تكوين
على الرغم من أن مؤسسي الديانات الكبرى التي تسود العالم اليوم قد تركوا لنا كل ما يجب أن نعرفه عن تعاليمهم، إلا أن سيرة حياة هؤلاء بقيت غائبة خلف غلالات كثيفة من عدم اليقين، وذلك لافتقارنا إلى الوثائق الخارجية الموضوعية المعاصرة لهم أو القريبة إلى زمنهم، فنحن لا نعرف شيئاً عن أسرة زرادشت ولا عن موطنها في إيران، ولا عن حياته قبل البعثة وبعدها، وتاريخ ميلاده شبه مجهول فبعض الدارسين يضعه في القرن العاشر قبل الميلاد وآخرون في القرن السادس، كما أننا لا نعرف عن لاوتسو مؤسس التيار الرئيسي في الحكمة الصينية وما نجم عنها من دين تاوي، سوى أنه عاش في زمن ما بين أواسط القرن السادس قبل الميلاد وأواسط القرن الخامس، وأنه كان قيماً على أرشيف القصر الملكي في مملكة تشو قبل توحيد الممالك الصينية، وعندما سادت الاضطرابات في الدولة ترك عمله واختفى ولم يسمع عنه بعد ذلك أحد. ولذلك يقول عنه أحد المؤرخين الصينيين بأنه “أحب أن يبقي نفسه مجهولاً“، والحقيقة هي أن المؤرخين لم يكونوا يعرفون عنه شيئاً، وما نعرفه عن سدهارنا غوتاما الملقب بالبوذا هو أنه ولد في بيت ملكي هندي أواسط القرن السادس قبل الميلاد، وكان منذ صغره كثير التأمل والتفكير غير قانع بما تقدمه الهندوسية الكلاسيكية من أجوبة على تساؤلاته، حتى جاءته الاستنارة بعد سنوات من الزهد والتفكر واهتدى إلى السبيل الحق، وفيما عدا ذلك لا شيء في سيرته سوى الحكايا ذات الطابع الأسطوري.
هذا الغموض ينسحب أيضاً على مؤسسي ما يدعى بالأديان الإبراهيمية، فحياة موسى قبل أن يكلمه ربه ويأمره بالذهاب لتحرير بني إسرائيل من العبودية في مصر شبه مجهولة، ففي الرواية الأصلية عن ميلاده هو مجهول الأب والأم، والإصحاح الثاني من سفر الخروج يقول: “وذهب رجل من بيت لاوي وأخذ بنت لاوي، فحبلت وولدت ابناً” (الخروج 2: 1-2). ولما خافت أمه على حياته لأن الفرعون أمر بقتل المواليد الجدد للعبرانيين، وضعته في سفط وألقته في ماء النهر، فانتشلته ابنة الفرعون وتبنته وتربى في القصر الملكي حتى سن الرجولة عندما قتل المصري وهرب إلى مديان، وبين هذين الحدثين ما من خبر عن موسى في سفر الخروج، أي نحو ثلاثين سنة يغلفها الغموض من حياته.
وما نعرفه عن يسوع المسيح في الأناجيل القانونية الأربعة، لا يتعدى أحداث الفترة التي بشر بها وهي سنة واحدة لدى مرقس ومتى ولوقا، وسنتين لدى يوحنا، أمّا عن ميلاده فلدينا قصتان لدى متى ولوقا مختلفتان في معظم عناصرهما إلى حد لا يمكن التوفيق بينهما، بينما صمت الإنجيلان الآخران عن هذه القصة، ويسوع يظهر دون مقدمات في مشهد العماد بماء الأردن على يد يوحنا المعمدان وهو في سن الثلاثين. وهذا يعني أن ثلاثين سنة من حياة يسوع غائبة تماماً كما في حال موسى.
ومما يزيد الأمر غموضاً في حياة موسى ويسوع، هو أن ما نعرفه عنهما جاء من العهد القديم والعهد الجديد، وهما المرجعين الوحيدين لأخبار هذين المؤسسين، وما من مصادر خارجية تتقاطع معهما. فنحن حتى الآن لم نجد في الوثائق المصرية أي خبر عن يوسف بن يعقوب الذي رحل إلى مصر حيث صار وزيراً للفرعون ثم جاء ببقية إخوته الاثني عشر مع عائلاتهم وأسكنهم هناك، ولا عن استعباد المصريين لنسل هؤلاء الذين تكاثروا حتى ملأوا الأرض مدة أربعين سنة، وما من خبر عن رجل عبراني يدعى موسى حررهم وخرج بهم في هجرة بلغ تعدادها ستمئة ألف من الرجال، وهو حدث جلل ما كان للسجلات المصرية أن تغفله لو أنه حصل. كما لا يتوفر لدينا وثائق من سورية تؤكد وصول هؤلاء إليها، والاكتشافات الأثرية في منطقة الهضاب الفلسطينية التي استقر بها معظم هؤلاء لا تؤيد هذه الأخبار، وفيما يتعلق بيسوع المسيح لا يوجد لدينا خبر في السجلات الرومانية عن شخص اسمه يسوع حوكم بتهمة ادعاء الملوكية ومقاومة روما في عهد الوالي بيلاطس. وما من خبر آخر خارج تلك السجلات سوى ما أورده المؤرخ اليهودي يوسيفوس الذي تعاون مع الرومان وكتب مؤلفاته عن تاريخ اليهود في روما. ولكن خبر يوسيفوس المقتضب يشكك به معظم الباحثين ويعتبرونه مداخلة مسيحية لاحقة لأن النسخ الأصلية لمؤلفات هذا المؤرخ ضاعت ولا يوجد لدينا سوى نسخ لاحقة عنها. أي أن قصة يسوع في العهد الجديد تقف دون سند خارجي يُعتمد عليه، وهذا لا يعني بحال أنني أشكك بالوجود التاريخي ليسوع، بل في أن الأمور جرت تماماً كما ورد في العهد الجديد.
وعلى الرغم من أن المسلمين يعتقدون، ويباهون، بأن سيرة نبيهم في منجاة من مثل هذا النقد، إلا أن هذا ليس إلا أماني، (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (سورة البقرة: الآية 78). فعلى الرغم من أن وثائق أرمنية وبيزنطية وسريانية تحدثت عن ظهور نبي في بلاد العرب وأن بعضها دعاه بالاسم محمد، إلا أنه لم يتوفر لدينا حتى الآن من بلاد العرب نقش على حجر أو خط على بردية أو جلد يذكر نبي الإسلام ويرجع بتاريخه إلى عصر النبي أو ما بعده وصولاً إلى أواسط العصر الأموي ونقوش قبة الصخرة. وهذا أمر غير مفهوم لأن ثقافة الجزيرة العربية كانت ثقافة كتابية على عكس ما يوحي إلينا مصطلح “الجاهلية” الذي وسم به المسلمين ثقافة العرب قبل الإسلام. فقد كتب العرب بكل الخطوط المعروفة في زمنهم قبل أن يعتمدوا خطاً خاصاً بهم، وتركوا لنا نقوشاً بالخط الآرامي والنبطي والتدمري، والمسند اليمني الذي وجدت منه الآلاف في جميع أنحاء بلاد العرب والشام.
هذا عن المصادر الخارجية، أما عن المصادر الإسلامية وعلى رأسها الحديث النبوي والسيرة النبوية، فإن الثقافة الإسلامية بقيت بدون حديث مدون وسيرة مدونة طيلة العصر الراشدي والعصر الأموي، ولم تظهر هذه المدونات إلا مع بداية القرن الثاني، ولم تأخذ صيغتها الناضجة إلا مع أواخر القرن الثاني ومطلع القرن الثالث، أي أن ما جاءت به من أخبار يفصلها عن عصر الرسول قرابة القرنين، وبالتالي اعتمادها كوثيقة، لأن علم التاريخ يصنف الأخبار المدونة عن الحدث المدروس قوةً أو ضعفاً وفق قُربها من ذلك الحدث، فإذا زادت عن نصف قرن ينظر إليها بعين الشك وإذا تجاوزت القرن يسقطها من حسابه. في هذه الحالة لا يبقى لنا سوى القرآن الكريم الذي ثبت نصه في عصر الخليفة عثمان بن عفان المتوفي عام 35 للهجرة.
فماذا كتب القرآن عن محمد بن عبد الله؟
ورد الاسم محمد أربع مرات في السور المدنية ولم يرد في السور المكية:
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ… ) (سورة آل عمران: الآية 144)
(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (سورة الأحزاب: الآية 40)
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) (سورة محمد: الآية 2)
( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (سورة الفتح: الآية 29)
والكلمة “محمد” تعني الشخص الكثير الحمد أو المحمود من قبل الآخرين، ولذلك رجح بعض الباحثين أنها لقب لا اسم علم، أُطلق على النبي في المدينة، ولا بد من التنويه هنا إلى أن الخطاب القرآني لم يتوجه أبداً إلى النبي بهذا الاسم، أو اللقب، وإنما دوماً بيا أيها النبي أو يا أيها الرسول.
ولكن ما ورد في القرآن عن محمد لا يكفي لأن يكون أساساً لسيرة حياة، فنحن لا نعرف عن تاريخ ومكان ميلاده أو إن اسم أبيه كان عبد الله، وما من إشارة إلى روابطه العائلية: أمه، زوجته خديجة، نسله، عمه أبو طالب، جده عبد المطلب، وكذلك الأسماء التي تقاطعت مع سيرته، أبو جهل، أبو لهب، أبو سفيان، علي، والصحابة. ومع غياب الأسماء وهو أمر مفهوم، تغيب الأحداث وهو أمر غير مفهوم. فأهم أحداث العصر المكي الواردة في السيرة لا أثر لها في القرآن: الوحي الأول في غار حراء واقرأ باسم ربك الذي خلق، الدعوة السرية مدة ثلاث سنوات، الدعوة العلنية، اضطهاد المسلمين، مقاطعة قريش لمحمد وأصحابه، الهجرة إلى الحبشة، … إلى السماء، خروج النبي إلى الطائف للدعوة، عرض النبي نفسه ومذهبه على القبائل في موسم الحج، بيعة العقبة الأولى والثانية، والأهم من ذلك كله هو الهجرة، إذ لا يوجد لدينا في القرآن نص صريح عن هجرة محمد والمؤمنين معه من مكة إلى المدينة، والفعل هاجر وتصريفاته أينما ورد يدل على هجرة معنوية لا مكانية، فهو الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، وهذا يأخذنا غلى مكان آخر في تقصينا للسيرة القرآنية.
فمع افتقاد هذه السيرة إلى الإطار الزمني للأحداث، فإنها تفتقد أيضاً إلى الإطار الجغرافي، فأسماء المواقع غائبة تقريباُ عن مجريات الأحداث، ويثرب لم تذكر سوى مرة واحدة وبصورة عرضية لا نستدل منها على كونها عاصمة دولة الرسول، ولم يرد ذكر الطائف أو أي مكان حضري آخر معروف لنا في الحجاز أو المدى العربي الأوسع، وعلى الرغم من ورود الاسم “بكة” في قصص إبراهيم والذي يقول المفسرون أنه مكة الحجازية، إلا أن الاسم مكة لم يرد في السيرة القرآنية كدلالة على قرية أو مدينة ولد فيها الرسول وعاش القسم الأول من حياته التبشيرية. أما التعبير “بطن مكة” فيدل باتفاق كلا المفسرين والمؤرخين على الحديبية حيث تم عقد الصلح بين محمد وقريش (سورة الفتح: الآية 24). ومع غياب مكة عن الحدث تغيب معها الهجرة منها إلى يثرب. ولكن ألم يفتح محمد مكة بعد ذلك على ما تفصل فيه السيرة النبوية؟ إن جواب القرآن على هذا السؤال غامض جداً، على ما سنبنيه بعد قليل في تقصينا لأحداث العصر المديني.
على عكس الاعتقاد الشائع، فإن العصر المديني في القرآن لا يبدو لنا أكثر وضوحاً من العصر المكي، لا سميا فيما يتعلق بالمغازي أو حروب الرسول. فعن غزوة بدر لدينا خبر غامض في )سورة آل عمران: الآية 123( وجد فيه المفسرون إشارة إلى معركة حصلت بين محمد وقريش في أواخر العام الثاني للهجرة بموقع يدعى بدر: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (سورة آل عمران: الآية 123). ولكن إذا كان لدينا هنا خبر عن معركة فإن وصف “أَذِلَّةٌ” لا ينطبق على المسلمين، لأنهم لم يكونوا “أَذِلَّةٌ” في يثرب بل في مكة. كما أن النص لا يدل بوضوح على وقوع معركة، لأن فعل “نصر” أينما ورد في القرآن لا يعني في معظم الحالات نصراً عسكرياً بل الدعم والتأييد والمدد الإلهي، كما هو الحال في خبر الإثنين في الغار: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا…) (سورة التوبة: الآية 40). فنحن هنا لسنا في أرض المعركة وإنما في غار اختبأ فيه الرسول مع مرافقه لتضليل مرافقيه، فأيده ربه وأنجاه من هذه المحنة. وقد عبرت الآية عن هذا التأييد بجنود غير مرئية، أي بعون تظهر آثاره ويخفي فاعله.
وعن غزوة أُحُد وغزوة الخندق لن تجد في القرآن خبراً واضحاً ولا حتى إشارة بعيدة، ولذلك راح المفسرون يبحثون في ثنايا النص علهم يجدون شيئاً، واتفقوا على أن الآية 144 من سورة آل عمران هي الدليل على غزوة أحد: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا… ). أما الآية 9 من سورة الأحزاب فهي الدليل على غزوة الخندق: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا). وفي الحقيقة، فإننا إذا نحينا السيرة جانباً، فإننا لن نجد في الآية الأولى إشارة إلى المعركة، ولن نجد في الثانية إشارة إلى معركة بعينها.
أما عن فتح مكة وهو الحدث الأبرز والأهم في العصر المديني، فمن العجب العجاب ألا نجد فيه شيئاً في القرآن إلا ما نسبه المفسرون لمطلع سورة الفتح: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) (سورة الفتح: الآيتان 1-2). وأيضاً لما ورد في سورة النصر: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (سورة النصر: الآيات 1-2-3). ونحن إذا تتبعنا فعل “فتح” وتصريفاته في الذكر الحكيم، لوجدنا أن الفتح لا يعني الاستيلاء العسكري على مدينة بل هو الهدى والإرشاد والدعم، أمّا النصر فلا يعني هنا سوى فلاح الدعوة المحمدية، ولو أن الخطاب القرآني أراد الإخبار عن هذا الحدث المركزي في حياة محمد لما توسل إلى ذلك بمثل هذه الإشارات الغامضة التي تؤول على أكثر من وجه.
كل هذا يعني أننا نقرأ القرآن بعيون السيرة في الوقت الذي يتوجب علينا فيه أن نقرأ السيرة بعيون القرآن، فلنعد إلى السيرة.
بقيت الثقافة الإسلامية دون سيرة متكاملة مدونة مدة قرن ونصف كانت خلالها بين أيدي الرواة، إلى أن قام الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور بتكليف محمد بن إسحاق بهذا المشروع من أجل تثقيف ابنه وولي عهده الأمير المهدي، وعندما انتهى الرجل من عمله وقدمه إلى المنصور لم يعجب به لكثرة اعتماده على الإسرائيليات واحتوائه على الكثير من الخرافات والأشعار المنحولة، وطلب منه اختصاره وتهذيبه، ولكن هذا العمل لم يتم إلا على يد عبد الملك بن هشام (ت سنة 218 هـ)، الذي أخرج سيرة ابن إسحاق في حلةٍ جديدة، بعد أن أدخل عليها الكثير من الحذف والتعديل والإضافة حتى صارت تُعرف بسيرة ابن هشام، أمّا سيرة ابن إسحاق فقد سقطت من التداول ولم يصلنا منها نسخة كاملة واحدة، وإنما متفرقات في بطون الأخبار، ولكنها بقيت الأساس الذي قامت عليه السير اللاحقة التي زادت عن الخمسين مع كتاب طه حسين “على هامش السيرة” الذي صدر عام 1938.
ونحن لكم نعرف قيمة هذا الأساس علينا أن نطلع على ما قاله معاصرو ابن إسحاق عن شخصيته وقيمة عمله، فقد اتهمه كل من هشام بن عروة ومالك بن أنس ويحيى القطان بالكذب، وذكره ابن حجر العسقلاني في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين (=المزيفين والغشاشين) وقال إنه مشهور بالتدليس عن ضعاف الرأي وعن المجهولين، وقال الإمام مالك إنه دجال من الدجاجلة، وقال شمس الدين الذهبي أنه تتبع غريب الحديث، ومن تتبع غريب الحديث فقد كذب. وكان الإمام ابن حنبل لا يرتضي أحاديث ابن إسحاق، وقال يعقوب بن شيبة إنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة، وقال محمد بن إسماعيل إنه أنفرد برواية ألف حديث لم ترد عن أحد، وقال النسائي إن حديثه ليس بالقوي، وقال الدارقُطني إن كلامه لا يُحتج به، وقال أبو حاتم أنه يختلق الأحاديث عن النبي، وأخذ عليه كثيرون أنه يأخذ بالإسرائيليات([1]).
إتبع ابن إسحاق منهج الإسناد الذي يتبعه مصنفو الحديث النبوي، وهو إسناد الخبر المروي إلى سلسلة من الرواة تنتهي إلى الذي سمع من النبي مباشرة، مثل قول البخاري: “حدثنا قتيبة بن مالك عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري، عن أبي هريرة، أن رسول الله استعمل رجلاً على خيبر… إلخ”. وقول ابن إسحاق في سيرة ابن هشام: “حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري أن نفراً من أحبار اليهود… إلخ”، وما دام هؤلاء الرواة عدّو من أصحاب السيرة الحسنة والقول الصادق، فإن الرواية صحيحة دون الالتفات إلى مضمونها، وهذه مجرد ذريعة للمصداقية لأننا لا نستطيع التأكد من أن فلان قد سمع عن فلان، ولا من أن أحدهم كان يختلق الخبر بدلاً عن تقصيه، وذلك لغاية أو حاجة في نفس يعقوب (سورة يوسف: 68). إن المؤلف الحقيقي للسيرة هم الرواة الذين بقوا طيلة قرن ونصف يقدمون الحكايا عن حياة النبي، وبما أن همّ هؤلاء لم يكن هماً تاريخياً بل أدبياً، فقد عملوا على تقديم حكاياهم في صيغة روائية تروق للسامع وتحوز على إعجابه، فالإعجاب هو مفتاح التصديق عند العامة، لأن الحدث التاريخي جاف، أمّا الحدث الخيالي فأقرب إلى قلوبهم. ولهذا فقد حافظت السير النبوية منذ ابن إسحاق إلى طه حسين على ذلك الكم من الأحداث الخيالية. يقول لنا طه حسين في مقدمة كتابه “على هامش السيرة” مبرراً احتفاظه بالعديد من القصص الخيالي التي أوردها رواة السيرة ما يلي:
“أنا أعلم أن قوماً سيضيقون بهذا الكتاب لأنهم مُحدثون يُكبِرون العقل، ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنون إلا إليه، وهم لذلك يضيقون بكثيرٍ من الأخبار والأحاديث التي لا يُسيغها العقل…. وأُحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس مَلَكاتٍ أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضا من العقل، وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل، فإن في قلوب الناس ما يحبب إليهم هذه الأخبار ويرغبهم فيها”.
أخلص من ذلك كله إلى أن كل ما دوّن عن حياة محمد ليس تاريخاً ووقائع وإنما “مُتخيَّل تاريخي” اتفقت الجماعة على تصديقه وصار جزءاً من إيمان المسلم، وأن ما يستطيع فعله كل من يتصدى لإنتاج سيرة حديثة للنبي في يومنا هذا هو الانتقاء من المصادر الإسلامية ما يوافق العقل والمنطق، ويُسقط من حسابه كل متخيل وعاطفي، ويبقى القارئ في النهاية حراً في تصديق ما يشاء وإهمال ما يشاء، لأنه ما من نص مقدس في الإسلام سوى القرآن الكريم، وما عداه هو نتاج بشري معرض للخطأ والصواب بما في ذلك الحديث النبوي، الذي لعبت الإملاءات السياسية والمذهبية والقبلية الدور الرئيس في إنتاجه.
ولعلنا واجدين في مثال كتاب “محمد في مكة” المتميز في نصه الأصلي وفي ترجمته، ما يحرض الفكر العربي من الهيئات السياسية على الشروع في مراجعة شاملة للتراث تسهل لنا الولوج إلى العصر الحديث الذي ما زلنا نراوح على أطرافه الخارجية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
([1]) راجع مقالة ” منزلة ابن إسحاق عند علماء الحديث”، موقع الإسلام في سؤال وجواب على الشبكة.