السنة النبوية

  في هذا المقال – الدراسة :

– حجية السنة.. نسلم بها بشكل عام لكن نختلف في التفاصيل

– تفنيد وجهة نظر أهل السنة في الجذور التاريخية لإنكار السنة النبوية

– الحكمة المذكورة في القرآن ليست هي السنة.

……………………………………………………………………….

لقد استقر بين المسلمين على مر العصور وعبر تاريخ الفقه والفكر الإسلامي أن السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم.. و إذا سلم كل الأئمة والفقهاء و المفكرين بمرجعية القرآن العليا دون شك أو نقاش ، فإن السنة في حجيتها كمرجعية تالية للقرآن كانت محل إنكار و رفض من قلة  سواء في القديم أو الحديث وحتى وقتنا الراهن.. و هؤلاء الذين اتخذوا موقف الرفض الكلي للسنة قد اختلفت دوافعهم و نزعاتهم في هذا الرفض ، و غالبا ما تتأرجح مواقفهم ما بين التسرع و الانفعال و كلاهما يؤدي بطبيعة الحال إلى رأي غير مدروس و اجتهاد غير سليم.. ومنهم من حركته الدوافع الذاتية – وأحيانا المغرضة – بحيث ابتعدوا تماما عن الموضوعية العلمية والنزاهة في البحث والقصد.. و في ذات السياق كان هناك فريق آخر رفض السنة جملة واحدة لروايات تخاصم العقل و الفكر و لا يمكن القبول بها إلا في عالم الخيال.

و الحقيقة أن موقف هؤلاء الذين اتخذوا من السنة بشكل عام موقف الرفض و النكران، رغم ادعاءاتهم المتكررة أنهم بذلك يدافعون عن القرآن الذي يرونه مصدرا واحدا و وحيدا و كافيا للتشريع ، كما أنهم – حسب رؤيتهم – يدافعون عن العقل ويحفظون له مكانته.. الحقيقة أن هؤلاء لم يقرأوا القرآن بشكل جيد و لم يمنحوا العقل فرصة هادئة ليفكر ويقرر.

ببساطة لأن أولى بديهيات هذا العقل تقضي بأنه طالما أن هناك رسالة من السماء فمعنى هذا أن هناك رسول قائم بأمر تلك الرسالة، و أن هناك وحي نازل ونبي مستقبل و ناقل للناس توجيهات تلك الرسالة و أوامرها و نواهيها.. والمعقول أن الرسالة في أغلبها تنزل من السماء بخطوط عامة و عناوين عريضة ، تحتاج بطبيعتها تلك إلى من يوضح و يفسر ويبين دون أن يعارض أو يخالف جوهر الرسالة أو يناقض نصوص القرآن.. هذا هو دور الرسول المختار من قبل الله للقيام بهذا الأمر.. فهل يتخيل عقل أن يكون دور الرسول هنا مجرد تكرار آلي للتوجيهات الإلهية ؟

الطبيعي مع تبليغ الرسالة أن يكون لهذا الرسول منطقه وكلامه و توضيحه و بيانه ، و ردوده و اجتهاداته في الرد على أسئلة السائلين و التصدي لمزاعم و حجج المكذبين.

و القرآن الكريم قد نقل لنا طبيعة ذلك الدور في كثير من آياته الكريمات، نكتفي منها بقوله تعالى ” وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون” ، و قوله تعالى” وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب”.

ومع تسليمنا بحجية السنة كمصدر ثان للتشريع ، إلا أن هناك  قضايا و مباحث حول السنة تظل وحتى آخر الزمان محل بحث و مساءلة وأخذ ورد و ترجيح و ترجيح مضاد ، و أغلب الظن أن استمرار النقاش الحر في ذلك و استيعاب الاختلاف هو أولًا مما يتوافق مع جوهر الإسلام في احترام بل وتقديس حرية الفكر بلا قيد أو حدود، و ثانيا من شأن ذلك أن يخدم قضية السنة النبوية بل والدين ككل إذا ما انطلق الحوار في ذلك على قواعد مؤكدة من الموضوعية الخالصة و التفكير الهادئ و التسليم بحسن النوايا و المقاصد لدى جميع الأطراف.

و في هذا المقال سنتناول بالتفصيل مبحثين فقط من تلك المباحث ، أولها : مناقشة تصور أهل السنة والجماعة للجذور التاريخية لإنكار حجية السنة.. وثانيها: الحكمة المذكورة في القرآن و السنة النبوية.

1- الجذور التاريخية لإنكار حجية السنة :

تقريبا يمكننا تلخيص وجهة نظر أهل السنة والجماعة فيما يتصل بالجذور التاريخية لرفض السنة وعدم الاعتراف بحجيتها، في أن هذا اتجاه قديم و مبكر ظهر على يد الفرقة الإسلامية الأقدم ظهورا و هم الخوارج الذين ظهروا في زمن الصحابة ، هؤلاء هم أصحاب السبق في ذلك الرفض والإنكار.. و يفسر أهل السنة ذلك الموقف من الخوارج  على خلفية أنهم يجوِّزون على الأنبياء الكبائر، ويرون عصمة الرسول (ص) في تبليغ القرآن فقط ، و من ثم لا يلتفتون إلى السنة المخالفة في رأيهم لظاهر القرآن ولو كانت متواترة ،إذ الحجة في مذهبهم للقرآن وحده.

وفي ذلك يقول ابن تيمية في ( مجموع الفتاوى) : “الخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته ، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه مِن السنة التي تخالف – بزعمِهم – ظاهر القرآن.. وغالب أهل البدع غير الخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا”.

و في ذات السياق يرى أهل السنة أن الخوارج قد تبلور موقفهم  هذا من سنة النبي بسبب تكفيرهم لأغلب الصحابة و خاصة عثمان  وعلي ، وأصحاب الجمل، والحكمين في موقعة صفين، ومن رضى بالتحكيم، وصوب الحكمين أو أحدهما ، لذا فقد  ردوا أحاديث جمهور الصحابة بعد الفتنة، لرضاهم بالتحكيم، واتباعهم أئمة الجور على زعمهم، فلم يكونوا أهلا للثقة سواء في الدين أو في الرواية.

و بالعودة إلى المصادر الحديثية والتاريخية و كذلك المراجع التي تناولت نشأة و تاريخ الفرق في الإسلام ، فإننا لا نعثر أبدا على رواية واحدة أو حتى قصة تفيد أن فرقة واحدة من تلك الفرق سواء خوارج أو شيعة أو معتزلة ، قد أنكرت حجية السنة كمصدر ثان للتشريع في الإسلام.. لم يحدث هذا مطلقا على طول التاريخ الإسلامي ولا في أي  عصر من عصوره.

وبالنسبة للخوارج على وجه التحديد ، كيف يمكن لأحد أيا كان أن يزعم رفضهم ونكرانهم للسنة على الإجمال؟ في حين أنه لا توجد لتلك الفرقة المثيرة للجدل أي تصانيف أو مؤلفات مكتوبة بأيدي  مشايخهم ومنظريهم ، مثبت فيها أسسهم ومبادئهم وأفكارهم ومواقفهم من القضايا و الموضوعات! و لا يخفى على اللبيب أن غياب أو انعدام مؤلفات الخوارج  يرجع إلى طبيعتهم الثورية و القتالية ، فغالب حياتهم انقضى ما بين معارك و ثورات ، وهذا وحده كاف لتفسير غياب الكتب والمؤلفات.

قولا واحدا لم يترك لنا الخوارج تراثا مكتوبا لنحاكمهم عليه بشكل قطعي في مسألة كبيرة وحساسة كهذه المسألة – مسألة إنكار حجية السنة – ، وابن تيمية نفسه يقول :” وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم، لم نقف لهم على كتاب مصنف، كما وقفنا على كتب المعتزلة، والرافضة، والزيدية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة والصوفية ونحو هؤلاء”.

و ما ينطبق على الخوارج ينطبق بصورة أو بأخرى على الشيعة والمعتزلة فيما يتصل بإنكار حجية السنة النبوية.. فالسنة النبوية عند الشيعة – كما عند أهل السنة – هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي. تأتي بعد القرآن، وهي امتداد وتفسير له، ولها قوة تشريعية ملزمة.

هذا من حيث المبدأ، أما من حيث التفاصيل فهناك اختلافات كثيرة وحادة .. فإذا كانت السنة النبوية عند أهل السنة هي كل ما صدر عن النبي (ص) من  قول أو فعل أو تقرير، فإنها تتوسع عند الشيعة لتشمل أيضا قول الإمام المعصوم أو فعله أو تقريره.. إن مبدأ عصمة الأئمة عند الشيعة تنتهي بهم إلى اعتبار سنة هؤلاء الأئمة مساوية لسنة الرسول بلا فرق أو تمييز.

و ربما كان الفارق الحاد في التعامل مع السنة النبوية بين الفرقتين الكبيرتين في الإسلام، يتركز في أن الشيعة لهم نظرة مغايرة تماما لمبدأ عدالة الصحابة المسلم به عند أهل السنة.. ولا شك أن الأحداث  التي تلت وفاة النبي الكريم (ص) ، ومن بعدها السياسة و الحروب التي دارت في أثناء ما عرف بالفتنة الكبرى ، مع مغالاة شيعية واضحة في النظر لعلي بن أبي طالب و كل آل البيت من بعده ، لا تقل عن المغالاة التي يتهمون بها خصومهم السنة في نظرتهم التقليدية للصحابة، كل هذه الأمور مجتمعة كان لها دور في تشكيل تلك النظرة الشيعية للصحابة.

و الشاهد أن الشيعة لا ينقلون السنة عن كل الصحابة ، بل يقتصرون على المعتبرين عندهم و هم عدد قليل مقارنة بما هو معتبر عند أهل السنة.

في كتابه ( أصل الشيعة وأصولها) يقول المرجع الشيعي محمد حسين آل كاشف الغطاء “إن الشيعة لا يعتبرون من السنة إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت عليهم السلام عن جدهم صلى الله عليه و آله، يعني: ما رواه الصادق، عن أبيه الباقر، عن أبيه زين العابدين، عن الحسين السبط، عن أبيه أمير المؤمنين، عن رسول الله سلام لله عليهم جميعا.. أما ما يرويه مثل أبي هريرة، وسمرة بن جندب ، و مروان بن الحكم، وعمران بن حطان الخارجي، وعمرو بن العاص، ونظائرهم، فليس لهم عند الإمامية مقدار بعوضة”.

و إذا انتقلنا إلى موقف المعتزلة ، فإننا نجد أنهم لا ينكرون السنة ، غير أنهم و لنظرتهم المقدسة للعقل لا يؤمنون إلا بما يتفق مع عقولهم وأصولهم الخمسة .. فهذا هو القاضي عبدالجبار المعتزلي يعدد الأدلة الشرعية  قائلا: “أولها: العقل ، لأن به يميز بين الحسن والقبح، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع”.  وبناء على ذلك أنزلوا العقل في منزلة الحاكم على المنقول من السنة ، و قادهم ذلك إلى رد كثير من الأحاديث ، لدرجة أن اتهمهم خصومهم بأنهم يهدمون المصدر الثاني للتشريع الإسلامي..

 

وفي تصوير الخلاف الحاد و التباين الكبير بين المعتزلة و المحدثين ، يقول الدكتور مصطفى السباعي في كتابه ( السنة ومكانتها في التشريع) : “وقد كان لموقف المعتزلة من السنة هذا الموقف المتطرف المباين لعقيدة جمهور المسلمين أثر كبير في الجفاء بين علماء السنة ورؤوس المعتزلة، تراشق على أثره الفريقان التهم، فالمعتزلة يرمون المحدثين بروايتهم الأكاذيب والأباطيل، وبأنهم زوامل للأخبار لا يفهمون ما يروون. ويذكرون لهم من الطرائف في ذلك ما صح بعضها عن عوام أهل الحديث لا عن رؤسائهم ، بينما يتهم المحدثون أئمة الاعتزال بالفسق والفجور والابتداع في الدين والقول بآراء ما نزل الله بها من سلطان”.

 

بعد هذا الاستعراض ن ينبغي التنبه إلى نقطة  في غاية الأهمية، وهي أن هناك فارق شاسع بين موقف فرقة ما في التوقف أو الرد لبعض الروايات أو الأحاديث لاجتهادات و أسباب تبدو مقنعة لأصحابها وتطمئن إليها عقولهم و قلوبهم ، وبين رد الأحاديث و إنكارها بالكلية و رفض السنة و حجيتها كمصدر من مصادر التشريع.. المسافة هائلة بين الموقفين.

و لو أننا لم ننتبه لهذا الفارق و ساوينا بين الموقفين – و هو للأسف خطأ شائع يقع فيه كثير ممن يدعون الدفاع عن السنة –  بحيث يكون كل من يتوقف أمام رواية حديثية أو لا يقبل بعضا من تلك الروايات لأسباب يراها مقنعة ، يكون منكرا للسنة ، مع ما يترتب على ذلك من حكم شرعي ، لنال هذا الحكم كثيرا من المسلمين و لوقع تحت طائلته كثير من المحدثين و الأئمة والعلماء و المفكرين و الباحثين عن الحق والحقيقة منذ وفاة النبي الكريم وإلى أن يأتي يوم القيامة.

 

2- الحكمة ليست هي السنة النبوية:

هذا الجزء من المقال – الدراسة مخصص لهدف واحد وهو الرد على سؤال واحد نراه مهما وضروريا ومشروعا: هل كلمة          ( الحكمة) المذكورة في كثير من آيات القرآن الكريم هي السنة النبوية أم لا ؟ وبالطبع المقصود هنا بالتحديد الآيات الخاصة والمتصلة بسيدنا محمد (ص) مثل ” ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة” و ” واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ” ، و ” هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين” …. إلخ .

رأي الأغلبية أو الجمهور هو أن الحكمة هي السنة . ويعتبر رائد السبق في ذلك هو الإمام الشافعي الذي كان أول من نقل و قطع بأن الحكمة هي السنة ، وأثبت ذلك في كتابه ( الرسالة)، وهو أول كتاب صنف في علم أصول الفقه، قائلا:

” ذكر الله الكتاب ، وهو القرآن ، وذكر الحكمة، فسمعتُ من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول : الحكمة : سنة رسول الله ، وهذا يشبه ما قال ، والله أعلم ، لأن القرآن ذكر واتبعته الحكمة ، وذكر الله مَنّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة ، فلم يجز – والله أعلم – أن يقال الحكمة ههنا إلا سنة رسول الله ، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله ، وأن الله افترض طاعة رسوله وحتم على الناس إتباع أمره ، فلا يجوز أن يقال لقول فرض إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله ، لما وصفنا من أن الله جعل الإيمان برسوله مقروناً بالإيمان به ، وسنة رسول الله مبينة عن الله معنى ما أراد : دليلاً على خاصه وعامه، ثم قرن الحكمة بها بكتابه فأتبعها إياه ،ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله ”

 

و في ذات السياق قال الطبري في تفسيره: ” ويعلمهم الكتاب والحكمة ” يعني : ويعلمهم كتاب الله الذي أنزل عليه ، ويبين لهم تأويله و معانيه ” الحكمة ” ويعني بالحكمة : السنة التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبيانه لهم “.

وفي تفسير القرطبي  للآية 129 من سورة البقرة نجد متسعا في تفسيرات ( الحكمة) مما يجعلها تحمل معان متعددة، حيث  يقول : “قوله تعالى” ويعلمهم الكتاب والحكمة” : الحكمة المعرفة بالدين ، والفقه في التأويل ، والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى ، قاله مالك ، ورواه عنه ابن وهب ، وقاله ابن زيد . وقال قتادة : الحكمة السنة وبيان الشرائع . وقيل : الحكم والقضاء خاصة “.

و في سياق تفسيره نفس الآية من سورة البقرة يورد شهاب الدين الألوسي في تفسيره المسمى ( روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) أكثر من معنى محتمل لكلمة الحكمة فيقول : “و الحكمة أي وضع الأشياء مواضعها، أو ما يزيل من القلوب وهج حب الدنيا، أو الفقه في الدين، أو السنة المبينة- للكتاب- أو- الكتاب- نفسه، وكرر للتأكيد اعتناء بشأنه، وقد يقال: المراد بها حقائق الكتاب ودقائقه وسائر ما أودع فيه، ويكون- تعليم الكتاب- عبارة عن تفهيم ألفاظه، وبيان كيفية أدائه، وتعليم الحكمة الإيقاف على ما أودع فيه، وفسرها بعضهم بما تكمل به النفوس من المعارف والأحكام فتشمل الحكمة النظرية والعملية”.

ومع تقديري لكل الآراء التي ذهبت إلى أن (الحكمة)  هي السنة النبوية ، ومع علمي بأن هناك ما يشبه الإجماع في المسألة .إلا أنني – كإنسان عادي ومسلم مهتم ومعني بالبحث في أمور دينه – لم أجد عندي أي قناعة داخلية بهذا الذي ذهبوا إليه وأجمعوا عليه.

بل العكس عندي هو الصحيح ، إذ أن (الحكمة ) المذكورة في القرآن بما فيها تلك المتصلة مباشرة بشخص النبي (ص) أو بالكتاب الذي أنزل عليه ، ليست هي السنة ..ودليلي واعتمادي في المسألة هو القراءة الكلية لآيات القرآن الكريم ومحاولة الربط بينها وتفسير القرآن بالقرآن، وكذلك رأيان استندت إليهما في تفسير معنى (الحكمة ) أحدهما لإمامي المفضل صاحب العقل النابه والفكر المستنير الأستاذ الإمام محمد عبده ، وأما الآخر فلأحد العلماء المفكرين وهو الشيخ محمد الغزالي.

و أظن أن كثيرا ممن يدعون العلم بكل شيء ، يجهلون تماما ما قاله الرجلان في تلك القضية المهمة.

هيا بنا نعيد القراءة و نتدبر الآيات ، و نطالع الآراء والاجتهادات ، و قبل هذا وبعده نحكم العقل في المسألة للخروج برأي ترجحه عقولنا وتراه صوابا يحتمل الخطأ ، و ما يقابله خطأ يحتمل الصواب.

بداية فالقراءة المتأنية والمدققة لآيات القرآن الكريم ، تكشف لنا بما لا يحتمل اللبس أن الحكمة ليست هي السنة ..  فها هو رب العزة يقول  ” أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما” ، وفي تعداد نعمه الكبيرة و الكثيرة على نبيه عيسى قد ذكر منها ( وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) ومثلها مع تغيير طفيف ” ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل” ، وكذلك “ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة” ، وليس عيسى فحسب بل جميع الأنبياء “وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب وحكمة”.. و حتى لقمان الذي لم يكن نبيا ” ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ” ، بل تدلنا الآيات إلى ما هو أبعد من ذلك ، وهو إمكانية أن يمتن الله  بالحكمة على أي إنسان : “يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا”.

وهذا كله يقطع في مجمله استحالة أن تكون الحكمة هي السنة. ومن هنا يتعين أن نحرر ونوجد تفاسير أخرى للكلمة بعيدا عن تفسيرها أو تأويلها بالسنة.

فمثلا – وبما أنها ارتبطت بالأنبياء – لما لا تكون الحكمة هي أفكار ومعاني توحى إلى الأنبياء دون تفرقة ، تمثل في جوهرها مقاصد دعواتهم ، والكيفية التي ينقلون بها مبادئ وتعاليم السماء مثل ” ادع إلى سبيل ربك بالحكمة” ، وأيضا هي بعض آيات من الكتاب المنزل تشتمل آيات النهى عن ما لا يليق من الأعمال ، ولعل أكبر دليل على ذلك آيات سورة الإسراء :” ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا . كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ” فبعد أن عدد الله سبحانه وتعالى لنبيه ما لا يليق به من أفعال وسلوكيات ، تبعها مباشرة بقوله ” ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة “.

 

وبالنسبة لعموم الناس لما لا تكون الحكمة هي الرشاد في التصرف، بعد التفكر في عواقب الأمور ؟!لما لا تكون هي التزام الشخص بإحكام الفكر والقول والعمل؟!

ولما لا تكون تحكيم العقل بما لديه من ملكات إبداعية وقدرات غير عاديه على التدبر والتأمل و التذكر والتمييز والحساب والتخيل والابتكار، كل هذا من أجل النفاذ إلى ما وراء الظواهر وقراءة ما بين السطور للتوصل إلى مراد الله في آياته وأحكامه وسننه الكونية والإلهية.

ولنا أيضا، أن نسأل ما هو حال المسلمين الذين فارقوا الدنيا قبل ظهور الإمام الشافعي ، الذي ولد سنة 150 هجرية ، دون أن يعرفوا بأن الحكمة التي كان يقرؤونها في القرآن هي السنة الشريفة وأنها المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله الكريم ؟!

وإذا كانت الحكمة المذكورة في القرآن وبالتحديد في قوله ” ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة” هي السنة النبوية، فلماذا لم يبلغها النبي (ص) بنفسه لعموم المسلمين بحيث كان يستحيل أن يظهر لنا ما عرف بأحاديث الآحاد؟

ولماذا لم يأمر بجمعها وكتابتها بشكل واضح وحاسم إلى جانب كتاب الله باعتبارها وحي منصوص عليه في آياته الكريمات ؟

وإذا كانت الحكمة وحي آخر مع القرآن  – وليست جزءا منه كما هو واضح وضوح الشمس في آيات سورة الإسراء التي أشرنا إليها- فلماذا تخبرنا آية سورة الفرقان أن النبي سيشكو إلى الله يوم القيامة هجران قومه للقرآن والتفاتهم عنه وانشغالهم بنصوص وأشياء أخرى ” وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا” ، ولو كانت الحكمة وحيا آخر ، لكان الصواب أن يضيف الحكمة التي هي وحي آخر، إلى القرآن باعتبارها هي الأخرى مما تمت هجرته ومخاصمته ومجافاته ؟!

وبعد كل هذه التساؤلات الحائرة ، يتبقى  أن ننقل رأي الأستاذ الإمام محمد عبده في تلك القضية الشائكة ، والذي نقله عنه تلميذه السيد محمد رشيد رضا في تفسير ( المنار) و هو يطوف حول آية سورة البقرة ” ويعلمهم الكتاب والحكمة”.. يقول رشيد رضا :

” قال الأستاذ الإمام: فسروا الكتاب بالقرآن، والحكمة بالسنة، والثاني غير مسلم على عمومه “.

ثم يواصل بعد ذلك كلامه عن الحكمة:

“وأما الحكمة فهي في كل شيء معرفة سره وفائدته ، والمراد بها أسرار الأحكام الدينية والشرائع ومقاصدها ، وقد بين النبي – صلى الله عليه وسلم – ذلك بسيرته في المسلمين ، وما فيها من الفقه في الدين ، فإن أرادوا من السنة هذا المعنى في تفسير الحكمة فهو مسلم ، وهو الذي كان يفهم من اسمها في الصدر الأول ، وإن أرادوا بالسنة ما يفسرها به أهل الأصول والمحدثون ، فلا تصح على إطلاقها ، فالحكمة مأخوذة من الحَكَمَة – بالتحريك – وهي ما أحاط بحنكي الفرس من اللجام وفيها العذاران ، وفي ذلك معنى ما يضبط به الشيء ، ومن ذلك إحكام الأمر وإتقانه ، وما كل من يروي الأحاديث يحقق له هذا المعنى ، ولكن الذي يتفقه في الدين ويفهم أسراره ومقاصده يصح أن يقال : إنه قد أوتي الحكمة التي قال الله فيها (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) ” .

واضح من كلام الأستاذ الإمام إنه لا يتفق مع تفسير الحكمة بالسنة ، وكلامة لا يحتاج إلى بيان أو تعليق .

وعلى نفس الخطى يسير الشيخ محمد الغزالي ، والذي سجل رأيه في المسألة في كتابه ( علل وأدوية) قائلا:

” وقد كانت الحكمة القرآنية هي التي تولت صياغة المسلمين على النحو الذي بلغوه، وأعني بالحكمة الموازين النفسية والفكرية التي ضبطت الفرد والجماعة ”

ثم يستشهد الغزالي بآية الإسراء ” ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا

ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا. كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها . ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ” ويعلق عليها : ” هذه الحكمة التي ألهمها صاحب الرسالة هي التي جعلت أتباعه ربانيين يدخلون البلاد لحساب السماء لا جريا وراء الحطام ، ويحيون لله لا لطبائع الأثرة والاستعلاء ”

ثم يقطع الغزالي مرة واحدة بأن تلك الحكمة المذكورة في الآيات ليست هي السنة فيقول بالنص  :

” ومن فقهائنا من يرى الحكمة هي السنة الشريفة، وربما استأنس لذلك باقترانها بالكتاب عادة، ونحن نعرف أن السنة نصف الدين ومجلى العظمة المحمدية بيد أننا لا نفسر الحكمة بها ونرى الأليق بالكلمة ما ذكرنا “.

لكل ما سبق وبعد طول تفكير ، أميل إلى ترجيح أن الحكمة المذكورة في القرآن ليست هي السنة ، ولو أن  الحكمة هي              ( السنة)، فلماذا يقع التجاهل للمسمى الذي تنزل من عند الله؟ ولماذا لم تتوارث المذاهب المختلفة هذا المصطلح القرآني (الحكمة) بدلا من مصطلح (السنة) ؟ هل يحق لنا مثلا أن نطلق على ديننا أي اسم آخر مهما كان جميلا وجذابا ليحل محل الاسم الأصلي الذي ارتضاه الله لنا وهو الإسلام ؟

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete