تكوين
- تمهيد
الرحمة الإلهية في القرآن الكريم ليست مجرد صفة معنوية، بل إطار دلالي حي يتفاعل مع الواقع التاريخي والاجتماعي للجماعة المؤمنة، ويشكّل قاعدة أساسية لفهم العلاقة بين الإنسان والله، وبين الإنسان وأخيه الإنسان. يظهر هذا بوضوح عند تتبع سياق نزول الوحي، حيث تتبدّى الرحمة في مرحلتين تاريخيتين مختلفتين من حياة الجماعة الأولى:
- مكة
- المدينة
ففي مكة، كانت الرحمة إطارًا معنويًا ووجوديًا يقدم السند والدعم للمستضعفين ويعيد تشكيل المخيال الديني بعيدًا عن القسوة الجاهلية، بينما في المدينة تتحول الرحمة إلى قاعدة تنظيمية وأخلاقية تنظم العلاقات الاجتماعية والسياسية، وتؤسس لنظام حضاري متكامل. وقد شدد نصر حامد أبو زيد على أنّ قراءة النص القرآني دون استحضار السياق التاريخي والاجتماعي تفقده كثيرًا من دلالاته الديناميكية (أبو زيد، 2014: 34).
في المرحلة المكية، واجه المسلمون الأوائل اضطهادًا اقتصاديًا واجتماعيًا شديدًا، وبرزت الحاجة إلى خطاب تثبيت معنوي للمستضعفين، كما أشار عبد المجيد الشرفي (الشرفي، 2001: 144). تجلى هذا في قوله تعالى:
- ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]، حيث يعكس الفعل الماضي “وسعت” الامتداد الزماني والمكاني للرحمة، ويشير التكرار الصوتي لكلمة “رحمة” إلى شمولية المعنى وإيقاعه الموسيقي الذي يطمئن القلوب ويؤسس لمخيلة إلهية متعاطفة، بعيدة من تصور الإله المنتقم في الموروث الجاهلي (أركون، 2005: 112).
- كما أن الجمع بين الرحمة والعلم في الآية: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: 7] يعكس التكامل بين البعد العاطفي والمعرفي، إذ يجعل الرحمة إلهية واعية بالوقائع، وتمنح المؤمنين طمأنينة مستندة إلى المعرفة والفهم الدقيق للواقع (فضل الرحمن، 1993: 57). وفي هذا السياق، تؤكد الرحمة المكية على بعد وجودي شامل للمستضعفين، وتخلق صورة لإله متعاطف وواسع، يتجاوز حدود الانتصار والانتقام الجاهلي، ويؤسس لمفهوم كوني للرحمة.
مع الهجرة إلى المدينة، تغيرت وظيفة الرحمة لتصبح أداة تنظيمية وأخلاقية، تنظم الحياة الاجتماعية والسياسية وتؤسس للنظام المجتمعي. ففي قوله تعالى:
- ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]، تكشف صيغة المضارع “يطعمون” عن الاستمرارية وتحويل الرحمة إلى فعل اجتماعي متكرر، بينما يبرز تقديم “على حبه” الإيثار والاختيار الواعي للعطاء، ويشير إدراج “الأسير” إلى اتساع دائرة الرحمة لتشمل الآخرين خارج الجماعة، بما يعكس تحول الرحمة من شعور وجداني إلى فعل تشريعي ملموس (الشرفي، 2001: 144).
- كما أن الآية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]، توضح تدرجًا أخلاقيًا؛ فالأسلوب الشرطي يحدد العقوبة بالمثل، في حين أن جملة القصر “لهو خير” تعلي قيمة الصبر والعفو على الانتقام، مما يحوّل الرحمة إلى معيار أخلاقي وسياسي لضبط العدالة وتحقيق الاستقرار الاجتماعي (أركون، 2005: 114). وهكذا تصبح الرحمة في المرحلة المدنية مبدأً مؤسسيًا ينظم حماية الضعفاء، المعاملة الإنسانية للأسرى، وضبط العفو والعقوبة، بما يحقق التوازن بين العدالة والتسامح.
يمكن استنتاج أن الرحمة الإلهية في القرآن الكريم تمثل قيمة ديناميكية، تتشكل وفق السياق التاريخي والاجتماعي والجغرافي للجماعة. ففي مكة، هي سند معنوي وإعزازٌ للمستضعفين، بينما في المدينة تصبح معيارًا تنظيميًّا وأخلاقيًا مؤسسًا لنظام اجتماعي متكامل. وتوضح هذه التحولات كيف أن اختيارات النص اللغوية والأسلوبية -من الفعل والزمن، إلى التكرار والإيقاع الصوتي- تحول الرحمة من شعور وجداني إلى فعل مؤسس للعدالة والتسامح، ما يجعلها أفقًا حضاريًا متجددًا لكل عصر (فضل الرحمن، 1993: 74). ومن ثمّ، يصبح استحضار السياق التاريخي شرطًا أساسيًا لفهم دلالات الرحمة، ولإبراز أبعادها البلاغية والأسلوبية التي تجعلها عنصرًا مركزيًا في التجربة القرآنية الحضارية.
-
الرحمة الإلهية تحولًا حضاري في المجتمع العربي
في مجتمع عربي ما قبل الإسلام، كانت العصبية القبلية والتمييز الطبقي هي الأساس الذي يقوم عليه التنظيم الاجتماعي، إذ كان النفوذ والسلطة الاقتصادية والاجتماعية مرتبطين بالنسب والعلاقات العشائرية، وليس بالقدرة الأخلاقية أو القيمية للفرد (جواد علي، 1968: 45؛ الطبري، 1987: 112؛ ابن خلدون، 2004: 67). في هذا الإطار، جاء الخطاب القرآني ليحدث انقلابًا جذريًا في المعايير الاجتماعية، فجعل الرحمة معيارًا للقيمة الإنسانية، متجاوزًا الانتماء القبلي أو القوة المادية. ولم تعد الرحمة صفة روحية فردية، بل أصبحت مبدأً تنظيميًا يحدد من يستحق التكريم والرعاية على أساس الحاجة والحق، وليس على أساس الانتماء القَبَلي أو المكانة الطبقية، وهو تحول يعكس وعي النص القرآني بالواقع الاجتماعي ويصوغ آلياتٍ لعدالة أخلاقية واجتماعية متقدمة (أبو زيد، 2014: 34).
ويظهر هذا التحول في آيات عدة، مثل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]، إذ توضح صيغة المضارع “يطعمون” الاستمرارية والمنهجية في فعل الرحمة، بينما يُوسع ذكر المستحقين -المِسكين واليتيم والأسير- دائرة الرحمة لتشمل كل محتاج بغض النظر عن ارتباطه القبلي، بما يفرض مبدأ المساواة الإنسانية ويحد من التمييز الاجتماعي. والأسلوب البلاغي الذي يربط الفعل بالرغبة الصادقة “على حبه” يعكس أن الرحمة قرارًا أخلاقيًا واعيًا، مؤسسًا على الإيثار والتضامن الاجتماعي (الشرفي، 2001: 144).
علاوة على ذلك، يوضح النص القرآني في آيات مثل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126] كيف تحولت الرحمة إلى معيار حضاري وضابط للعلاقات الاجتماعية، فيضع النص قيودًا أخلاقية على القصاص وينقل قيمة التسامح والعفو إلى مكانة أعلى من الانتقام القبلي التقليدي، بما يسهم في بناء مجتمع متماسك قادر على تجاوز النزاعات القبلية والعصبية. هذا التوظيف السياقي يجعل من الرحمة قيمة حضارية حقيقية، تقيم روابط اجتماعية متينة، وتؤسس لأخلاقيات جماعية توازن بين العدالة والرحمة، وترسخ مبدأ التضامن والتكافل في المجتمع الإسلامي الناشئ (فضل الرحمن، 1993: 74).
يمكن القول، إذن، إن القرآن لم يقتصر على تحويل الرحمة إلى قيمة فردية مجردة، بل جعلها محورًا حضاريًا واجتماعيًا يمكن من خلاله إعادة تشكيل البنية الاجتماعية، بحيث تتحول العصبية القبلية والتمييز الطبقي من محددات أساسية للسلطة والنفوذ إلى أطر يمكن تجاوزها، ويصبح معيار الفعل والقيمة مرتبطًا بالرحمة والعدل، وهو تحول يعكس فهمًا دقيقًا للسياق الاجتماعي الذي نزل فيه القرآن ويؤسس لإطار حضاري أخلاقي متكامل.
-
إعادة تشكيل المخيال الديني: الرحمة مقابل صورة الإله الجاهلي
في المجتمع العربي الجاهلي، كانت صورة الإله تميل إلى الشدة والانتقام، حيث كان يُنظر إلى القوى الإلهية على أنها تعاقب البشر وفق منطق الثأر والعصبية القبلية، وكان الخوف من العقاب سمة مركزية في الممارسة الدينية اليومية (جواد علي، 1968: 52؛ الطبري، 1987: 118). جاء القرآن الكريم ليعيد بناء هذه الصورة الذهنية للمقدس، مركزًا على الرحمة أساسًا للعلاقة بين الإنسان والله، كما يتضح في قوله تعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ﴾ [الأنعام: 54]. صياغة الآية بأسلوب المبني للمعلوم “كَتَبَ” تعطي إحساسًا بالثبات والالتزام الإلهي، بينما التركيز على “على نفسه الرحمة” يضفي صفة شمولية وكاملة، تؤكد أن الرحمة ليست مجرد صفة إضافية بل جوهر طبيعة الله، ما يعيد تشكيل المخيال الديني من الخوف والتهديد إلى الأمان والطمأنينة. كما أن التكرار الصوتي لحرف الراء في كلمة “ربكم… الرحمة” يخلق وقعًا موسيقيًا يرسخ الإحساس بالرحمة قاعدةً أساسية في الفكر الديني (أركون، 2005: 119).
هذا التحول الفكري لم يكن عقيدة ميتافيزيقية عادية، بل مشروعٌ تاريخيٌّ لإحداث ثورة روحية وأخلاقية في المجتمع، فيُعيد رسم علاقة الفرد بالمعنى، ويؤسس لممارسة أخلاقية متصلة بالرحمة، تشمل الفرد والجماعة على حد سواء. فالرحمة الإلهية هنا تصبح معيارًا للسلوك الاجتماعي، بحيث يترجم المؤمن شعور الإيمان إلى أعمال ملموسة في الحياة اليومية، كما يتضح في توجيهات القرآن للمؤمنين لإطعام المساكين ورعاية اليتامى (الإنسان: 8)، ويضع الأخلاق على رأس القيم التي تنظم التفاعلات الإنسانية بعيدًا من المنطق القبلي التقليدي (الشرفي، 2001: 148؛ فضل الرحمن، 1993: 79).
من منظور تاريخي، يمكن اعتبار هذه الرؤية القرآنية للرحمة مشروعًا حضاريًا يهدف إلى إعادة تشكيل المخيال الديني بحيث ينتقل الإنسان من خوف العقاب إلى إدراك أفق الرحمة الإلهية، ويصبح السلوك الأخلاقي مدفوعًا بالوعي والمسؤولية، لا بالخوف أو الترهيب، وهو ما يجعل الرحمة قاعدة للتماسك الاجتماعي والتجربة الإنسانية، ويؤسس لفهم شامل للعلاقة بين الفرد والمجتمع والإله في إطار حضاري وأخلاقي متكامل (أبو زيد، 2014: 37).
- الرحمة الإلهية إطارًا عمليًّا وديناميكيًّا في الأحداث التاريخية
لم يكتفِ النص القرآني بالإعلان عن الرحمة وصفًا للإله، بل أنتج دلالاتها من خلال تفاعل الإنسان مع أحداثه التاريخية والاجتماعية، وهو لمّا يتمكنْ كثير من المفسرين التقليديين من إدراكه بالشكل الكافي. فقد ركّز بعضهم على تفسير الانتصارات والهزائم على أنها إظهار مباشر لمشيئة الله أو تدخله العقابي أو المكافئ، متجاهلين السياق الاجتماعي والسياسي الذي أعطى هذه الأحداث دلالتها الأخلاقية والإنسانية (الطبري، 1987: 125-128). من هذا المنظور، تصبح قراءة المعارك الكبرى مثل بدر وأحد مجرد تقرير لنتائج تتعلق بالقدر الإلهي، مع إغفال دور التخطيط، التعاون، الصبر، وتحمل المسؤولية الجماعية في صياغة الواقع نفسه.
إذا نظرنا إلى معركة بدر، نجد وفق الطبري أن المسلمين كانوا أقل عددًا وأضعف تجهيزًا، لكنهم تمكنوا من تحقيق نصر تاريخي بفضل العناية الإلهية (الطبري، 1987: 125). هنا يمكننا إدراك أن معنى الرحمة لا يقتصر على التدخل الإلهي، بل يمتد ليشمل القدرة على التضامن الاجتماعي، وإدارة الموارد البشرية والمالية، والتعلم من الأخطاء السابقة. وهذا ما يُظهر بُعدًا عمليًا للرحمة، وهو بعد يغيب عند من يركز على الميتافيزيقيا أو التدخل الإلهي المباشر.
وفي معركة أحد، يوضح الطبري وقوع الهزيمة الجزئية، بينما يظل تحليل النصوص القرآنية الذي يأخذ بعين الاعتبار السياق الاجتماعي والسياسي يرى في هذه الهزيمة فرصة لإعادة التفكير وإعادة صياغة الخطط الاستراتيجية، وإعادة توجيه المجتمع الناشئ وفق قيم الرحمة والصبر (أبو زيد، 2014: 41). هذا المنظور النقدي يوضح أن الرحمة تتشكل ديناميكيًا عبر التجربة التاريخية، وهي ليست مجرد صفة ثابتة أو حدثًا خارجيًا يُفرض على البشر، بل تفاعل مستمر بين القيم الإنسانية والواقع الاجتماعي.
أمّا صلح الحديبية فيمثل نموذجًا آخر لهذا التفاعل الإنساني وللرحمة، إذ أفرز التسامح والتفاهم حلولًا سلمية للصلح مع الطرف الآخر، بعيدًا من منطق الانتقام أو الهيمنة القبلية (الشرفي، 2001: 152). النقد الموجه للمفسرين التقليديين هنا هو أنهم غالبًا ما ربطوا هذه الأحداث بتفسير القدر أو التدخل الإلهي فقط، متجاهلين البُعد الاجتماعي والسياسي والإنساني الذي يجعل الرحمة قيمة عملية قابلة للتطبيق، تُستخلص من الممارسات والتجارب البشرية، وليس مجرد التصديق العقائدي.
من منظور البلاغة القرآنية، يعتمد النص على الربط بين الوقائع التاريخية والتوجيه الأخلاقي، ليحوّل الحدث التاريخي إلى درس إنساني عملي، يعكس دور الفرد والجماعة في إنتاج الرحمة، سواء في الانتصار أو الهزيمة أو الصلح، وهو ما يجعل النص ديناميكيًا، وقابلاً لإعادة تفسيره في ضوء التحولات الاجتماعية والسياسية، بعيدًا عن الجمود العقائدي أو الميتافيزيقي (أركون، 2005: 122؛ فضل الرحمن، 1993: 81).
بهذا التحليل، يمكن القول إن النص القرآني يجعل الرحمة إطارًا حضاريًا وعمليًا، يتشكل عبر التجربة والتفاعل الإنساني، ويعيد توجيه المجتمع نحو قيم التضامن والصبر والتسامح، فيما يفشل الفهم التقليدي عند كثير من المفسرين في إدراك هذا البعد العملي والاجتماعي للرحمة.
-
أفق التأويل المعاصر للرحمة الإلهية
أفق التأويل المعاصر للنص القرآني يستفيد بشكل أساسي من استحضار السياق التاريخي والاجتماعي للنزول، بما يتيح تجاوز القراءة التجزيئية التي تفصل بين آيات الرحمة وآيات القتال. فقد اعتمدت كثير من التفاسير التقليدية على الترتيب الظاهري للنصوص، معتمدة على الفصل بين الآيات المسماة “محلية” أو “سياقية” وآيات القتال، ما أنتج فهمًا مجزأً يضع النصوص في مواجهات أخلاقية متناقضة، ويعجز عن تقديم رؤية شاملة للقيم التي يحملها القرآن (أبو زيد، 2014: 55؛ أركون، 2005: 138).
في المنهج المقاصدي، يمكن قراءة هذه الآيات ضمن إطار الرحمة الجامع الذي يفسر الأحكام جميعها، بحيث لا تُفهم آيات القتال بمعزل عن السياق الاجتماعي والسياسي الذي كانت الجماعة الإسلامية فيه مهددة بالاستئصال، بل وسيلة محدودة لتحقيق الرحمة العامة وحماية الإنسان من الظلم والاضطهاد (فضل الرحمن، 1993: 85). هذه القراءة المقاصدية تتيح تحويل النصوص من تعليمات للقتال أو الدفاع، إلى نماذج أخلاقية وسياسية لفهم العلاقة بين القوة والرحمة، حيث تصبح القيم الإنسانية العلا -كالعدل، وحماية المستضعفين، والتكافل الاجتماعي- هي المعيار الذي يُقاس به أي فعل، حتى لو ارتبط بالسياق العسكري.
أفق التأويل المعاصر يمكن أن يفتح آفاقًا متعددة أيضًا، منها:
- الأفق الاجتماعي والسياسي: تحليل الآيات في ضوء الظروف التي كانت الجماعة المسلمة تواجهها، وإعادة النظر في كيفية تطبيق النصوص في مجتمعات اليوم بما يحقق العدالة الاجتماعية وحماية الإنسان، بعيدًا من القراءة العسكرية البحتة (الشرفي، 2001: 161).
- الأفق الأخلاقي والإنساني: التركيز على الرحمة بوصفها قيمة عملية، إذ تتحول جميع الأحكام، بما فيها القتال، إلى وسيلة لحماية الكائن البشري وبخاصّةٍ الضعفاء، وإعادة تنظيم المجتمع وفق أطر العدالة والتكافل، وهو بعد غائب في كثير من التفاسير التقليدية التي تركز على النص الظاهري فقط (أبو زيد، 2014: 58).
- الأفق المقاصدي والمنهجي: اعتماد مقاربة شمولية تفسر الأحكام في إطار المقاصد الكبرى للشريعة، حيث تصبح الرحمة الإطار الجامع الذي يفسر كل الأحكام، ويحول النصوص من تعاليم جزئية إلى مشروع حضاري أخلاقي مستمر، قابل لإعادة التفسير وفق التحولات الاجتماعية والسياسية الحديثة (فضل الرحمن،1993: 88).
من هذا المنظور، فإن أفق التأويل المعاصربل يسعى إلى إعادة بناء علاقة الإنسان بالآخر وبالقيم العليا، بما يجعل النص القرآني مصدرًا للحكمة والرحمة العملية في جميع أبعاد الحياة، ويتيح مواجهة التحديات الأخلاقية والاجتماعية المعاصرة دون اللجوء إلى القراءات الحرفية أو التجزيئية التي قلّلت من أثر الرحمة في فهم النصوص.
- خاتمة:
يمكن القول إن دراسة الرحمة الإلهية في القرآن الكريم من منظور السياق التاريخي والاجتماعي تكشف عن بعد ديناميكي عميق يتجاوز الفهم التقليدي المجزأ. فالرحمة ليست صفةً ثابتة أو شعارًا عاطفيّا، بل إطار عملي يوجه السلوك الفردي والجماعي، ويعيد تشكيل المخيال الديني والاجتماعي، بحيث يتحول المجتمع من التنافس والانتقام القبلي إلى التضامن والصبر والتسامح (أبو زيد، 2014: 37). إن الأحداث التاريخية المبكرة -بدر، أحد، صلح الحديبية- وقائع تُسجل للتوثيق، وميادين لإنتاج دلالات الرحمة، حيث تظهر عبر التكاتف، والتعلم من الأخطاء، وصياغة حلول سلمية للصراعات، ما يجعل الرحمة قيمة إنسانية ومجتمعية قبل أن تكون عقدية (الطبري، 1987: 125-128؛ الشرفي، 2001: 152).
كما أن النقد الذي يوجَّه إلى المفسرين التقليديين -الذين غالبًا ما فصلوا بين آيات الرحمة وآيات القتال، وربطوا النتائج بالتدخل الإلهي المباشر- يتيح لنا إعادة بناء قراءة أكثر إنسانية وعقلانية، تُبرز التفاعل بين النص والسياق، وتكشف أن الرحمة هي معيار حضاري متجدد، وقيمة قابلة للتطبيق عبر التاريخ، وليست صفة لله في ظرفٍ ميتافيزيقيٍّ (أركون، 2005: 122؛ فضل الرحمن، 1993: 81).
من منظور البلاغة والأسلوب، يظهر القرآن فنّا متكاملًا، حيث الصياغة اللغوية والتكرار الصوتي وربط الوقائع بالتوجيه الأخلاقي تُنتج نصًا حيًا يمكنه أن يوجّه التفكير والسلوك، وأن يُقرأ في ضوء التجربة الإنسانية والاجتماعية المعاصرة، بعيدًا من الجمود العقدي أو التجزيئي. الرحمة هنا فضاء حواري متسع يتيح للإنسان إعادة التفكير في معنى القوة والعدالة والتضامن، ويحوّل النص إلى مشروع حضاري أخلاقي مستمر.
وهكذا، يصبح القرآن نصًا قادرًا على إنتاج دلالات الرحمة في ضوء التحولات التاريخية والاجتماعية، ويمنح القارئ المعاصر أفقًا نقديًا وأخلاقيًا لقراءة النصوص، بحيث تتجاوز القيود التقليدية، وتتحول الرحمة إلى قيمة عملية، إنسانية، ومجتمعية، قادرة على توجيه الفكر والسلوك، وإعادة تشكيل المجتمعات وفق أفق حضاري متجدد، فيه يتلاقى العلم بالنقد، والفكر بالجمال، والمعنى بالقيمة الإنسانية.
______________________________________________
المراجع
- ابن خلدون، عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، تحقيق عبد الله درويش، دار يعرب، دمشق،2004.
- أبو زيد، نصر حامد. مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، بيروت ، الدار البيضاء،2014.
- أركون، محمد، القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة وتعليق هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط2 ، 2005.
- علي، جواد، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جامعة بغداد، بغداد، 1968.
- الشرفي، عبد المجيد. الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار الطليعة، ط2، بيروت، 2001.
- الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الأمم والملوك، تحقيق نواف الجراح، دار صادر، بيروت، 1987.
- فضل الرحمن، الإسلام وضرورة التحديث، ترجمة إبراهيم العريس، دار الساقي، بيروت، 1993.