تكوين
السؤال الذي صاغه إيمانويل كانط سنة 1784 في رسالته القصيرة الشهيرة “ما الأنوار؟” بات اليوم أشدّ إلحاحاً من أيّ وقت مضى؛ فقد عاش كانط فجرَ ثورة الطباعة والصحافة، والتي وسّعت دائرة الكلمة المكتوبة، وأتاحت للعقل أن يتنفّس في الفضاء العمومي، أما نحن فنعيش اليوم فجرَ ثورة أشدّ وطأة وأبعد أثراً في مسار الحضارة الإنسانية: ثورةَ الرقمنة الكونية، بكل ما تُفرزه من آليات مستحدَثة لتوجيه التفكير، وتشكيل الرغبات، وصياغة ما يظنّه المرء اختيارات حرّة.
تكمن أهمية رسالة كانط في أنها لم تُقدم تعريفاً أكاديمياً للأنوار، بل قدّمت تشخيصاً لقصور الإنسان الذي يُفضل دوماً أن يبحث عمّن ينوب عنه في التفكير. وهو القصور الذي يعود اليوم في حُلَّة رقميّة. ذلك أنّ قيود الوصاية هذه المرة لا تفرضها بالضرورة سلطة الكنيسة أو دولة الاستبداد، بل تفرضها أيضاً سلطةٌ أشدّ خفاءً وأكثر مراساً: سلطة الخوارزميات التي تحتكر الانتباه، فتُوجّه العقلَ من حيث لا يشعر.
فكيف نقرأ رسالة كانط على ضوء السياق الجديد، وكيف نستدعي أهم من أغنوا النقاش حولها؟ أقصد: فوكو الذي أعاد قراءتها بعد قرنين؛ وهابرماس الذي رأى أن فوكو في قراءته للرسالة، قد عاد إلى أفق الحداثة. فهل تأذن لنا المواجهة الثلاثية بين كانط، فوكو، وهابرماس، باستعادة السؤال الكانطي على ضوء تحدّيات الثورة الرقمية؟
أزعم أن الأمر كذلك، ومن هذا الرهان أنطلق الآن.
أوّلاً، كانط والأنوار:
لا يُعرِّف كانط الأنوار بوصفها حقبةً تاريخية أو منظومةً إيديولوجية، بل بوصفها حالةً وجودية تتعلّق بخروج الإنسان من القُصور العقلي، والذي لا يقصد به ضعف الملَكة العقلية، بل العجز عن توظيفها بنحو مستقل.
هنا يتبلور الشعارُ الذي صار علامةً على الحداثة بأسرها: “تجرّأ على استخدام عقلك”. والجرأةُ هنا ليست في استيعاب المعلومات وتحصيلها، بل في تحمُّل بناء الحُكم المستقلّ، وعبء مسؤولية التفكير في مواجهة إغراء الركون إلى سلطة جاهزة تُفكِّر بالنيابة.
ومن هنا تتكشّف الرابطةُ العميقة بين الحرية والفهم. وهي رابطةٌ كثيراً ما تغفلها الخطابات السائدة. فالحرية ليست مجرّد غياب للقيود الخارجية، ولا مجرّد تعدّد للخيارات المتاحة، بل هي أن يكون المرءُ سيّدَ فهمه: يُفكّر بعقله، ويختار بإرادةٍ مستنيرةٍ بالفهم ومُحصَّنة بالنقد. ولدينا شاهدان من التاريخ يوضحان هذه الحقيقة: فقد يكون المرء في الظاهر سيداً متسلطاً على غيره، وفي الباطن عبداً ذليلاً عند نفسه، مثل الطاغية نيرون الذي كان مسجوناً في دواخله بأهوائه؛ وقد يكون المرء مُكبَّل الجسد لكنه يحتفظ بالقدرة على التفكير المستقلّ والحكم الذاتي، فيبقى سيد نفسه، كما كان العبد الحكيم إبكتيتوس شاهداً على ذلك.
ثانياً، فوكو يقرأ كانط:
بعد مئتَي عام تماماً، عاد ميشيل فوكو إلى رسالة كانط في محاضرته الشهيرة التي ألقاها سنة 1983 ونُشرت سنة 1984 تحت العنوان ذاته: “ما الأنوار؟”. وهذه العودة ليست توثيقاً للتراث ولا إحياءً لذكراه، بل هي – كما هو شأن فوكو دائماً – حفرٌ في أصل السؤال، وبحثٌ عن إمكانياتٍ فلسفيّة لم تُستنفَد بعد.
ما يستأثر باهتمام فوكو في رسالة كانط أنها تُدشِّن فلسفةً لا تسأل “ما الحقيقة؟” بل تسأل “ما الحاضرُ الذي أنا جزءٌ منه؟”. وهو يُسمّي هذا الموقف “أنطولوجيا الحاضر”، أي تلك الفلسفة التي تجعل من اللحظة الراهنة وتحوّلاتها موضوعاً فكرياً جديراً بالتأمّل.
بيد أنّ فوكو يُضيف إلى كانط بُعداً كان غائباً عنه: فالأنوار ليست مشروعَ تحرُّرٍ كونيّ يتقدّم خطّياً نحو غايةٍ محدّدة ومرسومة سلفاً، بل ممارسةٌ لا تنتهي من النقد، وكشف دائم للحدود التي تفرضها علينا السلطة والمعرفة دون أن ندري. لذا فإنّ مشروع الأنوار عند فوكو لا يتجلّى في تحرير الإنسان من كلّ قيد، بل في الكشف عن القيود اللامرئية، والتي بعضها -وهنا قوة فوكو- قد يتغنى بشعارات التحرر والتحرير.
وبهذه القراءة يُحوِّل فوكو كانط من فيلسوف العقل الكونيّ إلى رائد ما يُسمّيه “النقد الجينيالوجي”: ذلك النقدُ الذي لا يتعالى على التاريخ ليُصدر أحكامه من الفوق، بل ينغمس في ألياف الحاضر ليُفكِّك ما يبدو طبيعياً لا مفرَّ منه. فالأنوار ليست نقطةَ وصول، بل فعل نقد متواصل لا يهدأ ولا ينتهي.
ثالثاً، هابرماس يسائل فوكو:
لم يترك يورغن هابرماس قراءة فوكو لكانط دون تدقيق نقدي. ففي مواضع كثيرة من كتاباته، يرى هابرماس أنّ فوكو يقع في مأزقٍ يُهدّد مشروعه من داخله.
يذهب هابرماس إلى أنّ فوكو، بتقويضه كلَّ أشكال العقلانية الكونية، باعتبارها نوعا من الضبط السلطوي، فإنه يفقد الأرضيةَ التي يُقيم عليها نقده. وليس هذا الإشكالُ مجرّد لعبة منطقية، بل يحمل ثقلاً سياسياً حقيقياً وعواقبَ عملية: إن أسقطنا كلَّ مرجعية تواصلية مشتركة، فعلى ماذا نستند للمطالبة بالعدالة، والحقوق، ومقاومة الطغيان، والتمييز بين الحرية الأصيلة والإخضاع المُقنَّع؟
في مواجهة هذه الفجوة، يقترح هابرماس مشروعَه القائم على “العقلانية التواصلية”: فالعقل ليس أداةَ هيمنة بالضرورة، بل هو في جوهره قدرة على الحوار. وحين يتكلّم الأفراد في فضاءٍ محرَّر من إكراه السلطة، يتّجه الخطابُ من تلقائه نحو التفاهم المتبادل والاتفاق الحرّ. وهذا التوجّه الداخلي للّغة نحو التوافق المعقلَن هو ما يجعل النقد ممكناً دون أن يتأكّل من داخله.
بيد أنّ اعتراض هابرماس الأشدّ حدّةً هو أنّ فوكو يُضخِّم امتدادَ شبكة السلطة إلى الحدّ الذي لا تبقى فيه ثغرةٌ لمقاومةٍ حقيقية أو تحرُّر فعلي. فإن كانت كلُّ مؤسسة وكلُّ خطاب وكلُّ ممارسة تُعيد إنتاج علاقات القوّة، فما جدوى النقد أصلاً ما لم يكن ثمّة أفقٌ للتحرّر؟ يرى هابرماس أنّ الديمقراطية التداولية وفضاءَ التواصل العامّ العقلاني هما الجوابُ الأنسب: لا العقلُ الصارم المتوهِّم الاكتمال والذي قد ينتج النزعات التسلطية، ولا التفكيكُ الشامل الذي قد يُنتج النزعات الفوضوية.
غير أنّ هذه الخلافات ينبغي ألّا تحجب عُمقَ التقاطع بين المفكّرَين: كلاهما يُحيّي ميراث كانط، ويرفض قبولَ الواقع القائم كحقيقة نهائية، ويؤمن بإمكانية النقد الحرّ وضرورته. وهذا الالتقاء في الأساس، رغم اختلاف المناهج، هو ما يُتيح لنا استدعاءهما معاً في مواجهة تحدّيات العصر الرقمي ومساءلة سلطة الخوارزميات.
رابعاً، الاغتراب الرقمي:
يُعرَّف الاغتراب في التقليد الفلسفي، منذ هيغل وماركس، بوصفه الحالةَ التي يفقد فيها الفاعلُ وعيه بمنتوجه ومسؤوليته عنه. في الرأسمالية الصناعية كان المصنع موقعَ الاغتراب: يُنتج العامل السلع لكنه لا يملكها ولا يُحدد قيمتها ومعناها. أمّا في الرأسمالية الرقمية فقد انتقل موقعُ الاغتراب إلى شيء أكثر خفاء وأشدّ مراوغة: الخوارزميات.
من أكبر مفارقات عصرنا أنّ الإنسان لم يسبق له في تاريخه كلّه أن امتلك ما يملكه اليوم من أدوات الإفصاح والتعبير والوصول إلى المعلومة؛ فهو يحمل في جيبه مكتبةً تتجاوز ما توافر لأعظم مكتبات العالم قبل قرن. ومع ذلك، يُحسّ كثيرون بعجز متزايد عن تشكيل قناعاتهم بأنفسهم، وكأنّ كثرة الأضواء ولّدت غموضا بدل الوضوح. فوفرة المعلومات لا تُفضي تلقائياً إلى حرية أكبر، تماماً كما أنّ تزاحم الأصوات في قاعة واحدة لا يُفضي تلقائياً إلى حوار عميق.
نحن نُنتج يومياً ثروةً ضخمة من البيانات: أثناء كلّ نقرة، وكلّ لحظةِ توقّفٍ أمام صورة، وكلّ بحث، وكلّ تفاعلٍ عاطفيّ مع منشور. وهذه البيانات تُغذّي خوارزميات التوصية التي تُعيد توجيه انتباهنا بدقّة مجهرية. لكنّ هذه الخوارزميات لا تخدم ملَكةَ الفهم لدينا، بل تخدم غايةً أخرى: تمديد الوقت الذي نقضيه على المنصّة. والنتيجة هي ما يصفه الباحثون بـ”فقاعة الفلترة” (Filter Bubble): عالَمٌ مُصمَّم خصّيصاً لتعزيز ما نميل إليه أصلاً، بدل أن نواجه ما يتحدّانا فكرياً أو يُزعزع يقيننا.
من منظور كانطي، هذا هو القصور العقلي في أجلى صوره وأخطر أشكاله. غير أنّ ثمّة فارقاً جوهرياً: قصور القرن الثامن عشر كان ثقيل الحضور، ظاهر المعالم؛ كانت الكنيسة تقول لك ماذا تعتقد، وكان الكتاب الرسميّ يقول لك ماذا تقرأ. أمّا القصور الرقمي فهو قصورٌ يُجامل رغباتنا، ويُصادق أوهامنا، ويُرسّخ ميولنا دون أن يُصرّح بأنه يُقيّدنا.
فالمنصّات الرقمية لا تفرض عليك هويةً بالقوّة، بل تُحيط بك بمرايا تَعكس إليك الصورةَ المُفضَّلة عن نفسك وتُكرّسها. وهذا النوع من السلطة – الذي يعمل عبر المتعة والتعزيز والتحفيز الذاتي- هو أعتى أنواع السلطة تغلغلاً وأصعبُها مقاومةً، لأنه يتخفّى في صورة الحرية ذاتها.
هكذا يُفضي الاغتراب الرقمي إلى ما يمكن تسميته “أمية الفهم”: إذ تُقدِّم لنا الخوارزمية عالماً مُعلَّباً يُعفينا من عناء المقارنة والتناقض والشكّ. والحال أنّ الفهم يحتاج إلى هذا العناء بالذات؛ فهو لا ينبثق إلّا في الاحتكاك بالمختلف، ولا ينضج إلّا في مواجهة ما يُربكنا ويتحدّى مسلماتنا.
خامساً، الاستعباد الرقمي:
إذا كان الاغتراب يمسّ الملَكة المعرفية، فإنّ الاستعباد الرقمي يمسّ الإرادة والفاعلية الأخلاقية. الكائن المستعبَد هو من تُوجَّه طاقاته لخدمة غيره لا لتحقيق غاياته. غير أن الاستعباد الرقمي اكتشف حيلةً أبلغَ مكراً من الاستعباد القديم: فبدلاً من أن يسلبك حريتك صراحةً ويُكبّل يديك، يمنحك وَهْمَها في أبهى صوره. يُطلق يديك ويُوهمك بأنك تختار حين تتصفّح وتُعلّق وتُشارك، بينما يُشكِّل فهمَك من وراء ظهرك عبر ما تراه وما لا تراه، وما يُقترح عليك وما يُحجب عنك، وما يُضخَّم لعينيك وما يُطوى عن أُذنيك. إنه استعبادٌ يتمّ بموافقتك الضمنية وإعجابك الصريح، وهذا ما يجعله أصعبَ على المقاومة من كلّ استعباد مجاهر.
من الزاوية الكانطية، هذا انتهاك صريح لما يُسمّيه كانط في “تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق” صيغة الغاية: أن يعامل المرء الإنسانية دائماً غايةً في ذاتها لا وسيلةً فحسب. غير أنّ منصّات التواصل تبني نماذجها الاقتصادية على تحويل الإنسان إلى موضوعٍ للتوقّع والتحكّم والاستثمار. لا أحد يُعلن ذلك صراحةً، لكنّ الهندسة السلوكية للمنصّات تُجسّده يومياً وتُكرّسه في كلّ تفاعل.
وهنا يُضيف فوكو بُعداً جوهرياً: الاستعباد الرقمي لا يشتغل بالحظر والقمع، بل بالإنتاج؛ ينتج رغبات، وينتج هويات، وينتج ما يُسمّيه فوكو “الذات الخاضعة “le sujet assujetti، أي الكائنَ الذي يخضع لقيوده لأنّه آمَنَ بأنها حريته. فالمستخدِم الرقمي المُدمِن يُؤكّد في كلّ لحظة أنه “يفعل ما يريد”. تماماً مثلما يحدث في الإيديولوجيات المتعصبة، حيث يعتقد المنخرط أنه يمارس أقصى درجات الحرية. وهذا بالضبط ما يجعل الاستعباد مكتملاً: حين يُصبح مطابقاً للرغبة في وعي صاحبه.
يقترح هابرماس إعادة بناء الفضاء العامّ الرقمي على مبادئ التواصل. فالديمقراطية التداولية تشترط فضاءات حوار لا تخضع لمنطق الربح والهيمنة، بل لمنطق الحجّة والدليل وتبادل الإصغاء. ومن هنا تأتي أهمية المطالبة بتنظيم الفضاء الرقمي وفق معايير تتجاوز منطق الربح السريع.
سادساً، من أنت حين تُفكّر؟
هنا يستعيد السؤال الكانطي راهنيته: من أنت حين تظنّ أنك تُفكّر؟ هل أنت من يُفكّر فعلاً، أم أنّ جهازاً غير مرئيّ يفكر نيابة عنك ويوصلك إلى ما يُريد؟ إنه السؤال الذي تتهرّب منه شاشاتنا بسيلها المتدفّق من المحتويات.
الفهم إذن هو الشرط الذي يجعل الإرادةَ إرادةً حرّة بالفعل، لا مجرّد أداة في يد من يُتقن التحكّم في الآراء والرغبات. والتربية على الفهم في جوهرها عمليةُ تحررية، وإن كانت تحريراً يبدأ بالشكّ لا باليقين الجاهز. ذلك أنّ الإنسان الذي تعلّم أن يسأل ويشكّ ويُقارن ويُؤوِّل ويُعيد النظر هو إنسانٌ يستعصي على الاستعباد مقارنة بمن تعلّم فقط أن يحفظ ويُردِّد ويطمئنّ. ليس لأنه يمتلك معلومات أكثر، بل لأنه يمتلك ما هو أعمق من المعلومات: العلاقةَ الحيّة مع فهمه الخاصّ للأمور.
سابعاً، نحو أنوار للعصر الرقمي:
ما الذي يبقى من رسالة كانط في مواجهة هذه التحدّيات؟
يبقى، أوّلاً، الشعار في بُعده الإجرائي: “تجرَّأ على استخدام عقلك أنت”. وهذه الجرأة في الزمن الرقمي تقتضي أن تسأل: من يُحدّد ما يصلني؟ ووفق أيّ معايير؟ ولخدمة أيّ مصالح؟ المواطنةُ الرقميةُ النقدية تبدأ حين يرفض المرء “أميةَ الفهم”، وحين يُدرك أنّ واجهة المنصة ليست نافذةً على الواقع، بل مرآة مُدارة بعناية فائقة لئلا يرى إلا العالم الذي يشبهه.
ويبقى، ثانياً، ما أضافه فوكو: الأنوار الرقمية ليست مشروع وصول إلى غاية، بل مسيرة تساؤلٍ دائم عن ذواتنا الرقمية. ما الذي تفعله بنا هذه البيئة؟ ما الهويات التي ترسمها لنا الخوارزميات؟ ما الأفقُ الذي أُسدل دوننا حين أُسدلت علينا فقاعة الفلترة؟
ويبقى، ثالثاً، الطرح الهابرماسي في حيويته العملية: لا حرية رقمية دون تشريعات تحمي الفضاء العامّ من هيمنة منطق الربح السريع. ومن هنا تأتي أهمية النقاشات الراهنة حول تنظيم الذكاء الاصطناعي وحكامة البيانات والشفافية الخوارزمية: إنها في جوهرها نقاشات حول الشروط الهيكلية لممارسة الأنوار في عصرنا الحالي.
والأنوارُ الرقمية الحقيقية ليست حلًّا تقنياً ولا سياسةً عامّة وحسب، بل هي قبل ذلك تحوُّل في الموقف الوجودي تجاه الأدوات الرقمية: من موقف الانغماس السلبيّ إلى موقف الاستخدام الواعي؛ من كوننا مُستخدَمين من طرف المنصّات إلى كوننا مستخدِمين لها بفهم ومسؤولية. وهذا التحوّلُ في الموقف هو المقصود بالأنوار في عالم اليوم.
تنتهي رسالة كانط بعبارة تقول: “إنّنا نعيش الآن في عصر أنوار”. وقد كان مُحقّاً في سياقه: وقتها كانت الصحافة المستقلّة تتنامى، وكانت الجامعة تشقّ طريقها نحو الاستقلالية، وكان الفضاء العامّ يتّسع. أمّا نحن، فلسنا في مأمنٍ من السؤال المُحرج: هل نعيش حقاً في عصر أنوار؟ أم أنّ أشكالاً مستحدَثة من القصور قد وُلدت في قلب ما ظننّاه تنويراً؟
ولعلّ الإجابة الأكثر صدقاً هي أنّنا نعيش في عصر أنوار منقوصة ومُهدَّدة. أنوارٌ تمتلك من الأدوات التقنية ما لم يحلم به فلاسفة الأنوار أنفسهم، لكنها تواجه من آليات الاغتراب والاستعباد ما لم يتوقعوه. والراهنية الحقيقية لرسالة كانط تكمن في الرهانِ على قدرة الإنسان على استخدام عقله وإرادته، ضدَّ قوى الحِجر والوصاية، في كل أشكالها القديمة والحديثة.
ولهذا، تكون فلسفةُ التنوير اليوم أقلَّ احتياجاً إلى مكتبات جديدة، وأشدَّ احتياجاً إلى نوع مختلفٍ من الشجاعة: شجاعة وقف تدفّق المعلومات، والإقامة في صمت الفهم، ومساءلة الذات: ماذا أعتقد فعلاً؟ وكيف وصلتُ إلى ما أعتقد؟
من هنا، فإنّ التفلسف اليوم لا يكون أميناً لمهمته ما لم يجعل من هذه المساءلة قضيتَه المركزية: مساءلةَ الظروف التي يُنتَج فيها تفكيرنا، وتُصنَع فيها رغباتنا، وتُصاغ فيها رؤيتُنا للذات والعالم.