الزُجاج في الفن الإسلامي.. تألُّقٌ وإبداعٌ

 تكوين

اقترن اسم الله بالنور الذي يظهر عبر الزجاج:

“اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”

سورة النور، 35

التطرُّق إلى تاريخ الزجاج الإسلامي، يشملُ المُنتجات والتطور الحرفي لتِقْنيات عُرِفَت في الفترات القديمة السابقة للإسلام، أي قبل حوالي ثلاثة آلاف وست مئة عام، عندما أضحى الشرق مَهْدَ التقدم ومَوْطنَ تنوُّع الأصول في صناعة الزجاج. استخدم الحرفيون في الفترة الإسلامية، سُبُلَ الصنع القديمة مثل: نفخ الزجاج والتشكيل في اليد، مما أتاح لهم تكوين أشكالٍ متنوّعة ومعقَّدة جعلت من الفن الإسلامي إشراقًا غنيًّا ومتميّزًا له روُحيّته الجمالية الخاصة به. تعكس الحيوية في الفنون الإسلامية من ناحية استنباط الأشكال والأساليب الحرفية انعكاسًا كاملَ التغيرات الثقافية والاجتماعية، وترسِّخ الثقافة الإسلامية بهُويّاتها المشرقيَّة المختلفة التي تطوَّرت عبر القرون، لتصبح تراثًا ثقافيًّا ماديًّا وغير مادي يجدر تقديره لإحيائه والمحافظة عليه.

ينقسم تاريخ فن الزجاج الإسلامي تقليديًّا إلى ثلاث فترات:

  • الأولى من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر.
  • والثانية، من القرن الثاني عشر إلى القرن الخامس عشر.
  • والثالثة، حتى يومنا هذا.

أدَّى التبادل التجاري وتناقل الخبرات وتِقْنيات الصناعة والزخرفة إلى تأكيد وجود نمط متجانس إلى حدٍّ ما في العالم الإسلامي، مما يجعل من الصعب اليوم عزو المنتجات المختلفة إلى مركز إنتاج محدَّدٍ.

في القرون الإسلامية الأولى، أُنتِجَت أوانٍ للاستعمال المنزلي مثل: الزهريات والقوارير، لحفظ الزيوت والعطور، التي تنوَّعت أشكالها وأحجامها وكانت في الأغلب خالية من الزخرفة. أما القليل منها فتزيَّن بأساليب زخرفة مختلفة مثل: الخيوط النافرة وأشكال خلايا النحل. في بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين، استمرَّ إنتاج الزجاج المنقوش الذي كان معروفًا في الفترة الساسانية، طوال الفترة الأولى من صناعة الزجاج الإسلامي (من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر). ويُعْتَقد أن تزيين الزجاج بطرق التجويف أو النقش البارز كان يُمارس أيضًا في مصر الإسلامية، على الأقل في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، وذلك بفضل تداول الحرفيون المتخصصون مهاراتهم. يتضمَّن التنوُّع الزخرفي للزجاج أنماطًا هندسية متنوِّعة وزخارف نباتية مُنَمَّقة وأشكالًا حيوانية، حقيقية وخيالية على حدٍّ سواء، وقد طُبِّقَت على القوارير والأقداح والأسرجة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن ثمَّة نوعًا خاصًا من الزجاج المنقوش، مُستقلًا عن الصناعة الساسانية، وهو الزجاج المنفوخ المخطَّط بالماس، والمزخرف بأشكال هندسية وتصويرية، والذي كان يُصُدَّرُ على نطاق واسع إلى مناطق بعيدة مثل الصين. يُمكن نسب هذه الأواني، التي كانت تُصنَّع في سوريا والعراق إلى القرن التاسع أو العاشر ميلادي.

كان تزيين الزجاج بالطلاء الملوَّن (Cémentaion/ Staining)، أحد أكثر التِقْنيات الزخرفية دقَّة، وهو حكرٌ على الزجاج المصري والسوري في الفترة الواقعة بين القرنين الثامن والثاني عشر. هذا النوع من التزيين غالبًا ما يُشار إليه باسم “الطلاء باللمعان” الذي يعتمد على استعمال أكسدة الفِضَّة المخلوطة أحيانًا بأملاح النحاس. يجدر القول إنَّ جودة التصنيع قد وصلت إلى أعلى مستوياتها في أواخر الفترة الوسيطة، في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، حين استُخْدِمَت في طلاء الزجاج الإسلامي، ألوانًا زاهيةً ومتنوِّعة، عندما أتْقَنَ الحرفيِّون دمج معادن الذهب والفِضَّة مع الأصباغ الزجاجية، لإنتاج تأثيراتٍ لونية رائعة. ربما كان طلاء الزجاج بالأصباغ المعدنية من أهم الإنجازات التِقْنية التي تَميَّزَ بها العصر الإسلامي المبكر. كانت توضع على سطح الزجاج عجينة مصنوعة من خليط الفِضَّة والنحاس، ثمَّ تُحْرَقُ على درجة حرارة منخفضة حوالي 600 درجة مؤية، لإنتاج ما يبدو اليوم لوحة ألوان باهتة من الأصفر والبني والبرتقالي والأحمر.

نُشير في هذا السياق إلى أن هذه التِقْنية قد تألَّقت في مصر وسوريا في القرن الثامن ليتبناها حرفيو العراق فيما بعد ابتداءً من القرن التاسع. تأثيرات التِقْنيات السورية المختلفة طالت بطريقة كبيرة ومتوازية صناعة الزجاج البيزنطي والأوروبي. كل ما ذكرناه عن الزخارف المُستعملة إلى جانب ألوانها وتِقْنيات تنفيذها كان له طابعًا جماليًّا يُظْهِرُ الذوق والاهتمام بالتفاصيل. كانت الفترة الأكثر أهميَّة في الثراء اللوني وتنوُّع الزخارف، أمَّا الأعمال الكبيرة اللاحقة اختلفت عنها باختيار زخارف أكثر تقليدية.

مهارة أخرى عُرِفَت بالزخرفة عبر تِقْنية الطلاء بالمينا المتعدِّدة الألوان والنقش بالذهب، والتي تختلف عن التذهيب، نشأت في نهاية القرن الثاني عشر أو بداية القرن الثالث عشر في سوريا، ربما في الرقَّة، لكن تبقى أصولها غير معروفة بانتظار اكتشافات جديدة. كانت المنتوجات الأولى صغيرة الحجم، مثل: الكؤوس والقوارير لتتطوَّر بأشكال أكثر تنوعًا وتعقيدًا في القرن الثالث عشر، مثل: المصابيح والأطباق والأكواب ذات الأقدام العالية والمزهريات ذات المقابض وقوارير الحجّاج.

تميَّزت هذه الصناعة بالدقَّة في اختيار التزيين وكيفية تنفيذه، الأمر الذي أنتج تنوُّعًا بين الرسومات والكتابات التي أسهمت في التعبير الرمزي عن المعتقدات الدينية والثقافية. نذكر عل سبيل المثال: استخدام الآيات القرآنية والتسابيح وأسماء الملوك والسلاطين ورموز حكمهم مثل: الرنوك المملوكية[1]. وكانت للأشكال الهندسية رموزها الغائرة في الفن الإسلامي التي تعكس القواعد الدقيقة في نُظُم طبيعة الإسلام ومجتمعاته. يتمُّ التزيين بأشكالٍ منسَّقة من الزهور والأرابيسك والزخارف الهندسية، إلى جانب الكتابات الكوفيَّة التي تحتلُّ مكانًا أساسيًّا في المشهدية. نَلْحَظُ أن شجرة الحياة المُغطاة بأشكال حيوانات منمنمة، هي من المواضيع المستعملة أيضًا في تزيين الزجاج المطلي. أشكال الأواني الزجاجية شملت الأكواب وقوارير العطور ذات العنق الطويل التي تحمل اسم “قُمقم” ومصابيح المساجد الرائعة، والتي كانت تُنْتَجُ بطلبٍ أميري أو سلطاني وتُصمَّمُ لمقصدهم.

تقعُ مراكز إنتاج الزجاج المطلي بالمينا أساسًا في مصر وفي المدن السورية مثل: الرقّة وحلب ودمشق. هذه التِقْنية، التي حقَّقت درجةً أعلى من الكمال والجمال في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، أثارت إعجاب الصليبيين الموجودين في المنطقة وتجّارهم الذين أغرقوا أسواقهم الأوروبية بالزجاج المشرقيِّ ذي التِقْنية العالية. وقد كشفت الحفريات الحديثة عن زجاج سوري مطليٍّ بالمينا في السويد وجنوب روسيا.

إلى جانب الأواني والحُلَى، استُخْدِمَ الزجاج في أحجار الألعاب الفكرية، مثل: البيدق، القطعة الأكثر عددًا في لعبة الشطرنج، أقراص أو حبيبات عدسية الشكل التي تُستخدم لتكون أحجارًا للألعاب اللوحية (المنقلة، السيجة، الضامة، الحجلة، القطار…)[2]. في مجالٍ آخرَ تجاريٍّ، استُعملت أختام زجاجية حكوميَّة في الحقل التجاري، لتحديد حجم المنتج المتداول في الأسواق. هذه الأختام تلصق على وعاء لتحديد سعته أو حجمه، وأحيانا طبيعة ما يحتويه في الداخل، وفقًا لمقاييس معمول بها وصادرة عن سلطة الملك. أمَّا الكتابة العربية المنقوشة على هذه الأختام فتبدأ إجمالًا “باسم الله وسلطة الأمير الملك …”[3]

” ينفخ الصانع زجاجًا تطيرُ من خلاله كل صورة”[4]

في حقلٍ آخر، دُمِجَ الزجاج بطريقة فنية في العمارة الإسلامية مما جعله جزءًا لا يتجزّأ من التصميم المعماري، سواء في المساجد أو القصور أو الحمّامات. إلَّا أنَّ الإضاءة الطبيعية للمباني القديمة لم تُثِرْ حماس الباحثين إثارةً كبيرةً، رغم العثور على ركام من آلاف قطع زجاج النوافذ في عدِّةِ مواقع جرت فيها تنقيبات أثرية في الإسكندرية وموقع كوم الدكَّة في مصر، بالإضافة إلى عدَّة مواقع في بيروت. نَوَدُّ أن نُشير هنا إلى أن الزجاج كان في الغالب أكثرُ صفاءً. تكشف التحليلات الكيميائية رغبة صانعي الزجاج في تحقيق هذا الصفاء عبر إضافة معدن المنغنيز بنسبةٍ محدَّدة. لذا نجد أحيانا التبقيع الأرجواني أو المائل إلى الحمرة الذي يُمكن ملاحظته على بعض الأجزاء، وهو نتيجة إضافة عامل التبييض المذكور أعلاه (المنغنيز)، ولكن بنسبة أعلى من اللازم. تظهر هذه الخطوط أو التدرُّجات الأرجوانية أو الوردية المائلة إلى اللون البنفسجي أو الوردي على شظايا الزجاج من الفترة الإسلامية في بيروت، إذ تحتوي تركيبته على نسبة عالية جدًا من المنغنيز. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الزجَّاجون -وحرصًا منهم على الحصول على أنقى مادة ممكنة- اختاروا رِمالًا ذات شوائب قليلة جدًا لصناعة هذا الزجاج، وقد عُرِفَت مدينة صور في لبنان ومنطقة الخليل في فلسطين، بالرمال ذات الخصائص العالية الجودة.

في حين أن اختراق الضوء الطبيعي لقلب المباني أمرٌ جليٌّ لمصمِّم اليوم، إلا أنه كان مرتبطًا منذ قرون بمعايير مختلفة، مثل: الوظائف المنسوبة إلى الفتحة والأشكال الناتجة عنها، بالإضافة إلى إتقان إنتاج مواد مثل الزجاج. نضيف إلى ذلك أنَّ التعريف المعتمد في مصادر القرون الوسطى عن الشبابيك في الأبنية يُحدَّد بفتحات في الجدران من دون أي ذكرٍ للألواح الزجاجية. يعتمد أهل الاختصاص في دراسة كيفية استعمال الزجاج من أجل إغلاق هذه الفتحات (شباك، قمرية…) على مقارنة البيانات الأثرية، والمصادر التصويرية، والكتابات القديمة.

في الأسطح المعمارية، كان لفاعلية النور دورًا أساسيًّا في خلق تأثيرات ضوئيّة مثيرة، إذ ينعكس الضوء ويندمجُ مع الألوان، ليُضفي جمالًا ساحرًا على الداخل. هذا الانبهار أمام شفافية الزجاج عبَّر عنه الكاتب اللاتيني سينيكا قبل أكثر من نصف الألفيَّة قبل الإسلام فكتب “هناك أشياء نعلم أنه اكتُشفَت في عصرنا؛ مثل استخدام الزجاج الذي ينقل الضوء من خلال جسم شفاف“[5]. هذه المادة المنفوخة الشفَّافة التي تعكس الأنوار وتُشْرِقُ عبرها الألوان البارزة، والتي نراها ليومنا هذا في الحمَّامات العربية، ترسم نجمة أو زهرة من الأنوار في الفضاء الداخلي للمبنى. تنوَّعت التِقْنيات المستخدمة في إنتاج الألواح الزجاجية، منها ما كان مصبوبًا على أسطحٍ خشبية أو معدنية، وأخرى معروفة بإنتاج “زجاج التاج” الذي يتكوَّن عندما يَنْفُخُ صانع الزجاج المادة على شكل أسطوانة مسطَّحة، ويزيد من اتِّساعها في سرعة دورانها حول قصبة النفخ. تجدر الإشارة هنا إلى أنه عُثِرَ في الإسكندرية، في موقع كوم الدكة، على مئات القطع من الزجاج المسطَّح التي تعود إلى ألواح النوافذ الأسطوانية الصنع من الفترة الفاطمية.[6]

بدءًا من العام 1400، توقَّف تطوُّر إنتاج الزجاج الإسلامي السوري تطورًا مفاجئًا، بسبب غزوات المغول، ويفترض الباحثون أنَّ “تيمورلنك”، وهو من أعنف القادة العسكريين، الذي احتلَّ دمشق في أوائل القرن الخامس عشر قد أخذ أفضل الحرفيين السوريين إلى سمرقند. في مقلبٍ آخرَ، استفادت مدينة البندقية الإيطالية من هذا التراجع لتنطلق نحو ازدهار الصناعة، وليصبح صانعو الزجاج الإيطاليون بدورهم روادًا في فن طلاء المينا. هذا الواقع الجديد مُوثَّق في مدوَّنات أحد الرحَّالة في القرن الثامن عشر الذي يذكر أهمية مدينة صور الغابرة والتي “كانت غنية في السابق بجميع أنواع الحرفيين الشجعان، وخاصة في التعامل مع الكريستال والزجاج، مثل البندقية في مورانو اليوم”[7].

الاكتشافات والدراسات

إنَّ الدراسات المتعلِّقة بالزجاج الإسلامي في بلاد الشام تشملُ ما اكتُشِفَ في سوريا ولبنان وفلسطين. إلَّا أنَّه نظرًا إلى تعدُّد المكتشفات وتنوِّعها، يصبح من المستحيل أن نذكر هنا جميع الأعمال المتعلِّقة باللقى الأثرية الزجاجية من القرن السابع إلى الفترة المملوكية. كما تجدر الإشارة إلى أنَّ المنشورات تسلِّط أكثر اهتمامها على الزجاج الأموي والعباسي. فقد أسفرت الحفريات في الأردن وسوريا ولبنان، على الرغم من قلَّة عددها نسبيًّا، عن مواد تأتي أكثرها وفرة من بيروت، وتتعلَّق بإنتاج الزجاج في العصرين الأموي والعباسي. يبدو إذن أنَّ الأواني الزجاجية المكتشفة في معظم المواقع في الشرق الأدنى، وهي الأكثر شيوعًا في الفترة الإسلامية المبكرة، تتكوَّن أساسًا من أوانٍ زجاجية ذات جذوع يمكن استخدامها، لتكون أوعيةً أو كؤوسًا أو مصابيحَ. اللقى الزجاجية في شمال سوريا هي المعروفة بصورة رئيسة على أثر الحفريات الأثرية التي جرت في عدَّة مواقع ومدن مثل: مدينة الفار، وقلعة سمعان وقنسرين، أنها تعود إلى الفترات الأمويَّة والعبَّاسية والفاطميَّة[8]. كما تمّت دراسة وتأريخ بعض الزجاج من الحفريات التي جرت في قلعة دمشق، في البصرة وفي الأردن[9].

أمَّا الزجاج المؤرَّخ ابتداءً من الحقبة الصليبية والأيوبية وصولًا إلى الحقبة المملوكية، وعلى الرغم من كل الأحداث التاريخية والجيوسياسية التي طبعت مسار الشرق في هذه الحقبة الغنية بالمتغيِّرات، فقد اعتلى إلى مراتب الفن مع تطوُّر أساليب صناعته. تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أنَّ الزجاج الفاطمي كان توثيقه أقل من الفترات المذكورة أعلاه، إلا أن القيصرية في فلسطين قدَّمت مجموعات زجاجية متنوِّعة من تلك الفترة (أوانٍ، قوارير وأسرجة) إذ نجد بعض المنشورات تسلِّطُ الضوء على تطوُّر الأشكال الشائعة والفاخرة بالإضافة إلى تِقْنيات الصنع والتزيين.

مراكز الإنتاج (مثل: الفسطاط والإسكندرية والقليعة والفيوم في مصر بالإضافة إلى عدِّة مدن سورية فلسطينية ولبنانية).

من بين جميع المواقع في مصر، قدَّمت الفسطاط “القاهرة القديمة” التي تأسَّست في منتصف القرن السابع التوثيق الأكثر شمولًا للقطع الزجاجية التي تعود إلى الفترة الأمويَّة، كما يتَّضح عن طريق عديدٍ من المجموعات والمنشورات المتحفية الخاصة بحفريات البعثات الأمريكية واليابانية والفرنسية. هذه المنطقة أصبحت مركزًا لإنتاج الزجاج من القرن الثامن حتى أواخر الفترة الوسيطة. أقدم القطع هي عبارة عن أوزان تشبه العملات المعدنية، مختومة بأسماء الحكَّام أو المسؤولين الحكوميين، وكانت متوفِّرة بألوان متنوِّعة، من الأخضر الداكن والأخضر الفاتح والفيروزي، إلى الأبيض والأرجواني.

وقد كشفت مواقع أخرى عن مجموعة واسعة من القطع الزجاجية الإسلامية تعود إلى القرن التاسع، لا سيما في الإسكندرية، ومرسى، وفي القليعة، وفي الفيوم، وفي مصر الوسطى، وبالأخص في المنطقة القريبة من البحر الأحمر[10]. هذه الوثائق الوفيرة للغاية والمؤرخة في كثير من الأحيان كافية لوضع تصنيف للزجاج المصري الإسلامي. المزهريات ذات القواعد المسنّنة أصبحت لاحقًا سمة الإنتاج المصري في القرن العاشر، لتنتشر في القرون التالية في مناطق الحوض المتوسط، لا سيما في سوريا ولبنان في القرون الوسطى[11]. نحن لا نعرف -بطريقة محدَّدة ومؤكَّدة- مكان صُنع جميع هذه القطع، إلَّا أنَّ علم التشكل والتحليل الكيميائي يسمح بالتعرُّف على المنتجات الخاصة بمصر التي يُمكن مقارنتها في الشكل مع منتجات بلاد الشام، مع العلم أنَّ الواردات من مصر إلى بلاد الشام هي محتملة جدًا.

مراكز صناعة الزجاج في الفترة الإسلامية موثَّقة توثيقًا جيّدًا في اللقى الأثرية كما في النصوص، خاصة في بلاد الشام. هناك أدلَّةٌ تاريخية وأثرية على نشاط المعامل الحرفية في بيروت ودمشق وحلب والرقّة. ففي القرن الثاني عشر ميلادي، أشار “ابن عساكر” إلى “مسبك الزجاج” الدمشقي[12]  بالإضافة إلى وصف ابن بطوطة لدمشق مركزًا لصناعة الزجاج عندما زارها في القرن الرابع عشر ميلادي. في حلب ذكر “القزويني” سوق المرزوقين (سوق المينا). وفي الرقّة عُثِرَ على أدلَّةٍ تتعلَّقُ بإنتاج الأواني الزجاجية، بالإضافة إلى قوالب الزجاج المنفوخ التي وجدت في أكثر من موقع[13]. ثم إنَّ العدد الكبير من المكتشفات من الزجاج الأيُّوبي والمملوكي في مدينة حماة ليس إلَّا دليلًا دامغًا على الإنتاج المحلي، خاصة الزجاج المزخرف (زجاجًا منقوشًا، مُنقَّطًا ومطليَّا ومُقطَّعًا…).

أمَّا فيما يتعلَّق بمدينة صور في لبنان، ومدينة الخليل في فلسطين، فقد ورد اسمهما بوصفهما مصدرًا للرمل ذي الجودة العالية[14]. إنَّ اكتشاف مصنعٍ لإنتاج الزجاج الخام في مدينة صور، والذي يعود تاريخه إلى القرن العاشر أو الحادي عشر ميلادي، أمرٌ يؤكِّدُ على أهميَّة رمال صور وإسهام المدينة في إنتاج هذه المادة الأوَّلية. في وثائق جنيزة القاهرة المؤرَّخة بين القرن الحادي عشر والثاني عشر ميلادي، هناك رسالة موجهة من تاجر يهودي مقيم في عدن إلى زميله في التجارة في دمشق، يطلب فيها “سلَّة من الكؤوس الحمراء من بيروت وإذا تعذَّر ذلك سلَّة من الكؤوس البيضاء”)[15]. هناك وثائق تجارية أخرى تعود إلى القرن الرابع عشر ميلادي تأتي على ذكر تصدير الزجاج الخام من مدينة بيروت إلى إسبانيا. كانت كلُّ حمولة تصل إلى أكثر من ألف كيلوغرام بالشحنة الواحدة، إلى جانب منتوجات أخرى مثل: البخور والتوابل والمنسوجات (Spallanzani 1978, doc. 2, 145.).

مدينة سامراء في العراق، عاصمة الدولة العباسية بعد بغداد، اشتُهِرَت أيضًا بصناعة الزجاج الفسيفساء                     (Millefiori) الذي اختلف عن الأنواع التي صُنِّعت في العهد الروماني في الألوان الزاهية والتصاميم المميّزين. اشتهر صانعو الزجاج في السامراء، خاصة في القرن التاسع ميلادي، بإنتاج أوعية زجاجية مقطَّعة على قدر عالٍ من الجمالية والابتكار، كما القوارير الصغيرة الحجم للعطور، بالإضافة إلى الزجاج الأبيض.

لم تقتصر صناعة الزجاج على الشرق، فقد شهدت الأندلس طلبًا على الزجاج بنفس وتيرة الطلب على الفخَّار. المواقع الإنتاجية الرئيسية تركَّزت في ألميريا ومورسيا وملقا (Almeria, Murcia, Malaga)، وتميَّزت مدينة ألميريا بشهرة صناعة الزجاج في أوروبا. وُجدت كؤوسًا زجاجية منفوخة في المدن الأندلسية الثلاث، تُحاكي الأواني الشرقية، على موائد النبلاء في المدن الأوروبية في القرن العاشر، ويُقال أيضًا إنَّ “عبَّاس بن فرناس” هو من أدخل تِقْنية قطع الزجاج إلى قرطبة في القرن التاسع وقد أسهم، عبر فهم الخصائص العلمية للزجاج، في التجارب المبكرة على العدسات.

خُلاصة

يُمكن اختصار هُوية الزجاج الإسلامي بأربعة عناصر مترابطة الضوء الألوان والأشكال والزخارف المنسَّقة. لقد حافظ الزجاج الإسلامي على جاذبيته عبر العصور، مما يُبِرْهِنُ على قوَّة هذا الفن ومرونته. لقد أصبح له تاريخًا زاخرًا بالألوان والأشكال وطرائق الاستعمال، إذ انتقل من أفران لبنان وسوريا ومصر والعراق والأندلس إلى مدن العالم، مُزيَّنًا موائد الناس ومنازلهم، رمزًا للمكانة الاجتماعية ولضرورةٍ عمليّة. إنَّ إنتاج المواد العطرية والطبية التي اشْتُهِرَ بصناعتها وتركيبها الشرق العربي لعب دورًا أساسيًا في تفنُّن الحرفيّون الزجّاجيون في تشكيل القوارير الصغيرة الحجم وتزيينها عن طريق استخدام تِقْنيات مختلفة.

عن طريق تاريخ هذه الصناعة، يتجلَّى فنٌ ركائزه البحث والخيال والاكتشاف في زمن حضاري يغرف من الموروث الثقافي ويضيف إليه علمًا جديدًا وابتكارات فنيَّة متقدِّمة لتحقيق نهضة فنيَّة واسعة النطاق. ولعلَّ هذه النظرة المُنيرة للماضي تُمَثِّلُ نموذجًا لتصميمِ مستقبلٍ أكثر إشراقًا وشفافية.

________________________________________________

المصادر والمراجع:

الحريتاني محمود، “صناعة الزجاج تقليد مستمر في بلدة ارمناز”، مجلة الحوليات الأثرية السورية، ص. 113-115.

العش محمد ابو فرج 1966، “الزجاج السوري المموّه بالمينا والذهب- العصر الوسيط 1″، مجلة الحوليات الأثرية السورية، م. 16، ص. 37- 56.

العش محمد ابو فرج 1969، “الزجاج السوري المموّه بالمينا والذهب في العصر الوسيط 2″، مجلة الحوليات الأثرية السورية، م.، ص. 3- 34.

المنجّد صلاح الدين 2008، تاريخ مدينة دمشق. تصنيف الحافظ ابن عساكر، المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، الطبعة الثانية.

Bartl, Karin, 1997. ‘Einige frühislamische Glasfunde aus Madinat al-Far / Nordsyrien’, Archéologie islamique 7, 7–26.

Carboni, Stefano, 2001. Glass from Islamic Lands. The Al-Sabah Collection Kuwait National Museum. Londres.

Foy Daniele, 2005. ‘L’apport des fouilles d’Istabl’Antar (Fostat Le Caire) a l’étude du vitrage de l’époque omeyyade a l’époque fatimide’. In : De transparentes spéculations 2005, 131–137.

Henderson, Julian, 1996. ‘ Glass Production in Raqqa, Syria : New evidence for an Interim Assessment’. In : Association internationale pour l’histoire du verre (éd.), Annales du 13e Congres de l’AIHV. Pays-Bas, aout 1995. Lochem 257–268.

Nikita Elisseeff, La description de Damas d’Ibn ‘Asakir, Damascus : Institut Français de Damas, 1959, p. 102./ Ref. JGS 51, 2009, p. 58.

[1] فارس محمد كامل ، 1976، “الرنوك المملوكية في المملكة الحلبية “، مجلة عاديات حلب، جامعة حلب. معهد التراث العلمي العربي، ص.  219-257.

[2] أبو شقّال فاطمة 2016، “الألعاب في الفترة العباسية من خلال المكتشفات الأثرية لمدينة آيلة الاسلامية”، الثقافة الشعبية العدد 34 ص. 78-85.

[3] Morton, Alexander,1985 A catalogue of early islamic glass stamps in the British Museum, Londres, British Museum, Londres p. 57-58, pl. 3, n° 51-53.

[4] Lucrèce, De rerum natura, livre iV, 602-605, القرن الأوّل قبل المسيح.

[5] Sénèque, Lettres, 90.

[6] Kucharczyk, Renata, 2009. ‘Islamic Scratch-Engraved Glass from Alexandria (Kom el-Dikka)’, Journal of Glass Studies 51, 40–52.

[7] Le pèlerin véritable de la Terre Saincte, (chez P. Lionys Febvrier, avec privilège du Roi, 1622 ( non paginé)

[8] Le pèlerin véritable de la Terre Saincte, (chez P. Lionys Febvrier, avec privilège du Roi, 1622 (non paginé) ; Dussart, Odile, 2003. ‘Verres islamiques de Qal’at Sem’an. In : Association internationale pour l’histoire du verre (éd.), Annales du 15e Congres de l’AIHV. New York – Corning 2001. Nottingham, 171–179.; Foy, Daniele, 2012. ‘Le verre de Hadir’. In : Rousset, Marie- Odile (éd.), Al-Hadir. Étude archéologique d’un hameau de Qinnasrin (Syrie du Nord, VIIe–XIIIe siecles). Travaux de la Maison de l’Orient et de la Méditerranée 59. Lyon, 129–138 et pl. 16–28.

[9] Foy, Daniele, 2015. ‘ Verres islamiques de la citadelle de Damas (IXe–XIIIe s.) : un aperçu’. In : Lazar, Irena (éd.), Annales du 19e Congres de l’AIHV. Piran 2012. Koper, 429–437.; O’Hea, Margaret, 2003.‘ Some Problems in Early Islamic Glassware’. In : Association internationale pour l’histoire du verre (éd.), Annales du 15e Congres de l’AIHV. New York – Corning 2001. Nottingham, 133–137.Spallanzani, Marco 1978. Ceramiche orientali a Firenze nel Rinascimento, Florence..

[10] Bonnet Borel, Françoise et Cattin, Marie-Isabelle, 1999.‘Le verre’. In : Kasser Rodolphe (éd.), Explorations aux Qouçour el-Izeila lors des campagnes 1981, 1982, 1984,1985, 1986, 1989 et 1999. Projet international de sauvetage scientifique.; Bailey, Donald M., 1998. Excavations at El-Ashmunein, V.Pottery, Lamps and Glass of the Late Roman and Early Arab Periods. Bristish Museum.; Shindo, Yoko, 2009. ‘The Islamic Glass Excavated in Egypt :Fustat, Raya and al-Tur al-Kilani’. In: Janssens, Koen, Degryse, Patrick, Cosyns, Peter, Caen, Joost et Van’t Dack, Luc (éds.), Annales du 17e Congres de l’AIHV.Annales of the 17th Congress of the AIHV. Anvers 2006.Brussels, 308–313.

[11] Foy, 2015, p. 12 ; Carboni 2001, p. 54-55.

[12] صلاح الدين المنجد، 2008، ص. 62

[13]  Henderson, 1996 note 17.

[14] الرحّالة فلكس فابري “حرفة الزجاج في الخليل هي مهنة تنتقل بين ايدي ابناء المدينة” (Fabri, Felix The book of the wandering of brothers Felix Fabri, Palestine Pilgrims Text Society, London, 1893, p. 411)

“يتمّ استخدام تربة تصنيع الزجاج التي يجلبها البدو من مناطق الخليل …” البدو، رافق عبد الكريم، فلسطين في عهد العثمانيين، الموسوعة الفلسطينية، الدراسات التاريخية، بيروت مج. 2 1991 ص. 814.

[15]   Cf. Goitein, Shlomo Dov 1999. A Mediterranean society. The Jewish communities of the World as portrayed in the Documents of the Cairo Geniza, Volume I, Economic Foundations, University of California Press, p. 110.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete