الزمان الإلهي والبنية الرمزية للمكان في القرآن بين التفسير الحرفي ودلالات المعنى

 

 تكوين

يتفاوت تعريف الزمن باختلاف المرجعية الفلسفية والدينية؛ فقد عدَّه أفلاطون مقياسًا للحركة، وعَرّفه أرسطو باعتباره صيغةً رياضيةً للدلالة على الزمن الفيزيائي (الألوسي، 2005). بينما طرح نيوتن مفهوم الزمن المطلق كفكرة مستقلة عن الواقع المتغيّر، على عكس أينشتاين الذي أظهر من خلال نظرية النسبية، أنّ الشعور بالزمن مرتبط بإيقاع رصد الحركة والسرعة (2002 Woods& Grant,).

وفي إطار الديانات الإبراهيمية، غالبًا ما يُنظر إلى الزمن باعتباره مسارًا خطيًا منتظمًا، يبدأ من لحظة الخلق الأولى، متجهًا نحو نهاية التاريخ، ففي التراث الكلاسيكي المسيحي يُصوَّر الزمن الإلهي كحالة أزلية، أي وجود بلا بداية ولا نهاية، يقع خارجَ التسلسل الزمني الاعتيادي​، في تأثر واضح باليهودية. وفي الفلسفة الإسلامية، يبدو الله قديم أزلي داخل الزمن، لكنّه غير متماهٍ معه، أي أنّ زمن الله غير متطابق بالضرورة مع زمننا البشري (Eliade, 1959).

هذا النموذج بدوره، يتناقض مع التصورات الشرقية: الهندوسية والبوذية وبعض الفلسفات الأخرى، التي ترى الزمن حدثًا دورياً، أي يوجد تعاقب لا نهائي للدورات الزمنية، ولا تعترف ببداية أو نهاية محددة.

من هنا يمكن الاشتباك مع مفهوم الزمن الإلهي، في ضوء التمايز بينه وبين الزمن الإنساني، الذي يُقاس بوحدات مثل: الدقائق والساعات والأيام والسنين، وهو ما يختلف عن الزمن الإلهي الذي ينبغي ألّا يقاس بمعاييرنا الأرضيّة. وهو ما يتفق إلى حد كبير مع توصيف جيرالد بويرينغ، بأنّ “الوجود البشري كله، واقع تحت قدر الله منذ لحظة الخلق حتى الموت، بحيث يكون الله هو ربُّ كلِّ لحظة” (Böwering, 2014). حيث تهيمن الإرادة الإلهية على الشعور بالزمن وفق إدراك البشر.

القرآن والزمن الإلهي مقابل الزمن الإنساني

يتجلى الفارق بين الزمن الإلهي والزمن الإنساني، بشكل مباشر، في القرآن الكريم، في مواضع عديدة. على سبيل المثال، يقول الله تعالى في الآية 47 من سورة الحج

“إِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ”.

ويقول أيضًا في الآية 5 من سورة السجدة

“ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ”.

ويقول تعالى في الآية 4 من سورة المعارج

“تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ”.

وتلفت هذه الآيات القرآنية إلى أنّ معيار الزمن عند الله، يتجاوز الحسابات البشرية العادية، وهو ما دفع الطبري مثلاً في تفسيره للآية الرابعة من سورة المعارج، إلى القول بأنّ مقدار صعودهم (الملائكة والروح) في يوم هو لغيرهم من الخلق، خمسين ألف سنة، وذلك أنّها تصعد من منتهى أمره من أسفل الأرض السابعة، إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع، وأنّ ما بين السماء إلى الأرض، مسيرة خمسين مئة عام (الطبري، 1994).

ويمكن القول، إنّه مع وضوح اختلاف الزمن الإلهي المطلق عن الزمن البشري النسبي، وقع المفسرون في براثن التفسير الحرفي الصارم لهذه الآيات، فليس المقصود أنّ يوم القيامة طويل فعلاً كألف سنة ممّا نحسب، بل تؤكد هذه الآيات مفهوم الزمن النسبي في الخلق والمطلق في الفعل الإلهي. وبصيغة أخرى يمكن القول إنّ الله يتجاوز زمننا؛ لأنّه أصل الزمن الذي لا تجري عليه قوانين التراكمات الزمنية كما تجري على مخلوقاته​؛ ذلك أنّ الزمن المطلق نسبي بالنسبة للعالم المخلوق؛ أي أنّ التعبير الزمني في القرآن هو تعبير رمزي، فيوم القيامة يشعر به غير المؤمن كأنّه ألف سنة، بينما يشعر المؤمنون بأنّه يوم كسائر الأيام.

وربما يُلاحظ هنا التناص في المعنى مع ما ورد في رسالة بطرس الرسول الثانية: “عند الرب ألف سنة ويومٌ كيوم واحد“. (2 بطرس 3: 8- 10).

من ناحية أخرى، فإنّ الزمن عند ابن عربي، لا يُفهم بوصفه مقدارًا موضوعيًا مستقلاً، بل باعتباره مرتبطًا بمستوى الوجود والإدراك. كما يوضح في شرحه أنّ الله تعالى غير متأخر عن الزمن بوجود النور مع الشمس، وأنّ تقدم الباري عليه كتقدم العلة على المعلول، وهو تقدم بالذات والرتبة لا بالزمان. وأشهر أدلته على ذلك ثلاثة:

  • أولها قوله: يستحيل صدور حادث من قديم مطلقًا؛ لأنّ ذلك فرض قديم، ولم يصدر من العالم إلا بعد أن يحدث المرجع، يعني أنه لم يكن للوجود مرجع قبل حدوثه، فإن لم يحدث المرجع، بقي العالم في طول الإمكان، ولم يبرز إلى الوجود. وإذا حدث فمن أخذ؟ ولم يحدث قبل ذلك.
  • ثانياً: كما قال الفلاسفة: إذا كان الله متقدماً على العالم، فليس يغلو أن يكون هذا التقدم بالذات أو بالزمان. والتقدم بالذات والعلة والعالم، والتقدم بالذات والعلة، يلزم أن يكون الله والعالم قديمين معاً، ويستحيل أن يكون أحدهما قديمًا والآخر حادثاً.
  • أمّا التقدم بالزمان فمعناه أنه يوجد قبل العالم، والزمن كان زماناً قبل العالم، وعبارة عن قدرة الحركة. فلابد أن يكون المتحرك الذي هو يوم الزمن دائم حركته. فالزمن الذي يجب أن يكون الحركة التي تكون بها مقارنة أزلية، ولكي تستمر الحركة، يجب أن يكون يوم المتحرك الذي يولدها أي العالم (جمعة، 2020).

أي يوضح ابن عربي أنّ الزمن في التصور الإلهي ليس له وجود مستقل، لأنّ الله منزّه عن التغير والتعاقب. لذلك لا يُنسب إليه ماضٍ أو مستقبل، بل هو حضور دائم للوجود بكل مراتبه. أمّا الزمن عند الإنسان، فهو إدراك متعاقب يقوم على الحدوث والزوال، ويظهر له العالم في صورة زمن ممتد: ماضٍ، حاضر، ومستقبل. هذا الامتداد الزمني ليس حقيقة مطلقة، بل هو طريقة إدراك مرتبطة بمحدودية الإنسان. ويرى ابن عربي أنّ الوجود في حقيقته يتجدد في كل لحظة، فليس الخلق حدثًا وقع وانتهى، بل هو فعل مستمر. ومن هنا، يتجلى الفرق بين الزمنين في أنّ الزمن الإلهي هو شاهد للوجود في وحدته، بينما الزمن الإنساني هو إدراك متجزئ. وهكذا، يصبح الزمن عنده مفهوماً وجودياً-عرفانياً، أكثر منه مفهومًا فيزيائيًا أو رياضيًا.

إقرأ أيضًا: أصول الفقه من التجديد إلى التحديث: دراسة ونقد

ويمكن تتبع وجود تباين حاد بين المنظور الإلهي للزمن، باعتبار الله هو ذلك المقيم خارج الزمن، وبين الزمن الإنساني المحدود بوحدات منتظمة كما في التفسيرات الفقهية، لكنّها وهي تؤكد أنّ الزمن الإلهي ذا طبيعة خاصة، سقطت في فخ التفسير الحرفي. ذلك أنّ التجاوز الإلهي لحساباتنا افتقد إلى وجود تحليل أعمق لمفهوم الزمن خارج الإطار الأرضي، من جانب المفسرين، وكذا افتقد لتحليل طبيعته في العلاقة بين الله والإنسان، حيث لا حاجة لوجود تسلسل زمني في علاقتنا مع الله؛ لأنّ الزمن عنده تعالى عبارة عن لحظة أزلية واحدة.

بمعنى آخر، فإنّ الزمن الذي يعيشه الله ليس كالزمن البشري، ولا يعني هذا الأمر الترويج لمحدودية الإدراك الإنساني. فإذا كان الله خارج الزمن والتغيير بحسب توما الأكويني (الألوسي، 2005). فإنّه ذلك “الآن الأزلي” بحسب نظرية وحدة الوجود عند الصوفية (الطيب، 2008). وفي جميع الأحوال، فالله لا يمكن أن يخضع لحتمية زمنية كما يخضع البشر.

ويمكن القول إنّ الزمن في القرآن ليس مفهوما كميّا مجردًا، بل هو مفهوم يرتبط بمنظور رمزي، فيوم القيامة عندما يكون كألف سنة، فهو يعبر عن الصبر الإلهي والرحمة بالبشر، حتى أنّ يوم الحساب عند الله كألف سنة عند البشر، في دلالة على مدى الدقة في تحري العدل والرحمة. وعليه فاليوم الإلهي لا يُقاس بمعيار بشري ثابت، بل هو نسبي بحسب التوصيف الرمزي، فالمؤمن يرى الأمر سريعًا نسبيًّا مقارنة بالأشقياء.

إنّ الدلالة الرقمية للزمن لا تعني في القرآن الاستهلاك العددي، بل هي محاولة لكسر قيود الزمن البشري، وإظهار تجليات المطلق الإلهي. وبشكل عام، يرمز الزمن الطويل إلى كل ما هو متجاوز للتصور البشري، ليدل على صبر الله، فيما يرمز الزمن القصير إلى العناية الإلهية الفورية، وبالتالي فإنّ الأرقام ليس مقصودًا بها القياس العددي الدقيق، بل التكثيف التصويري، من أجل حث الإنسان على التواضع أمام أزليّة الخالق Barnes, 2005)).

إقرأ أيضًا: اختراق الزمن في السرد الديني: قراءة مقارنة في المعجزة والكرامة

والزمن بهذا المعنى، يؤثر على نظرتنا للكون والوجود، حيث يبدو الكون كله ككيان واحد متكامل، وكجزء من اللحظة الأزلية. وبهذا المعنى يُنظر إلى الزمن كأداة مخلوقة، تتجلى من خلالها وعبرها المعرفة الإلهية، والتي تبدو فيها كل لحظة في التاريخ دون حيز زمني يحول بينها وبين الأخرى. أمّا الإنسان فتصوُّره للكون محدود دائمًا بالخط الزمني، وبينما الإنسان في زمانه يجهل زمن الله، فإنّ الله موجود في زمانه الخاص، وفي زماننا أيضًا Craig, 2001)). فتاريخنا يسير في إطار محدود يراه الله كليّا شاملاً دفعة واحدة، لأنّه في موقع متجاوز لقوانين الطبيعة والتسلسل الزمني.

المفهوم القرآني للمكان بين المعنى الفيزيائي والمتخيل

يُعدّ مفهوم “المكان” في القرآن من المفاهيم الأساسية في البناء الرمزي والعقائدي؛ فالمكان في النص القرآني لا يؤدي وظيفة جغرافية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى أبعاد رمزية وروحية. فهو لا يدل على حالة مادية فقط، بل يصبح علامة دلالية تعبّر عن التحول والابتلاء والتعليم والوحي الإلهي. وعليه تتجلى البنية المكانية من خلال نظام متكامل يربط بين العالمين المرئي واللا مرئي، وبين الأرض والسماء، وبين الزمان والمكان، بما يعزز فكرة التوحيد والرسالة الإلهية.

وتُعد الآيات (60–82) من سورة الكهف، مثالًا لهذا النمط السردي القرآني، حيث يُستخدم المكان بوصفه أداة تعليمية وتأويلية تدعو القارئ إلى إعادة النظر في العلاقة بين الظاهر والحقيقة، وبين العقل والوحي، وبين الحدث والسياق. حيث لا تُفهم الأمكنة المذكورة مثل: مجمع البحرين، والبحر، والقرية، والجدار، كمجرد فضاءات سردية، بل كحواضن للتجربة ومرايا للتحول تمزج بين الظاهر والباطن، وبين التجربة الفردية والهداية الإلهية.

وعليه، يتراوح فهم المكان بين التفسير القرآني الكلاسيكي، والتأويل الصوفي، والأنثروبولوجيا الرمزية للمكان. ما يؤدي إلى فهم النص القرآني عبر منهج متعدد الأبعاد يجمع بين التحليل النصي الموضوعي، والتأويل الصوفي الرمزي، والمقاربات التربوية والثقافية، وفق منهجية تكاملية تمزج بين أدوات تحليل الخطاب، ومفاهيم الجغرافيا الرمزية، وأساليب القراءة الباطنية في الفكر الصوفي، إضافة إلى معطيات حديثة في الأنثروبولوجيا الدينية وتحليل الفضاء في الأدب.

ويحرر إبراهيم الرتمي وآخرون في دراسة مميزة حول جغرافيا المكان في القرآن، وقصة موسى والخضر من أطر من البنية السردية السطحية حول المكان، إلى مستويات أعمق من المعنى، بالاستناد إلى مصادر التفسير الكلاسيكي، إضافة إلى استخدام شروح صوفية مثل: ابن عجيبة، والغزالي، وابن عربي، مع مقارنتها بمفاهيم فضائية حديثة عند باشلار، وإيلياد، وويليام تشيتيك وغيرهم. حيث يتم تقسيم القصة إلى مشاهد مكانية رئيسية: مجمع البحرين، البحر، القرية، الجدار، ويُحلَّل كل مشهد من حيث الجغرافيا النصية، والدلالة الرمزية، والبُعد التربوي، مع اعتماد قراءة مقارنة تُبرز خصوصية المعالجة القرآنية للمكان مقارنة بالأدبيات الرمزية والأسطورية. مع التعمق في الأبعاد الرمزية والتربوية للمكان؛ فإذا كان الطبري قد ركز على العناصر اللغوية والتاريخية دون تحليل رمزي، وفسّر الرازي مجمع البحرين بوصفه رمزًا للمعرفة المركبة، فقد أعطى المفسرون الصوفيون بعدًا رمزيًا للمكان، إذ فسّر ابن عجيبة “البحرين” بأنهما بحر العلم الظاهر والباطن، وربط الغزالي المعرفة التجريبية بالإلهام الإلهي، بينما قدّم ابن عربي الخضر بوصفه قطبًا روحيًا لا يخضع لقوانين المكان، ولا يُدرك إلا بالكشف، فيما أبرزت بَرلَس وكريدي والفاروقي الأبعاد الرمزية والإنسانية للمكان. أمّا الدراسات الغربية مثل باشلار وإيلياد وشتيك ونتّون، فقد ركزت على الفضاء بوصفه تجربة وجودية ورمزًا للمعنى، في حين ساهم يونغ وشمّيل في تعميق القراءة الرمزية للأسطورة والرحلة والمرشد الروحي. كما حلّل إيزوتسو الحقول الدلالية القرآنية مثل “البحر” و”السفر” و”اللقاء”، واعتبرها وحدات رمزية متكاملة داخل البنية السردية، ووأبرز روزنثال التحولات المكانية بوصفها نقاط تحول تعليمية في التجربة النبوية (Abraheem Alriteemi& others,2025).

إقرأ أيضًا: الرمز والمجاز في أوصاف الجنة والنار-الجزء الأول

وعليه، يمكن القول إنّ المكان في القرآن الكريم، ليس مجرد إطار جغرافي للأحداث، بل هو حامل للمعنى والعقيدة، كما يتم استدعاء المكان في القرآن في سياقات أخروية، تاريخية وتشريعية؛ فعلى سبيل المثال، يربط القرآن بين المكان والزمان عبر ذكر مواقيت الحج. “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ”.(سورة البقرة، الآية 197)، بحيث يجعل من الكعبة مركزًا روحيًا للعالم الإسلامي، يرتبط بزمان مقدس. كما يرتبط المكان أيضًا بالوحي، حيث يتم تحديد أماكن نزول الوحي، وأماكن إرسال الرسل وأماكن المعجزات.

وتشكل السماوات والأرض ثنائية محورية في القرآن الكريم، تكررت في أكثر من 190 موضعًا. يقول تعالى: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ” (الأنعام: 1)، حيث تشير الآية إلى سلطة الله المطلقة على الوجود، حيث تُستخدم هذه الثنائية المكانية (السماوات والأرض)؛ لبيان الشمولية والإحاطة الكونية للخلق الإلهي.

ويُقدّم القرآن الأرض كمكان اختبار للبشر، بينما السماوات هي مكان المجد والعلو والخلود. والدلالة هنا تعني السمو والارتفاع عن الأرض، وليس السماء كمان فيزيقي.

ويوضح القرآن أنّ السماوات سبع، وهو تصور ينقل بنية رمزية حول العالم العلوي، حيث عرش الله وموطن ملائكته، وكلها أدوات رمزية لمخاطبة المتلقي ووعيه في لحظة التنزيل، حيث تمثل ثنائية العرش والكرسي مركز السلطة الإلهية في الفضاء الكوني.  يقول تعالي: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (البقرة: 255)، ويُستخدم الكرسي كرمز للعلم الإلهي والقدرة المطلقة، أمّا العرش فيرتبط بمقام الهيمنة الإلهية: “الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ” (طه: 5). وهو ما يجلى في طلب النبي سلميان: “أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا” (النمل: 38)، فالعرش هو رمز السلطة والقوة.

وعرش الرحمن في القرآن مكان غير مادي، لكنه يدل على العلو والسيادة، ويعتبر غاية في التسامي المطلق، الذي لا يدركه التصور الإنساني أو العقل البشري. فالله “هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم” (التوبة: 129). وعلى الرغم من عدم وضوح موضعه المكاني، ودلالته الرمزية البحتة، حاول المفسرون الالتزام الصارم بالحرفية، وقالوا إنّ العرش يقع فوق السماء السابعة، وتحمله الملائكة “الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ”. (غافر: 7).

ويبدو أنّ منطلقات الوعي الفقهي التقليدي، لم تستوعب رمزية العرش، فالرحمن ليس كمثله شيء، وهو المطلق الذي لا يمكن تصوره كملك يجلس على العرش، لكنّ التفسير عجز عن الإفلات من القياس مع مفردات الفهم البشري، واعتبر العرش كيانا ماديًا يدل على ملك الرحمن.

إقرأ أيضًا: الخلود في النّار: بين ظاهر النّص وأفق التّأويل

ويمثل المكان الأخروي أبرز ثنائيات مفهوم المكان في النص القرآني، ويتجلى ذلك في التصوير الدقيق للجنة والنار. والجنة موصوفة بأنّها مكان للراحة والنعيم: “وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة: 25).  بينما تمثل النار مكان العذاب، فنَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَة، محرقة عظيمة أُعدت للمجرمين، الذين “كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب”. (النساء: آية 56). والجحيم ليس مجرد نيران تحرق العتاة فقط، بل يمثل حيزًا مكانيًا به عدة تفاصيل، مثل شجرة الزقوم: “إنّ شجرة الزقوم. طعام الأثيم. كالمهل يغلي في البطون. كغلي الحميم”. (سورة الدخان: 43/45).

والفضاء الأخروي هنا يتجاوز الزمان والمكان الأرضيين، ويقدم تصورًا لعدالة إلهية تقوم على مبدأ الثواب والعقاب، وفق ثنائية حديّة تتراوح بين النعيم المطلق والجحيم في أفظع صوره.

ولأنّ النص القرآني ينطلق من بنية الخطاب، كان لابد له أن يتماهى مع معطيات الخطاب، ليناسب عقلية المتلقي ووعيه وتصوراته، فاتسق نعيم الجنة وكذا عذاب النار، مع التصورات المتاحة حول اللذة والعذاب في لحظة النزول، دون أن يكون ذلك هو المعنى الناجز والنهائي.

الأماكن المقدسة

تحتل بعض المواقع في الأرض مكانة مقدسة خاصّة في القرآن، مثل: مكة والمدينة والقدس: فمكة هي البيت الأول؛ يقول تعالى: “إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ”. (آل عمران: 96). أمّا المدينة المنورة، فهي موقع هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، والمسجد الأقصى هو موضع الإسراء يقول تعالى: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”. (الإسراء: 1).

ويمثل تقديس هذه الأماكن استحضارًا لتاريخ الوحي، وربطًا بين الجغرافيا والتجليات الإلهية، الأمر الذي استدعى الدخول في تنافس سياسي وعسكري عبر التاريخ الإسلامي، للهيمنة على مدن السماء، كمدخل للسيطرة السياسية.

كما يتحدث القرآن عن أماكن غير مرئية، يمكن وصفها بالمكان المتخيل، مثل: سدرة المنتهى، البيت المعمور، اللوح المحفوظ. وهذه الأماكن تقع كلها خارج الإدراك الحسي، وتدل على عمق رمزي وميتافيزيقي لمفهوم المكان.  فسدرة المنتهى تمثل الحد الفاصل بين العالم الأرضي والعلوي، بينما يبدو البيت المعمور مثل كعبة سماوية تطوف حولها الملائكة، ما يعكس وجود نظام كوني عبادي متكامل.

إقرأ أيضًا: الجنس في الجنّة بين الحقيقة والمجاز

ويمكن في هذا السياق ملاحظة التناص مع بنية المكان في اليهودية والمسيحية، ففي اليهودية، يُمثل الهيكل وبيت المقدس في القدس مركزًا لاهوتيًا وشعبيًا، وفي المسيحية، ينقل التجسد الإلهي (في المسيح) البُعد الروحي إلى أماكن معينة مثل: كنيسة القيامة، بيت لحم. لكن في كليهما، يتراجع البُعد المكاني في القرون اللاحقة لصالح البعد الرمزي للمكان، خاصّة في المسيحية.

بينما في القرآن، المكان مرتبط بالله مباشرة مثل: العرش، الكعبة، السماء، أمّا في المسيحية واليهودية فيرتبط غالبًا بالشعب أو الأنبياء.

كذلك فإنّ القرآن يقدّس المكان من حيث الزمن والمضمون، مثل: الحج، الصلاة، القبلة، بينما تركز اليهودية على الشعائر، والمسيحية على الإيمان الداخلي، ويتجاوز تصور المكان في القرآن الحدود المادية؛ ليصبح حاملًا للرسالة والتوحيد والبعث، بينما يتراجع في الفهم المسيحي إلى عنصر تجريدي.

ويمكن القول إنّ المكان في القرآن الكريم، عبارة عن بنية رمزية ودينية وثقافية، تؤدي دورًا جوهريًا في التعبير عن العقيدة الإسلامية ورؤيتها للعالم، والمكان ليس عنصرًا ساكنًا في القرآن، بل هو محور لفهم العلاقة بين الإنسان والخالق والآخرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

– الألوسي، حسام (2005). الزمان في الفكر الديني والفلسفي وفلسفة العلم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص 120.

-Woods, Alan& Ted Grant (2022). Reason in Revolt, Vol. I, Dialectical Philosophy and Modern Science, Vol.1, Algora publishing, New York, p.158.

-Eliade, Mircea (1959). The Sacred and the Profane, The Nature of Religion, Harcourt, Brace & World, p.110.​

-Böwering, Gerald (2014). Visions of Time in Islam, Council for Research in Values & Philosophy, Washington D.C., p.283.

– الطبري، محمد بن جرير (1994). جامع البيان عن تأويل أي القرآن، مؤسسة الرسالة، ص367.

-جمعة، نادر (2020). محيي الدين ابن عربي وآراؤه الفقهية في الفتوحات المكية، دراسة مقارنة، ناشرون، ص ص 200-202.

-الألوسي، حسام: المرجع المذكور، ص 194.

-الطيب، محمد (2008). وحدة الوجود في التصوف الإسلامي، دار الطليعة، بيروت، ص75.

-Barnes, Albert (2005). Notes on the Old Testament, Isaiah, Baker Books, Michigan, p.448.

-Craig, William (2001). God, Time, and Eternity: The Coherence of Theism, Kluwer Academic Publishers, Dordrecht, pp.129-133.

– Alriteemi, Abraheem& Others (2025). The Geography of Place in the Qur’anic Narrative: A Hermeneutical Study of the Story of Moses and Al-Khidr through the Lenses of Philosophical Symbolism and Pedagogical Perception, Tebuireng Journal of Islamic Studies and Society 6(1):119-138.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete