تكوين
ثلاث مشهدياتٍ تطبع الإنسان في زمننا الراهن، لتأخذنا إلى محاولة إعادة تعريفٍ تقييميّ لمفهوميّ: “الإنسان” و “الإنسانية“، بعد تاريخٍ طويلٍ من هيمنة الحالات النقيضة لهما: الإنسان المتمرّد الذي يعصف غضبًا أمام محاولات تقييد إرادته في الانعتاق من أيّة حالةٍ قد تُمَثِّلُ خطرًا على انطلاقةِ تَفَكُّرِهِ الحُرِّ على الصُعُدِ الحياتية كافّة، الإنسان الطامع الذي يتسلّل، وغالبًا بحذرٍ وتملّقٍ في آن، إلى ردهة المصالح الذاتية، ويُقفل بابيّ: العقل والواقعية، في وجه جميع العوامل التي تتهدّد طموحاته الجامحة، والإنسان الراقي أخلاقيًا، المترفّع عن المادّيات المتحكّمة بالمجتمع، والملتجئ إلى خلق عالمٍ خاص يتموضع فيه تموضعًا متكررًا، تفاديًا لوقوعه، الإرادي أو اللا إرادي، في لوثة الأنوية.
تفرض هذه الثلاثية المتمركزة بوضوحٍ في صميم طبائع الأفراد انتهاج مسلكٍ جديدٍ ورؤيةٍ فلسفيةٍ خاصة في مقاربة مسألة الإنسان، لا لأنها حديثة، بل لكونها تتفاعل سلبًا وإيجابًا في عالمٍ غارقٍ في فوضويةٍ دمويةٍ لا تعرف حدودًا!
أولًا: التمرّد
عوامل عِدّة تتقاطع، لتجعل التمرّد صفةً ملازمةً للإنسان الرافض وقائع معيّنة تؤثّر في طريقة عيشه واتّجاه تفكيره، فتنتفض في ذاته ثورةٌ يحوّلها نفادُ الصبرِ لديه إلى فعلٍ متواصلٍ مَوْصُولٍ بتجارِبه الحياتية. وغالبًا ما تحرّر الثورةُ الإنسانَ من عزلته كونها جماعية، وهي “مغامرةٌ للجميع” على حدّ تعبير كامو. فإنسان كامو المتمرّد القادر “على قول “لا” للقمع و “نعم” للقيم الإنسانية”1 ، الذي يربط ثورته بوجوده، هو إنسان اليوم، لكنْ مع اختلاف الحيثيات التي ترافق رفضه أو قبوله، ومع تَبَدُّلٍ جزئيٍ في تقييمه مشروعيةَ التمرّد ضدّ العبثية والظلم، ومع توغّله داخل عدميةٍ متطرّفة، يتّخذها سلاحًا في مواجهة تطرّف الآخرين.
ميّز كامو في كتابه “الإنسان المتمرّد” (L’homme révolté) بين التمرّد النابض احتجاجًا على مستوى التجرِبة الفردية، والثورة التي قد تستحيل إيديولوجيا باردةً جامدةً تَتَلطَّى خلف تبريراتٍ واهيةٍ للانقضاض على الآخر وسلب الرُوح منه. أمّا إنسانُ اليوم فيمزج بين المفهومَيْن في أكثر الأحيان، ويتّخذ من تحرّك شعور التمرّدِ في أعماق نفسه مُنطلقًا للانخراط في ثورةٍ مجتمعيةٍ تتوافق وتطلّعاته.
بَيْدَ أنّ التمرّد الراهن يتّخذ أبعادًا عدّة: فنجد مَن يتمرّد على المجتمع للدفاع عن حقوقه، ومَن يتمرّد على شريكه في هذا المجتمع تفاديًا لأذيّةٍ قد تطاله، ومَن يتمرّد على أعرافٍ محدّدة بهدف تبديلها أو تطويرها.. وفي الواقع، إنّ نوعَيْن من التمرّد يَسْطُعان جليًّا في الأفق الفلسفي: التمرّد على الله وهو ميتافيزيقي، والتمرّد على الذات وهو بسيكولوجي.
ليس بالضرورة أن يكون التمرّد على الله على طريقة فويرباخ الذي رأى في الله إسقاطًا إنسانيًا، ومجرّد مرآةٍ يعكس فيها الفرد خيالاته ومحدوديته، فيرفض المُضيَّ في اغترابٍ دينيٍّ وانسحاقٍ لاهوتيّ، ولا على طريقة نيتشه الذي أعلن موت الإله وهلَّلَ “للإنسان المتفوّق” ومجَّد “إرادة القوّة”، بل ربّما يكون التمرّد الحالي للإنسان متمثّلًا في صراعٍ وجوديٍّ عميق بين العقل والقلب، وفي تساؤلاتٍ حثيثة لجدوى الألم والمرض والعذاب، وفي نداءٍ إنسانيٍّ ضدّ الظلم. فكيف تُبرّر العدالة الالهية معاناة الأبرياء وأوجاع الأطفال، وما يزال صدى صرخة دوستويفسكي في “الإخوة كارامازوف” يَبْعَثُ فينا أنينًا لنردّد معه أنّ “ثمن الانسجام السماوي لا يبرّر دمعة طفلٍ واحد”؟ “دمعة طفلٍ واحد”؟.. للأسف، ما نختبره راهنًا هو لا مبالاة قاتلة إزاء دموع جميع الأطفال، لا بل جميع البشر، ما يفتح الباب واسعًا أمام مشروعية مُساءلة الإله بخصوص عدالته!
وأمّا التمرّد على الذات، فهو سعي الذات المُتْعَبَةِ، التي أرهقتها إلزامية الامتثال في الأنماط التقليدية والعادات المتوارثة والسلوكيات الروتينية، في العمل على تَظْهِيْرِ قيمة الأنا وتغليف الكينونة الفردية بغلاف التغيير الإيجابي البنَّاء، فتُحررُ الرُوح الغَضْبَى من خوائها المدمّر، وانطلاقها نحو بِناء هُوية على مقياس ما تريده من حرية.
ثانيًا: الطمع
في خروجٍ فاضحٍ من إطار الفلسفة الأخلاقية ومن دائرة اعتدال النفس التي اعتبرها سقراط مِفتاحًا للسعادة، يتحرّك الطمع ليكون غريزةً للتملّك والسيطرة دون حدودٍ مضبوطة، فيستحيل طاقةً سلبيةً تدميرية وفقًا لتوصيف أينشتين.
ويؤدّي الطمع إلى إدخال شعوب العالم في حروبٍ تتخطّى أهدافها محض استعادة الحقوق أو الدفاع عن النفس، لتبتعد عن مفهوم “الحرب العادلة” كما شرحها القديس أغوسطينوس في “مدينة الله”، ولتتّخذ من اللا عدالة مرتكزًا أساسًا لها، فتكون أقرب إلى حالة “الجنون” كما وصّفها فاليريوس ماكسيموس في كتابه “أفعال وأقوال خالدة”، عندما خصَّصَ “للتسامح”2 الواجب الوجود إنسانيًا وأخلاقيًا جزءًا مُهمًا في إطار الجزء الرابع من الكتاب.
إنه الجشع الذي يقارب حدّ الخطيئة والشرّ، ويُكمل طريقه غير آبهٍ بما يتسبّب به من أذى، إنها البليونكسيا (La pléonexie) التي حدّدها أفلاطون بالرغبة الجامحة الدائمة في طلب مزيدٍ على حساب الآخرين، وهي الإبيثوميا (L’épithumia) التي تحوّل المجتمع إلى ساحةٍ للمصالح الشخصية، وهي “جوهر الظلم” كما جاء في الجزء الرابع من “الجمهورية”. فالطمع يُولّد الظلم، ذاك الاضطراب في وظائف أجزاء النفس الثلاثة على المستوى الفردي، وفي طبقات الدولة على المستوى المجتمعي. هو الطمع المناقض لحقيقة العدالة التي ينبغي أن تكون “ألصق بحياة الإنسان الداخلية، ومصالحه الجوهرية، منها بمظاهر حياته الخارجية، وصورة عمله السطحية.”3 ولا يمكن التغلّب على البليونكسيا، بحسب أرسطو، سوى بمحاولة تنمية الفضائل الأخلاقية والالتزام بالعدل والاعتدال.
ثالثًا: الرقيّ
قد يرى البعضُ أنه من المستغرب أن نقارب مسألة الرقيّ، في إطارها الفردي أو الجماعي، الاجتماعي أو السياسي، في زمنٍ يملأ فيه الخبثُ القلوبَ والأذهان وتسيطر لغة القوة الغادرة على ما عداها من لغات.
بخلاف هذا الاعتقاد، فإنّ للنفوس الراقيةَ مكانتها المستمرّة في العالم. وهي تسعى، عبر اتّباع سبيل الحكمة وإتقان لغة التوازن، وراء تخطّي أيّة حالةٍ انفعاليةٍ، وصولًا إلى وعيٍ كاملٍ لماهية الأشياء، وإلى محايثةٍ خالصة، يكمن فيها المُعطى في الوعي ذاته بحسب هوسرل.
وفي الواقع، لا يعني ذلك أن يمتثل الرقيّ حكمًا لإلزاماتٍ قاسيةٍ ومتطرّفة في طلب الأمثل والأكمل، كما هي الحال في الفلسفة الرواقية الساعية إلى بلوغ حالة الأباثيا (L’apathéa) المتجسّدة في تسامٍ نفسيٍّ وعقليّ، أو في حالة الاستسلام الهادئ للقدر. فممن الممكن أن يعيش الإنسان رقيّه بتواضعه حين يبلغ أعلى المراتب، وبعقلانيته حين يواجه مسائل حياتية معقّدة، وبتنبّهه لكلّ تفصيلٍ يؤثّر في صورته المجتمعية، وكذلك بجمعه المقنع بين ما يعتقد وما يفعل، وبسلوكه الحكيم الذي يترك أثرًا وجوديًا عميقًا في سلوكيات الآخرين، وكي يكونَ راقيًا بامتياز، عليه ألّا يُعلن عن ذلك، بل أن يحيَاهُ دونما ادّعاءٍ أو تشاوفٍ أو مبالغة.
خاتمة
عاش الإنسان وعايش، في حقباتٍ تاريخيةٍ متتالية، صراعاتٍ مع عبثية الوجود، هي تزداد اليوم استفحالًا وتتظهَّرُ في انتفاضات تمرّد، أو طمع، أو في استجداء حالات ارتقاءٍ نحو مُثُلٍ وقيمٍ سامية.
قد نجد هذه الفئات الثلاث من البشر في زمننا الحاضر، داخل مجتمعٍ واحدٍ وبيئةٍ واحدة. وغالبًا ما يتصادمون في قناعاتهم وطرق تفكّرهم ورؤيتهم للأمور.
لكن، ماذا لو تمرّد الإنسان بطريقةٍ راقيةٍ طامعًا في توازنٍ قيميّ ونفسيّ؟ وماذا لو حكم هذا الإنسان ذاته، فقادها نحو الصلاح، وحقّق لها الأتاراكسيا (L’ataraxie) التي تهب النفس طمأنينة القانعِ بمآلاته المتّقدة خيرًا وعدالةً وسلامًا؟
أهذه مثالية حالمة؟! ربّما، لكنَّ وصمة الواقع بالشرّ لا تبرّر الرضوخ له. فليس الشرّ نتاج “حقد الضعفاء تجاه الأقوياء” على ما فَهِمَ نيتشه، ولا هو “لحظة سلبية” لازمة في مسار صيرورة التاريخ كما رأى هيجل، هو ذاك الحاجز الوجوديّ بين الأنا والآخر، هو تلك القسوة النرجسية التي تُوْغِلُ في الانغلاق الطوعيّ على الذات في إطارٍ رفضيٍّ مطلق، وهو التسلّل المَرَضيّ إلى الناحية الخيّرة في كلّ إنسانٍ بهدف التعمية عليها وصولًا إلى إهلاكها.. وهو تلك الهبّة الغادرة التي تحاول أن تلفحَ رُقِيّ النفس الإنسانية، فلا تفلح في أن تطال سوى ضعفاء النفوس.
وبين الخير والشرّ، تبقى المساحةُ مفتوحةً أمام الإنسان، ليبحث عن ذاته بذاته ويحتمي بالجانب المضيء منها، في مواجهته احتمالات الغدِ المفتوح دومًا على المجهول!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1]- Albert Camus, L’homme révolté, Ed. Gallimard, Paris, 1951, p.25.
[2]- Valère Maxime, Actions et paroles mémorables, Livre IV, Paris, 1935.
[3]- أفلاطون، الجمهورية، ترجمة حنّا خبّاز، دار القلم، الطبعة الخامسة، بيروت، لبنان، 1985، ص. 142.