتطرف الذي تتمثل مظاهره في التحريض ضد الدولة ومؤسساتها، وإثارة الشائعات التي تهدف إلى إضعافها، والدعوة إلى الثورة والتغيير ولو باستخدام القوة.
- عملية طوفان الأقصى: أسهمت تلك العملية وما تبعها من أحداث وجرائم ارتكبتها إسرائيل في غزة، وكذلك الموقف الغربي الرسمي وخاصة الولايات المتحدة الداعم لإسرائيل؛ أسهمت في تزايد ثقافة التطرف في المجتمع، وفي قدرة التنظيمات الدينية على تأكيد أفكارها الخاصة بضرورة استخدام القوة في التغيير، وعدم جدوى الوسائل السلمية والأدوات الديمقراطية، كما عزز من هذا الاتجاه تلك التغيرات التي حدثت في سوريا، والتي ترتب عليها سقوط نظام الأسد، ووصول إسلاميين من خلفية جهادية إلى الحكم، فقد رسخ ذلك قناعة لدى عديدٍ من المنتمين إلى التيار الإسلامي والمتأثرين بأفكاره من عموم المجتمع بأن القوة هي الحل، وأسهم في انتشار ثقافة التطرف انتشارًا أكبر.
- الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية: وما خلقته من شعور بالقلق من المستقبل وعدم اليقين والخوف من التقلبات التي تحدث باستمرار وبطريقة غير محسوبة؛ أسهمت في تزايد الاتجاه نحو التدين ، إذ يمثل الدين هنا ملاذًا ومصدرًا للشعور بالأمن والطمأنينة والتعويض عن الحرمان وصعوبة العيش، فالتدين يمثل ملجئًا ومصدرًا للأمل في عالم تفككت مراسيه السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية[9]، كما أن الفقراء يلجؤون إلى الدين كونه آلية دفاعية في ظل مناخ مليء باليأس من الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السيئة، ففي سياق المناخ المفعم باليأس وفقدان الأمل يتحول الفقراء إلى ربهم المتعالي وإلى أوليائه الصالحين في الأرض، وإلى دينهم الذي يجدون فيه ما يمكنهم من تكوين قناعات تُجري مصالحة مع واقع حياتهم، وتسوّغ الفقر والطبقية والتفاوت، وتحقق لهم قبولَ هذه الأوضاع والرضا عنها وبها، وتمنحهم في الوقت ذاته عزاءً ربانيًا إلهيًا عن فقرهم، إلى حد اعتبار هذه الأوضاع ظواهر إلهية وقدرًا محتومًا وتعبيرًا عن مشيئة الله وإرادته النافذة في خلقه، وفي كثير من المواقف يرددون بعض الأمثلة والمقولات التي تعكس تلك القناعات، ومنها أن “الفقر نعمة من الله، وأن الله خلق الناس درجات، وأن من الناس من لا يصلح معه سوى الفقر، لأن الغنى سوف يفسده، وأن التمرد على الفقر والشكوى منه كفر، وأن الضيق يأتي بعده الفرج، وأن الفقر والغني قدر محتوم ولا حيلة في الرزق… إلخ”[10]، وهي كلها مقولات تعبر عن قناعات مصدرها بعض النصوص والآثار الدينية.
- تزايد الصراعات القائمة على أساس ديني: فعلى الرغم من الدوافع والأسباب الاقتصادية والسياسية التي تقوم عليها الصراعات والحروب في الشرق الأوسط، إلا أن الدافع الديني يظل محركًا رئيسًا لها، فالصراع العربي الإسرائيلي والدعم الأمريكي لإسرائيل، والصراع الإسرائيلي/ الأمريكي مع إيران كلها صراعات يُمثل الدين عاملًا رئيسًا فيها، ويترتب على ذلك ترسخ الشعور بالخطر على الهُوية والدين في المجتمع، مما يجعل الارتباط بالدين أكثر والاتجاه نحو التدين متزايد.
ثانيًا: أنماط التدين
لم تقتصر الصراعات التي صنعها الربيع العربي على الصراعات السياسية فقط، لكن الصراعات الفكرية كانت ربما هي الأشد، سواء بعد 2011 أو بعد 2013، فقد كان الصراع بين التيارات السياسية والفكرية ينصب أساسًا في هوية الدولة وطبيعة وحجم دور الدين في المجال العام، وقد أفرز هذا الصراع نتائج مختلفة منها ما يتعلق بمكانة الدين في المجتمع وبالاتجاه نحو التدين أو العلمنة أو الإلحاد.
فالثورة لم تكن فقط ضد نظام حاكم، لكنها صارت بمنزلة تمرد وبداية لحظة شك ومراجعة تجاه عديدٍ من المسلمات، ورغبة في تجاوز عديدٍ من الأطر التقليدية، وكان للمجال الديني نصيبًا كبيرًا منها، باعتبار التيار الإسلامي كان فاعلًا أساسيًا بعد الثورة، ولاعبًا مؤثرًا في الحياة السياسية والفكرية، وفي لحظة كان يتجه نحو السيطرة على الدولة وصياغة المجتمع وفق منظومته الفكرية ورؤيته السياسية.
وقد أنتجت تلك المتغيرات تحولات متنوعة وفي اتجاهات مختلفة، فبعضها نتج عنه تزايد الاتجاه نحو التدين، وبعضها نتج عنه تزايد الاتجاه نحو العلمنة، والبعض الآخر تسبب في الاتجاه نحو الإلحاد والخروج من دائرة الدين بالكلية، لكننا سوف نركز هنا على الاتجاه نحو التدين، وأنماطه.
- الاتجاه نحو التدين بين الهبوط والصعود
يمكننا في البداية تعريف التدين بأنه “ذلك المفهوم الذي يشير إلى الممارسات الدينية الواقعية”[11]، وكذلك بأنه “عملية تلقي الدين وممارسته”[12]، أو هو “حصيلة التفاعل بين الدين والاجتماع”[13]، ولم تكن معدلات الاتجاه نحو التدين على وتيرة واحدة منذ 2011 حتى الآن، ففي بعض الفترات كان معدل الاتجاه نحو التدين منخفضًا، وفي فترات أخرى شهد هذا المعدل ارتفاعًا، وهذا مرتبط بمتغيرات مختلفة خاصة بكل مرحلة تسهم في رسم معدلات الاتجاه نحو التدين صعودًا وهبوطًا.
بعض الدراسات التي تناولت حالة التدين في العالم العربي تشير إلى تزايد الاتجاه نحو التدين بعد 2011، ففي دراسة[14] أجريت في العام 2016 بهدف التعرف على بعض التحولات المترتبة على الربيع العربي ومنها حالة التدين، ومن طريق الدراسة الميدانية، تم التوصل إلى ارتفاع نسبة الاتجاه نحو التدين في عدد من الدول العربية ومنها مصر، فوفقًا للدراسة صنف مجموع ثلثي المستطلَعين أنفسهم بـ “المتدينين نسبيًا” أو “المتدينين جدًا” وذلك في العام 2016 مقارنة بنسبة 58% في العام 2011، وفي مصر لُوحظ وجود توجهًا من خانة التدين المتدني والتدين المحدود إلى خانة التدين المرتفع[15]، كما رصد أحد مراكز الأبحاث حالة التدين باستخدام أدوات البحث الكمية، على مدار إحدى عشرة سنة بدءً من عام 2011 حتى عام 2022، ومن طريق استقراء نتائج تلك الدراسات يتبين أن الاتجاه نحو التدين في مصر تأرجح ما بين الصعود والهبوط في تلك السنوات، إذ بلغت نسبة من وصفوا أنفسهم بالمتدينين في العام 2011 نسبة 96%، ثم بدأت هذه النسبة في الانخفاض في الأعوام التالية فكانت في العام 2012 – 2013 بنسبة 91%، ثم في العام 2014 بلغت 81%، وفي العام 2015 بلغت 84%، والعام 2016 بلغت 76%، ثم في الأعوام التالية بدأت النسبة في الارتفاع مرة أخرى لتتراوح بين 90% و 92% حتى عام 2022[16].
إقرأ أيضًا: الإسلام السياسي الدين الجديد
كما ترصد نتائج الدراسات التي أجراها مؤشر الباروميتر العربي منذ العام 2011، والمعنية بدراسة حالة التدين بجانب قضايا أخرى، أن نسبة الشباب ما بين 18 – 29 سنة والذين يصفون أنفسهم بغير المتدينين في مصر كانت في الأعوام التالية للربيع العربي كبيرة، فقد بلغت في الأعوام من 2012 – 2014 نسبة 18%، ثم تراجعت هذه النسبة بعد ذلك فبلغت 6% في الاستطلاع الذي تم في أعوام 2018 – 2019، ما يعني تزايدَ الاتجاه نحو التدين في تلك السنوات وما تلاها[17].
وفي ضوء المتغيرات التي سبق الإشارة إليها يُمكن تفسير تراجع وتزايد معدلات التدين في مرحلة ما بعد الربيع العربي، ففي عام 2011 شهد ارتفاعًا في معدلات الاتجاه نحو التدين وفقًا لعديدٍ من الدراسات، فإن ذلك ربما يعود إلى تزايد حضور التيار الإسلامي وانتشاره وتأثيره في المجتمع في تلك الفترة، والذي صاحبه حالة من الانبهار به والنظر إليه بوصفه بديلًا أفضل من الأنظمة السابقة لأنه المبشر بالمشروع الإسلامي الذي ينطلق من شعار”الإسلام هو الحل”، بينما في الأعوام التالية وحتى عام 2016 شهدت معدلات التدين انخفاضًا، وربما هذا بسبب بعض المتغيرات أبرزها الأزمات التي اتسم بها الخطاب الديني، والتي أبرزتها حركة النقد الديني المتزايدة بعد الثورة، أيضًا سقوط الإخوان من الحكم وزوال حالة الانبهار بفشل التجربة سريعًا، وكذلك الصراع الذي دخلت فيه عديدٌ من التنظيمات الإسلامية واتجاه بعضها إلى العنف الذي تزايدت معدلاته في تلك المرحلة، وفي السنوات التالية بعد 2016 ربما يعود الارتفاع في معدلات التدين إلى عدد من المتغيرات أبرزها الأزمات الاقتصادية التي مر بها المجتمع المصري، وتداعياتها الاجتماعية، وحدوث حالة من عدم اليقين، وتراجع التفاؤل بالمستقبل، خاصة مع قدرة التيار الإسلامي المعارض على توظيفها في خدمة سرديته عن تعرضه للظلم بإسقاطه من الحكم وأن الأمر كان مؤامرة عليه بسبب مشروعه الإسلامي، وأن تجربة حكمه كانت نتائجها أفضل من المرحلة التي تلتها.
لكن مع وجود اتجاه نحو التدين بنسب متفاوتة منذ الربيع العربي، لم يكن التدين ذو نمط واحد، ولكن تعددت أنماطه بسبب اختلاف المتغيرات السابق ذكرها، ويمكن رصد ثلاثة أنماط من التدين التي ميزت مرحلة ما بعد الربيع العربي، وهي:
- أ- نمط التدين الفردي
أصبحت الفردانية ثقافة سائدة في عصرنا، ترسخت منذ سنوات وتزداد رسوخًا وانتشارًا مع الوقت، وتتضمن هذه الثقافة عددًا من المعاني: منها أن كل فرد يملك سمات وقدرات تجعله متميزًا عن غيره، وأنه مستقل ويتمتع بخصوصية تجاه الآخرين، وأن لديه القدرة على تحقيق ذاته بما يمتلك من إمكانات وقدرات، والفردانية مذهب فلسفي يرى أن غاية المجتمع هي رعاية مصلحة الفرد والسماح له بتدبير شؤونه، وهذه النزعة الفردية ظاهرةً أسهم في تناميها نمط الحداثة الذي نعيشه اليوم والذي يطلق عليه عالم الاجتماع زيجمونت باومان “الحداثة السائلة”، إذ يرى أن الدولة الحديثة ونظامها الرأسمالي في الغرب كان يهدف في البداية إلى التحديث من أجل الوصول إلى حالة نهائية من الكمال، من خلال التخلص من البنى القديمة التي كان يقوم عليها المجتمع التقليدي، وإنشاء مجتمع جديد يقوم على أسس جديدة يكون الاعتماد فيه على العلم وتسود فيه قيم الحرية والمساواة والعدل، لكن عملية التحديث هذه، مع الوقت، تحولت إلى عملية مستمرة ليس لها سقف أو نهاية، وصار التغيير المستمر هو الهدف، وصارت عملية التحديث أو الحداثة تتسم بالمرونة أو السيولة وهي سمة تعكس حالة من التمييع والإذابة والصهر المستمر لكل شيء، وتحولت عملية التخلص من البنى القديمة من عملية تخلص وإذابة للمواد الصلبة الرديئة إلى عملية إذابة للمواد الصلبة جميعها[18]، فلم يعد هناك شيء ثابت أو متماسك، فالأشياء والأماكن والأزمنة والروابط والأفكار والمعاني والقيم والهوية، كلها صارت في حالة سيولة وتغير مستمر، وصارت النزعة الاستهلاكية هي السمة السائدة، وتعني أن الاستهلاك أصبح هدفًا في ذاته لا وسيلة فحسب، فلم تعد هناك رغبة في الاحتفاظ بالأشياء ولكن الاستمتاع بها لمدة بسيطة وتغييرها بطريقة مستمرة، والأمر كذلك في العلاقات الإنسانية، إذ لم تعد هناك رغبة لدى الأفراد في إقامة علاقات اجتماعية طويلة أو مستمرة، وأصبح هناك خوف من التبعات والضغوط الناتجة عنها، وأصبح النمط المفضل هو العلاقات الهشة والعابرة التي بإمكان الفرد أن ينسحب منها أو ينهيها بسهولة وفي أي وقت.
وقد أسهمت بعض المتغيرات بعد الربيع العربي في ترسيخ هذه الثقافة في المجتمع المصري، فسادت حالة من عدم اليقين خاصة لدى الشباب، وانخفضت درجة الثقة في الرموز والمؤسسات والأفكار؛ وقد أثر هذا في نمط التدين وظهر نمط منه يسميه بعض من الباحثين بنمط التدين الفردي، وهو يعبر عن تلك الحالة التي يصبح الفرد فيها مرجعًا لنفسه في الاستمداد والتلقي والممارسة والتوجيه والسلوك والتمثل، فيسقط كل المرجعيات والسلطة الدينية سواء كانت تقليدية مثل: الأسرة، أو حركات الإسلام السياسي أو المؤسسة الدينية الرسمية[19]، فهذا النمط من التدين يتميز بأن صاحبه لا يرتبط بتنظيم أو مؤسسة أو جماعة ارتباطًا تنظيميًا أو بوصفها مرجعية يلتزم بكل ما يصدر عنها، ولكنه تدين متحرر من كل تلك الارتباطات، ويعكس هذا النمط ضعف الثقة في تلك المؤسسات أو عدم رغبة في تحمل تبعات الانتماء إليها، كما يعكس الرغبة في التحرر من أي التزام بما يتوافق مع ثقافة الفردانية المتنامية.
إقرأ أيضًا: الإسلام السياسي القصة وما فيها: من الأفغانى إلى حسن البنا عبر قنطرة رشيد رضا
وقد أسهم عدد من المتغيرات في تزايد نمط التدين الفردي، منها: تجربة الحركة الإسلامية في الحكم وما ترتب عليها من صدامات مع مؤسسات وتيارات فكرية وسياسية مختلفة، وكذلك العيوب التي ظهرت لدى بعضهم في خطاب تلك الحركة وأفكارها من طريق الكتابات الناقدة للفكر الديني الخاص بها، وقد أدى الصدام والصراع الذي دخلت فيه بعض مكونات الحركة الإسلامية إلى إضعافها وانشغالها بإدارة الصراع عن العمل الدعوي في المجتمع، كما نتج عن الصراع عديدٌ من الإجراءات التي اتخذتها الدولة، وأسهمت في تحجيم نشاط التنظيمات الإسلامية بعامة، أيضًا من المتغيرات التقدم التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وقدرة الإسلاميين على توظيفها، وظهور رموز وكيانات دينية وثقافية جديدة استطاعت تقديم منتج ديني وإشباع الحاجة لدى الراغبين في التدين، وربما هذا يعكس الحاجة إلى التدين لدى عديدٍ من الشباب الذي يجد في تلك الكيانات بديلًا آمنًا لأنها تبتعد عن السياسة ابتعادًا مباشر، ولا تتميز بأنها تنظيمات صلبة تتطلب التزامًا وانتماءً ربما يضر بالفرد، كما تتميز بأنها أكثر حرية ومرونة من التنظيمات التقليدية، وكذلك ظهور تلك الكيانات والمؤسسات التابعة للأزهر أو المنطلقة من الفكر الأزهري، كما أسهم تزايد هذا النمط من التدين في ارتفاع الرأسمال المعرفي داخل المجتمع، لأن تعدد مصادر المعرفة الدينية الناتج عن الاختلاف فيما بين الفاعلين في المجال الديني بخصوص هذه المعرفة وبشأن عديدٍ من الرؤى الدينية؛ قد خلق حالة من التشظي المعرفي، أدت إلى نزع القداسة عن هؤلاء الفاعلين، سواء المؤسسة الرسمية أو الحركات الإسلامية، كما أدت إلى سعي الأفراد في البحث بحثًا مستقلًا واكتساب المعرفة الدينية من مصادر غير تقليدية، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن الشباب باتوا يعتمدون على مصادر غير تقليدية في تلقي المعرفة الدينية، أهمها: الأصدقاء والكتب والإنترنت، وقد ساعد على ذلك التقدم التكنولوجي الذي يسهل الوصول إلى مصادر المعرفة؛ مما أسهم في دعم نمط التدين الفردي المنفلت من الأطر المرجعية[20].
- ب- نمط التدين المتطرف
على الرغم من وجود ثقافة التطرف في المجتمع قبل الربيع العربي، ووجود جماعات دينية تتسم بالتطرف وممارسة العنف قبل تلك المرحلة؛ إلا أن الربيع العربي وما ترتب عليه من متغيرات قد أسهم في تزايد هذا النمط من التدين.
والتطرف لغويًا يعني “دفع أي شيء نحو حدوده أو أطرافه القصوى”، ويُعرّف مفهومًا بأنه “مجموعة من المعتقدات والاتجاهات والمشاعر والأفعال ذات الطبيعة البعيدة عن الحد المعتدل أو العادي”[21]، والتطرف يُعد نتاجًا للتصلب والجمود، وهذا التصلب ناتج عن الاعتقاد بامتلاك الصواب المطلق، وتقسيم العالم إلى “الأنا” و “الآخر”، فينظر الشخص إلى نفسه أو إلى الجماعة التي ينتمي إليها، سواء تنظيميًا أو فكريًا فقط، على أنها التي تمثل الحق وتملك الصواب في مقابل الآخر الذي يملك الخطأ أو الباطل، ومن ثم يتحول الخلاف إلى عداء وصراع، وتترسخ مشاعر الكراهية والحذر تجاه الآخر والرغبة في القضاء عليه، وتغيب روح التسامح ويتم الانغلاق على الذات؛ والتطرف، وفق هذا المفهوم، يمثل ثقافة لا تقتصر فقط على المنتمين لتنظيمات وجماعات دينية، وإنما تنتشر داخل شريحة ممن تأثروا بأفكار تلك التنظيمات وخطابها، كما أن التطرف لا يقتصر فقط على ممارسة العنف، إذ إن العنف هو أحد مظاهر التطرف ومنتجاته، ولكن التطرف له مظاهر متعددة تظهر من طريق عديدٍ من الممارسات والسلوكيات في المواقف المختلفة.
وقد اتخذ التطرف مظاهر متعددة منذ الربيع العربي حتى اليوم، منها ما يتعلق بخطاب الحركة الإسلامية بمكوناتها المختلفة، وما يتعلق بممارساتها التي اتسمت بالعنف، وما يتعلق بممارسات من الجمهور المتأثر بخطابها والذي يمكن ملاحظته في وسائل التواصل الاجتماعي في عديدٍ من المواقف.
ففي خطاب الحركة الإسلامية بعد الثورة الذي اتسم في مرحلة منه بالغرور والاستعلاء والحديث باسم الدين على اعتبار أنها ممثلة له، واتسم بأنه يرى الحركة هي التي تمثل المجتمع وأن التيارات الفكرية والسياسية الأخرى لا تمثل سوى شريحة قليلة منه وأنها تحارب الدين وتعمل على إقصاءه، كما اتسم هذا الخطاب بالتطرف بسبب تهديد المخالفين والرافضين لحكم الإسلاميين لمصر وتوعدهم بالسحق والقتل[22]، كما اتسمت عديدٌ من ممارسات الحركة الإسلامية بالتطرف في تلك الفترة، منها الحصار الذي تم حول المحكمة الدستورية العليا[23]، والحصار الذي تم حول مدينة الإنتاج الإعلامي[24]، وحادثة قتل عدد من رموز الشيعة وسحلهم في منطقة أبو النمرس بمحافظة الجيزة؛ تأثرًا بالخطاب السلفي المحرض ضد الشيعة[25].
ونتيجة لخطاب الحركة الإسلامية خاصة بعد الصراع الذي نشأ على إثر سقوط الإخوان من الحكم؛ تزايد نمط التدين المتطرف في المجتمع، وبدت مظاهره في التدخل الفج في شؤون الآخرين، ومحاولة فرض الأفكار والرؤى بالقوة عليهم، واستخدام الألفاظ والشتائم تجاه المختلف وتشويهه معنويًا، والتعصب للرأي والسخرية من أي رأي مخالف، وحدوث الانقسامات الاجتماعية بسبب حالة الاستقطاب التي نتجت عن ذلك الخطاب، وغياب روح التسامح والاحترام.
وقد أسهم في إنتاج هذا النمط من التدين بعض المتغيرات التي ترتبت على الربيع العربي، ومن أبرزها الصراع الذي نشأ بين الدولة وبعض التنظيمات الإسلامية بعد سقوط الإخوان من الحكم، وكذلك مناخ الحرية وحالة السيولة التي سادت بعد الثورة وأدت إلى تزايد قدرة التيار الإسلامي على الانتشار والتأثير في المجتمع، وكذلك قدرة عديدٍ من التنظيمات والمنتمين إلى التيار الإسلامي وخاصة الجهادي في توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في نشر أفكارهم، والتأثير في شريحة من الأفراد وتكوين وعيهم ونمط تفكيرهم، وعلى جانب آخر منح تزايد الإقبال على وسائل التواصل المساحة لمؤثرين من اتجاهات إسلامية تنتمي إلى السلفية الجهادية في الحضور والتأثير في الشباب، ومن ثم نشر النمط المتطرف من التدين، أيضًا فإن صعود داعش بعد 2013 وقدرتها على السيطرة على أجزاء كبيرة من العراق وسوريا قد جعلها في نظر بعضهم نموذجًا، ينبغي الاقتداء به وجعل القوة هي الحل الأنجح في نظرهم، خاصة بعد فشل تجارب الإسلاميين في الحكم في مصر وتونس، أيضًا فإن عملية طوفان الأقصى وما ترتب عليها من انتهاكات جسيمة تجاه الشعب الفلسطيني ودعم الولايات المتحدة لإسرائيل قد جعل بعضهم يفقد الثقة في الغرب وقيمه، ويؤمن بفكرة القوة كونها خيارًا وحيدًا للتغيير، وكذلك كان للتجربة السورية وسقوط نظام الأسد وصعود الإسلاميين إلى الحكم دورًا كبيرًا في ترسيخ هذه القناعة وذلك النمط من التدين.
- ج- نمط التدين العلماني
نمط التدين السائد قبل الربيع العربي كان يتميز، وبفعل تأثير الخطاب الإسلامي الحركي، بسيطرة الأفكار والمفاهيم والسرديات الكبرى الخاصة بالدولة الإسلامية والخلافة والجهاد… فيه، وكانت فكرة شمولية الإسلام، والتي بمقتضاها يجب أن يتدخل في كل جوانب الحياة وينظمها ويطبعها بطابعه، قناعة راسخة عند كثيرٍ من المتدينين، لكن بعد الربيع العربي، وبسبب عدد من المتغيرات حدث تغير في تلك الرؤية لدى شريحة من المتدينين، أثرت في نمط التدين لديهم وأفرزت ما يُمكن أن نطلق عليه تجاوزًا بـ “نمط التدين العلماني”، وهو نمط يُمثل منطقة وسطًا بين التدين التقليدي وبين العلمنة بمعناها الذي يهدف إلى فصل الدين عن المجال العام، أما نمط التدين العلماني يحتفظ للدين بقدر من مكانته، لكنه يجعل منه أمرًا خاصًا، ولا يقوم بإبعاده أو تهميشه بصورة كاملة، لكنه نمط تدين يكون للعقل فيه والمصلحة والرغبة الشخصية والاطمئنان الذاتي أثرًا في اختيارات الفرد للسلوك الملائم في المواقف المختلفة، وللآراء الدينية التي يقوم بتطبيقها دون الالتزام بالآراء الفقهية السائدة والتقليدية، إذ قد يفضل الفرد قراءة أخرى وتفسيرًا آخر للنصوص، يراه أكثر توافقًا مع الواقع والمصلحة، مما يجعل منه تدينًا “انتقائيًا”، فالأوامر الدينية والنصوص وفق تفسيرها التقليدي السائد هنا لا تتمتع بالدرجة نفسها من الاحترام والصرامة لدى الفرد الذي يمارس هذا النمط من التدين، كما يتميز هذا النمط بأن الرموز والمؤسسات الدينية والأفكار الموروثة لا تتمتع فيه بدرجة من القداسة والتقدير الذي يحول دون نقدها أو تجاوز ما يُعد معيبًا منها أو مخالفًا للعقل أو المصلحة، كما يتميز هذا النمط بوجود القناعة بفكرة الخلاص الفردي وليس الجماعي، بمعنى أن الفرد يبحث عن فهم للدين يتوافق مع تفكيره ورؤيته، كما أنه يعتقد بأنه مسؤول عن نفسه وغير معني بالفهم الشائع أو السائد للنصوص وغير معني بتطبيق تلك النصوص والأوامر الدينية على المجتمع، وأنه ليس في حاجة إلى وسيط بينه وبين الإله، وأنه يصبح غير خاضع لسلطة المجتمع في الحكم عليه وتوصيفه، ووفق بعض الدراسات الميدانية تبين أن الدين، لدى شريحة من الشباب، لم يعد مشروعًا اجتماعيًا أو سياسيًا شاملًا، أو قاعدة ليوتوبيا اجتماعية إسلامية جماعية، بل أصبح ركيزة لتحقيق اليوتوبيا الفردية، فقد أصبح كثير من الشباب العربي يرون الدين مسألة خاصة، كما أنه لم يعد أساسًا لمواقف سياسية وأيديولوجية بقدر ما يخدم الرفاهية الشخصية والانضباط الذاتي[26].
إقرأ أيضًا: مفهوم العلمانية في المقاربة الثقافوية العربية الاسلامية
ويشير المؤشر العربي إلى بعض النتائج التي تبرز تكون هذا النمط من التدين، يشير إلى أن نسبة الذين يرون بضرورة فصل الممارسات الدينية عن الحياة الاجتماعية والسياسية قد ارتفعت من 55% في العام 2011 إلى 66% في العام 2016، كما أن نسبة المؤيدين لتعاملات البنوك بالفوائد قد ارتفعت من 21% في العام 2011 إلى 73% في العام 2018، كذلك فإن نسبة المؤيدين لفكرة أنه ليس من حق أي جهة تكفير المخالف في الرأي أو الفكر أو الذين يحملون وجهات نظر مختلفة في تفسير الدين قد ارتفعت من 79% في عام 2013 إلى 89% في عام 2020[27].
وهذا النمط من التدين قد أسهمت عدة متغيرات في صياغته، فمن ناحية كان للأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغياب اليقين دورًا في تزايد الحاجة إلى الدين وفي زيادة الرغبة في التدين لدى شريحة من المجتمع، إذ يمثل الدين ملاذًا آمنًا ومصدرًا للطمأنينة وعوضًا عما يلاقيه الفرد من آلام وأزمات، ومن ناحية أخرى كان لإخفاق الإسلاميين في الحكم ودخولهم في صراعات وصدامات وفشل مشروع الدولة الإسلامية وتداعيه بوصفه نموذجًا متخيلًا، وتزايد الوعي بعيوب الفكر الديني السائد نتيجة تنامي الاتجاه الناقد لهذا الفكر بعد الربيع العربي، والذي سهل من دوره التقدم التكنولوجي وزيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، دور في ضعف الثقة في عديدٍ من المسلمات وفي المؤسسات الدينية، سواء الرسمية أو غير الرسمية، وهذه المتغيرات أفرزت هذا النمط من التدين الذي لا يتخلى فيه الفرد عن الدين بالكلية ولا عن ممارسة التدين، وفي الوقت ذاته يتحلل من كثيرٍ من القيود مثل الأطروحات والسرديات والأهداف الكبرى وكثيرٌ من الأفكار الموروثة والقراءات السائدة للنصوص الدينية، ويتحلل فيه كذلك من سلطة الفاعلين الدينيين وسيطرتهم.
خاتمة واستنتاجات
من طريق العرض السابق لأبرز المتغيرات التي ترتبت على الربيع العربي والتي أسهمت بدورها في عدد من التحولات في المجال الديني منها ما قمنا بالتركيز عليه والمتعلق بأنماط التدين؛ يمكننا استخلاص عدد من النتائج، أبرزها:
- الدين لم يفقد مكانته في المجتمع، على الرغم من بعض المظاهر التي توحي بذلك، لكن هناك تحولات في أنماط التدين، سواء في تغير بعضها أو ظهور أنماط جديدة.
- التحولات التي حدثت في المجال الديني لم تكن في اتجاه واحد، ولكنها كانت متنوعة ومتناقضة، بسبب تنوع المتغيرات التي أسهمت في صناعتها، كما أنها لم تكن على تيرة واحدة منذ الربيع العربي حتى اليوم.
- ربما يكون النمط المرشح للانتشار هو نمط التدين العلماني، ويعود ذلك إلى أنه يُمثل منطقة وسطًا بين التدين التقليدي كما صاغته الحركة الإسلامية والمؤسسة الدينية الرسمية، والذي يمثل الفكر الديني الموروث، وبين العلمنة الكاملة التي تُنحي الدين بطريقة كاملة عن المجال العام، وربما هذا يُمثل اختيارًا مناسبًا لعديدٍ من الأفراد، بسبب طبيعة الإسلام نفسه بوصفه دينًا وقدرته على التأثير ومكانته الراسخة في المجتمع، وبسبب طبيعة الشخصية المصرية التي ترتبط بالدين بعامة، وكذلك بسبب طبيعة المتغيرات المتنوعة التي أسهمت في صناعة هذا النمط من التدين.
- استمرار الجمود في الفكر الديني كما تقدمه الحركة الإسلامية والمؤسسة الرسمية، سوف يؤدي إلى مزيد من التحولات، سواء فيما يتعلق بأنماط التدين المختلفة أو بالموقف من الدين ذاته، والذي يترتب عليه الخروج من دائرة التدين أو من دائرة الدين بالكلية.
- الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وإخفاق الدولة في تحقيق التنمية، سوف يؤدي إلى تزايد الاتجاه نحو التدين ليكون ملاذًا ومصدرًا للطمأنينة والأمان.
___________________________
المراجع:
[1] إيمان السيد محمد العباسي، خطاب الكراهية في الصحف المصرية أثناء الأزمات السياسية: دراسة تحليلية، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب جامعة المنصورة، 2022.
[2] بهجت قرني، الربيع العربي في مصر: الثورة وما بعدها، مجلة المستقبل العربي، مج 35، ع 406 (2012)، ص 73 – 86.
[3] محمد فتوح، من يملأ الفراغ: الكيانات الدينية والثقافية في مصر بعد الثورة، مركز نهوض للدراسات والبحوث، 2021.
[4] للمزيد حول تلك المنصات ودرجة حضورها وتأثيرها في العقل، أنظر: عماد عبد الحافظ، زاد وأخواتها.. استمرار التغلغل السلفي في العقل المصري، منشور على موقع حفريات، يمكن الاطلاع عليه عبر الرابط التالي: https://2u.pw/F1948
[5] أحمد زغلول شلاطة، حالة التدين في مصر: إلحاد الإسلاميين نموذجًا، مجلة مراصد، عدد 27، مكتبة الإسكندرية، 2014
[6] محمد جمال علي، دور الأزهر في المجال العام بعد الثورة، في ضوء تحولات الدولة والمجتمع في مصر (2011 – 2018)، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 2019.
[7] أحمد زغلول شلاطة، الصراع على الدين: أزمة المجال الديني في مصر، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2024.
[8] أحمد فريد مولانا، الحركات الجهادية في ثورة يناير، المعهد المصري للدراسات، 2018.
[9] مأزق الشباب، مرجع سابق، ص 137.
[10] عبد الله شلبي، التدين الشعبي لفقراء الحضر في مصر: آليات المصالحة والرضا والقبول والتحايل، مركز المحروسة للنشر والخدمات الإعلامية، ط1، 2008، ص 74.
[11]أحمد زايد، تناقضات الحداثة في مصر، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، الطبعة الأولى، 2005، ص81.
[12] عبد الجواد ياسين، الدين والتدين: التشريع والنص والاجتماع، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2014، ص6.
[13] المرجع السابق، ص9
[14] يورغ غرتل، رالف هيكسل، مأزق الشباب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ترجمة ماريا الدويهي، دار الساقي، ط1، 2019.
[15] المصدر السابق، ص 128
[16] برنامج قياس الرأي العام، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، منشور على الرابط التالي: https://2u.pw/wLJ9A
[17] الشباب العربي يتصدرون عودة المنطقة إلى الدين، الباروميتر العربي، https://2u.pw/Ne1uY9
[18] زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2006.
[19] رشيد جرموني، في دينامية التحولات الدينية: ظاهرة التدين الفردي نموذجًا، مركز نهوض للدراسات والبحوث، 2021، ص 15.
[20] المرجع السابق، ص 24.
[21] التفسير النفسي للتطرف والإرهاب، شاكر عبد الحميد، كراسات مراصد، عدد 37، مكتبة الإسكندرية، 2017، ص 11.
[22] فيديو لعدد من التصريحات التي تحمل عنفًا تجاه التيارات السياسية المعارضة لحكم الإخوان، يمكن مشاهدته عبر الرابط: https://2u.pw/UWwJz
[23] خبر بجريدة اليوم السابع بخصوص حصار المحكمة الدستورية العليا من جانب جماعة الإخوان https://2u.pw/lkx6I
[24] خبر بجريدة اليوم السابع بخصوص حصار مدينة الإنتاج الإعلامي من جانب أنصار التيار الإسلامي https://2u.pw/T0wRU
[25] مقتل أربعة من الشيعة في مصر https://2u.pw/EF3Py
[26] يورغ غرتل، رالف هيكسل، مأزق الشباب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مرجع سابق، ص 133 – 137.
[27] برنامج قياس الرأي العام، مصدر سابق.