الزمكان المعرفي: أين نقع على خريطة العلم؟

 تكوين

تُمَثِّلُ وَحدات القياس المُعتمدة عالميًا جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية. فنحن في أي مكان نوجد فيه، سواء على سطح الأرض أو حتى على سطح القمر، لا يمكننا إنجاز أي عمل دون استخدام وحدة قياس ملائمة.

مع تطور وعي البشرية، تطورت وَحدات القياس لتصل حاليًا إلى درجات عالية جدًا من الدقة، كما أوجد هذا التطور وحدات قياس لم تكن معروفة من قبل. ويعد ذلك أمرًا بدهيًا ناتجًا عن المكتشفات العلمية، إذ تستلزم كثير من هذه المكتشفات إيجاد وحدات قياس تتوافق مع طبيعتها.

فعلى سبيل المثال قديمًا، عندما كان النقل والتنقل يتمان على الدواب، كانت المسافات تقاس بتعاقب الليل والنهار. فكان يقال: للانتقال من النقطة أ إلى النقطة ب، عليك السفر لمدة يومين. ومنذ ذلك الحين، أدرك الإنسان ارتباط الحركة وسرعتها بالزمن، إذ إن السفر سيرًا على الأقدام يستغرق زمنًا أطول من السفر على الدابة.

ظل الحال تقريبًا، على ما هو عليه إلى أن تم اختراع الآلة، أي انتقل الإنسان من القوة البيولوجية (العضلية سواء تعلقت هذه القوة بالإنسان أو الحيوان) إلى الآلية. ومن هذه الآلات المُخترعة آلة للنقل والتنقل، من القطار إلى الباخرة البُخارية بداية إلى السيارة… وبدأت وحدات قياس جديدة وأكثر دقة بالظهور مع هذه الاختراعات وغيرها.

فأصبحنا نتكلم عن المليمتر والمتر والكيلومتر والزمن، ومع اختراع الساعات الميكانيكية أصبح قياس الزمن أكثر دقة أيضًا، فدخلت دقة قياس الدقيقة والثانية… وأصبحنا نقول مثلًا عن انتقالنا من أ إلى ب بسرعة 100 كم/سا يحتاج إلى نصف ساعة للوصول… ومع الصعود إلى القمر أصبحت وحدات القياس أكثر دقة والزمن يُمكن قياسه بالنانوثانية، والمسافات كذلك تُقاس بالنانومتر.

مثَّلَ عام 1900 ثورة في عالم العلوم بافتتاح عالم فيزياء الكوانتم. بابًا طرقه ماكس بلانك وفتحه ألبرت أينشتاين. طرقه بلانك بدخوله إلى محاولة معرفة توهجات المادة عند تسخينها، وفتحه أينشتاين مع نظرياته المتعلقة بالضوء وتركيبه الفوتوني. هنا دخلنا إلى عالم جديد له قوانينه الخاصة ووحدات قياس تلائمه.

عالم لا يُمكن الإحساس به أو معرفته بواسطة أي حاسة من حواسنا التي نملكها، مهما بلغت دقتها. وتعود هذه الاستحالة أساسًا، إلى تناهي صِغر مكوناته إلى حد الانعدام إذا ما قيست أحجامها بما نعرفه بواسطة حواسنا.

“حد الانعدام” لا يعني بتاتًا الانعدام، بل عالمًا موجودًا له قوانينه ووحدات قياسه، ويُمثل المادة الأساسية للوجود. إن انعدم وجوده انعدم الوجود. فعلى سبيل المثال، إن عدم رؤية طائرة محلقة في السماء لا يعني هذا عدم وجود للطائرة في السماء، بل هي موجودةٌ وتحلق على علو مرتفع لا تدركها حاسة البصر ولا حاسة السمع! فعالم الكوانتم كالطائرة المحلقة على ارتفاعات شاهقة في السماء. عالم تعرفنا عليه من خلال تطور معرفتنا وعلومنا، واختراع آلات مكننا من الدخول إلى جزء منه، لأنه ما يزال فيه جوانب غير مكتشفة للتعرف عليه.

الآلة هنا هي الوسيط بيننا وبين هذا العالم. فهي تعمل على تحسين بعض من حواسنا، مثل: النظر والسمع… كي نُدرك بها ما لا تُدركه حواسنا في حالتها الطبيعية. أي أن الحواس ما تزال الجزء الأساسي لتكوين معرفتنا بالعالم المادي، سواء كان ضمن مجال قدرتها الطبيعية أو ما يفوق قدرتها الطبيعية، وهنا تأتي الآلة لتعلب دورها في رفع مستويات قُدراتها. فتنقل الحواس بتفاعلها مع العالم المادي، بشقيه الفيزيائي (العالم المادي المدرك بحواسنا الطبيعية)، والكوانتي (ما دون المادي: العالم الذي لا ندركه بحواسنا الطبيعية)، المعلومات إلى الدماغ، ليقوم بالعمل عليها وتكوين معارفنا. فانعدام الحواس، سواء الطبيعية أو تلك المساعدة لها وهي الآلة، يقود إلى انعدام المعرفة.

دورها بوصفها “وسيط” أدخل الفلاسفة والعلماء في جدل لم يحسم حتى تاريخه، وتحديدًا بشأن مدى تأثيره في طبيعة العالم الذي نختبره من خلالها. وهو جدل يتشابه في جزء كبير منه مع دور الحواس ومدى تأثيرها في الواقع وإدراك العقل له. إشكاليات تزداد تعقيدًا مع تقدم العلوم، وفي أحيان يقل تعقيدها!

أما بخصوص عالم الفضاء، فبعد الصعود إلى القمر والعمل حاليًا على التحضير للذهاب إلى المريخ والتقدم الهائل في علم الفضاء، تبين أن الفضاء أيضًا عالم آخر وله قوانينه الخاصة به، ما استلزم صياغة وحدات قياس خاصة به.

لقد أثبت، علم الفضاء أن الكرة الأرضية محض حبة رمل على شاطئ رملي، أو ربما أصغر، لأنه مع كل تَقدم في علم الفضاء يكتشف الإنسان أن الكون أكبر مما توقع! مسافات وموجودات كلها خارج حدود قُدرات طبيعة الحواس التي نملكها. وهنا أيضًا دخلت الآلة، لتكون المُمثل لحواسنا بقدرات أعلى! بعد “هابل” لمراقبة السماء أُطلق “ويب” (Webb) لمتابعة المراقبة والمسح، وهو يرسل إلينا حاليًا، صورًا لمجرات وكواكب تبعد عنا آلاف السنوات الضوئية، يعمل على هذه الصور ليس فقط علماء الفضاء، بل مضافٌ إليهم كثير من علماء العلوم الطبيعية الأخرى، لمحاولة رسم صورة أولية للكون الذي نتعرف عليه.

أيضًا فهذا العالم الحاوي على موجودات كثيرة غير مدركة مباشرة بواسطة حواسنا لا يعني أنها غير موجودة، بل موجودةٌ لكننا لا ندركها، ومنها على سبيل المثال الثقوب السوداء وطبيعة وجودها المغايرة لما اعتدنا على معرفته. إنها ثقوب استلزمت من العقل البشري أن يرى واقعها بطريقة مختلفة جذريًّا عن الواقع الموجودين فيه، واستلزمت وجود قوانين خاصة بها، ووحدات قياس لا نستخدمها في واقعنا المُعاش!

على سبيل المثال، من مقاييس عالم الفضاء نقول: تبعد النقطة أ عن النقطة ب مسافة عشر سنوات ضوئية! أي علينا أن نسير بسرعة الضوء لمدة عشر سنوات، (السنة 365 يومًا وربع)، لنصل إلى النقطة ب! والسير (السفر) بسرعة الضوء لا يُمكن الوصول إليه! فأصبحنا أمام عالم لا تدركه حواسنا، لكن بواسطة الآلة ووَحدات قياسها تُعرفنا على عالم كان سابقًا خارج معارفنا، بالمعنى العلمي، لعدم وجود حواس عندنا تُمكننا من التعرف عليه بطريق أفضل.

لا يتوقف الأمر على المسافات ووحدات قياسها، بل هناك أيضًا الزمن ومفاهميه التي تغيرت مع هذه الاكتشافات العلمية، طبعًا من دون القفز فوق وحدات قياسه.

لم يَعُدْ الزمن هو ذلك الزمن الذي تعرفنا عليه عن طريق نظريات نيوتن، زمنًا مُطلقًا وآخرَ غيرَ مُطلقٍ، بل تحول إلى زمن واحد مُقاس ومُتأثر بسرعة حركة المادة وكُتلها. كما أنه يرتبط بالمكان، وأصبح التعبير العلمي الدقيق عنه “الزمكان”، فسقط تعبير زمن منفصل عن المكان، أو مكان منفصل عن الزمان.

اكتشافات غيَّرت مفاهيمنا تغييرًا جذريًا، ومن هذه المفاهيم على سبيل المثال، سقوط مفهوم الآنية، فلم يَعُدْ هناك “الآن”! كما لم يَعُدْ هناك “ثبات” لأن المادة في حركة دائمة! ودخل مفهوم النسبية إلى عمق كل شيء! وجميعها لا يُستكمل فهمها من دون وجود وحدات قياس تُعَبِّرُ عنها! فالعلاقة بين هذه العلوم ووحدات القياس علاقة يُمكنُ توصيفها على أنها تكاملية، كالعلاقة بين الحروف والكلمات، إذ لا كلمات مكتوبة من دون حروف، ولا حروف ذات معنى من دون كلمات!

من المؤكد أن الأمور لا تتوقف عند حدود قياس المسافات، سواء القصيرة منها أو البعيدة، أو الزمن دائم الحركة وعلاقته بحركة الجسم، فهناك وحدات قياس أخرى كثيرة جدًا من وحدات قياس الضغط الجوي وصولًا إلى سرعة طباعة الكلمات على لوحة مفاتيح الكومبيوتر!

حتى أن وحدات القياس دخلت في عمق كثير من العلوم الإنسانية، لتكون جزءًا منها. ومنها على سبيل المثال وحدة قياس الفقر! الفقر حاليًا وفي كثير من الأحيان، يُقاس وفقًا لقدرة الإنسان على استهلاك السعرات الحرارية! وهي وحدة قياس تُعَبِّرُ بطريقة مباشرة عن تداخل بين العلوم، وفي هذه الحالة، تداخل بين علم الأحياء وعلم الاجتماع والاقتصاد (ويود البعض استخدام مصطلح علم الاقتصاد).

بوحدة القياس هذه حَدَّدَ علم الأحياء عددًا محددًا من السعرات الحرارية التي يجب على الإنسان استهلاكه يوميًا، أو شهريًا أو… كي يبقى على قيد الحياة. وهذه السعرات تستلزم مدخولًا ماديًا محددًا لشرائها واستهلاكها للحفاظ على حياته! فإن كان دخله المادي أقل من قدرته الشرائية لهذا العدد المحدد من السعرات، فهو دون خط الفقر، وإن كان دخله يتوافق معها فهو فقير و…!

لكنَّ المفارقة في مثل هذه وحدات القياس تدخلنا في إشكالية الاستهلاك المفرط! فإذا كان هناك تريلونير، ونحن على أبواب من يمتلك هذا المبلغ المالي ضمن تصنيف الأغنياء، وحفاظًا على “رشاقته” لا يستهلك إلا الكم المحدد للبقاء على قيد الحياة، كأن يتناول ملعقة عسل طبيعي في الصباح، وعلى وجبة الظهيرة قطعة لحم صغيرة أو قطعة من سمك السلمون، وعلى العشاء ملعقة كفيار طبيعي، فهل يُعَدُّ فقيرًا مثل من يتناول حبة بطاطا مسلوقة وقطعة خبز طوال النهار، ليوازي عدد السعرات بين من يحافظ على “رشاقته” وبين من لا يملك سوى ثمن هذه الوجبة؟

حتى في عالم الاقتصاد أصبحت وحدات القياس دقيقة جدًا، وبخاصة مع تطور وسائل الاتصالات الحديثة، فقد أصبحت معظم المدفوعات لشراء الحاجيات تُدفع بواسطتها، عبر تطبيقات على أجهز الهواتف الحديثة أو الكومبيوترات، أو بطاقات الائتمان أو… فأصبح كل شخص يُمكنه أن يحتسب بدقة عالية مدى استهلاكه، من الكهرباء إلى الماء إلى الطعام…! وكذلك الشركات والمصارف ومصلحة الضرائب و…

لكنْ على الرغم من كل هذه التِقْنيات الحديثة المتعلقة بتطور العلوم ووحدات القياس ودقتها في كثير من العلوم الطبيعية وغير الطبيعية (المقصود: العلوم الإنسانية)، هل ما يزال هناك أشياء تتفلت من شبكة دقة القياس؟ والتفلُّت منها يُعَبِّرُ عن ضبابية العلم (أو العلوم) الذي يُقاربها.

لنأخذ الواقع التالي ومحاوله قياسه، كون العلوم تقوم على التجربة وتراكم المعرفة مع مرور الزمن. والتجرِبة ترتبط عضويًا بالحواس، سواء كانت الطبيعية التي نملكها أو بمساعدة الآلة التي اخترعناها. فإن نجحنا في قياس دقيق لما نوَدُّ قياسه، تكون الإجابة على التساؤل المطروح بالنفي. وإن فشلنا تكون الإجابة بالإيجاب.

إن كانت الإجابة “نعم”، فهي تضعنا أمام إشكالية أخرى أكثر تعقيدًا. جوهرها يقوم على: لماذا الإجابة “نعم” على الرغم من كل هذه التطورات العلمية وصولًا إلى عالم أصبحنا فيه تدريجيًا نعتمد على الذكاء الاصطناعي للقيام بكثيرٍ من أعمالنا. إنما التعقيد ينبع من وحدة القياس! فالذكاء الاصطناعي بجوهره عالم وحدات قياس، بمعنى تحليل لوغاريتمي للكم!

الواقع (بمعنى مثال من الواقع المعاش حاليًا) الذي سوف نعمل على محاولة قياسه بدقة، هو قياس المسافة الفاصلة بين النقطة أ والنقطة ب، والزمن اللازم لقطعها، السرعة التي يجب أن نسير بها. تم اختيار هذه المقاييس الثلاثة لأنها مترابطة ولا يُمكن فصل وحدة منها عن الأخرى.

نقطة الانطلاق أ:

يبدو أنه أصبح تقليدًا شائعًا في المجالات كافة أن يقوم الجميع بجردة سنوية قبل نهاية العام ونشرها بتاريخ محدد، وغالبًا ما يكون بعد نهايته بقليل. ولم يَعُدْ الأمر مقتصرًا على حقل معين، بل أصبح يطاول أفراد ينشرون أبرز ما أنجزوه في العام! مثلًا شخص مُدمن على تناول الأطعمة الجاهزة، يُقرر أن يتوقف عن هذه العادة في نهاية العام، فإذا حقهها ينشر “إنجازه” على صفحته الإلكترونية (قد يكون بلوغر أو صفحة فيسبوك، أو أي وسيلة أخرى).

بعيدًا عن هذا المستوى الفردي، من البدهي أن تنشر الشركات الكبرى، وفي بعض الأحيان الصغرى، والمؤسسات والمصارف والجامعات و… تقاريرها السنوية لتقييم مسيرتها في عام كامل. وعلى أساس هذه الجردة (التقييم) تضع خُطتها للسنة الجديدة. عملية كهذه تستغرق متابعة سير العمل لمدة عام، فالجردة ليس عملًا لحظويًا، أي يقوم بها العاملون بالأيام الأخيرة من السنة، وإن كان العمل في هذه الفترة أكثر كثافة. غاية التقييم معرفة الثغرات التي حالت دون تحقيق الأهداف المنشودة، ومحاولة تخطيها في السنة القادمة. ومن هذه الجردات السنوية الجردات العلمية.

ما يَعْنينا هنا، الجردة العلمية لعلاقتها المباشرة بالسؤال الذي طُرح. حصرًا للموضوع سننتبع جزءًا منها وفي بعض المجالات فقط.

الكوانتم:

في الذكرى المؤية لمعادلة فارنر هايزنبرغ، وهي معادلة تتعلق بعالم فيزياء الكوانتم وتحديدًا باللا حتمية، اجتمع عدد كبير من علماء الكوانتم للاحتفال بهذه المناسبة وناقشوا فيه قضايا كثيرة لها علاقة بهذا العالم. وأَجْمَلُ عبارة قالوها: “إنه لأمر مُحرج حقًا ألا نملك قصة يُمكن أن نرويها للناس عن ماهية الواقع”. واقع ما يزال غيرَ مكتملِ المعالم. والجدير لَحْظُهُ هنا كلمة “واقع” لا تعني فقط ما نعيشه فقط، بل واقع عالم الكوانتم أيضًا، لأنه حجر الأساس للواقع المعاش. فهما عالمان وإن بدا لنا أن كل واحد منهما منفصلٌ كُليًا عن الآخر، الكوانتي عالم دون حواسنا، والعالم المادي، ضمن حواسنا، هما عالمان يُكمل كل واحد منهما الآخر.

كما كان هناك كثيرٌ من اللقاءات العلمية لبحث إشكالية الجاذبية: من أين تأتي الجاذبية؟ وهذا سؤال يُمَثِّلُ مشكلة كبيرة في كل من النسبية العامة وميكانيكا الكم.

وفي مؤتمرات علمية أخرى جرت نقاشات مستفيضة تتعلق بــ “المفردة” (singularity)، ففي النسبية العامة، تُعرض ‘المفردات’ (singularities) بوصفها شذوذاتٍ رياضيةً تنهار فيها معادلات أينشتاين. كان الأمل لعقود أن تقوم الفيزياء الكوانتم بتصحيح هذه الشذوذات، وحتى تاريخه لم يتحقق الأمل وما يزال النقاش جارٍ في هذا الحقل.

الذكاء الاصطناعي:

يصفه أحد المختصين به أنه “بدأ الأمر كخيال، ثم تحول إلى وعد —مستوحى من علم الأحياء ومتحركًا بأفكار علماء الفيزياء— ونما ليصبح أداة بحثية قوية”. أي انه حقل علمي يجمع أكثر من حقل لإنتاج “أداة” تحاول محاكاة العقل البشري بما يتعلق بالتفكير! حقل يعتمد على المعطيات، اللا حسية، مُستخدمًا اللوغورتميات لـ “يفكر” بها مُعطيًا نتائجَ واجاباتٍ على اسئلة يطرحها عليه العقل البشري! وهذا ما يُعيدنا إلى إشكالية الحس والتفكير. ما يهمنا هنا هو أنه أصبح لكثيرين من البشر تهديدٌ مباشر لهم لدخوله سوق العمل ومنافسته لهم فيه! وهنا نطرح الإشكالية التالية: هل الاستثمارات بالمليارات في هذا الحقل لتطويره، هي من أجل خدمة البشرية أو للتخلص من العمالة البشرية وتحقيق أكبر كم ممكن من الأرباح؟

نعود إليه كونه حاليًا أحد أبرز الانجازات العلمية في القرن الحالي. فقد تطور ليُصبح “شيئًا مختلفًا: زميلًا مبتدئًا، وشريكًا في الإبداع، وجنيًا مُنجز للأمنيات مُثيرًا للإعجاب وإن كان غيرَ موثوقٍ. لقد غيَّر كل شيء، من طريقة تعاملنا مع البيانات والحقيقة، إلى كيفية تصميم الباحثين للتجارب وطريقة تفكير علماء الرياضيات في البراهين”.

الرياضيات:

ما تزال اللا نهاية تُعَدُّ إشكالية لعقول كثيرين من علماء الرياضيات، وبقدر ما قد يبدو الأمر غريبًا، فإن اللا نهاية تتخذ صورًا وأحجامًا عديدة. ومحاولة قياسها أشبه بكلب يُطارد ذيله. لكنَّ بعض علماء الرياضيات مهووسون بهذا السعي.

علم الأحياء:

الأخذ بنظرية داروين، النشوء والارتقاء، ما يزال قائمًا، بعيدًا عن كل ما نقرأه من آراء “صحافية” عنها. لذا ما يزال البحثُ جاريًا للإجابة عن: كيف تطورت الحياة من خلية إلى متعددة الخلايا؟ (التطور هنا بمعنى evolution لا development)، لأن ظهورها كان أحد أهم الأحداث في تاريخ الحياة على الأرض.

ما هذه إلا نماذج بسيطة جدًا لجردات سنة من الأبحاث العلمية وأبرز ما قيل في مؤتمرات ولقاءات شارك فيها كثيرٌ من العلماء في محاولة منهم للإجابة عن أسئلة منها: ما هو مستجد ومنها ما هو قديم ولم يتوصل العلم بعد إجابات محددة لها. وجميعها تعتمد في جزء كبير منها على وحدات قياس تتعلق بالحقل المبحوث.

النقطة ب:

وهي النقطة المراد الوصول إليها. نقطة لم تقم بأي جردة سنوية إلا على بعض المستويات الرسمية، وبعض شركاتها وندرة من قبل مؤسساتها العلمية! قد يكون سبب عدم قيامها بهذه الجردة العلمية السنوية هو كونها نقطة تعجُّ بالحروب والنزاعات والاقتتال والفتن الطائفية و… وتندر فيها بقع “الاستقرار”.

قد يكون هذا عذرًا مقبولًا في الوقت الحالي، لكنه غير مجد، لأنه لم نسمع إلا فيما ندر قبل حالة النزاعات الحلية عن أي تقرير سنوي علمي، وهنا نحصر الموضوع بالعلوم فقط. إنها بقعة منذ وجودها وحتى اليوم تستهلك ما تنتجه العلوم ولا تنتج علمًا أو حتى لا تشارك في تطويره مشاركةً جدية!

فعلى سبيل المثال فيزياء الكوانتم طفت على السطح منذ عام 1900، وها نحن اليوم في عام 2026 ولم نجد أي مشارك من النقطة ب في أي مؤتمر علمي رصين لهذا الحقل، أو حتى لم نسمع عن عالم منها على مستوى هايزنبرغ أو فريدمان أو شرودينغر! وكذلك الأمر عند علم الفضاء وعلم الأحياء…

جغرافيًا، يُمكن قياس المسافة بين النقطة أ والنقطة ب بدقة متناهية! فعلى سبيل المثال المسافة بين أي بلدة أو حتى قرية، في ألمانيا وبلدة، أو قرية، في دمشق يُمكن قياسها بدقة. زمنيًا يُمكن احتساب الزمن بالثانية للانتقال من أي بقعة في النقطة أ إلى النقطة ب!

بعبارة أخرى، إذا أردنا أن نأخذ العلم ليكون أساسًا لقياسِ المسافة وسرعة الريح ودرجات الحرارة و… بين النقطتين، نستطيع أن نحسب بوحدات قياس دقية جدًا ما نريد بينهما. لكنْ، إذا أردنا أن نحسب مسافة تطور العلوم بين النقطتين، فبماذا نحسبها؟ وعلى أي وحدة قياس نقيسها؟ لا إجابة!

هنا نعود إلى السؤال المطروح: هل ما يزال هناك أشياء تتفلَّتُ من شبكة دقة القياس؟ والتفلُّتَ منها يرتبط بضبابية العلم (أو العلوم) الذي يقاربها. الإجابة عنه “نعم”.

لندخل في الإشكالية الأكثر تعقيدًا لأن الإجابة “نعم”. لماذا يتخلَّف، علميًا، العالم العربي عن العالم “العلمي” مع أنه واحد من أغنى المناطق الجغرافية في العالم بثرواته الطبيعية؟ ولماذا يتخلَّفُ عنه وفيه من المفكرين ما يكفي لحل إشكالية تخلفه إذا ما أخذنا بالمقولة الديكارتية “الحس السليم (العقل) هو أفضل شيء موزع بين الناس”؟ أم أن ديكارت مُخطئٌ في مقولته هذه؟

 

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete