تكوين
يمكن مقاربة مفهوم الزمن المتخيَّل بوصفه أداة تكشف عن كيفية تشكّل الوعي بالذات والعالم عبر السرد والتخييل والتمثيل الرمزي، فهو لا يُطرح بوصفه نقيضًا للزمن التاريخي أو بديلًا عنه، بل باعتباره مستوى موازياً يعيد إنتاج وقائع هذا الزمن داخل البنى الإدراكية للفرد والجماعة، ويمنحه صيغًا دلالية تتجاوز حدود التسلسل الرتيب. وبهذا المعنى، يتحول الزمن من كونه إطارًا خارجيًا محايدًا للأحداث إلى بنية رمزية تُعاد صياغتها باستمرار، وفق أنساق ثقافية ومضامين تحتمل التأويل باستمرار.
وفي هذا الأفق، لا يتم استحضار الزمن باعتباره حاضنة للوقائع، بل كحقل مفتوح للإمكانات الدلالية القابلة لإعادة الإنتاج، وفضاء احتمالي لاحتضان التصورات الذهنية وإعادة تشكيلها. وبين هذين البعدين، تتجلى الحوادث ذات الطابع المقدس بوصفها لحظات ينبغي أن ترتبط بوقائع مركزية، لتلعب دورها في تكثيف المعنى وإعادة تنظيم الوعي الزمني حول الوقائع التأسيسيّة. ومن ثمّ، فإن الاشتباك مع مفهوم الزمن المتخيل يتيح فهمًا أعمق لكيفية تحوّل الزمن من مجرد آلية لتعاقب الأحداث إلى تجربة إنسانية مشحونة بالدلالة والرمزية، حيث يغدو الخيال وسيطًا حاسمًا في عملية إنتاج المعنى.
ويمكن القول إنّ المتخيل الديني، بوصفه انعكاسًا للبنية الرمزية، حرص على خلق رابطة تأسيسية بين لحظة ميلاد الشخصيات المقدسة والأحداث الاستثنائية المعاصرة، كما تجلّى ذلك حينما أصرّ الرواة على ربط لحظة ميلاد النبي محمد بزمن متعالٍ يتصل مباشرة بحدث مقدّس.
هنا، لا يتجلّى الميلاد ضمن سردية التاريخ الموازي كحدث يومي عادي، بل كنوع من اختراق الزمن المقدس (المتخيل) لخط الزمن التاريخي، حيث تُعاد صياغة لحظة الميلاد في هذا السياق عبر قالب أسطوري منضبط، ليس بمعنى الخرافة، بل باعتبار الأسطورة آلية وظيفية-معرفية؛ تمنح الحدث كثافة رمزية استثنائية، وتؤسّس له هالة قدسية تسبق فعل الميلاد ذاته.
وبعبارة أخرى، يتشكل ضمن هذا الأفق مفهوم الزمن المتخيّل، حيث تتعطّل لصالحه آليات الزمن الطبيعي، ضمن عملية إنتاج حدث مقدس، وهو الميلاد، عبر ربطه بحدث مفصلي. ويدخل الحدث المقدس بذلك ضمن حيز الخوارق الربانيّة، فيصبح الزمن المتخيّل زمنًا مؤسسًا بالضرورة، ليهيّئ الوعي الجمعي لاستقبال الرسالة اللاحقة، بتحويل الميلاد إلى حدث مركزي يمثل بداية تاريخ مختلف.
عام الفيل في حقل الدلالة الرمزية
يحيل عامُ الفيل، اصطلاحًا، على ذلك الحدث المعروف، والمتمثّل في محاولة أبرهة الأشرم، حاكم الحبشة على اليمن، غزو مكة، مستندًا إلى قوة عسكرية يتقدّمها فيل ضخم، قبل أن يصطدم بتدخل إلهي خارق، تمثّل في معجزة أوردها النص القرآني في سورة الفيل، حيث أُهلك الجيش المعتدي بحجارة من سجيل أرسلتها طير أبابيل (ابن هشام، د.ت).
ومن ثمّ، تجاوز عام الفيل بعده التأريخي ليكتسب قيمة ربانية مفارقة، تؤسس بدورها لمبدأ مفاده أنّ المقدّس، في منظومة الوعي الديني، تحميه عناية متجاوزة لقوانين البشر، وأنّ التاريخ ذاته قد يتحوّل إلى إشارات لتجلّي الإرادة الإلهية، فيسمى العام بعام الفيل، للتذكرة والتخليد، ويتم إلحاق الحدث القرآني بتفاصيل لم ترد في النص المؤسس، حيث جرى اختزال أهداف حملة أبرهة على مكة في هدف واحد هو هدم الكعبة، دون وجود أي سند من النص على ذلك.
واتفقت كتب التراث على أنّ أبرهة قصد مكة لهدم الكعبة، وبعد الحادثة بأيام ولُد النبي الخاتم، فيقول نور الدين الحلبي، صاحب إنسان العيون: “فلما كان أمر أصحاب الفيل خرج أبرهة الحبشي يريد هدم الكعبة، فبلغ عبد المطلب فخرج إليه فكلمه، فقال له أبرهة: ما حاجتك؟ قال: أن ترد علي إبلي. فقال: جئت تهدم بيتًا هو دينك ودين آبائك، وتسألني عن إبلك؟ فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه. فرد عليه إبله، وانصرف عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في الجبال .. فلما أصبح أبرهة وأصحابه وهيأوا الفيل ليدخلوا به مكة، برك الفيل ولم يقم، وضربوه فلم يتحرك، فإذا وجهوه إلى اليمن قام، وإذا وجهوه إلى الشام قام، وإذا وجهوه إلى المشرق قام، وإذا وجهوه إلى مكة برك.. فأرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول. فهلك أبرهة وأصحابه، وكان ذلك عام الفيل، وفي ذلك العام وُلد رسول الله صلى الله عليه وسلم” ويضع الحلبي تاريخًا للحدث هو الأول من محرم سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين.(الحلبي، 1891). وهو تقويم (تخييلي) يبدو أنّه كان مألوفًا آن ذاك، ويرتبط ربما بميلاد ذي القرنين أو بداية حملاته العسكرية.
وبدوره، يذكر ابن اسحق أيضًا أنّ النبي ولد في عام الفيل. فيقول: “أبرهة الأشرم خرج يريد هدم الكعبة، فأرسل الله عليهم الطير الأبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن أبا سفيان بن حرب قال لعبد الله بن عباس: هل تدري ما كان في عام الفيل؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ قال: خرج أبرهة الحبشي يريد هدم البيت، فنزل بالمغمس، فأرسل الله عليه الطير الأبابيل. قال ابن إسحاق: ويقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد بعد عام الفيل بخمسين يوماً. ويقال: بعده بثلاثين يوماً. ويقال: بعده بأربعين يوماً. ويقال: ولد في شهر ربيع الأول. قال ابن إسحاق: وأخبرني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، قال: وذلك فيما بلغني عام الفيل. (الحلبي، 1891).
محاولات وضع تاريخ ميلادي للحدث
يُعد المستشرق الألماني تيودور نولدكه أول من حاول وضع تاريخ ميلادي لعام الفيل، بعد مقاربة حسابية قام بها عقب اطلاعه على نقش حميري يؤرخ لحملة أبرهة ووقائع التدخل البيزنطي في البحر الأحمر، وخرج بنتيجة مفادها أنّ حملة أبرهة وقعت حوالي عام 570م. (1879 Nöldeke,).
وفي دراساته عن النقوش السبئية والحميرية، خلص كريستيان روبن إلى أن حملة أبرهة الكبرى على مكة وقعت في العقد السابع من القرن السادس الميلادي، استنادًا إلى نقش Murayghan Ry 506″” الذي يؤرخ لحملة كبرى لأبرهة في شمال الجزيرة العربية. (Robin, 2012).
وتتفق كتب السيرة والحديث على أنّ النبي محمد وُلد بعد أيام من تاريخ هذه الحادثة، وكان ذلك –حسب الحساب التقليدي- في سنة تُعادل حوالي 570–571م. وقد تناقل المسلمون هذا التاريخ جيلاً بعد جيل، مع التأكيد على أنّ ميلاد النبي كان في عام الفيل، وإن اختلفوا حول تحديد الشهر واليوم (Conrad, 1987).
وبالرغم من غنى المصادر الإسلامية بتفاصيل قصة الفيل، لا توجد مراجع تاريخية معاصرة، مسيحية أو يهودية أو فارسية، تؤكد وقوع حملة أبرهة على مكة. مثلاً، يذكر المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس القيصري (توفى نحو 565م) أبرهة بلفظ “أبراموس” (Abramus) كحاكم مسيحي لليمن في زمن الإمبراطور جستنيان، لكنّه يربط اسمه بمحاولة غزو بلاد الفرس، ويفيد أنّه بدأ بالفعل حملته ثم تراجع مباشرة دون ذكر أي هجوم على مكة، كما أنّ أقدم إشارة تاريخية تقريبًا لأبرهة تأتي بعد عام 553م، ولا تذكر البتة موضوع الفيل أو مكة، بل تصف دوره في شؤون الإمبراطورية الرومانية فقط (1914 Caesarea,).
إقرأ أيضًا: هل ولد يسوع المسيح في 25 ديسمبر؟
أمّا النقوش اليمنية الجنوبية، فتحفل بذكُر أبرهة وتاريخ حملاته، فمثلاً نقش Murayghan Ry 506″”، الذي ينسبه الباحثون إلى عام 662 هجري (حوالي 552م)، يسجل حملات أبرهة على قبائل عربية في نجد والصحراء، ويذكر غزوه لقبائل مَعَـدّ، ومعركة في وادي ضمره ثم عودة أبرهة، دون أدنى إشارة إلى مكة أو الكعبة، وتشير دراسات إلى هذه الحملة في نقش المريغان هي التي اعتُبرت لاحقًا حملة الفيل؛ فقد حددت سنة 662هـ (552م) على أنها سنة الحملة وما صاحبها من أحداث. ولا يُعرف أي نقش أو مصدر مسيحي أو يمني يؤرخ لهجوم أبرهة على مكة. (بيغولفسكيا، 1985)
باختصار، لا تدعم المصادر غير الإسلامية وقوع حملة عسكرية على مكة، والنقوش اليمنية تؤرخ فقط لغارات أبرهة في الجزيرة العربية، بما يتناسب مع حركة القبائل، ولا تُشير إلى وجود حملة موجهة إلى كعبة مكة. ولعل أبرهة قرر أن يمر بمكة في طريقه إلى فارس، قبل أن يعود أدراجه، رغبة في إخضاع القبائل واستعراض قوته.
هذا الفراغ التاريخي يضع الكثير من علامات الاستفهام حول الإصرار على وضع الكعبة في قلب الحدث التاريخي، ثم التأكيد على ميلاد النبي محمد بعد أيام من هلاك جيش أبرهة.
تباين في التأريخ
خلصت محاولات إعادة بناء تاريخ الحملة إلى جملة من الاختلافات، حيث اقترح مونتغمري وات، اعتمادًا على اكتشافات أثرية يمنية، أنّ عام الفيل يجب أن يكون بين عامي 568–569م (1953 Watt,). أمّا لورانس كونراد فقد أشار إلى أنّ النقوش اليمنية تميل إلى زمن أحدث قليلًا؛ فعدد من نقوش أبرهة في اليمن تضع الحدث حول عام 550م تقريبًا (1987 Conrad,).
وفي الاتجاه نفسه، يُشير النقش الشهير، نقش المريغان، إلى عام 662 هجري أي 552م، وهو التاريخ الذي حدده كيستر كبداية لـحملة الفيل (1965 Kister,). وفي المقابل يرى الباحث الفرنسي كريستيان روبن في أحدث نظرياته أنّ الحملة المذكورة جرت بعد عام 558م، مستندا إلى نقش آخر غير مؤرخ(2012 Robin,).
ويشير كونراد إلى أنّ تحديد عام الفيل في المصادر العربية، يقوم غالبًا على حسابات غير دقيقة، ولا ينفصل تاريخيًا بشكل مستقل عن التقاليد المرتبطة بالأشهر القمرية، وبالتالي فإنّ اعتماد عام 570 تقريبًا لا يستند إلى دليل علمي قطعي يُثبته، وشدّد على أنّ جميع التواريخ الحسابية حول عام الفيل كانت لاحقة ومشتقة من روايات الإسلام نفسها، ولم تنبثق من وثائق تاريخية. ويقول كونراد: “إنّ تقويم عام الفيل وما تلاه أصبح مرتبطًا بفكرة إرسال النبي في سن أربعين (610م حسب المصادر)، فأُسقِط الرواة أربعين عامًا للوصول إلى عام 570م. (1987 Conrad,).
وعليه، لا يمكن أبدًا تأكيد سنة 570م بدقة استنادًا إلى الأدلة العلمية المتاحة، حيث تُظهِر الدراسات اختلافًا واضحًا في تحديد الإطار الزمني لحملة أبرهة العسكرية وبداية حكمه، حيث تتراوح التقديرات بين منتصف إلى أواخر خمسينات القرن السادس الميلادي. هذا الاختلاف يُشير إلى هامش زمني يقارب عقدًا أو عقدين عن التاريخ التقليدي المتداول، وهو عام 570 م، مما يعكس أهمية إعادة بناء الأحداث التاريخية اعتمادًا على مصادر أركيولوجية وتحليل نقدي للبيانات المتفرقة، وهو أمر يبرز الفجوة بين الروايات التقليدية والمقاربات المعاصرة القائمة على الأدلة العلمية المادية. إذ توجد تقاويم ومصادر متفرقة تطرح تواريخ مختلفة لحملة أبرهة ولتاريخ ولادة النبي، وعند دراستها لا يستقيم تأكيد التواريخ الإسلامية المتأخرة لأنها تفتقد الأدلة الموضوعية.
لقد ارتبط ميلاد النبي الخاتم في التراث الإسلامي بعدد من العلامات والإرهاصات، التي وُصفت بأنّها أحداث إعجازية، مثل سقوط إيوان كسرى، والنبوءات، ورؤى العارفين. وقد وُجدت هذه التقاليد والرموز في الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، لكنها أخذت بعدًا إضافيًا في التراث الإسلامي من خلال ربطها بعام حملة أبرهة. بل ذهبت المصادر إلى القول بأنّ النبي وُلد في نفس يوم الفيل، في محاولة لتأكيد الإعجاز المرتبط بميلاده وربطه بحدث استثنائي شديد التميز.
وقد أسفر هذا الترابط أيضًا عن إعادة تفسير بعض النصوص القرآنية التي تشير إلى غزوة أبرهة، بحيث يُفهم منها أن الهدف الرئيس كان الكعبة، وأنّ ولادة النبي تزتمنت وتدخل إلهي مباشر لحماية الكعبة، بما يعزز الرؤية الرمزية والإعجازية لهذه الواقعة في السياق الديني والثقافي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المصادر:
-ابن هشام، جمال الدين (د.ت). السيرة النبوية، ج1، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ص 43.
-الحلبي، نور الدين (1891). إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون، مكتبة جامعة بازل، ص252.
-نفس المصدر السابق، ص63.
-Nöldeke,Theodor(1879). Geschichte der Perser und Araber zur Zeit der Sasaniden, Leiden, Brill, 1879, pp. 63–65.
Christian, Robin (2012).Les inscriptions de l’Arabie antique et les origines de l’Islam
Paris, CNRS Éditions, pp. 312–318.
-Conrad, Lawrence(1987). “Abraha and Muhammad: Some Observations Apropos of Chronology and Literary Topoi in the Early Arabic Historical Tradition”, Bulletin of the School of Oriental and African Studies, Vol. 50, No. 2 ,pp. 225–240.
– Caesarea, Procopius (1914). The Persian Wars, Book I (trans. H. B. Dewing,) Classical Library Edition, Leiden, pp. 189–196.
-بيغولفسكيا، نينا (1985). العرب على حدود بيزنطة وإيران، من القرن الرابع الى القرن السادس الميلادي، جامعة كاليفورنيا، بيركلي، ص 212.
-Watt, Montgomery (1953) Muhammad at Mecca, Oxford University Press, 1953, p.133.
Conrad, Lawrence: op. cit., pp. 230–235.
-Kister, M. J. (1965). The Campaign of Huluban, A New Light on the Expedition of Abraha. Le Museon, pp. 425–436.
-Robin, C. J. (2012). Abraha et la reconquête de l’Arabie déserte, Un réexamen de l’inscription Ryckmans 506, Murayghān 1,Studies in Arabic and Islam, p.93.
-Conrad, Lawrence: op, cit., pp. 235–239..